أسعد الجبوري

على متن الريح

أسعد الجبوري دون كيخوت:ما الذي أفعله برأسي يا سانشو.باتت ثقيلةً ومتصدعةً !
سانشو:ربما من كثرة الأحلام أو ثقل التفكير يا سيدي الدون.
دون كيخوت:عن أية أحلام تحكي يا سانشو.فلم تعد الرؤوس مستودعات للأحلام مثلما كانت في قديم الزمان!
سانشو:وماذا ترى الرؤوس فاعلة ببواطنها يا سيدي الدون.هل باتت ملاجئ أشباح ومستودعات أسلحة وحسب؟
دون كيخوت:هي كذلك يا سانشو.مضافاً إليها آبار الدمع.
سانشو: لا أرى في ذلك خطراً يا سيدي الدون،فليس أفضل من غسل الأفكار بالدمع.
دون كيخوت:ولكن تلك الآبار لا تكفي .هكذا يراودني الخوف ،حتى تسرب مني قلقي إلى حصاني،فصار متعثراً بين أرصفة هذه المدن والعواصم والصحارى.
سانشو: دمعٌ يغسلُ أفكاراً،خير من أفكار لا تنتج غير الدمع.
دون كيخوت:أجل يا سانشو .فثمة دمع يفكر قبل أن يغادر العين إلى الأبد. لم يفكر أحدُ بموت الدموع ولا بمصيرها. لقد بدأت تقلقني بتصريحاتك يا سانشو! فهل سبق وإن قرأت شيئاً لأفلاطون ؟
سانشو: كلا سيدي.ولكن كل ما أتذكره من الكتب،أفكارا تتعلق بسقراط.
دون كيخوت:وماذا تعلمت منه يا سانشو؟
سانشو:تعلمتُ أن السّم لا يفت عضد الروح،بل يحررها من آلام المظالم فلسفياً.
دون كيخوت:ماذا دهاك أيها الأحمق..أنت ما زلت حياً ،وترافقني على حصانك في سلوك هذا الطريق.فكيف تظن أنك من الموتى،ومازلت تخاطبني بلسان يشبه الفليفلة الحمراء؟!!
سانشو: أنا ميتُ فلسفياً يا سيدي الدون،وما تراه أمامك الآن، ليس إلا جثة ستطلق اللحية حتى الأرض، ندباً على حظنا العاثر بين الحضارات السوداء القادمة.
دون كيخوت:يعني أن أحلامك في صداع شمولي يا سانشو ؟!
سانشو: وربما بلا رأس أيضاً.
دون كيخوت:لم أر أحلاماً بلا رأس أو العكس! فكيف ستحلم يا سانشو مستقبلا؟
سانشو: لا حلم يمكن أن يسدّ الحفر التي خلفتها الزلازل في الرأس يا سيدي الدون.
دون كيخوت:اترك الكلام وانظر إلى حيث أشير برمحي إلى هناك.
سانشو: لم أر إلا سراباً يا سيدي الدون!
دون كيخوت:مد يدك واقبض على شيء منه.
سانشو: وكيف يمكنني القبض على السراب؟
دون كيخوت:تلك هي الأحلام يا سانشو.محطات دون وقود.
سانشو:ما أحوجني لنارٍ تبعثُ من رأسي ،فتكون فرناً لكل ما في محركات الظلام من جينات.

آبار النصوص

معهُ نامت قطرةً من برتقال.
ومعاً..
كانت تحبو كموج في حضانته.
رؤوس بلا سقوف.
والكؤوسُ على الكراسيّ كراريسٌ
لا تشتهي في التماثيل ناراً ولا ريحاً.
وقال..
وهو يصيدُ حمامتين على صدرها:
ها نحن في موقف النقطة../
أعلى أبراج الصفر.
حيث اللذّةُ تخترعُ الممحاةَ،
فلا من داخل إليها..
وما من خارج منها دون ثوب
من جهنم.
فقالت له وهي تقطعُ فوضىً كانت تسيلُ
منه على صفحاتها:
ومنْ تراهُ حفيدُ الصفر ؟
لم يجب.
نزلَ في جيولوجيتها قروناً.
فعادت عليه تسألهُ:
أتقربُ مخدعي،
لو كنتَ ذكر نحّل ؟
ولم تسمع ردّاً..
بل رأتهُ عمراً مضغوطاً على مقربة
من التاريخ.
مرآتهُ مُقفلةٌ.
طيورهُ مخسوفة ٌ.
وهو في أحلامهِ وادٍ يتدهورُ
نحو التيه.

((موقف النقطة))

غرفة للغرائز

الشاعر أحياناً،لا يعرف إن كان يمشي بجسده الخاص،أو بجسد القصيدة.ربما حالة الضياع تلك، في لحظات عظيمة ترفع من وتيرة الارتباك لتمويل النص بطاقة استثنائية، تجعله كائناً منتعشاً بهواء الحرية،صوتاً وصورةً وبعداً رومانسياً،قد تنزلق به قدماه نحو شيء من الكآبة ،لتعمل الأخرى في جانبها الخاص على ضخ زرقة شمشونية ،تقدر على تجفيف منابع الضعف بطرائق التعبير،وبالتالي لقيام نص شعري منفلت من النظام القسري للتقفيص الخيال، وصولاً إلى لحظة الاندماج السحري ما بين الجسدين:جسد الشاعر وجسد النص،ليكون الشعر هو الكاتولوغ الذي يوفر حماية شبه كلية للكيان الفني العام لجسد الاثنين معاً.
من هنا.. فكل ضرر يُلحق بجسد النص الشعري من قبل كاتبه ،سيتسببُ حتماً بارتفاع منسوب الانتقام من جسده.فالضعف اللغوي،يُعدُ منشأ كل مرض يصاب به كاتب النص الشعري.ربما ثمة من يشكك بهذا الفعل،ولكن النصوص الرديئة،عادةً ما تحمل في أجسادها الفيروسات القاتلة.

بنك الخيال

يكسرُ مرآتهُ المتصحرة
مُستَعمِلاً الشمسَ وقوداً لبواخره في آخر الليل

1-3-2012