أسعد الجبوري

على متن الريح

أسعد الجبوريدون كيشوت:متى ما أصبح المرء طيراً،ارتاح.
سانشو:وكيف يرتاح الطيرُ يا سيدي الدون وهو في وضع الخطر وموضع العاصفة؟
دون كيشوت:المهم أن تأخذك أجنحتك إلى الأعلى .
سانشو:وتصبح فوقياً!!
دون كيشوت:أليس ذلك أفضل من أن تكون دونياً يا سانشو؟
سانشو:المرء الفوقي شيء.والمرء التحتي شيء آخر.
دون كيشوت:يا لاكتشافك العجيب !!
سانشو: أنا أريد أن أكون وسطياً يا سيدي الدون.
دون كيشوت:تعني أن تكون نصف طير؟!
سانشو:ويطير في الأمكنة الخالية من الخطف والرصاص والذبح الحلال واللغات المميتة.
دون كيشوت:لم يعد من وجود لمثل هذه الأمكنة.لقد ذهبت مع الريح يا سانشو وانتهى الأمر.
سانشو:كأنك تقول بأن الوسطية مركب قد غرق في الوحل،ولم يبق منه في الأنفس غير الحطام.
دون كيشوت:ليس أفظع هولاً من الطيران فوق بلدان الحرائق يا سانشو.
سانشو:ذلك الطيران قتلٌ للمتعة،وفتحٌ للمآسي وأبواب الحداد.أعرف ذلك .ولذا تراني من البكائيات.
دون كيشوت:الوسطيةُ مراعاةٌ .فهي لا تقيم الحدّ على القاتل ،ولا تحقن إلا الدماء الباردة.
سانشو:قد أدرك هذا .ولكن قل لي يا سيدي الدون،كيف للمرء أن يكون طيراً؟
دون كيشوت:أن تكون شاعراً فقط.
سانشو:وهل الشعر مجال للطيران؟
دون كيشوت:ولكن ليس بالاتجاه المعاكس، كما فعل ذلك فيليكس بقفزة العودة للأرض الخراب.
سانشو:ربما لأنه لم يجد أحداَ فوق، فعاد مسرعاً بسبب سحر جاذبية الذنوب التي اتخمت الأرض.

آبار النصوص

اليوم..
لم يعد زمناً فقط.
صار مخلوقاُ ببطارية مضخمة من الخيال.
صار ساعة طويلة.
تجلسُ في نهايتها المتاحفُ،
ممتلئة بالثعابين والرماح والتيجان
والشمع الشاحب من الدمع والعويل.
فيما هو..
ذاك وجههُ.
يبدأ نقاطاً ولا ينتهي بمحيط.
تلك بلادهُ..
تمثالُ شاورما في حديقة من جهنم
وصفيح.
اليوم..
نحن متعددون بالشيزوفرينا.
وكل معه نسخة من طوفان،
يلوحُ بها من على شرفة القحط.
أن تعال قل:
كم من الرحّالة في قدمي..
لأجوب شتاتي الغابر.
وهل سأستدل على إقامتي
في عاصفة في قطار في فخ.
((بصحتكم))
-قال قائد الطاولة-
-فأجابه القوم منشدين-
لا.. ولا عليك.
نحن نرى الأجسادَ رسائلَ
و حولها الكلمات تجري رمقاً رمقاً.
للمرة الأخيرة..
النفسُ برجٌ معتق بالريح.
تنتصبُ على سطحه المجانيقُ
من كل الأراضي
من كل المواليد.

غرفة الغرائز

ما من مُتمسكٍ بفكرة الشعر كجسد،ولا يرتفع بنصوصه نحو المقامات الأعلى فالأعلى.نقصد الارتفاع نحو مقامات الأرواح التي يسيطر عليها ذلك العطر السحري،بجميع منافعه السيكولوجية والإيروتيكية،وبما تسبب من فيضانات غير محدود للمادة السريّة الخاصة بالشعر،بعد التأكد من أن الشعر لا بد وأن يولد وينمو ويراهق تحت ظلال أشجار النفس الغائمة عادة بالليل.
ويحدث العكس تماماً،عندما ينظر البعض إلى الشعر كمقام أو مرتبة أو كمنزل على الورق فقط.الشعر جسدٌ،وهو بهذا المعنى يلدُ مخلوقاته من رحم المخيلة العابرة للقارات والفنون والأطر والحدود الأدبية وجميع أشكال الكتابة،فيؤلف لنفسه عوالم من التداعيات التي تصنع في قرارة نفس الشاعر أضخم شبكة للصور الجمالية ،تلك التي تنهض من سرير الرأس ،لتجوب شتات اللغة،بهدف تحريك أعضاء الجسد الشعري،وتحرير مجاري الدم من كل العوائق التي قد تحدث في أروقة الحواس ،في محاولة ضرب الصور بالعمى،و الكلمات بالقصور .
من هنا نرى الشعر جسداً عطرياً بامتياز.

بنك الخيال

ما أن تتعطلَ مراوحُ الجسدِ،
حتى تعود الأرواحُ لترابها القديم