أسعد الجبوري

على متن الريح

دون كيخوت: كنت اعتقدت بأن في كل جسد نقطة سوداء تسمى الجحيم.
سانشو:ربما يكون اعتقادك صحيحاً يا سيدي الدون.ولكن لمَ تذكرت ذلك ونحن على أبواب الجيزة؟
دون كيخوت:لقد ظهر عليّ أبو الهول في عين حصاني يا سانشو.هكذا انعكست صورته حزينة ،وكأنه مصاب بالكآبة!!
سانشو:كم رغبت لو كنت مكانه.أن أنتزع اللحوم عن جسدي ،ولا أكون إلا من منحوتات ذلك الحجر الكلسي.

دون كيخوت:تريد أن يتنازل إليك أبو الهول عن مكانه يا سانشو؟!!
سانشو:وأن يغادر الجيزة ،فأجلس فرعوناً على كرسيّ كان له محتلاً منذ آلاف الأعوام؟

دون كيخوت:أية صفاقة هذي التي تنهش رأسك يا سانشو؟
سانشو: ليست صفاقة يا سيدي الدون.هي رغبة أن أجلس هناك وأتأمل قوافل التاريخ العابرة أمام الأهرامات.
دون كيخوت:وماذا ترى التاريخ حاملا يا سانشو :بطاطس أم حريراً أم توليباً أم جبنة أم مهلبية؟!
سانشو: أدرك أنه لا يحمل سوى الجثامين والقنابل وقطاع الطريق والقصائد الشبيه بالمومياءات ليس غير.
دون كيخوت:وإذا كنت عارفاً ما في الباطن وما على الظهور،فلمَ تشتدُ الرغبةُ في صدرك لتكون على عرش الرجل؟
سانشو: لأدرك نقطةً واحدةً لا غير.
دون كيخوت:وما الذي تريد إدراكه يا سانشو؟
سانشو: أن أبلغ نقطةً من الصبر الذي يختزنه أبو الهول في جسده.
دون كيخوت:ولكن الرجل صار حجراً من هول ما سمع وما رأى عبر الزمان .
سانشو: ألا تظنهُ أول فرعون كاتبَ الريح بحبر النيل يا سيدي الدون؟
دون كيخوت:لا أظن ذلك.فالرجل عادة ما كان يستعمل حبر الشمس .
سانشو: يا للهول.
دون كيخوت:أجل يا سانشو.فمن يستعمل الشمس محبرة ،سيطول تأليفه ولا يفنى.
سانشو: عدا الأنف !
دون كيخوت:إذا كنت تريد أن تضع أنفك في هذا الموضوع،فما عليك إلا أن تدرك بأن البريطانيين والمماليك وجند نابليون هم سبب تلك المجزرة التي أدت إلى كسر أنف أبو الهول .هكذا تحوم الشبيهات حول جيوش الخارج .
سانشو: كان عليه أن يتحرك من مكانه فينهض،ويقوم ببعض التمارين التي تشحن في أبدان العابرين الهلع.
دون كيخوت:ربما ستفعل ذلك أنت!
سانشو: أنا لا أجلس دون أنف على عرش يا سيدي الدون.
دون كيخوت:كأنك تريد حكم التاريخ بالأنف فقط!!
سانشو:وكيف تريد لخفرع جديد أن يحكم شعوباً دون تمييز ما بين عطر امرأة ورائحة معارض أو ذئب؟
دون كيخوت:العطرُ يحكمُ. أعرف هذا يا سانشو.
سانشو: بل واشد أنواع تلك الروائح،عطور الكتابة يا سيدي الدون.
دون كيخوت:لا تقص علىّ حكايات عن عطور الكتابة،أعرفها تفككُ الأجساد غراماً،قبل أن تفتك بها الجيوش يا سانشو!!

آبار النصوص

بطنُ الحرب منتفخةٌ.
صورة الأرضِ محذوفة.
ولحظة أن خرجَ من تأملاته ِ..
ممتلئاً بالخوذ والمعاطف والجبابرة
والغيوم والألبومات.
لجأت لوصفهِ في موقف المتحف../
قائلة:
مرحباً أيها الحجر ُ.
يا قلعةَ ما قبل الشفوي
وما بعد الورق.
مرحباً أيها السيفُ.
أيها المُرهقُ بدمِ الروايات.
يا ناقلَ المعلوم إلى المجهول.
لا تكملي.
صاح بها ساخطاً وهو يستطردُ:
المتحفَ نعشٌ،
ودائماً
يعتذرُ
عن دخول الأرض.

((موقف المتحف))

غرفة للغرائز

هل الزواج بالنصوص ومعاشرتها أمرٌ ممكن ؟
الموضوع الذي أقترح الكتابة فيه أو عنه أو عليه،يحيلنا إلى احتمال وجود بعض الخصائص البيولوجية في بعض النصوص ،وبخاصة الشعرية منها على وجه الدقة.فكتابة شعر في الغزل،على سبيل المثال،لا تظهر إلا من خلال وجود رحم عاطفي يشترك فيه كل من الكاتب _كمنتج للنص_ والخيال كحوض مستطاب ،يقوم على استيعاب شيء من الشرر الناري الموجود أصلاً في داخل الشاعر،عبر طرق الجذب المغناطيسي .
ذلك أن الجذب المغناطيسي المشار إليه هنا، هو من يختار الوصال مع هذه الكلمة دون سواها،ومن ثم يقوم بتحويلها إلى طاقة حسية، تحقق نوعاً من اللذة لدى الشاعر،مما يعني إنها تخلقُ محاكاة للأفعال الجنسية ،يتم بموجب بعض دلالاتها استحضار جسد المحبوب ،بعد نقله من الورق إلى مساحات الخيال المفتوح.وهناك.أي في تلك المنطقة الافتراضية للجماع الفني،يتصادم العاشقون،فلا ينتج عن ذلك الهاجس ألاستغراقي ،إلا الإمساك بالمفاتيح اللغوية الحساسة ،تلك التي تمنح المؤلف طقساً رطباً من الايروسية الشعرية،وبما يؤمن خيطاً ما من التواصل الخاص مع الآخر،تلبية للحاجة.

الزواج بالنص ،ليس شرطاً لكل شاعر مغرم،لكنه اتجاه لغوي لتحديد ثقل العاطفة بطقوس التأليف ،ومدى قدرتها على تحريك أصابع الكاتب في المناطق الحساسة من الكلمات.
أيضاً ..ليس كل من عاشر نصاً،لا يأتيه الزمانُ بطلاق بائن. فمن الوشائج الغرامية،ما ينقطعُ بين الطرفين،ليصبح الشعر نصاً للنوم فقط.وهو شيء لا يخدم الجوهر. فالشعراء العشاقُ،عادةً ما يعاشرون الكلمات حباً وتفنناً ،من أجل خلق نسل من جُمل الجَمال غير القابلة للكسر.لكن ذلك لا يعني بأن الأستاتيكية الكامنة في الكلمات ،لا يمكن أن ينتج عنها اتصال سحري فاتن .وبالإضافة إلى الأستاتيكية الجبارة حاملة الشحنات،ثمة شيطلائكة خاصة للتلاعب في جينات اللغة،حيث سيتم الافتراض بوجود مخلوقات دقيقة تفيض في دواخلنا،للتسلل إلى أجسام النصوص الشعرية عن طريق ظاهرة الانجذاب الكهربي ،تلك التي نتخيلها – غلطاً- كمخلوقات غبارية،تنتمي إلى مصنفات الأحلام.
كل ذلك.. يتسبب بإرباك العقل النقدي السائر على أطراف النصوص،لأن الناقد الذي لدينا ما زال بطور ((محلحل )) براغي لا مُحلّل نصوص .

بنك الخيال

منْ نام مع نصّ في حديقة
صار من غُبار الطَّلع