حينما كنت صغيراً وجميلاً كنت أتخيل العود فرساً بأجنحة من ريح. كنت دوما أحلم باليوم الذي تصير لي فيه آلة عود أنا الآخر. عود أختلي به وأداعب أوتاره وأسافر عبره في أعالي الروح. كنت أحب البيانو أيضاً. لكن العود للصبيان والبيانو للصبايا. البيانو يحتاج أنامل رقيقة وروحاً أرق. لذا كلما رأيت رجلا يعزف على البيانو فكرت أنه شاذ جنسياً فأتوقف عن متابعة عزفه لأتخيله في أوضاع مخجلة. أما عازف العود حينما يتسلطن ويفجر من الأوتار عيوناً نضّاخة من ماء الموسيقى الزلال، ويتوحد بآلته يهزّها هزّاً ويتوغل فيها ليطلق المزيد من الريح والأجنحة. فهو لا يمكن أن يفعل كل ذلك دون أن ينتصب عضو ذكورته. إن العود لم ينتخب سيداً للآلات الوترية هكذا. بل لأنه يعزف حقاً لا مجازاً على الوتر الحساس.. لهذا لم أستسغ قط عزف البنات على العود. بل كنت أضحك في سرّي وبخبث ظاهر حينما أرى امرأة تداعب عوداً. كنت أشفق على العود، على العازفة، وعلى الوتر إياه. لكنني وإلى الآن أحس بما يشبه الغصة لأن والدي لم يشتر لي آلة العود التي وعدني بها حينما اجتزت امتحان الشهادة الابتدائية بتفوق. ورغم أنني سأنجح في امتحانات الرابعة إعدادي ثم الباكالوريا فيما بعد فإن والدي لم يفعل. وأنا كبرت ونسيت. هكذا تبدد الحلم وبقيت الغصة. الغصة اللعينة التي عاودتني اليوم حينما تفتّق في ذهني هذا العنوان "فرح البنات بالمطر الخفيف". قلت هذا عنوان يصلح للموسيقى. لو كنت تعلمت العود لعزفت المطر خفيفاً والبنات الصغيرات يرقصن، أو كأنهن يرقصن، ولعزفت الفرح أيضاً. لكن والدي لم يبرّ بوعده، وها أنذا اليوم عاجز عن الدو ري مي وباقي الفا صول ياء... قلت العنوان ثمين والمفروض ألا يضيع مني. فلأكتبه قصيدة إذن. "حاول فقط.. حاول." قلت مع نفسي.
حاولتُ في البداية شعراً تفعيلياً بنفحة رومانسية حشدت لها كلمات من نوع: خفيف، حفيف، عنيف، عفيف، لطيف، أليف، جزر المالديف رغم أنني لم أجد مبرراً شعرياً ولا حتى جغرافياً لتوظيفها في القصيدة لأستغني عنها بعد ذلك دون أسف. لكن القصيدة لم تعط شيئاً ذا بال. ذلك الفرح الصاخب المشرق الجميل الذي جعلني أفكر في الموسيقى والعنوانُ يتفتق في ذهني أولّ مرة غاب من القصيدة تماماً. لو أنني فقط كنت شاعر قصيدة نثر. لنثرت كلاماً كثيراً، وأدرجت فيه ليس جزر المالديف وحدها، بل وحتى جزر القمر والواقواق، ولن يسألني أحد ماذا أفعل. لكنني رجل يهوى الموسيقى. وإذا كان أبي قد حرمني من العود في الصغر، مما ولّد لديّ حالة إحباط وتوتر طوّحت بي مباشرة إلى وادي الشعر، فلا يمكنني أن أخون الموسيقى في قصيدتي. فأنا عاشق كبير للموسيقى. والعاشق لا يخون.
لكنني عاشق للسينما أيضاً. وحينما رأيت الصغيرات يركضن خارج بوابة مدرسة "سلمى الحايك" الابتدائية للبنات ويستقبلن المطر الخفيف الذي بدأ يتساقط في تلك اللحظة بفرح طفولي صاخب، فكرت في الكاميرا أولاً. كنت في أوطوبيس مزدحم مهصوراً وسط أجساد الركاب. لكن ذلك لم يمنعني من اقتناص اللقطة. فكرت فيها كلقطة قبل أن تتبادر إلى روحي الموسيقى. فأنا عاشق كبير للسينما. كنت دوماً أحلم بولوج عالمها الساحر: مخرجاً، ممثلاً، كومبارساً، أو حتى تقني ديكور. المهم أن أكون قريباً من الممثلات. أحب ممثلات السينما بجنون وأعشق السينما من أجلهن. حينما رأيت مشهد خروج البنات من بوابة المدرسة تمنيت في تلك اللحظة بالذات لو كنت مدير تصوير. ليس فقط لأصوّب عين الكاميرا إلى صدور الممثلات وأفخاذهن، ولكن لألتقط هذا الفرح الطفولي الصاخب السعيد. ليس مهماً أن يصنع المرء فيلماً سينمائياً من ساعتين. لقطة واحدة حية وبهيجة أسميها "فرح البنات بالمطر الخفيف" ويكون حلمي قد تحقق. مع العلم أن اللقطة كانت شيئاً استثنائياً. تصور ثلاث بنات صغيرات يتقافزن أمام بوابة المدرسة بسعادة ويخبطن بأيديهن في الهواء وكأنهن يتأهبن للطيران. هذه اللقطة وحدها إذا رافقتها موسيقى جيدة، موسيقى توحي بالفرح والانطلاق، يمكن أن تبيعها بثمن معقول جداً لمصلحة للإشهار بالتلفزيون. البنات والمطر الخفيف. توهُّمُ الأجنحة والرغبة في الطيران. يمكن أن تصير اللقطة إشهاراً ممتازاً لشركة "أولويز". أولويز جديد بالأجنحة. لولا أن البنات صغيرات على الفوط الصحية. لكن جوّ اللقطة الشاعري يمكن أن يصلح لأي شيء: لجبنة الأطفال، لرايبي جميلة، للعصائر الطبيعية ذات الفائدة الصحية ومنتوجات عديدة أخرى حرصت على أن أتسلى بوضع لائحة لها في بالي في انتظار وصول هذا الأوطوبيس اللعين. كان المطر غزيراً والطرقات موحلة والحافلة مهترئة وركاب الحافلة غير مهذبين. بعضهم من هواة الاحتكاكات الشبقية لا يفرق بين رجل وامرأة. بين عازف عود وعازفة بيانو. بين ممثلة جميلة وكاميرامان. بدأت إحدى السيدات، وهي موظفة في مصلحة الضرائب تستقل معي يومياً نفس الحافلة، تصرخ بشكل هستيري. يبدو أن أحدهم تجاوز معها حدود اللياقة في الاحتكاك. المطر يشتد. وصراخ السيدة يحتد. لتلتف الساق بالساق وتشرئب الأعناق. وأنا مهصور وسط الحافلة بعيداً عن النافذة. لذا لم أعد أرى شيئاً. فاستسلمت للظلمة والعرق والزحام وبدأت أفكر، بعد النزول من الحافلة طبعاً، في كتابة شيء رومانسي تحت عنوان "فرح البنات بالمطر الخفيف". بالمناسبة ما رأيكم في العنوان؟
مراكش 26 أكتوبر 2003