أسعد الجبوري

على متن الريح

 أسعد الجبوريدون كيشوت:يبدو أنه يريد مغادرة المكان،والذهاب إلى العمل بعد عطلته الطويلة!
سانشو:منْ تقصد يا سيدي الدون؟

دون كيشوت:هو وليس سواه.أبو الهول.
سانشو:أتظنُ إنه سيذهب لميدان التحرير مثلاً؟!!

دون كيشوت:لا تستغرب من الأمر يا سانشو.فما من سياح بعد لا في الجيزة إو الغردقة وشرم الشيخ .والحجر قد يتفكك ويعود إلى تكوينه البركاني الأول.
سانشو:وهل سيفكك أبو الهول عضلاته كما تعتقد يا سيدي الدون؟

دون كيشوت:هذا ما سيحدث بالضبط.لقد ملّ من الإقامة في التاريخ الفرجة.
سانشو:وتحرك ليوزع عضلاته على الشعوب كما تقصد؟

دون كيشوت:ما من إنسان إلا ويصل إلى الحجر.وهو في نهاية المطاف من جماعة المتحجرات. ومنهم من يبقى هناك،ومنهم من يتفتت غباراً ليلتحم بالكائنات الأخرى فيصير نواة لحركتهم.
سانشو:كل شيء جائز يا سيدي الدون،فما نحن إلا من غبار ذلك الانفجار الكوني القديم.

دون كيشوت:ذلك الانفجار يا سانشو ،سيعيد نفسه من جديد،ولكن بطريقة حضارية أخرى.
سانشو:أرجو أن لا تصر أفعال الفيزياء على إعادتنا لهذه الحياة مرة ثانية.لقد سأمت .

دون كيشوت:ما من عامل على مسرح بـ ((مسؤم)) يا سانشو.تذكر ذلك ولا تصاب بالدوار المرضي.
سانشو:ليس أفظع من دوار الحرية.إنه مرض قاتل.

دون كيشوت:أنا لا أرى الحريةَ إلا جنة في نار يا سانشو.
سانشو:وكم من الأبواب لندخل إلى هناك دون أن تنال منا نارُ أو نصاب باحتراق؟

دون كيشوت:لا باب لشرطي عند الله.والحريةُ جمعٌ المكان بباب الزمان والعكس.
سانشو:ولا أسوأ من الفلسفة ،عندما تفسد الحرية بالتحليل.

دون كيشوت:الفلسفةُ تُشرجُ بالحرية تشريجاً ،لتعمل بطاقة التعبير الانشطاري ،وليس بالمعنى الواحد اليتم.
سانشو:الآن يختلط اللحمُ بالحجر من شدّة هول مصر يا سيدي الدون.

آبار النصوص

الورق مُعقمٌ بالعدم.
وما من عابر يمسكُ عابراً
تحت عمامة الموت.
أرتالٌ من الوطن تمر بالكتابة.
وأصواتهم عبر أعناق المدافع
تأتي ويختفون.
فيما الحياةُ على الجسر الأعمى
واقفة.
تحتضن حكمةَ التراب الباردة.
كأن الشعوب مقدمة لظلٍ
سيذهب.
كأننا قصيدة برأس جرس
سيتفلش.
كأننا نخرج من الفكرة،
تاركين الدماغَ عاصمةً في نهاية
الذبول.
((بصحتكم))
-قال قائد الطاولة-
-فأجابه القوم منشدين-
لا.. ولا عليك.
إياك تُسمى الأرض بلاداً في العراق.
تلك ثمرةٌ من الخزف..
كم طُرقت كحديد،
وعن روحها لم تنفصل.
النظراتُ أمواجٌ تتكسر في البعيد.
أقصدُ في الكأس.

غرفة الغرائز

تأكدت في الفترة الأخيرة من وجود شعر قمري بارد وشعر شمسي حار .فدون شك،سيرى القارئ المحنك بأن في كل قصيدة قمراً من نوع خاص ،حجماً وتكويناً وإضاءة وبعداً وحرارةً .
ففي الشعر كما أظنُ،تتبارى الكائنات بالبحث لا عن أعشاب الخلود التي سبق لصديقنا جلجامش وإن أهلك نفسه بالبحث عنها،بقدر ما يتعلق البحث بلحظات التصادم،وخلق الانفجاريات التي تبعد النص الشعري عن الارتطام بالأرض،وتحول دون جعله مادة تتمتع بكامل الخواء.لأن على الشاعر أن يقيم في ارتفاع لغته،لا رفعة منزله الجغرافي .
على الشاعر أن يملك نصاً بسقف مرتفع.والعلو الذي نقصده،لا يعني حجاباً كسقف غرفة أو إسطبل أو حانة،بل ما نعنيه هو ذلك الفضاء الذي يسحب النص من البئر الضيق المكبوت نحو مساكن الطير الشاهقة.
لذا.. كل شاعر رهينة لسقف لغته ،بلاغة ومجازاً ومخيلة وتورطاً بالعوالم الافتراضية ،تلك التي قد تمنع النص من الوقوع موتاً تحت الأسقف المنخفضة.

بنك الخيال

يُفككُ أبو الهولُ أقفالَهُ
مغادراً الحجر إلى قصائد التاريخ