أسعد الجبوري

على متن الريح

أسعد الجبوري دون كيخوت:أحس بأن حصاني بدأ يخبلُ من هول الصحراء يا سانشو.ماذا فعل الرملُ بهذا الحيوان الذي نمتطيه؟
سانشو:ليس الرمل من فعل ذلك يا سيدي الدون،بل الرامل.فهو أشدّ هولاً من التصحر ومن أمراض الصحراء .
دون كيخوت:إذا بدأت تلك الأمراض بالدابة، ولم تحتملها ،فما بالك بها ونحن رهائنٌ في خنادقها المحفورة في الأرواح وتحت جلودنا؟
سانشو:كنت أظنُ الصحراء رملاً يا سيدي الدون.ولكنها ليست كذلك كما ظهر لي.

دون كيخوت:أعرف ذلك .فما رأيتها يوماً إلا كتاباً للنفس المشرفة على الموات،كلماتها صلصال لا يُسقى بماء،لأنها ممنوعة من أن تحبل بأي خصب.ومعانيها عسيرة على البلاغة ،فلا تفيض إلا بالعزلة والمرارة والعقول المقولبة بالزنازين.
سانشو:ما أفظع أن تكون حكيماً يا سيدي الدون؟
دون كيخوت:هذه ليست حكمة يا سانشو..فمن وقف على صدر صحراء،أتاه الله بنبأ ذلك الثعبان العظيم.
سانشو:لم يعد لي رأس يستوعب كل هذا الذي تحكيه.فأفكارك اليوم كالرماح المتطايرة .

دون كيخوت:ما أن رمى الله أدم وحواء من أعلى إلى أسفل،حتى تبعهما بقذف الثعبان الغاوي ،ليصبح أميراً على ملكوت الصحراء!
سانشو:هل تقصد يا سيدي الدون ،بأن أحداً ،لم يبق هناك إلا التفاحة ؟
دون كيخوت:لا يا سانشو.التفاحة تلك ،سقطت بفعل فاعل خير،فكانت في حضن أوروبا ..
سانشو:يا للهول.لهم فاكهة الجنة،و للعرب الثعبان اللعين !!!!
دون كيخوت:أجل يا سانشو.وما أن بسط الثعبان سلطته على الصحراء،حتى أنتجت مصانعهُ السموم، مستخلصةً من عقل الرمل.
سانشو:وهل للرمل عقلٌ يا سدي الدون؟!!
دون كيخوت:وهو الأخطر من كل العقول يا سانشو.فهو عقل لا يتحاور لينتج معرفةً ، ولا يُحرث ليُنبت زرعاً، ولا يملك رؤية ليحلم بابتكار،ولا يتغزلُ ،لأنه مصابٌ بلذته الفردية المشخصنة ،ولا يتطبب من علة،كونه كمال المرض في سرير الزمن المريض.
سانشو:كل هذا في الرمل يا سيدي الدون ولا أعرف؟!!!
دون كيخوت:وفوق ذلك، لا وجود لمكافح لهذا الفيروس الصحراوي الطائر المنقول على أكتاف الريح إلا ما عز وما ندر.
سانشو:أكاد أختنق دون تأويل من شدّة هذا الرمل المزدحم في الصدر وفي الرأس وفي الكبد يا سيدي الدون.
دون كيخوت:ونسيت يا سانشو ، أن الرمل مرضٌ ينتشرُ في النصوص ،فتتوالد منه الطوائف والمذاهبُ والمدارسُ والسيوفُ والمقاصلُ والطبولُ والأزياء والعاهاتُ وبراميل النكاح !
سانشو:لم أكن أعرف بأن للرمل نصوصاً ، تحبلُ ،فتلد كتباً قاتلةً يا سيدي الدون؟
دون كيخوت:وها أنت وقد عرفت، مثلما عرف حصاني ورمحي وقلبي الذي بات مثل صرة مقفرة دون الزاد.
سانشو:لا تدع حزنكَ يأخذك إلى القاع يا سيدي الدون..دعه متخفياً مثل ثعابين هذه الصحارى!!
دون كيخوت:لم يكن لنا غير هذا التكتم منذ قرون.إما الآن فنحن في عنق الزجاجة ،تنهال علينا الرمالُ يا سانشو.
سانشو:دعنا إذن نَكسِرُ قبل أن ننكَسرَ،فتذهب بأرواحنا مراوحُ الصحراء ،لنكون تقدمة للثعبان الرجيم.

آبار النصوص

ذاكرةُ الأرض ومحطتها..
تلك المنطقة المنخفضة.
تتقاطعُ عليها قطاراتٌ كائناتٌ
ثعالبٌ مستلذاتٌ وقطعانٌ من فلفل
أحمر.
كلما شهوةٌ ترمقها،
تتبلل.
وكلما ابتعد العابرُ عنها،
وقعَ في التخوم مختفياً بلا سروال.

وكان كمثل مهاجر يفرّ من ساعته،
ليمتلئ بفراغ النقطة.
وكان مرتلاً بعض أشجاره
من بعض مقامات.
هو الذي له روحُ جبل
وعاطفةُ حقيبةٍ على المياه.
يتجرد من أسمائه في الصوت،
ليتمتعَ بارتفاعها عليه.

ويوم خرجت عليهِ بكامل أثاثها.
رمقها متفحصاً أوراقها..
ثم راح يُكملُ إعرابّها في موقف السرّة../
هامساً:
هي نقطة الاستواء،
كلما مر المرء بها،
وجد نفسه يوسفَ يقرأ في بئره
شكسبير.
هل أنا تنينكِ في الماء.
سألها واستطرد في العمق:
هنا..
سأقضي عقوبتي غرقاً.
سألتهُ: وماذا بعدُ ؟
فردَ عليها مُنهكاً وهو يوصل الكهرباءَ
بجلاتينها:
ما أجمل عمارة الضوء،
بعد سقوطِ الأعمدةِ في الوادي
العميق.
(( موقف السُّرّة))

غرفة للغرائز

منذ قررتُ التضحيةَ بالجب اللغوي،وأسمال القواميس ،وخيام التراث المنتصبة على طول خطوط الطول والعرض التعليمي ، وجدتُ بفكرة تصنيع سمك السلمون في قيعان الباطن الخيالي،رغبةً حارة.فالتحول من طور الانجرار مع التيار إلى طور مقاومته،
-وأسماك السلمون مثالاً - تصبح أمراً موثوقاً بالنسبة لأي تحول أو مخاض يخص الشعر،من خلال عمله في ماكينات اللغة داخل الداخل الإنساني للشاعر.
ليس أجمل من شاعر يشق الورق، بعكس مجرى كتابات شعراء التيار . تبني تلك الفكرة ،يحول دون الاستغراق بحلال اللغة، ومن ثم ،فإنه لا يمنع الصيد في حرامها أو اللعب بشذوذها والتماس مع مناطق محرماتها .كل ذلك يظهر الشاعر زمناً لا ساعة في اليد أو على حائط.أي يجسد مفهوم الشاعر العقرب الذي يمنح الساعة والزمن معنى الحركة تحت الحواس التي يمثل صورها الزجاج ،عندما يعجز على أخفاء الأحداث التي تجري في النصوص .
من هنا.. فإن شاعراً يسعى لالتقاط حبات الأوكسجين من خارج نصه، لا يعين نفسه على ردم البئر القائم في ذهنه.ولا التحرر من حفرة العالم السفلي للشعرية الضيقة .
كل ذلك جعلتني مفتشاً عن المجاري النادرة في فضاءات ،قد نصلها عن طريق الجذب المغناطيسي المملوك لطاقة الشعر
فلا يمكن أن نرى ماءً دون شعر.ولا ليلاً دون شعر.ولا كآبة دون شعر،خاصة وأن المرأة والكآبة ،هما عنصران يشغلان الجينات الشعرية، حيث تتجلى التمارين العظمى للمخيلة.

بنك الخيال

الكونُ هرطقةٌ زمنية،
تضرمُ النيرانَ في الأجساد ،لندومَ بعض الوقت مشتعلين