أسعد الجبوري

على متن الريح

أسعد الجبوريدون كيخوت ألا تشعر بهول ما نحن فيه من تجريد في هذه الأيام يا سانشو؟
سانشو لم أبلغ مرتبة التجريد بعد.فما تزال ثيابي تثقل جسدي الكهل يا سيدي الدون.
دون كيخوت أنا لا أقصد التجريد بمعنى العراء الجسدي يا سانشو.سؤالي كان أبعد منذ ذلك بكثير.
سانشو لم أعد أفرق ما بين معنى ومعنى.كأن المسافات ألغيت في رأسي، وما عاد العقل بمحرك.
دون كيخوت وهذا هو المطلوب يا سانشو.أن يصبح عقلك تجريدياً فتستريح من غبار الأفكار، وتُريح من التغبير التعبيري الساّم.
سانشو كأنك تقصد الفن التجريدي يا سيدي الدون؟
دون كيخوت بالضبط. هل تعرف متى ظهر الفن التجريدي يا سانشو؟
سانشو لم أكن حيّاً في زمن ما قبل الحرب العالمية الثانية،لأحكي عن كاندينسكي أو موندريان أو مالفيتش.
دون كيخوت ولكنك تعرف فكرة هذا الفن الذي حرر الشكل من المضمون يا سانشو.أليس كذلك؟
سانشو تعلمت ذلك فيما بعد،لأدرك بأن التجريد نظرية في المحو ليس إلا
دون كيخوت ودون أن تقدم تبريراً.
سانشو وما علاقتي بالتجريد موضوعاً يا سيدي الدون؟
دون كيخوت ربما لأننا نريد تجريد الرؤوس من النقاط السوداء يا سانشو.
سانشو ولكن ذاك لا يحتاج وحيّاً يا سيدي الدون.فقد تنجز الغسالات فعلاً تنظيفياً مثل الذي تريد.
دون كيخوت غسل الرؤوس بالمياه لا يحقق الهدف يا سانشو.وأعظم الغسالات دقة، قد لا تنظف دماغ دودة بحجم رأس الفيل.
سانشو لقد بت تقلقني يا سيد الدون.كيف دودة وبحجم رأس فيل؟
دون كيخوت هذا كلام تجريدي يا سانشو. لذلك أريد حلاً.
سانشو وهل سيتحقق ما تصبو إليه من خلال تنقيح العقول، أو غسلها بالكحول المعقم سبيرتو مثلاً؟
دون كيخوت أبداً.فنحن لو فعلنا ذلك يا سانشو،لأغرقنا رؤوساً كاملةً بثملات لا تنتهي.
سانشو ولكنها أقل بلاءً من الأقوام السَكرَى بظلمة العقل.

آبار النصوص

الأجسادُ الأهراماتُ..
تنهضُ في فضة الحقول الدونجوانية.
والطائرُ النفسي مخضبٌ باللقاح.
فيما الحبّ يمضي متعمقاً في آخر النقاط.
يحدث ذلك بجرأة مرآة، تحفظُ بصماتَ العابرين
بين ثيابها المرتوية بالبصر.
وكان هو، يجتمع بمدوناتهِ العارية.
يطردُ العرّافَ المهرّج من بين أضلع الأحلام أو الصفحات الشبيهة بالكهوف.
بعدها..ليشيرَ بإصبعه نحو الريش المتساقط من القمر،
ليلة انبعاث الفراش.
يتبعهُ العندليبُ بسؤال
ما أشدَّ البلاغة،
عندما تنضجُ الروحُ ثمرةً مفككة البراغي،
ووشيكة العراء دون مساحيق.
كأن كل شيء يستمرُ بتفريغ العاشق من الأثاث القديم،
ووحدها لا تتألم..
تلك الثيابُ الملقاة على الرمال في اللوحة.

غرفة للغرائز

إذا كانت اللغاتُ مرايا على امتداد التاريخ.ولكل كلمة مرآة خاصة بها وحدها،فهي في أوقات الضيق،سرعان ما تستدعي بعضاً من مخلوقاتها _ممن يقيمون خلف جلدها الأحمر لينتشروا على أسطر خفيفة من زجاجها غير القابل للكسر وإن بمواقيت الزلازل.
من هنا ندرك بأن اللغات مرايا لمقابلات الشعوب،ولها وعي بادراك ما تمثله كل لغة في عقل الشعب الآخر،إلا أنها عند الشاعر، تبقى مرآةً مكسورةً على الدوام.كلما تماسك زجاجها بالسكون في مشهد، أو تساكن في مكان،كلما تعرضت للتهشيم،بفعل الملل من الإقامة بالتكاسل،أو لأن الشعر مرآة نفسه، وعادة ما يخترع من زجاج اللقطة الخاطفة هشاشتها،فيصبح بحكم العادة متحولاً في انقلاباته.عاكساً لمزاجه المُضني.ومختزناً لأقوى الدلالات المشحونة بالمؤنث_ المذكر في آن واحد.
لا يمكن وجود مرآة تقوم بتصويرنا، دون الرجوع لأرشيف الشتات الداخلي،ذاك الذي عادة ما تنام فيه أجمل الصور واللقطات وأهم التصاوير السريّة التي غالباً ما لا قدرة لنا على عرضها على مرآة أو شاشة أو في كتاب أو داخل سيرة ذات،ولو بشكل بصري مموه أو خاطف.
لذلك فكل كلمة تخرج من رأس الشاعر،قد لا تكمل سيرها أو طيرانها قبل أن تكسر مرآتها الخاصة، وتتابع العمل في صنع مرآة تليق بمشهد ما بعد الشاعر.مرآة الجمال المرجعي.مرآة التيه كجدار للكآبة المُؤلِفة.مرآة الأساطير كمتنزهات لفوضى ميول التاريخ الهرطوقي.مرآة الوسادة الفارغة من النوم،ومرآة الرحم البصري لكل كائن ينتمي إلى نسل الحساسيات الكبرى.

بنك الخيال

الرعبُ في باطن القصيدةِ
ساعةُ رمل