أسعد الجبوري

على متن الريح

دون كيشوت أي طراز من الغناء أحب إلى قلبك في هذه الأيام يا سانشو؟
سانشو إنه الحداء يا سيدي الدون.فليس أفضل منه ونحن بين صفحات حياتنا الصحراوية.
دون كيشوت يا للهول. كأنك تستنجد بأمطار لتنقذنا من جدب و قحط، لا بألحان تنزعُ الصدأ عنا يا سانشو
سانشو الغناء أشد الأمطار تطهيراً للنفس.فما أن تزحف الرمال علينا وتغطي الأرواح، حتى تبدأ الأجساد باستثمار الحزن، فترتاح ولو قليلاً من فائض الجهنميات.
دون كيشوت الناسُ أغانٍ.الناسُ أناشيدٌ.الناسُ تراتيلٌ، الناس كلماتٌ، كلٌ بلحنٍ ينفردُ بعالمه.
سانشو هكذا الحال. أشعر بالأغاني كأعشاش،كلما دخلنا مجالها النفسي،تكهربت أجنحتنا وسقط كلٌ منا بماهيتهِ الغائمة.
دون كيشوت ما أشبه المغني الضعيف بالضريح المهجور يا سانشو.
سانشو وليس أقوى الحناجر كحنجرة الريح يا سيدي الدون.فهناك يثملُ الصوتُ ويكتملُ بموسيقاه.
دون كيشوت ليس كل مستمع لغناء، يعرف سرّ أن يكون في مجرى الريح،فيُغمر بفتنة صوت.
سانشو كم وددتُ لو تدربتُ، لأكون تجربة في الاستماع.
دون كيشوت ما ساورني يوماً شكٌ، بأن لكل أغنية رحماً، نعبرُ منه، كلٌ إلى محيطه الخاص.
سانشو قد لا يكون ذلك شرطاً يا سيدي الدون.فثمة أغانٍ مثل الدجاجات بحويصلات تملؤها الحبوب والحصى.
دون كيشوت لذلك يا سانشو، فالأغنية التي لا تعيد تكوين سامعها، عاقرٌ.
سانشو لهذا أظنُ بأن ثمة أغانٍ مرسومة.وثمة أغانٍ مكتوبة،وثمة مُسجلة.وثمة أخرى لا تعيش في الاسطوانات، بل في المجرى الإنساني.
دون كيشوت هل جربت يوماً أن تغني يا سانشو؟
سانشو لقد فات الأوان يا سيدي الدون.فلم تبق هتافاتُ التظاهرات من حنجرتي إلا الحبال المُقَطَعة.

آبار النصوص

اليوم.. كنّ نساءات كثيرات في الرأس،
يجربن استخدام الليزر في ترميم طوابق العمر.
اليوم.ز كم سأقول يا له من محارب في معارك
الماء والعتمة
مقاتلٌ من فصيلة السرو
كلما حاول كسر شيخوخته الخزفية،
تطوقهُ الجاذبية المتوحشة بأذرعها
لتسحق في القنديل الصدري شهوات الربيع
بصحتكم
قال قائد الطاولة
فأجابه القوم منشدين
لا.. ولا عليك. اخرج من بئرك وأنسى
كن ساحراً وخذ لنفسك لقطة زوم في بهو
القنينة الطلق.
خذ لقطة أخرى وأنتَ تضعُ البحر في سلّة شاسعةٍ
من رمل.
أكثر من ذلك، لا تستعمل القمر فلاشاً لكاميرتك،
فهو محترق مثلنا،
وسيتبعنا بالشورت الأسود
إلى وادي التخوم.

غرفةٌ للغرائز

عندما تدخلُ الكتابةَ،ولا تجد فيها ما يغري للتدوين،قد تندفعُ نحو المخيلة الثالثة، بحثاً عن مناطق جديدة آهلة بالفلزات الخاصة وبممولين أبالسة،لإنقاذ المؤلف من سيطرة الدونيات اللغوية،وبالتالي للحد من القفر الذي يحاول فرض هيمنته على عوالم التأليف.
وإذا كانت المخيلة الأولى،هي منطقة ما فوق العادي بقليل،فأن المخيلة الثانية، تُعد منطقة الفوران الفانتازي المنتج لظلال الصور وظلال الأفكار الهاربة من سجون المنطقة الأولى.بينما اللجوء إلى المخيلة الثالثة،يعني بعبارة موجزة عالم تكسير الأحجار الكريمة للعقل،بما يوفر أفضل عمليات الاحتكاك المنتج للأشعة،خدمةً لأعمال أجهزة التصوير الدقيقة في بناء النصوص.
لذا.. فما أن تجد النارُ مكانتها المرموقة في مناطق الكتابة وطبقاتها المتعددة،حتى توفر أفضل طقوس الإبداع غير الميكانيكي.

بنكُ الخيال

وما أن يرى السكونَ نزيلاً في قصيدة
حتى يأخذ معهُ إلى الفندق اللغوي دبابةً لإعادة التصوير.