أسعد الجبوري

على متن الريح

أسعد الجبوريدون كيشوت:كيف يمكن للمرء أن يكون حكيماً يا سانشو؟
سانشو:تقصد أن يكون مثل لقمان الحكيم يا سيدي الدون؟
دون كيشوت:ليس بالضرورة مثله تماماً،بل على شاكلته تقريباً.
سانشو:أن يلزم المرءُ بيته فقط.
دون كيشوت:وهل متى ما لزم المرءُ بيتاً ،صار حكيماً يا سانشو ؟!!
سانشو:العزلةُ سيدةُ النصوص.ومتى ما انعزل النفسُ فاضَ.
دون كيشوت:لا أظن العزلةَ إلا كقبر يا سانشو.والعقول لا تفيض إلا بالاحتكاك.
سانشو:ولكن ((الآخرون هم الجحيم)) كما عبرَ عن ذلك جان بول سارتر.
دون كيشوت:الآخرون عند سارتر جحيم،والأخريات عندنا قوالب كاتو يا سانشو.
سانشو:قد يجوز ذلك يا سيدي الدون .فالجيناتُ حجرُ الزاوية في كل جسد.
دون كيشوت:وهل تشكو جيناتك من شيء يا سانشو؟!!
سانشو:جيناتي ما زالت صغيرة،ولم تتحرر من طفولتها بعد، لأكتمل بالحكمة.

دون كيشوت:لا تظنن الحكمةَ موعظةٌ في كتاب.إنها الريح التي تمرُ بمجرى النار ولا تحترق.
سانشو:ولماذا نبحث عن الحكمة، ونحن منظومة رماد أو شيء من هذا القبيل ؟

دون كيشوت:أنا أقودك نحو معضلة الحياة،فيما أنت غارق بمعضلة الموت يا سانشو!!
سانشو:لأنني أجمع جسدي من الليل قطعة قطعة،وما أن يأتي النهارُ حتى يتشتتُ قطعة قطعة ،فتضيع البوصلة ،ويحترق الفيلم والخريطة معاً.

دون كيشوت:هل تظهر عليك في منامك أشباحٌ يا سانشو؟
سانشو:أجل يا سيدي الدون.موجاتٌ من الأشباح برايات تملؤها جماجمٌ وسيوفٌ وكتابات لا عهد لنا بها!!
دون كيشوت:أجل يا سانشو،فأشد هلاكاً على النفس، أن ترى السيوف متجهمةً وهي تملأ الرايات.
سانشو:لذا لا تظنني نزيلاً في دار حكمة،وكل ما حولي سيوفٌ لا يسدّ رّمقها الكون وإن صار لحماً !!

آبار النصوص

أشعر أنني غريقٌ في طيرٍ
وكلانا من السلالم المنتصبةِ
على الهواء وفي حبات الكوارتز
المنصهرة.
لا تلزمنا مرآةٌ لقياس الزلازل المبثوثة
بين أجنحتنا الغائرة تحت طاولة الشمس.
كأننا الرملُ الأبيضُ.
لا تلزمنا نوافذ ولا ورود أو حكمة من حديد.
فنحن صفحاتٌ من الزجاج البركاني.
سنهدرُ بالأرواح كثيراً..
ونترك آلامَنا هياكلَ بلورية
أو شرائح مسطحة تتمرن برعاية الفقه الحركي.
الفكرة:
أن تلتصقَ الأرضُ بالسماء.
الفكرة
أن تختمرَ مخلوقاتُنا في المرآة
ولا نرى ملامحَ صورنا آيلة
للسقوط.
كم سيبدو الطريقُ الزجاجي قصيراً
ما بين الجمال الذي يدبُ كالنمل
في الحبّ .
وبين أيامٍ تتخلصُ من ثيابها القديمة
لتعيش كالسلاحف في محابر
الأعين.
الآن أنا الزجاج.
الآن الشارع زجاج.
الآن المغني ينفخُ في الزجاج .
الآن الرأسُ حبةُ رمل تتدلى من بركان.
لم تعد الصورُ أقنعةً.
والحبّ الذي كان باخرةً تئنُ بأناشيد
المغتربين،
انكسرَ قنينةً .

غرفةٌ للغرائز

ثمة سؤال :هل يدرك الشاعرُ ما الذي يحدث داخل القصيدة،بعد الانتهاء من كتابتها؟
ثمة سؤال آخر:هل إن إصابة النص بالانحراف عن خرائط المرجعيات والشعراء الآخرين ،دلالة على عظمتها ،وتخطي مؤلفها السلالم المتعارف عليها ،أم هو نكوص وتراجع ؟
وما علاقة ذبول الشعرية -أفولا- بالفراغ العاطفي للشاعر؟
ليس من معنى للشعر فارغاً من الأبعاد العاطفية الثلاث.فتلك المساحات الخالية من هوس الأيروس والتراهق والتعشيق مع الآخر،عادة ما تؤدي إلى الغرف السوداء الخاصة بصناعة الجليد.وهي في كل الأحوال،تجسيدٌ لمرض ((الذبابة أو مرض الحبال )) وهي أمراض عادة ما يعاني الشعرُ منها منذ قرون ،دون أن ينتبه إليها أحد من النقاد،أو تثير الجدل لدى قارئ من القراء،ممن يصابون بتلك الأمراض في العادة.
مرض الذبابة:الطنينُ عندما يرافق القارئ في أثناء مطالعة نصوص بعينها.
مرض الحبال:مرض شعري يتعلق بأفعال التناسخ والتناص ،والذي عادة ما يستلزم غسل النصوص المتشابهة وفكفكتها من تلاصق الصمغ تحت الشمس،بالنشر على الحبال.
النقد الكلاسيكي لم يتطرق على أمراض كهذه.وظف نفسه منشاراً بين النصوص فقط!!

بنك الخيال

وأمّا المنفى فشجرةٌ يَستظلُ بها العارفُ
حتى وإن جردّها من أوراقها الهباءُ