فرزند عمر

المساء كان احتمالاً وحيداً لحياكة ذاكرتنا بشيء من الدفء المتوارث في مدفأة , القهوة أيضاً المستكينة لقدرها الأسود , صوت فيروز كجزء من أحلامنا المكورة , حديثنا المتخم بالخيبة , أصدقاء , هوامش حماقات , مصائد فرح , و بعوضةً تحوم حول ارتعاشها .
و لأن الصمت أبلغ من الحديث , صمتنا , نراقب العمر كيف يكنِّس ظله , ينفض الغبار عن الشوق , ينقِّح ما طفح منّا سراً على حدود مدينة اعتادت أن تمرَّغ بين اليأس و الخوف , اعتادت أن تسرِّب النهار , أن تستكين .
كنّا كما الرمّان , كما الزيتون , كما هي مدارات روحكِ المقمرة , كنّا نلوك وجهك المنسوج على حين غرة , نرقّم اسمك , فلا يضِع حرفٌ أو يهمد عند مفارق الأمس المتراكم كالوحشة , كنّا نطرز الهواء باليقين , نرقِّع صدورنا استعداداً لاستنشاق الفصول , كنّا نبكي أحياناً .
لكنك كما كنتِ تفترشين رحيلك المجعد - كالشراشف - عطراً مندس الرائحة كما النوم , كنتِ غيمةًً في سماء غاردينيا , كنتِ مثلما أحب .

اليوم
غداً
بعد مئة عام
و الأمس أحدُ معالمهم
أوزان مغشوشة الزمن لحلم مذبوح
حلمِ توارى عن النسيان
و ما تبقى
أقل من مطر
أضيق من طفولة
أحلُّ من مستحيل
ما تبقى
لا يكفي كي أخسر البوكر ثلاث مرات
كي ألعب الدُحَّل
ثم أغفو
وأنا أرضع ما أنا فيه الآن
المساء
صمت الزمن
تعويذة الصائمبن سبع سنوات
القادمون من اقحوانة مركونة في دفتر الهجران
المحتاجون للنقيض
الخائفون
الملولون
الخاسرون لأشياء كثيرة تشبه حزني
أنتِ
أنا
الآخرون أحياناً
عندما يتحسن الفراق مستفيداً من فتات الخائفين على اندمالهم
عندما نلوذ هاربين من قسوة الشتاء
نفسح المكان لرائحة الصنوبر
نستعير الجوع القديم
نقض مضاجع الضوء
الضوء الذي يتعافى من الشقوق وسطوة الجدران
الضوء الذي تعانينه
الضوء الذي فات
و تعبٌ أنا
تعب من حضوري
من جيوبي الخاوية من الوصول
من امرأةٍ خديج تسكن احتضاري
تعبٌ أنا
تعبٌ من ذهولي
من أجراس العودة في يد طفلٍ
قالوا عنه :
ابني
بالأمس
كانت مشقيتا
قاسيون
أم الطيور
المشروع السابع
وعفرين لا بد منها
الحكاية انتظار
القدر انتظار
الحب انتظار
لينا أيضاً
بل أكثرهم روان
روان
المحفوف بقمر
الدائرة المخطوفة من الياسمين
الأول
الهائل
الماثل
المائل
القاتل روان
روان
حقيقة القرن العشرين
أكذوبة الماضي
تاريخ المستقبل
مواعيد الجنة المصلوبة على اليقين
موائد الخمر الممنوحة للفقراء
مواعظ الفقهاء عن أفخاذ الأرامل
مواطئ النشوة الأولى
خزائن اشتهاء
و بالأمس كان القليل
اليوم أكثر
لكني
أنام .

متأخر عن عطرها و هو يندلق على التراب

- " طبقات السماء السبع , طبقات الأرض السبع ، لم تسع الله , قلب الإنسان وسعه , فحذار أن تجرح قلب إنسان ذات يوم ."
كانت طبقاتي الجلدية السبع تقشعر عندما أسمع تلك العبارة , وكان أحمد يلقيها بطريقة درامية تشعرك بأن جهنم هو الحارس الشخصي للجراح , ما إن تفتح جرحاً حتى تداهمك النيران .
" إنه نيكوس كازينتزاكيس ....إنه زوربا ."
ويحاول أن يرقص رقصة زوربا المشهورة , و لأن التصفيق هو النهاية الحتمية لأي فرجة , كنّا نصفق . و تعلو أصواتنا في المقصف الجامعي فتلتفت العيون - اللطيفة منها خاصة - و تمتلئ الرئات بالنشوة استعداداً لبسط غرائزنا .
لم أكن قد قرأت زوربا , مع أنني سمحت لنفسي بالانحشار لأكثر من مرة في التأويلات الممكنة لما جاء على لسان زوربا معتمداً على ما يرويه أحمد .
ربما لا تعرفون أحمد , وتظنون أنه شخص مثلي أو حتى مثلكم لكن الأكيد أنه غير عادي , فهو يستطيع أن يحاور عشرة أشخاص بعد إغلاق فمه , بينما الكذب هو من ابتكره , حتى أننا تفاجئنا عندما غنى زياد.. ( تلفن عياش ) , أن شخصاً آخر مثل أحمد وجد على هذه المعمورة و كانت المفاجأة أن ( عياش ) هو أحمد نفسه .
قرأت زوربا , لكن العبارة ظلت تدهشني , ربما لأنني روحاني بعض الشيء أو لأنني متسع الأحزان كحجمي , و هذه حكاية أخرى سأرويها لاحقاً , لأن حجمي الملوث للهواء لا يتسع في قصة قصيرة , أو نصٍ يكتب على عجل .
كنّا سويةً - أحمد و أنا - عندما نبهتنا دقات الساعة أن التأخير - ثمناً للقائها - سيطرق الباب إن لم ننه حديثنا .
- " بتحبها ... بتحبها يا!! . "
و أضاف
" لك عايشة وحدها بلاك ... و بلا حبك يا ولد ... حاجة تحكي عن هواك .... ضحكت عليك البلد "
مع أنني أحب ( زياد ) و أغانيه إلا أن أحمد و بسبب هذه الأغنية كان ينعش الاستفزاز الذي من شأنه أن يقضي على هذه المحبة .
" أنت السبب في هذه المعرفة ( الله لا كان جابك ) و الآن تريدني بكل بساطة أن أمسح ذاكرتي من أجل ترهاتك المجنونة "
" أنا ... أنا لم أطلب منك ذلك ..! ( أنت اللي تخنتها ) !! "
" دائماً تفعل الشيء نفسه , تؤخرني , و أنا من طيبتي أقع في نفس الحفرة , تعال و أسمعنا سكوتك ."

- 1 -

نت أعلم أنني أطلب المستحيل , إلا أنها كلمة و تقال .
مشينا أفسر له ما تفعله بي كل مرة .
" المرء حين يعشق يصبح أكثر عماً من نعامةٍ تدفن رأسها في الرمال "
هذه العبارة سمعتها مراراً حتى أنني كنت أقولها بدلاً عنه حين أرى ذلك ضرورياً مؤكداً أنني حفظتها .
" أنا أختلف معك , هي لا تقصد ذلك , الرجولة لا تعن الوحشية . "
و أضفتُ قائلاً:
" أن تضرب امرأة.. ما الرجولة في ذلك ...!؟ ثم من قال أن الجنس ضرورة من
ضرورات الحب؟ . "
كانت هذه أحد الأجوبة التي حاولتُ أن أزيح بها شبح ما كان يراودني عندما أفصحتْ لي ما يؤرقها , فهي تبحث عن " رجل حقيقي " ... " رجلٍ بكل معنى الكلمة " كما كان يحلو لها القول عندما تحاول تنضيد أحلامها أمامي .
و على اعتبار أن الهوية الشخصية لي كانت تذكِّر بوضوح أن الجنس ذكر , كنت ألملم خيبتي في كل مرةٍ لا أجد فيها الجواب المقنع .
وصلنا بعد أن كدنا نفقد الأمل لمراتٍ عدة في الوصول قبل أن يباشر التأخير حضوره . جرس الباب لمّا يصلَّح بعد , تعطل قبل ذلك , لأنني ضغطت عليه كثيراً قبل أن يُفتح , اضطررنا لاستخدام الوسائل البدائية , وهذا ما جعلني أشك في سماعها لطرقات الباب قبل أن تنهال علينا مسبات الجيران من هول الضجيج الذي أحدثناه .
كنّا ننوي الرجوع , لربما اضطرت للسفر فجأةً , فعملها يتطلب ذلك كما كانت تقول دائماً .
صرير الباب و هو يُفتح أقفلت خطواتي البطيئة , التفتُ لأنعش لهفتي برؤية شعرها المبتهج كالفوضى , أدركت أن وابلاً من الأعذار لابد منه , ربما كنّا سبباً في انقطاع أحلامها , فالمرء عندما يمتهن النوم لا شيء يوقظه إلا ما يشبه ضجيجنا , حتى لو أدركته أهم المواعيد.
" خجل منكِ كثيراً , لا أعرف كيف أبرر ما فعلناه اليوم ."
محاولاً في كلماتي أن أشرك أحمد كي يحمل عني بعض ما يمكن أن ينهال علينا , فهي مزاجية بطبعها .
وبينما كنتُ أحاول الاقتراب كي نتمكن من دخول قصرها - كما كانت تحب تسميته دائماً - و على غير عادتها فاجأتنا بهدوئها غير المنتظر , عندما طلبتْ تأجيل اللقاء لأن ثمة شخص في الداخل .
أن ألبي رغبتها كانت العادة , لذلك عدنا أدراجنا .
و إلى هذا اليوم , مازال أحمد غير مقتنع بأن الشخص الذي كان في الداخل زميلها في العمل ولديهم بعض الأمور الشائكة التي تحتاج للترتيب , مع أنها هي من أخبرتني بذلك عدة مرات قبل أن تتزوج مديرها .
لقد قال عنه أحمد:
" إنه رجل حقيقي !؟ ... إنه رجل بكل معنى الكلمة . "

- 2 -

تسابيح الموت المواتي للشرق

( 1 )

خلف ذلك الأفق تختفي لجج من الحمى , تتربص ساعة اعتقال الشمس , لتثب مثل ذكرى موجعة نحو ذلك الطيف الذي ما انفك يرجف كالرعب في عيون التعساء .
عندئذ كانت مندانة تجهض حملها الوحيد , تفرش في رأسها الصغير ذكريات هجرة النمل الأبيض , وحين أغمضت عينيها ، شعّ في داخلها وميض مختلف .
استجمعت كل مفردات الرفض , التمرد , في ضميرها المشوه بعقد الخوف والانكسار .
ضخت في جسدها شيئاً من ذلك الدفق العطري الذي تمنحه الأمومة الباكرة , لكنها نسيت أن تقطع حبل السرة .
كان ثمة حلم أبيض يختفي في عتم الغيب ، يذعن لشروط الولادات المأساوية ، التي تتم على قارعة الرمل والغياب .
يهبها رغبة جامحة في أن تعانق بجسدها الضئيل لذة الموت الذي يضطهد أنفاس كل الحالمين بشباب مشتعل .

( 2 )

أشعل سيجارته ، وهمّ بارتكاب تلك الحماقة التي ظلت تراوده منذ أن شعر لأول مرة بتلك الرعشة العنيفة ، حينما انبجست في ذهنه الغض كرة ماردة من ثلج أسود ، لها لون الدم الفاسد ورائحة هي بين الشيح والقرنفل وبقايا الجثث المتعفنة .
فتش عن قرص مسكن يأسر به صراع تلك الجياد المتوحشة في جمجمة الرأس .
وضعه بين ركبتيه .
يا للألم .
حاول أن يستغيث , يصرخ , لكن صوته كان يحتبس في فمه . يرفض أن يتجاوز شفته الدامية بجراح الصمت الطويل .
حشر رأسه بين وسادتين ، وراح يستمطر الوسن من جنب لآخر, ولحظة أن لف الصداع بقايا متاعه ، عاد ليشعل في ذهنه مجدداً مجامر الوعي المستكين الذي بدأ ينبت كفطر الأرض .
قال بوجه متجهم :

- أنا اللهب , أنا الهشيم , بعضي يأكل بعضي الآخر .
عندئذ بحث عن فضيلة الدموع وأفاق

( 3 )

في غرفة الطبيب يبدو كل شيء ساكناً .
وجهه الحيادي ، نظارته السميكة ، أنامل الممرضة النحيلة حد الهزال ، جهاز قياس الضغط ، ساعة الجدار، صورة الجهاز الهضمي المصلوبة على ظهر الباب ، حتى آثار الدماء على غطاء السرير .
كانت الساعة المعطلة عند العاشرة تدق بصوت مخنوق بين لحظة وأخرى ، فيما يتدلى بندولها دون ما حركة في فضاء الغرفة الذي يفوح بالبرودة تنبعث من بلاط الأرض كعاصفة ثلجية تغمر المكان .

رن جرس الهاتف , بصوته الصاعق حطم كل طقوس السكون , أشعل في أجسادهم الثلاثة ناراً متوترة , اختطف السماعة , علقها بين كتفه وأذنه ، جرجر سن قلمه على الورق بعصبية ظاهرة :
- ألو. ها.. طمنّي؟

.............
- ماذا .!؟
الحمد لله

( 4 )

الشارع المحشو بالحمد , المركبات المطمئنة لهديرها , الحكايات الملفوفة بالملاءات السوداء , المطر أيضاً , الشاهد الوحيد على الحماقة الصدفة , عندما تداركت الألسنة خيبتها بلا حول ولا قوة إلا بالله .
عندها فقط أدرك الجميع أن البرودة أخذت تدب في جسده الثقيل بفعل الجاذبية .

( 5 )

نزع السماعة كان لا بد منه لتبيان ما يجري في الخارج , النافذة التي قلما فتحت تداركاً للخيطان الممكن قطعها في كل مرةً , الكرسي الذي حال دون انجاز المهمة بالسرعة المطلوبة , قطرات المطر المستوحشة و هي تدقق وجهه , التمتمة التي أعلنت اكتمال السكينة .
- .... .... ....
الحمد لله