فيديل سبيتي
(لبنان)

فيديل سبيتيقبل أن أنشر مجموعتي الشعرية الأولى، عرضتها على عدد قليل من الأصدقاء حتى ينظروا في أمرها في حال كان لا بد من تشذيبها أو حذف قصائد منها ولاقتراح عنوان لها، وكان هؤلاء النظّار في مجموعتي الجنين من أصدقائي الشعراء في بيروت ومن الذين كنت قد قرأت أكثر قصائد المجموعة على أسماعهم في الـ"شي أندريه" أو "الريغوستو" أو "جدل بزنطي"، ولكن الأصدقاء الشعراء الذين هم من عمري سناً ومجايلة شعرية كانوا كلهم نخوة وقد قاموا بمهمتهم على وجه كامل، ولكن تلقيت نصائح عدة من أصدقاء من الأجيال الشعرية المختلفة أنه يجب أن أمرّر مجموعتي على شاعر مخضرم بين الأجيال حتى ينصحني بها نصيحة لا خلاف حولها، وكان الاقتراح أن يكون عباس بيضون. لم أكن قد التقيت عباس بيضون حينها إلا مرات عديدة وسريعة، وكنت قد نشرت في صفحته الثقافية في جريدة "السفير" عدداً قليلاً من القصائد. كنت أعرفه من مجموعاته الشعرية وقصائده المعروفة منها وغير المعروفة، المغناة وغير المغناة، المفهومة من مجرد قراءتها وتلك التي تحتاج إلى فك رموزها (بعد سنوات في كتابة الشعر بت أعرف رموزه وما عادت القصائد سراً مكنوناً في صدر كاتبها بالنسبة إلي).

طال الجدال حول الأمر بين محفز ومستبعد للفكرة. وكان جدال بين جماعة من الشعراء كل على حدا وبحسب موقعه من عباس بيضون ومن شعره وموقفه منه ومن شخصه ومن طريقته في التعبير عن أفكاره المكتوبة أو الشفهية. كان لكل ممن تدخل في الأمر رأيه في قضية عرض القصائد على عباس بيضون. وقد غلب بالنسبة إلي الرأي القائل إن لا فائدة من أن يقرأ عباس القصائد قبل صدورها، أولاً لأنه لن يقول رأياً صريحاً وواضحاً في القصائد لأنه لا يعترف بسهولة بالشعراء الجدد أصحاب المجموعات الأولى، وثانياً لأنه قد لا يقبل أساساً بقراءة المجموعة ليدلي رأيه فيها. عباس يفضل أن يقرأ شعر الآخرين بين دفتي كتاب وحينها يقرر أن يعلق أو لا يعلق عليه.

بالطبع، هذا النقاش هو أبعد في معانيه عن موضوع مجموعة شعرية شابة واحدة يقرأها عباس بيضون أو لا يفعل، إنها الفكرة التي يخلقها عباس بيضون عن نفسه بين شعراء الأجيال التي تلته في المدينة، والصورة التي يخلقها هؤلاء عنه. هذا اذا ما افترضنا أو ركنا إلى التقسيم الجاف والأقل من أكاديمي واعتبرنا أن عباس بيضون من جيل ما بعد الرواد وأن الذين تلوه في الكتابة الشعرية هم من شعراء الحرب وأن هؤلاء جاء بعدهم شعراء ما بعد الحرب أو جيل التسعينات، ومن ثم بدأ يظهر إلى العلن جيل بدايات القرن الجديد (لا يعجبني هذا التصنيف الزمني مفترضا أن القصيدة هي التي تصنف صاحبها، فقد يكون في عمر العشرين الآن ويكتب قصيدة أشبه بتلك التي كتبها بدر شاكر السياب. الجيل ليس بالمرحلة الزمينة بل بالقصيدة). فالصورة- التي يصنعها الشعراء اللاحقون عن جيل عباس بيضون- ذات حدين متناقضين: الحد الأول هو حاجة جميع هؤلاء إلى اعتراف عباس بيضون بشعريتهم، وثانيها هو انزعاجهم من تكرسه شاعراً على مدى حضوره الشعري منذ مجموعته الأولى. وهو في الحدين لا يبذل جهداً كبيراً في عدم انتباهه لجماعة كبيرة من مصدري المجموعات الأولى من الشباب أو من أصحاب المجموعات الكثيرة من مخضرمي الجيلين الأخيرين. هذا البرود الذي يواجه به عباس الشعراء الداخلين حديثاً إلى مدينة الشعر من بواباتها العالية أو من الشقوق المفتوحة في أسوارها، ما يجعله مركز التناحر. فهو إما محبوب وإما غير محبوب بلا حب متوسط، وهو إما شاعر رائع أطلق صوتاً خاصاً في القصيدة الحديثة على مر العقود، وإما هو شاعر غير جميل. من دون موقف وسط. هذه المركزية التي تجعل عباس بيضون في واحد من المتناقضين بالنسبة إلى جماعتين من الشعراء في المدينة، وليس الشعر وحده هو مصدر هذا الانقسام بل ومقالة عباس السياسية تلعب دوراً في تركيب هذا الموقف منه أيضاً، وكذلك مسؤوليته عن الصفحة الثقافية في جريدة "السفير".

هذا ما يخص الشاعر عباس بيضون بالمعنى العام، أما بالنسبة إلي فقد وجدت سهولة منذ تعرفي إليه أن أناديه عباس، وقد استسهلت أمر إرسال قصائد له على بريده الإلكتروني من أجل نشرها في مكان ما من صفحاته الثقافية، ولم أشعر يوماً أنني أمام أي امتحان حين أرسل هذه القصائد. بل وكنت أشعر برأي عباس بيضون بقصائدي أو بقصائد الآخرين من دون أن نتكلم حول الموضوع، بل بمجرد الالتقاء الاجتماعي ونوعية المجاملات. فعباس يخلط جيداً بين حياته الشعرية وحياته الاجتماعية، مخالطة تجعل منه الأقرب إلى الشاعر من حيث الشكل حيث يتكهن كثير ممن لا يعرفونه بكونه شاعراً من مجرد رؤيته، وأقرب ما يكون عليه الشاعر من حيث المضمون وتحديداً حين يبدأ بالكلام على الشعر الذي يصير أشبه بكلام طباخ يحب الطعام عن الطبخ.

رجوع