أسعد الجبوري

على متن الريح

كآبةُ السقوط في الحنيندونكيشوت:تمنيتُ حصاني لو كان مركباً في هذا الفيضان يا سانشو.
سانشو:لا خوف من ماء دجلة،فهو لا يُغرق أحداً يا سيدي الدون.
دونكيشوت:أراك تستغرق في غير ما أنا أفكر فيه يا سانشو.فما قصتك اليوم؟
سانشو:قل ذلك لحصاني يا سيدي،فهو الآخر يفيض بغير مياه النهر.
دونكيشوت:وكيف تريدني أسأل حصاناً ،يكاد هو الآخر أن يغرق معنا تحت طمي مياه العراق؟!
سانشو:ما من حيوان ولا يستشعر موته،فكيف بالمخلوقات الآدمية يا سيدي الدون؟!!
دونكيشوت:لا أحس إلا بطوفان آخر غير طوفان هذه المياه يا سانشو.
سانشو:ها أنت دخلت النقطة بالضبط.
دونكيشوت:أية نقطة يا سانشو.. نحن نتحدث عن الفيضانات ،وأنت تحشرني بنقطة!
سانشو:تلك النقطة يا سيدي هي البلوى والبلاء.فليس أشدّ هلاكاً من طوفان الطوائف.
دونكيشوت:لا تخف يا سانشو،فالنقطة تلك ،يمكن تجفيفها.
سانشو:ذلك يتطلبُ زمناً .
دونكيشوت:سنشتري له ساعةً عملاقةً أهم من بيغ بين،ومكينة تنشيف أتوماتيك تختزل السرعة.
سانشو:لو فاضت الطوائفُ بأفكار مذاهبها كما تفيض الجروح بالقبح وبالقيح ،وارتفعت الدماء عالياً على وقع (( جعير )) وتحريض بعض عمائم الشوارع والساحات ممن أصبحوا موضة أو دزاين لكل حادثة أو حديث في السياسة، ما كان لسور الصين أن يكون عازلاً ما بين لحوم الناس والسيوف.
دونكيشوت:كم تبدو اليوم كغراب البين متوحشاً وخائفاً وغريقاً يا سانشو!!
سانشو:لو كنت شاعراً لحبست الماء عن تدمير الخلق ،بدلاً من التمتع الرومانسي بمنظر الفيضان.
دونكيشوت:ولكن الشعر أعظم طوفان يا سانشو.
سانشو:أجل يا سيدي الدون،ولكنه لا يُدمر حتى الصفحات التي يُكتب عليها.
دونكيشوت:كنْ قصيدة بماء سلسبيلٍ ،ولا تخشي من طوفان طائفة أو مذهب أو كرسيّ جنرال من نسل الديناصورات،فمدن الشعر لا تغرق، حتى وإن اشتدت عليها الذئابُ ،فأمطرتها بلعابها الساّم.
سانشو:دعني أصرخ الآن مستنجداً بالشاعر علي بن الجهم:
عيون المها بين الرصافـة والجسـر
جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري
خليلـي مـا أحلـى الهـوى وأمـره
أعرفنـي بالحلـو منـه وبالـمـرَّ !
كفى بالهوى شغلاً وبالشيـب زاجـراً
لو أن الهوى ممـا ينهنـه بالزجـر
بما بيننا مـن حرمـة هـل علمتمـا
أرق من الشكوى وأقسى من الهجر ؟
و أفضح من عيـن المحـب لسّـره
ولا سيما إن طلقـت دمعـة تجـري
وإن أنست للأشياء لا أنسـى قولهـا
جارتها : مـا أولـع الحـب بالحـر
فقالت لها الأخـرى : فمـا لصديقنـا
معنى وهل في قتله لك مـن عـذر ؟
صليه لعل الوصـل يحييـه وأعلمـي
بأن أسير الحب فـي أعظـم الأسـر
فقالـت أذود النـاس عنـه وقلـمـا
يطيـب الهـوى إلا لمنهتـك الستـر
و أيقنتا أن قـد سمعـت فقالـتـا
من الطارق المصغي إلينا وما نـدري
فقلت فتـى إن شئتمـا كتـم الهـوى
وإلا فـخـلاع الأعـنـة والـغـدر

آبار النصوص

تتفتحُ ليلاً..
العائدةُ بكرات دمعها.
( وأمام المرآةِ نومٌ دونه البابُ مقفلٌ )
النجومُ نقاطٌ من هناك.
تنظرُ إلى تأملاتنا المتدلية
غصوناً من مباني النصوص.
بعد ذلك..
النفسُ ليست بناءةً أمام تفاحةٍ
عاريةٍ في هودج ضال.
ولا أمام خطيئة لا تسأل عن صغار عصافيرها
من العطور.
الأمطارُ على الخرائط.
والسديمُ في الأقفال.
وعلى الطاولةِ،
لم يبق من الوجهِ إلا الفراغ.
كذلك البكاء :
طيرٌ لا يتبخر.
كذلك المصباح الأيروسي
المشعّ
بين الهياكل والأنقاض والهجرات والذبول.
ستطفو به ذنوبهُ إلى مغارة أصل
الأنواع.
أرضٌ تنزّ بالنقادِ والضباع والرمال
الهاربة من المطابع.
ليلٌ في قبضتي..
وهو أكبرُ كائناتُ الكأس في خمارةٍ،
ندخلها مصطلحاتٍ، لنخرج منها تراثاً لكل الحروف.
عيني التي تتبعُكِ
( ساعةٌ خربانةٌ )
وسوف نتذكرُ عطراً خارج الأقواس.

غرفة الغرائز

القصائد مثل البيض ،تفسد في أكثر الأحايين،أو يتعطل فيها مفعول البروتين ،فتصبح أليافاً ساّمة تؤذي بدن القارئ،أو تنفذُ عملاً تدميراً شبه كامل للمجال الحيوي للذاكرة الحديثة، ولمقامات المعاني المُحررة من أبعاد السرد واللفظيات القاتلة،أو كل ما يعرض المجاز لمخاطر المحو،من خلال توحيد الدلالات للصور أو إقامة الحد على أعمال التخيل .
لذا فإن البروتين الشعري،هو منْ يُطيّر النص إلى الأعلى من خلال عدم الاعتماد على الأجنحة وحدها.فثمة قوة سريّة في كل نص عملاق،تتحكم بطيران القصيدة واستمراريتها بالتحليق في كل الاتجاهات ،وصولاً إلى لحظة الذوبان في التخوم ،أي بلحظة الدخول إلى مركز الخلود.
قد أدركُ حقيقةً،أن بعض النساء،هنّ جزء من ذلك البروتين .أو هنّ من وسائل وأدوات ذلك الطيران الخاص بالشعر . فالطيران إلى فوق ،ليس هو الهدف بالضرورة،لأن ثمة تحليق شعري أهم وأعظم في جاذبيته ،وذلك هو الطيران نحو الأسفل.أي نحو العمق.أي في اللذة التي تنشأ عن تكامل اللغة بمنابع الجغرافيا،سواء جغرافية التربة أو جغرافية الجسد المنزه عن الأفعال الأيروسية الرخيصة أو جرائم الاغتصاب اللغوي المتمثل بدناءة التناص، أو بجنايات النسخ المقصود عن طريق الاستشعار عن قرب أو بعد!!

بنك الخيال

ليس أشدّ كآبة من السقوط في الحنين