أسعد الجبوري

على متن الريح

دون كيشوت:كيف تكون معاصراً يا سانشو،ومازال رأسكَ بعقل مليء بالبراغي الصدئة؟
سانشو:المعاصرة في القلب يا سيدي الدون.

دون كيشوت:وتناور لعباً وتهكماً بالكلمات كذلك؟!
سانشو:ربما ذلك أفضل من أن يكون المرء خادماً مطيعاً للغة وحسب.

دون كيشوت:وهل في عدم إطاعة اللغة حداثةٌ كما تقصد؟
سانشو:كل مطيعٍ رهينة .والطاعة في العصر ، أن تكون عقاراً مرهوناً يا سيدي الدون.

دون كيشوت:لا تغرقني بالتفسيرات الفوقانية،فأنا أريدكَ حديثاً مُستخلَصاً من التراث الأسود ليس إلا.
سانشو:لم تتهيأ النفسُ لأن تكون على قدر عالٍ من الحداثة.فكيف يكون الأمرُ بالنسبة للعقل؟

دون كيشوت:ربّ حق معك.ولكن قل لي يا سانشو،لماذا لا تعوّل على تحديث عقلك من صدأ براغي التفكير المريض،فتسلم من التخلف؟
سانشو:لو كان الصدأ تخلفاً..فما بالك بالرمال المظلمة،وهي تنتقلُ بتلالها من مكان إلى أخر،حتى بدأت أجسادنا تخنقنا.

دون كيشوت:أن تكون حديثاً في مكان قديم،فتلك معضلةٌ يا سانشو.ولكن لا مانع من التجريب.
سانشو:لا قدرة لمؤلف على التجريب ،وهو صاحبُ عقل خامل.وأنا يا سيدي الدون من هواة جمع المفاتيح والبراغي،على الرغم من أنني لا أشعر بأي متعة في تغيير الأشياء أو فتحتها.

دون كيشوت:إذاً ..فأنت على الخط يا ساشنو.فقد تكون أولى خطوات التحديث التجريبي،تجريف المخلفات القديمة الثقيلة،إبعادها عن مركز التفكير،أو دفنها في هاوية.
سانشو:أنت تطلبُ مني مستحيلاً يا سيدي الدون،فأنا حتى لو تحركتُ،فمن أين لي القدرة على حفر مدافن عظمى لكل هذا السكراب العقلي ألاستلابي المذهبي السلفي وهذه الخردوات الصدئة التي تفوح روائحها بمن لم يبق في رؤوسهم سوى الفئران النهمة وهي تجتر البراغي التي علاها الزّنجارُ .

دون كيشوت:اللعنة عليك يا سانشو،كأنك تخمرت على مسرح حياتك ككومبارس حداثة وحسب!!
سانشو:وما نفعُ الحداثة ،إذا كان المسرح مفخخاً يا سيدي الدون؟

دون كيشوت:نحن وإن كنا في اللحظة الأولى للحداثة،لكن الموت مشبعٌ بالأمية وأعمى.
سانشو:وهكذا سنعبر مضيق الحياة نحو العدم كما يبدو،وهذه المرة عبر مجرى السيف الأكبر.

آبار النصوص

كانت ليلى .. وكان الذئبُ يتقمصُ الموت في غرفة سرد الأرواح.
كان التأويل والاجتهاد .. وكان الكهف مقطعاً عرضياً للظلام.
كان البحر مؤلفاً نظرياً مصقولاً بالاختزال والاستعارة والطوفان.
وكان الورق للأساطيل والنساء البجع والكاميرات الحالمة .
كانت الأبراج مليئة بالأسلحة والطيور والموسيقى..وكانت النمورُ للصيد في الأجراس.
كانت الرسائل أبواباً .. وكان العشاقُ فاكهةً دون هوامش.
كانت الشياطين مرايا في المنازل.. وكان احتكاك المغترب بمصادر المياه.
الآن .. الخريف على باب المؤرخ. الأرانبُ في الرحلة. الأسرةُ تنضم كلها في فراشٍ واحدٍ ، لأملِ تحديث الشهوة قبيل تراكم الغروب في مصفاة العقل.

غرفةٌ للغرائز

يبدو أن في جوف كل كلمة مرآةً،ينظرُ المعنى فيها إلى نفسه،وإلى منْ يُحرك الطاقات الكامنة في الباطن اللغوي لكل طيف فني يمرُ من هناك،أو لبعض الشعر الذي يؤسسُ لهيكلة نفسه ضمن مجموعات الطيران،فيمضي في القارئ بخاراً متبختراً ،من أجل أن ينجو النص من الحاضنات الرخيصة،أو من أجل أن يبتعد عن مدراس القوقعة،تلك التي تحجرُ على الشاعر في قمقم المرجعية ،وتسميه تابعاً مخلصاً لإرادة (( المعلمين أو الرواد الأوائل )) خاصة في عالم الشعر .
في هذا السياق.. ثمة من كسرَ تلك المرآة،وحرر الكلمة من الاسم الأول. ومن النظرة الأولى.ومن المعنى الأول،معتمداً على درجة حرارة عالية ،تقوم بصهر الشعر ،وإعادة إنتاجه من حالة لغوية جافة إلى بعد إنساني، هو الأقرب إلى اللحم منه إلى الورق.

بنك الخيال

ولهُ من الحداثةِ في الشعر موسوعةُ آثامٍ
تبدأ بالمحو، ولا تنتهي بمدونات النار.