على متن الريح

أسعد الجبوري

********** دون كيشوت:أتعرف يا سانشو..إن من الأشياء الموّلدة للأسى النفسي عندي،أن أرى الأرضَ كرةً حمراء تنبضُ داخل القفص الصدري بدلاً من القلب.
سانشو:وهل ما زالت تملكُ قلباً مثل بقية البشر يا سيدي الدون؟!!
دون كيشوت:كنتُ أملكُ قلباً عامراً بالانفعالات .إلا أنه سرعان ما بات خردةً .
سانشو:الآن عرفتُ كيف يتراكم الصدأ على القلوب!!
دون كيشوت:ومتى أصبحت تفهم بالجنسانية وبالأمراض العصبية وبالوعي الفوقي لحركة الأجساد بين طبقات الأفكار والآثام وتداعيات العقل لأغراض نشوء النموذج الأعظم للذة والألم؟!!
سانشو:لا يا سيدي الدون.أنا تعلمت كيف أكون مرآةً تختزنُ في باطنها كل صور هذا الخراب كما يفعل ذلك هارديسك الحاسوب.
دون كيشوت:أنتَ تفتح في عقلي برزخاً تكنولوجياً،فيما أفضل أنا يا سانشو، الدفاع عن حصاني الكهل من القُرَاد ،قبل الدفاع عن أمراض السلطات الضالعة بنشر الوباء الصحراوي في الدين وفي سينمائيات الفكر وفي الملابس والشَعر والليل والنهار .
سانشو:نسيتَ النسوةَ سيدي الدون!!
دون كيشوت:لم تأخذني الحماسةُ للحديث عنهنّ،لأن النسوةَ وجودٌ لا يتعلق بالنزوة قط، كما تظن العامة يا سانشو.
سانشو:لم أقل ذلك بعظمة لساني يا سيدي الدون !
دون كيشوت:ولكن الدخان كان يخرج من فمكَ مكثفاً يا سانشو!!
سانشو:ربما لأن شيئاً ما كان يحترق بداخلي يا سيدي الدون.كالتلفزيون مثلاً .
دون كيشوت:إن أمر الصور والمشاهد والتمثيليات ومسلسلات التلفزيون ،قد تُعجل بجعل المرء كائناً تراجيدياً بحق،ولكن عليك عدم الوثوق بالصور فقط .
سانشو:أنا لا أفهم من الإشارات سوى تلك التي تشعلُ البنزين تحت جلدي يا سيدي الدون.
دون كيشوت:نحن على أبواب عام جديد يا سانشو.وهو ما يستوجب التفتيش ولو عن شمعة واحدة لإنارة بعض الأنفس في هذا العالم الذي تحاول الظلماتُ اجتياحه وخنقهُ.
سانشو:سأشعلُ قلبي بدلاً من تلك الشمعة يا سيدي الدون.
دون كيشوت:ولكن قلبك لا يُرى بالأعين المجرّدة ولا بالتلسكوبات يا سانشو.
سانشو:أنتَ تدفعني للبكاء يا سيدي الدون،وتعرف أن ليس بهاتين العينين سوى حطام النظر وتصاوير الدمع.
دون كيشوت:لا تقلقْ يا سانشو. ستنتظرنا الحياةُ فيما وراء هذه الغيوم المُدْلَهِمّة .

آبار النصوص

إني أتحملُ عبء الحرب في العالم/
لا لأني ماو. كيسنجر.
أو علم يرفرف فوق الكرملين/
إذ أن أية رصاصة تطلق في وجه الإنسان/
تكون موجهة لي بالذات/
ولكي يكون كيسنجر بريئاً،
بات عليه جلياً أن يذهب إلى إحدى الاستوديوهات
الصوتية ويكبس مخّهُ على هيئة أسطوانة من البلاستيك/
فقد شهدتُ طائر البحر يُشنق على أعمدة الكهرباء/
وسمعتُ «بدغورني» من إذاعة موسكو
وهو يتلو الفاتحة على جثة «لين بياو»/
وقرأتُ في ذاكرة كولن ولسن تفاصيل عن عشق «إليزابيث»
في حي سوهو./
وتعلمتُ كيف أكون معقولاً أو لامعقولاً
عند دخولي «بلفاست»
أو حين مروري قرب متاريس القصر الجمهوري/
فالمرحلة الراهنة من هذا العالم/
لا تجعل من أمي إلا امرأة درويشة/
تعلّقُ في عنقي التعاويذ والخرز الملونة/
بدلاً من أن تلصق على وجهي منشوراً سريّاً/
وتطلقني كلباً مهووساً،
يطوف زقاق «الحيدرخانة»/
ويلوذ بين فروج العاهرات عند شعوره بالتعب/
أو بملاحقة شرطي للأمن».
------------------
هامش*

من ديوان الشاعر "ذبحت الوردة هل ذبحت الحلم ؟ "/عام 1977_دمشق

غرفة للغرائز

أن تجلس أنتَ في مكان،ويجلسُ نصّكَ في مكان آخر،فذلك هو الوعي العظيم بالجغرافيا الأدبية المطلوبة للتفريق ما بين المؤلف وبين مخلوقاته.لا يوجد بالعبارة الحادّة القاطعة نصٌّ عائلي بمواصفة أدبية خالصة.
فاحتكاكُ المؤلف بنصّهِ، عملٌ طالما يؤدي إلى إعادة اكتشاف المادة المكتوبة،وبالتالي ،فهذه العملية كلها،تفرضُ على المؤلف وعياً طارئاً ،يقودهُ إلى إنتاج ما كتبه بطريقة أخرى،أو على الأقل تدفع به إلى غرف المُسْوَدَّات ،للتورط بتصحيح ما سبق وأن أنتجته مخلوقات مخيلته بخلطة الوقائع.
النصوصُ المنحطةُ وحدها ،لا تُشمَل بفكرة من هذا النوع،كونها كتاباتٌ في منتهى الابتذال،وتخرج من كهف معتم لمؤلف يتعايش مع الظلام فقط.

بنك الخيال

مثلما هناك أقَوْاْمٌ رُحَّلٌ على الأرض..
أيضاً في اللغةِ كلماتٌ مُغِيرةٌ للمعاني ومُبَدِّلةٌ للأمزجة .