أجلس الآن في شرفة المساء، بعد أن استعدت إيقاع حياتي الرتيب وتخلصت من هذيان وجنون باريس. أمسح المكان بنظرة متفحصة، لاشي ء يوحي بقدوم الربيع، رغم تفتح خجول لزهيرات الحديقة المقابلة وعودة الزرقة لماء النهر. رغم رقصات السنونو حول النافذة....
منذ سنوات وأنا أحاول أن أعيد الربيع إلى قلبي وإلى مشتل الشرفة. جربت كل بذور الزهر، ولازهرة استجابت لدعوتي . ربما لم تكن يدي معطاء كما نبهني أحد الأصدقاء. ربماأصبحت التربة أكثر تقبلا للموت من الحياة...
منذ سنوات لم يعد للربيع لون الخضرة .أصبح ذكرى بلون الدم ورائحةالموت وهاويةالسقوط: سقوط المدن , سقوط الأقنعة، سقوط المثل ورحيل الأحبة.
* * *
بين ربوتين صغيرتين، في واد مزهر كنت أقف. طفلة بمريلة وردية وضفيرتين، أرص بياض الأقحوان بحمرة شقائق النعمان...أملأ جيوبي بأحجار صغيرة ملساء أستعين بها في تعلم العد والحساب...لم أكن في حاجة أن أسمع بشارة الربيع من المذ ياع أو أقراها في يومية المطبخ. كان الربيع يتسلل إلى كراساتي ودفاتري وينكتب أغنية بكل ما خلقت الطبيعة من ألوان. تتفتق المسام عن رائحة القرنفل الذي كانت الأمهات يعطرن به شعور البنات، كما تتعطر المساءات برائحة مسك الليل قبل أن تخلد للنوم...لم يكن الربيع بهرجة ولا إعلانات، بل كان لحظة شغف مفاجئة بين أجسادنا الصغيرة و تقلبات الطبيعة. لم أكن غريبة عن فصل الربيع فهو من سقاني أول رشفة لي في الحياة .هو صدى صرختي الأولى و من عمد أنوثتي في مدينة صغيرة على هامش الحضارة.
* * *
صادفني ربيع هذه السنة، في مدينة فرنسية جميلة (كاين caen ) وهي تحتفل بمهرجانها الشعري السابع)...تسلل إلى غرفتي مبللا بالمطر . لم أعتد ربيعا ماطرا من قبل . ربيعي مرادف للد فء والاعتدال وأول دفق لأشعة الشمس. وصلت المدينة في المساء .كل حواسي كانت تتهيب عشقا قادما لمدينة أخرى...في الصباح كان الجو رائقا. وحين خطوت خارج الفندق ذهلت،.ياإلاهي ربيعي عاد من موته...مشاتل الورد في كل مكان، زهر الأشجار، رائحة التراب، مذاق الجبن، طراوة الخبز، الوجوه الموردة...وملصقات تعلن أن البحر غير بعيد.
كعادتي كلما دلفت مدينة، سألت مرافقتي الفرنسية عن مقبرة المدينة ومنفذ البحر. وقبل أن تستغرب سؤالي بادرتُ: "أناقة المدينة من أناقة مقبرتها وتميز رائحتها في قربها أوبعدها عن البحر".
....حكت لي سرفان جرح المدينة. فكاين مقبرة بكاملها.، دمرت خلال الحرب العالمية الثانية ولم يتبقى منها غير حي قديم-فيه يتواجد الفندق- و الكنائس والقصور الخارجة عن المنطقة الحضرية. وقد أعيد بناء المدينة كاملا بعد الحرب...خمنت: ماذا يشتهي المرء في عالمنا المجنون هذا، غير موت جميل في حديقة.حينها تمنيت أن أتجرد من سواد الكلام وأن أكتب بشارة فرح قادم دون أن يلون الحزن مجاراتي.
* * *
في باريس:
الغرفة محاصرة بالاسمنت، من أين سيطل النهار؟
لازرقة تظللني، وإن اشتقت فمن أين سيمر كلامي إلى الله؟
على الطاولة دعوات ثقافية في إطار ربيع باريس الشعري...أين الربيع؟
هي زيارتي الرابعة إلى باريس ومازالت أخافها. هشاشة رومانسيتي تتكسر دائما بعنف عقلانيتها. المدن الكبرى ترعبني وتشعرني بالضياع.لاتعجبني البيوت المرصوصة والشوارع المصقولة..أنا ابنة الفوضى، فوضى بترتيب الطبيعة.....
في باريس رأيت تمثالا يبتسم لنفسه،امرأة تحدث كلبها، رأيت الحديد يقبل الحديد. رجلا يكلم نفسه. رأيت الحمام يتقيأ ضجره في الظهيرة. سمعت سائحا يغازل امرأته:"كم أنت رائعة في معطفك البلاستيكي ياحبيبتي". .رأيتني أجترح إسفلت الشوارع بحثا عني.....
في باريس لم ألتق الربيع، فعوضته برسوم على حائط الغرفة. ولأكون أكثر حكمة من الطبيعة زرعت ليلكاً في قنينة العطر . اشتريت ورودا لي. قدمت واحدة لموزعة الهاتف البولونية حين سألتني عما يغري السياح في هذا البؤس الإنساني الذي سيعمم على حياة البشرية ليجردها من حميميتها ودفئها؟
كانت المدينة منشغلة عن نفسها بصلاة الأحد . فقصدت بدوري باب السماء في كاتدرائية القلب المقدس. أشعلت شمعة له و- كعادتي- نسيت أن أشعل شمعة لي. في صمت المكان، مططت رقعة من روحي ثم غفوت. حلمت ضوءا أرجوانيا يخترقني، ذراعا تحضن شظاياي، يدا تلملم حبات الدمع وتلفها في منديل من الورق وأيقونة تسقط في كفي من السماء. حلمتني أضمد جروح العالم، أغتسل من آلامي لأولد من جديد في مشتل ورد أبيض . سمعتني أطلق صرختي الأولى-كبدئي- في الربيع.
مجلة الأهرام العربي)