أسعد الجبوري

على متن الريح

أسعد الجبوريدون كيخوت:ما وقتنا الآن يا سانشو.أنحن في نهار أو ليل؟
سانشو:ليس عندي ساعة لأعرف ذلك يا سيدي الدون.
دون كيخوت:وهل باتت الشمسُ تشرقُ من ساعة يدك وتغربُ منها يا سانشو؟!!
سانشو:ربما يا سيدي الدون.فلقد اختلط النهار بالليل برأسي ،حتى بتُ ملهاةً للعابرين .
دون كيخوت:أي عابرين تقصد يا سانشو؟
سانشو:أولئك الذين يتسللون من الليل إلى النهار و بالعكس.فساعتي الصغيرة ،تورم ترابها من وقع أقدامهم المثقلة بكل ما هب ودب من جهنم .

دون كيخوت:أرني وقتك الذي يزعجك،لأنزل في قلبه رمحي فتستريح للأبد !
سانشو:لا أظن بأن من يقتل زمنه في الساعة اليدوية،يستريح يا سيدي الدون.

دون كيخوت:ما قصدك بالضبط يا سانشو؟
سانشو:ما قصدته يا سيدي الدون ،هو الزمن الداخلي للإنسان.

دون كيخوت:وماذا به ؟هل زمنك الداخلي يرفس ،فتخاف على زجاج ساعتك من الكسر يا سانشو؟
سانشو:كل زمن داخلي يا سيدي الدون وله ذاكرة،بمجرد أن تنكسر،يفيض المرءُ بالظلام،وقد لا ينجو من العمى.

دون كيخوت:اسكت،لئلا يسمع حصاني ثرثرتك الفلسفية هذه،ويصاب بالغثيان في هذا التيه!
سانشو:ولكنك يا سيدي الدون صاحب زمن داخلي مثقلٌ بالأنين وبالحطام،وهو غير زمنك الخارجي الذي يشاركك الحروب ضد الطواحين!

دون كيخوت:حروب الطواحين يا سانشو،ولا حروب البشر.
سانشو:سأسجل لك هذه الفضيلة يا سيدي الدون.

دون كيخوت:أين ستسجلها يا سانشو؟
سانشو:على جدار من هذه الجدران.
دون كيخوت:ولكننا في الصحراء،حيث لا جدران يا سانشو !1
سانشو:سنكتب ذلك على جلودنا يا سيدي الدون،فما نحن في هذا التيه إلا بتلك الجدران الآيلة للسقوط.

آبار النصوص

الأشجارُ
المتوعكة آخر النهار،
قد تبتسم ُللقمرِ بأهدابها.
وغداً..
وجدتهُ في موقف الفلّكِ../
يمشي
ملتحياً بغبار النجوم.
ومنهُ أعيادهُ تهطلُ بالغروب.
أرضهُ
طبقُ
جَمر ٍ
وعليهِ ثمرةٌ واحدةٌ.
قَطفَتها لتسألهُ عن برجه.
فردَ مُتجليّاً:
برجي من عائلات النخيل.
برجي من عقيق الصفر وأضرحة العنادل.
برجي الخمرُ العاري،
حيث لا تُطفئ المصابيح في الأجساد.
برجي نطفةٌ لطخت ثوبَ الشيطانة
بالحبر.
ليرتفع أرجوحةً بالمجهول.
حيث لا مجدَ لرسالة أو لرسول.
ولا مهنة لربّان إلا في حويصلة طاحونة.
ألم تنظري فيلةً تخوضُ في الدماغ.
ألم تلمسي أرتلَ غجر ٍ،
يُعمرون في الألبوم شققاً،
تتمزقُ بهم بعد ظلمة الأعالي.
ألم تهتدين للطريق الميتافيزيقي،
حيث تخلدُ التماسيحُ في المخادع،
ترقباً للمسةٍ أو صيّد.
هو ذا برجي.
مستَوطَنةٌ لجراد النسيان.
وكل من عليها طارئ
ورأسهُ قبعةٌ من الغبار.

((موقف الفلك))

غرفة الغرائز

كنت ،وكلما اقتربت من قراءة أو كتابة قصائد الهايكو،يصاحبني شعور حاد،وكأنني ضفدع يطلق نقيقه في فضاءات وطقوس نباتية،عادة ما تشوبها الرياح والضباب والندى والطير،وكأن الشاعر شجرة يقف بين الأشجار والنباتات وكامل مخلوقات الطبيعة ،حاملاً فانوسه ليرى،وغارقاً بأساه ،ليمتحن النفس بالشحن ،مثل أولئك الرعاة المنتخبين لثقل الأصوات الزراعية التي عادةً ما تقلقُ أجسادهم الداخلية،بعدما أضرم الجفاف واجهاتهم الخارجية بنيران الأرض اليباب،لتكتمل صورة الشعر بامتزاج الجسدين في قربان إلهي واحد. هو في حقيقته،ليس إلا نشيد تائه في غابات النفس الحالمة بالمياه.
مع مرور الزمن..شكل الهايكو للغتي عقدة زراعية بالغة الخوف،وذلك عندما اتسعت رقعة الحالة الضفدعية،واشتد النقيق ُ،ليبلغ مستويات عالية من الإزعاج،سواء على الورق، أو عند مصبات اللغة .حتى بت أرى الكلمات ضفادع ،تحاول اختزال بطولة الشعر بها وحدها!!
وبالنظر إلى الهايكو كحيوان ياباني،لم أجر مبرراً لعدم التخلص منه ،وتركه عند تلك المستنقعات أو بطون الأنهر ،والسعي لإيجاد تحالفات جديدة لكائنات صديقة . فكانت قصائد النانو برسم التوق الذي يمكن اللعب معه في لغة تختزل ولا تمضي مع النقيق أو تغرق بنرجسية الشعر الزراعي،خاصة وأن الهايكو من مستعمرات اليابان القمعية،تلك التي أصبحت حرية اللغة فيها وقفاً على الإمبراطور وحاشيته،بينما
منحت الشعراء والعامة حرية التصرف بالحديث وبالكتابة عن الحشرات والطيور والأعشاب والفاكهة والينابيع والجنادب وزهور الكرز والكلاب.

بنك الخيال

ليس ثوباً للقصيدة..الربيعُ دمُها الافتراضي