أسعد الجبوري

على متن الريح

أسعد الجبوريدون كيخوت:كأننا تهنا عن صراط الحبّ يا سانشو ،ولم يعد من الغرام فينا سوى البارود !
سانشو:أجل يا سيدي الدون. أحلامُ البشر دوابٌ من الأوهام.
دون كيخوت:فيما مضى يا سانشو،كانت القبلةُ سلاحُ العاشقين.هكذا على الدوام ،كان يحدثني شخصٌ في المنام، ومن ثم يختفي قبل أن يشرح لي تطور الموقف.
سانشو:ومن ذاك الشخص الذي ما زال يتحدث عن القُبل والحب والعاشقين يا سيدي الدون؟
دون كيخوت:هو شخص ليس بقيس ولا بفالنتاين بالطبع،ولكني أحسستُ بأن في صدره قلباً شبيهاً بالكرسي الهزاز .
سانشو:لا تعرفه،وتجاريه بأحاديث الغرام وما يجري في الشرايين يا سيدي الدون؟!
دون كيخوت:لم تكن أحاديثنا كلها حول الغرام.لكن المخلوق ذاك، عادةً ما ينتهي إلى رماد بعد كل حديث له معي.
سانشو:دعك من أمره يا سيدي الدون.فربما هو مخلوق شبيه بالعنقاء، لا يعيش إلا على خرافات من أساطير الماضي .
دون كيخوت:كأنكَ تعني بأن القبلة معضلة في الحاضر يا سانشو؟
سانشو:وربما الحبّ كذلك.فما من عاشق مصاب بالتهاب الحداثة، ولم يُبتل بلعنة الانحراف عن الشريعة،فلا يطالب إلا بالتقاعد قبل أية محاكمة منطقية.

دون كيخوت:هل انتزعتنا الشيخوخةُ من مراهقتنا سريعاً يا سانشو؟
سانشو: لو كنت شاعراً يا سيدي الدون ،لأنكرت الاعتراف بشيء من هذا القبيل..فالشعر مراهقةٌ دائمة لا تفتح للخريف نافذة أو تشرع للموت باباً.

دون كيخوت:أشعر بأن فمي مدخنة يا سانشو.فكلما نطقت بكلمة،أحسستُ برصاصة تنفجر على لساني الذي بات أشبه بمنصة حمراء لإطلاق مدببات البارود.
سانشو:لقد قلتها بعظمة لسانك الآن يا سيدي الدون.لم تعد الأفواه إلا منصات لإطلاق الأعيرة النارية.

دون كيخوت:ولمَ غمرتَ نفسكَ بالفرحة،وكأنك كنت تنتظر مني اعترافاً؟!!
سانشو:لأن العشاق أول الثوريين،وآخر من يطلقون النار يا سيدي الدون.

دون كيخوت:ثمة معارك جمة تتكررُ وتتسعُ .ففي كل لحظة من هذا الوقت الزئبقي المر،أحس وكأنني أخلي في رأسي مكاناً لسيفٍ أو لمسدس أو لمدفعٍ يا سانشو!
سانشو:لقد استبدلت الشياطينُ الجددُ الغرامَ بالملاجئ والثكنات .وربما لم تعد القبلة شرعيةً إلا إذا كانت بلحية ومسبحة وكتاب فتاوى.
دون كيخوت: أجل يا سانشو أجل. لم يعد الهوى خيط أوكسجين . فقد أصبحت القبلةُ رصاصة تمشي في الدم حتى انفجار ذلك المعبد القديم المُسمى بالقلب.
سانشو:دعنا لا نُكثر من الحديث عن الغرام يا سيدي الدون،لئلا نقع في مصيدة الدم ،فنصير من الحطام الآدمي،ويمضي بنا التاريخُ إلى النسيان.

دون كيخوت:كما تعرف يا سانشو،فما من قطعة في جسدي إلا وفيها طعنة لرمح من شقيق أو ضربة لصاروخ أمريكاني أو شق لساطور قاعدي من العثمنة المعاصرة.ومع ذلك تأكلني براغيثُ الشك والظن واللاهوت بسبب ما نحن فيه من حبّ .
سانشو:أي حبّ بعد كل هذا العصف الهيروشيمي يا سيدي الدون؟!!

دون كيخوت:أنه الموت حباً يا سانشو .. أو هو الحبُّ الهيروشيمي البارد لو شئت أن تقول!
سانشو:لم أعد أفرقُ ما بين القُبلة والقنبلة يا سيدي الدون..فكلاهما من سلالة النار .

آبار النصوص

الجسدُ..
وهو ينبسطُ سجادةً.
وفوقه الأبراجُ والنجومُ والجنَّ
والأقواسُ والخزامى.
هو نفسهُ قارورةٌ،
حينما تنكسرُ
تهجرُ الروح ملجئها لتطفو جنازةً
بجذور.
يا الله..
حين هو يخصُ هيكله بنظرةٍ
في موقف النوم../
الطواطمُ ترتجفُ أمام غيبوبة
النعاس وتجف.
فيما عيونه تقذف طميّها
على طول حدود الكأس دون اكتراث.
أكان يرى شجرةَ الخلق متبرجةً
تنام في حافلة الأحلامُ.
والفتنة تنزلُ عليه بنزهتها صافيةَ
الأنين ا.
أهو هو اللا نائم..
مخافة أن يتحول الليلُ حدثاً،
ويختفي بين عوالم الأعاصير.
أم كلما اقترب من النوم،
تنفلتُ عليه المنامةُ بالفوضى.
وبريش الدماغ.
حيث الوسادة المحتشدة بصراع
الملائكة والأساطير والبلدان المُستَنفرة
بعصا المايسترو.
يا للآلهة.
كم..
ويبلغ الحالمُ الرؤيةَ الدائرية
ذاتها
ومن يسهر ُعلى أقواسها..
يفيضُ ويهذي ويتجلد في حديد.
أم هو أرقُ القربان.
سألتهُ.
فقال متهدجاً وهاذيّاً:
الظامئ مقدمةُ القافلة البحرية
سيكون.
والربيع ُمفتاحُ كان معلقاً
على حائط الأبدية
ضاع.
ومع دوران الليالي في الألبوم
النفسي.
ستأكل الذئابُ شرائح النائم
المستقر،
أثناء غيابي عن جسدهِ
في الرحيل.
وحين خافت عليهِ من تبددهِ.
صاح بها:
أنا حارسُ أفلاككِ من كل افتراس.
فنامي لأجلي قليلاً.
فسألته ُ:
ونائمُكَ أنتَ.. أين يقضي وقتهُ.
فردَ عليها خافتاً:
ليس من نائم بين هضاب الموتِ
سوى السرير.

((موقف النوم))

غرفة للغرائز
سأعتقدُ جازماً بأن في جسد كل شاعر رحماً ،ممتلئاً بفتنة الهباء الذي يستخلص من الكلمات سحر الإدمان ،أو فارغاً من تلك المتعة.
الرحمُ المقصود ذاك ،ليس للولادات القيصرية،بل هو بمثابة مصنع للغناء الداخلي الذي طالما يستُعجل انتزاع الثلوج من على رؤوس الجبال،أو يكتسحُ سفلى المناطق، فيغمر الوديان والآبار والسفوح بالقمح أو بالمياه الحادة التي تصلح لبناء السيمفونيات والأنغام التي يحدثها تصادم الأمواج،لتنضج نصوص الهباء الفاتن .
لم تجر العادة،كأن نقف أمام النصّ المُغنى بمختلف الفلزات ومختلف الأرواح ،لنكون شعراء مثاليين تملؤهم الموسيقى،ليس بمعناها الإيقاعي ،بل لكونها تشكل نوعاً من التهافت البصري الممزوج بعطر مخيلة لا عقال لها أو عقل.
كل الأشياء التي في الشاعر،تستعجله لأن يكون قرباناً لقارئ مجهول،ربما لا تسكنه غير الميجنا أو الجاز أو القدود أو الراب أو موسيقى الريف العراقي.لا أحد يعرف سر تلك العلاقة التي تربط ما بين الطرفين،شاعر يكتب نصاً يضحي به لقارئ مجهول،وقارئ لا يدخر معرفة بالنص،فيدخله كفاتح يعبث بمحتوياته وأصوله،دون حرج أو خوف؟!!
ثمة موسيقى هلامية.موسيقى لا يسمعها غير الهائمين بالكلمات المحمولين بالجنون السرّي غير المفضوح بعواطفه،ولا بتلامذته ممن يجيدون الاستماع لتلك الألحان،ومن ثم يختفون في سراب لا يقيم وزناً لشعراء مثل أليوت أو الجواهري أو رامبو أو السياب أو هوميروس أو لميلو نيتو أو إيليا تورين أو أي شاعر ضحى بموسيقاه الشخصية الواعية، لحساب الموسيقى التي تهيم تائهة بين طبقات اللغة الساهرة في مجرى البصريات .

بنك الخيال

قصيدةٌ بلا طابور خامس
ثرثرةُ حنفيةٍ في صحراء

22-4-2012