أسعد الجبوري

على متن الريح

دون كيشوت:هل كنت جندياً يا سانشو؟
سانشو:كلا يا سيدي الدون .كنتُ شهيداً فقط.
دون كيشوت:وفي أي حرب لعبوا بجثمانك لتقتل يا سانشو؟
سانشو:في الحرب التي ليست القنابل من اختصاصها.
دون كيشوت:هذا يعني إنك من شهداء الجاهلية يا سانشو؟!!
سانشو:شيء من هذا القبيل. فما من حرب قامت أو ستقوم يا سيدي الدون، ولا أكون من موتاها.
دون كيشوت:وما الذي أتى بكَ من الموت إلى هنا ؟
سانشو: حصاني هو الذي فعل ذلك،قال أنه يريد أن يُريني الحياة الثانية ما بعد الموت الأول.
دون كيشوت:لقد بتَ تُكثر من الهذيان يا سانشو،وكأن مخك طُبخ بالكاجب والفلفل الأحمر!
سانشو: الحرب شديدةُ العمى يا سيدي الدون ،وأفظعها ،تلك التي لا يُعلن عنها ببيان !
دون كيشوت: أنت تتحدث،وكأننا نجلسُ في حضن حرب ضروس يا سانشو!
سانشو: لن يرعى الحربَ سوى الموت .وأنا قتيلٌ قديمٌ عادةً ما يُبعثُ في القتلى الجدد الآن ولاحقاً.
دون كيشوت:هل تظنُ الحربَ ملهى يا سانشو ؟
سانشو:أظنُ الحربَ كتاباً لا يقرأه غير الموتى يا سيدي الدون.
دون كيشوت:وأظنُ الدمَ سيتنفسُ طويلاً ، حتى لو جفَ َوصار حجراً.
سانشو:هل سمعتَ شيئاً عن نمو الآلامِ في العظام يا سيدي الدون ؟
دون كيشوت:سمعتُ عن ترقق العظام، عندما يأتها الخرابُ متسللاً ،فيقنص الأرواحَ ويشعلها ورقاً.
سانشو: لقد تعلمتُ بأن لكل خراب زمرة دم ،لا تتجهُ إلا لمخربٍ من الزمرة ذاتها.
دون كيشوت:الحرب مختبرٌ للرماد.
سانشو:أجل يا سيدي الدون .ولذلك فالشاعر، وإن لم يحضر هذه الحرب أو تلك بعينها ،لكنه يحسُ بأن نسخةً منه قد شاركت فيها ،أو كان شاهداً على أهوالها. وما أبعدها الحياةُ كنقطة دم .

آبار النصوص

لنقف قليلاً يا صديقي بريفير ونتساءل :
لم َ تُشيّد كل هذه البنايات ،
بينما الإنسان ُيتهدمُ على سلالم لا تقود ُ إلا للتشاؤم والانتحار .
الآن .. إن كل ما نراه على هذه أو تلك الشاشة ،
ليس أكثر من سفن محترقة عند كل مضيق .
بينما طارق بن زياد ، بضربة ٍ ،
قد حسم الاختيار َ لتسلية الصقور بأقفاص الجحيم .
آه يا صديقي بريفير ..
انظرْ إلى هذا القمر … أنه بزائدة دودية من الفحم .
تلمسّ هذه الأيام … إنها بقرون رمادية جارحة .
اطرق هذه الجماجم … إنها سفن ٌ فارغة من القرميد المشع
بجلود الغزلان الشهيدة .
كم تبدو وحدتنا شديدة ووعرة .
إنها أفظع وحدة ً من هاملت . وأقسى تعقيداً من الأهرامات .
هذا هو حبنا يا صديقي بريفير :
أن تنتحر دفعة ً واحدة ً …
أو تأخذ رأسك َ بين يديكَ كل صباح ،
وتبكي بدموع من خشب .

((أبقار سوداء- مهداة للشاعر جاك بريفير 1977))

غرفةٌ للغرائز

قد يدرك شعراءٌ،وبالأخص شعراء الحساسيات اللغوية النادرة،بأن الشعرَ كفنٍ انقلابي ،له ساعته الاليكترونية التي سبقت التطور التقني التكنولوجي الهائل منذ عصور بعيدة،وذلك عندما قام بعضهم،بإجراء تحويلات لغوية نفسية مهمة على ساعات الباطن البيولوجي،لاستخلاص ساعة الشعر (القَماصة) لكل الأحداث والأفكار والأحوال والطقوس.
أن الغبطة التي نادراً ما تسكن الشاعر الفعّال،لا تأتي عبر فكرة الاطمئنان على انسياب القصيدة في مجرى اللغة دون عراقيل وحسب،بل تأتي من تبادل الطاقات الحيوية المدمجة ما بين ساعة الجسد البيولوجية وساعة الشعر الافتراضية ،بعد أن تم تصنيعها أو اختراعها اختراعاً سوريالياً ،لتكون بمثابة شمس تسطع على تلال الكلمات،لإدارة الذات الشعرية بعيداً عن العمى والانتكاس والتلف .
حتى الآن.. لا أحد يعرف كيف هي عقاربُ ساعة الشعر تلك،ولا إلى أين تمضي بالضبط!
بل وإن كل من يحاول فحص محركها النابض ،أو الإصرار على تفكيك قطع غيارها،لن يجد بين أصابعه غير طواحين تعملُ، لإعادة إنتاج العالم كاتولوغاً كاتولوغاً .

بنك الخيال

العاشقُ وحشُ مُنفلتٌ في آي باد
وأمامهُ الغرامُ دجاجةٌ بضةُ الثياب.