أسعد الجبوري

على متن الريح

أمراضُ اللاهوتدونكيشوت:ما رأيك كأن نكون يا سانشو؟
سانشو:ولمَ لا يا سيدي .أليست الحياة أن نكون أو لا نكون؟!!
دونكيشوت:ولكنني لست شكسبيرياً .عليك أن تعرف ذلك.
سانشو:لقد دخت من شكسبير يا سيدي الدون.لقد استهلكت كتاباته من الورق ما لم يستهلكه أي مؤلف في التاريخ.
دونكيشوت:ولماذا تحس بالامتعاض كما أراك؟!
سانشو:ذلك ليس امتعاضاً ،بقدر ما هو أمر يخص الخيبة من حصول اختراق للجدار الشكسبيري،وبخاصة في العالم العربي .
دونكيشوت:لأن عالمنا ما زال مسرحاً محتكراً على تطبيقات هذا المؤلف في الحروب الأهلية والخيانة والقتل والاستغراق بالدم.
سانشو:أجل يا سيدي الدون.فما من مواطن عندنا ،إلا ويشبه ذلك المسرح المضطرب.
دونكيشوت:لأننا أبناء التراجيديات التاريخية العمياء.
سانشو:وكيف تكون التراجيديات عمياء يا سيدي ؟هل بسبب ضعف البصر وفقدانه مثلاً؟
دونكيشوت:لا تقلق من صور المجاز يا سانشو،فالعمى لا يتعلق بالعين وحدها.
سانشو:ولا بتاريخ هملت.
دونكيشوت:ها أنت تفتح باب المؤامرة وما ينضج عنها من خيانة ورعب.
سانشو:إذا كانت شخصية هملت لا تثير فيك إلا خيط الدم الرفيع،فما بالك بالشر الذي أطاح برأس عطيل يا سيدي الدون؟
دونكيشوت:لسنا في بلاد الفرنجة الآن يا سانشو،لنحاكم قضايا الآخرين في تاريخ فائت.
سانشو:ولسنا نحن في بلاد العرب اليوم ،لنحاكم على المذاهب والفرق التي تأسست في القرن الرابع.
دونكيشوت:هل تعرف يا سانشو كم عدد تلك الفِرَق الإسلامية والملل والنحل التي تم تقسيم المسلمين بموجبها ؟
سانشو:ومن أين لي أن أعرف ،وأنا لم أكن شيئاً من تلك الفرق ؟
دونكيشوت: ثلاث وسبعين فرقة يا سانشو.
سانشو:أنا لا أعرف أكثر من الفرقة الرابعة.
دونكيشوت: لذلك مسرحنا معقد كما يبدو
سانشو: ولن ينتهي بفصل أقل فداحة مما تنتجه تلك التراجيديات السوداء .ففي رؤوسنا أطنانٌ من الأنقاض التي تستوجب ترحيلها عن الذاكرة ،ليتنفس العقل بعض الأوكسجين.

آبار النصوص

من العصر الطباشيري إلى العين الممتلئة
بالثدييات ذات الريش.
أهي هجرةُ سمكٍ أم دمع؟
بلدانٍ أم ديناصورات
تحاول استبدال مدافنها القديمة بمجاري
الأنهر النائمة في العقل؟
حلقاتٌ تتكسرُ.
حلقاتٌ
تستعيدُ طفولتها من مشيمة الغبار.
وبشرٌ يحملون المدافنَ على الظهور ،
موغلين في قِدمِ شهوات هائجة في أكياس نار.

غرفة للغرائز

كلما يمضي يومٌ على الشعر في حياتي،أكتشف بأن عوالمه غير محدودة ،ولا تحاط بجدران أو سقوف.وإنه ينتج على الدوام طقوساً في منتهى المراهقة والدهشة.الشاعر الحركي الفعّال ،يستطيع أن يحمل سور الصين على ظهره ويركض في شوارع المدن،وقد يجعل من الليل كله بيضة تستقر تحت وسادته في سرير معلق بالرياح.كذلك ثمة قدرة تتوفر للشاعر في البناء بين الكلمات ،وردم الفراغات بجسور ،عادةً ما تقوى على تحرير الجُمل الشعرية من المعنى الواحد.
وكذلك ..ففي هذه الطقوس المربوطة بوشائج ما من الديالكتيك،يتمكن الشعر من تحرير نفسه من الجغرافيات الضيقة،أو الأمكنة التي لا تستوعب طاقات الكلمات الكامنة،عندما تنفلت قوتها في اللحظة الخاصة بها.

بنك الخيال

ليس أشدّ هلاكاً من أمراض اللاهوت