نعيم عبد مهلهل
(العراق)

إلى القاسمين (قاسم حول وقاسم حداد..
لأن كل واحد منكما يبحث عن دلمون بطريقته الخاصة)

نعيم عبد مهلهلالخبز والماء والتمر، زاد كل سومري نوى على سفر يتمناه، غير ان الآلهة وبكرم سمحت لكل مسافر تناول الخضار التي يصادفها مزروعة في الحقول حتى من دون إذن مالكيها. ورغم هذا تتحدث الألواح السومرية عن جمالية السفر وتصفه بأنه يتسيد رغبات الإنسان الذي يحلم بإجراء مكاشفة مع الآلهة يتحدث فيها عن البؤس وعجزه المالي عن تقديم القرابين. وغير ذلك يقول السومري: أن السفر هو سياحة الروح. والروح التي لا تسافر ستنال اللوم في الآخرة، لأنها لا تمتلك خبرة المجادلة عما فعلت في حياتها، وتقول الألواح أيضا، أن السفر متعة الشاعر الوحيدة، أما الفقراء، فهو يقترب أن يكون دلمونهم الثانية. وعلى هذا الأساس فكر أور - لهي وزوجته نارين بالسفر إلى مدينة الحلم ( دلمون ) حيث لا ينعق غراب ولا يشيب البشر، والدائم فيها من الفصول : الربيع وحده. هذا التفكير ملك ذاكرة الزوجين بعد ان فقدا الأمل بالإنجاب وكان عليهم في السنة القادمة ان يقدما للمعبد أضحية الولاء للنار، الإله الذي لم يفعل شيئاً للرجل رغم حماسه الدائم في تدوين الأشعار التي تمجد هذا الإله في صراعه الدائم مع الآلهة.
كان أور - لاهي فرانا يشوي ألواح الفخار في بيت الحكماء وعندما تجف يقدمها لتقرأ من قبل رئيس المجلس الذي يقدمها بدوره للملك بحضور الكاهن الأكبر، وكانت الألواح تحتوي في معظمها على تعاليم المعبد وأوامر الملك وأذونات القبض على السراق والمجرمين وهناك رسائل الملك المستعجلة لممثليه في المدن الأخرى يحثهم على جمع المحاصيل وجلبها إلى المخازن الملكية استعدادا لنية ملكية بتوسيع حدود أور صوب الشمال. وما يتقاضاه عن عمله هذا هو ما يوفر له قوتا يوميا لزوجته التي جلبها من لارسا التي ذهب إليها ليرى من سيقترن بها، وقد انبهر بحسنها وسمارها المضيء مثل اكتمال حبة الحنطة، فلم يصبر ليجلبها معه إلى أور في نفس اليوم. ومنذ تلك اللحظة ظلت نارين تشاركه هموم الحياة كلها. كانت زوجته طيعة، ومثقفة، عندما كانت تتفهم جيدا معاناة زوجها وهو يشوي ألواح الأوامر الجائرة، وما يرغم به المعبد الملك كي يجعلها أوامر ملكية تطلب من أهل المدينة مزيدا من اللحوم والزيت وقطع الفضة والحبوب بحجة ان ننار سيقيم الليلة حفلاً أسطوريا بمناسبة ختان أصغر أولاده والمدعوين في الحفل كل الجمع المبارك من آلهة سومر وفي مقدمتهم الكبير انو.
كانت حياة عادية تلك التي عاشها الزوجين في ظل مجتمع تنشط فيه الرؤى ولكن لصالح طبقة معينة، وعندما سألته ذات يوم : ألا يفعل حكماء المجلس شيئا إزاء هذا الاستلاب ؟
أجابها أن الملك تخلص من تساؤلاتهم التي رسمت في عيونهم كما ترسم المسلات على الحجر بأن عين أبنائهم ندماءا له حيث يعفى النديم من الذهاب إلى الحرب. وإزاء هذا الكفاف الصعب وعدم الإنجاب، فكر بطريقة ما تأخذهم إلى حيث يمكن لهما ان يحققا جزءا من أحلامهما الوردية التي تختبئ تحت أجفانهما كما تختبئ الفراشة في تويج الزهرة. وفي ليلة دافئة من ليالي نيسان حيث يكتمل الصفاء السماوي وتنتشر النجوم على بيوت الطين في أور المنقسمة إلى قسمين، واحد ينام فوق السطوح مع قناعة الخبز ويوم العمل المضني، وآخر يرتدي ثوب المجنون ويعبئ الخمرة حتى بين طيات ثيابه. كانا يضطجعان على تراب سطح منزلهما الطيني الصغير، وكانت رائحة الطين المشوي التي صنعت منه ألواح البيانات الجديدة لحرب أخرى سيشنها الملك بالاعتماد على نصيحة وزيره الأول عندما رفضت إحدى المدن الآرية ان تدفع ما عليها من جزية، ومن مكان نومهما أمكنهما ان يشاهدا استعداد الجند لعرض استعراض القوة الذي سيقام غدا أمام القصر وبحضور حكام الولايات جميعا. النجوم عكست على زجاج عيون الزوجة الفاتنة شيئا من بريق اللازورد. وانعكس هذا البريق على عيون الزوج المتأمل ليشجعه ذلك ليحتضن زوجته وليهمس لها برومانسية العاشق.
ـ اقرأ في الألواح بعد الشي، كلاما عن الحب يطلبه الملك لأمر اجهله. ترى هل يعشق ملكا يعلن الحرب كلما رغب احد الندماء، ويقال ان الحرب الأخيرة التي أعلنها لرغبة اصغر أبنائه لأنه لم يسمع نواح أم الجندي، فكانت حصيلة ما سمع من نواح زاد عن عشرة آلاف أم، ويقال ان الطفل المدلل لا يزال كئيبا حتى اليوم، وأمس دفعت إلى القصر ألواح مشوية دونت عليها حكايات مفرحة، عن قرود تتطاير في الهواء وببغاوات تحكي الطرائف، وشهادات كاذبة لأمهات ينكرن أنهن كن يبكين مثل المطر عندما يعودوا بأبنائهن قتلى من ساحة المعركة.
ـ الملوك يعشقون : انهم بشر.وكلام العشق عن منذ الأزل من تسالي الملوك. وقلب الملك ساحة لكل شيء، فلا عجب ان تجتمع الحرب مع الحب في ليلة واحدة. يملك الملوك القدرة على ان يعيشوا الطقسين معا، ليس لحاجة روحية وإنما وجوده كملك يتطلب ذلك.
ـ حكمتك جميلة من أين تعلمتها ؟
ـ الحكمة تتصف بالرصانة وليس بالجمال. الجمال للشعر، للمرويات من تراتيل وحكايات. عمك الذي هو أبي. علمني ان أرى الأشياء بقلبي وليس بعيني، مثلك، لهذا انسجمت معك منذ أول ليلة فراش، وربما أغاظ هذا الآلهة فقررت ان تمنع عنا الإنجاب، لان الآلهة تسمع كل همس، وكان همسنا في تلك الليلة البديعة يتحدث عن شجون دنيا مفتوحة، دنيا ترغب بالحياة من دون ان تجعل هاجس ما هو الوسيط. كل عرسان العالم يتمنون ان تكون الآلهة وسيطة المودة في الليلة الأولى، إلا نحن أردناها لنا وحدنا، وكان ذلك كافيا كي يغيضها وتعاقبنا بأن نبقى وحيدين، غير انك بمهارة الألواح عرفت كيف تتخلص من الم الوحدة، وتقود قطعان الابتسامات إلى حقولي، وكنت سعيدة لأنك سائس ماهر، أما الآلهة فقد نستنا حتما، وعندما تتذكرنا، سنشعر نفسينا بأننا لاننتبه إليها، ستغتاظ برهة من الزمن ثم تنسانا إلى هم آخر.
ـ مرة أخرى أقول هذه حكمة جميلة، الألواح علمتني ان الجمال موجود في كل هاجس والحكمة هاجس.
ـ مادمنا نضع مشروع رحيل إلى ارض هي ملك للآلهة. ترى هل جننا عندما نفكر بذلك ؟‍ !
ـ الجنون الذي يمنحك قناعة عن الذي تبحث عنه يرتقي بك إلى الخلود كان الهاجس المشترك بين ملك أوروك جلجامش العظيم وصديقه انكيدو. مرة أخرى قد نغيض الآلهة، ولكن هذه المرة في الصميم. نحن لا نريد ان نغزو دلمون ونشيع مشاهداتنا في ألواح حيث سيطلع عليها عموم البشر وهذا آمر لا يرضي الآلهة بتاتا. إنما نحن ذاهبان لنتمتع بخاصية قضم ثمرة هي ( التفاحة ) وعندما تفعل ستتحقق لك رغبة واحدة، أما أرضية يصل الحد فيها ان تصبح ملكا للجهات الأربعة، أو سكنا دائماً في دلمون، وهذا يعني الخلود. وهو خلود غامض قد لا يوفر لذات البشر قناعات وجودية. فالذين قد تجدهم هناك، ليسوا من أصدقاء طفولتك، ولا من شعراء مدينتك، وقد يغيضك ان تجد من تحب، أبوك مثلا، يعيش في الجانب المظلم الذي يسمونه الجحيم. وبذلك سيجد الحزن مكانا له في قلبك عندئذ ستطرد من تلك الجنان، لان الحزن ليس له مكاناً في دلمون.
ـ ولكن الطرق طويل ؟
ـ سأسلك الطريق النهري، السمك سيصير متاعنا عندما يقل زاد الطريق.
ـ ومن أين تاتي بقارب ؟
ـ أعارني صديقي الصياد (نامو) قاربه.
ـ ولكنك لا تحسن التجذيف، ويقال ان في الطريق إلى دلمون عواصف تهب فجأة وريحها تسمى السموم تحرق حتى الوجه.
ـ الحاجة والإصرار يرغمانك على تعلم كل شيء، وما دامت معي حبيبتي سيرين سيسهل كل عائق.
ـ حتى الذي تضعه الآلهة ؟
ـ بسفري هذا لا أريد تحدي الآلهة، بل لأشعرها، بالثورة التي تجتاح البشري حين يحس بغبن ؟
ـ وفق هذا التصور، اغلب سكان أور هم من المغبونين، لماذا لا يفعلون مثلما نويت عليه أنت ؟
ـ الجهة التي أنا ذاهب إليها تحتاج إلى رؤى وعزيمة، واشعر بأننا نمتلكها نحن الاثنين.
ـ بالنسبة لي عزيمتي ستكون من عزيمتك.
ـ ولهذا ستكملين معي الرحلة، فقلما يوجد في أور من هما متوافقين في الرؤى مثلما نحن. قد يوجد، فأور من المدن التي تمتلئ بالموهوبين. ولكن الألواح منحتني قوة مضافة لكي انوي واذهب إلى هناك، حيث تكتمل القناعات وتجد الأسئلة أجوبتها المناسبة.
ـ وحتما سأكون زوجة مطيعة، قدرها ان تذهب مع زوجها إلى أين ما يريد.في السفر أجمل ظل لرجل مسافر بعد الشمس هو ظل امرأة يتمناها من كل قبله، وأنا اعرف تماما حجم الأمنية التي تملا قبلك لأجلي.
ـ لهذا ستسهل عيناك الجميلتان الكثير من العقبات التي ستلاقيني، فالسفر لن يكون مثمرا في نتائجه بدون عائق يقف لك في منتصف الطريق ويرغمك على بذل جهد قد يصل إلى ما فوق طاقتك . أنا لم أجرب السفر الطويل لكني قرأت في المرويات التي كان الملك يتسلى بها في ليله الرتيب قصة الرحلة الطويلة لملك مدينة أور البطل جلجامش. واكتشفت فيها التحدي والرغبة بالاكتشاف تقصران الطرق مهما طالت، فكم كانت بعيدة غابة الأرز ولكنه وصل وقتل حارسها الوحش ( خمبابا )، الألواح علمتني ما كنت اعتقده مستحيلاً، صار يستحق المجازفة. لهذا فالتفاحة التي سنذهب إليها سنجد ثعبانها بانتظارنا، ولكننا سوف لن نصارعه أو نخيفه بالسيف أو بشعلة الزيت، سنجلس معه حاملين حججا من درس جلجامش الكبير. هو وقع ضحية إجهاد فكري وجسدي مورس عليه بقصد صنعته الآلهة لان لها فيه نصف. أما أنا وأنت فليس للآلهة فينا شيئا، فأبي ولد فقيرا ومات كذلك، ووالدك لا زال نساجا بسيطا في السوق الكبير بلارسا. في كل تحد سيلاقينا لن نخسر شيئا سوى ذلك العناق الدافئ الذي نمارسه كل ليلة وكأننا في ليلة عرسنا الأولى. اعترف لك : الحب عند الاوري يرتبط بأعمق ما تملك الروح من مشاعر. انه كما يصفه الشعراء : الوجود الصافي المشحون بالبرق الناعم. وهو تراث الفقراء الذي لا يمكن التفريط به، لان الحب مثله مثل كل الهواجس الجميلة يمكن ان يعوض بطريقة أخرى، ولكن التعويض عن الحب المفقود بحب آخر سوف يكون باهتاً.
ـ هذا كلام جميل يا حبيبي. ولكن احذر فالآلهة تنام نهارا وتستيقظ كل الليل لسهراتها التي لا تنتهي حول مصائرنا التي ليس لها عدد. وهي سمعتك الآن : وأنا أصحح بالنيابة عنك، ان كان التعبير قد خانك في تفسير علاقتنا بالآلهة التي نحبها وحتما هي تحبنا رغم انها رفضت زرع زهرة برية في رحمي لتكون بنتا أو ولداً يرث عنك المهنة التي تمنح الحكمة واحتراق جبهة الوجه من نار الأفران أقول نحن من والى الآلهة.
ـ أنا لا أنقص من شان الآلهة، ولكنها بقصد أو بدون قصد تدفع البشر في أحيان كثيرة إلى إظهار عتب ما إزاء قساوة متعمدة منها عليه. ولأنها تعرف قيمة ما يفكر به تحاول ان تتجاوز هذا، لأنها لو أرادت ان تحاسب الإنسان على كل هواجسه المعلنة والخفية، لما بقي انسي على وجه الأرض، فما بيننا وبين الآلهة محكوم بتناقضات كثيرة وهذا مهم للآلهة لان ذلك يجدد فيها الخلود. مرات أحس ان الآلهة تحتاجنا أكثر من احتياجنا لها، فمن دون الإنسان من يوفر لها لحوم الثيران وخمرة العنب والسمك الشبوط والفتيات العذراوات، حيث لياليها التي تتواصل بدوران اليوم كله، وقد تقولين هذا رد دين. نعم فضلها انها صنعت وجودنا، ولكني لا أريد ان أتساءل عن هباتها للبشر، انها متفاوتة، وهذا وكما عرفت من الألواح يعود إلى مبدا القسمة والقدر حد الذي جعلني أفكر بأن الآلهة تقرب إليها من لا يرفع رموشه عاليا. وسأعيد إليك كلمات الشاعر صادفته في الحانة أمس ودفع إلي لوحا من قصيدة طويلة ورجاني أن لا أرسلها إلى القصر فذلك قد يكلفه قطع رأسه، وقال لحظتها وهو في ذروة نشوة الكأس : رأسي أغلى من سلالات سومر كلها : القصيدة بدأت هكذا :

لا ادري لماذا تكره الآلهة الصقور ؟
هل لأنها تحب لحوم الموائد..
فالصقر لا يحب مائدة على الأرض
هو يفضل تناولها فوق الجبل
حيث العلو الذي يشبه علو الآلهة..
أم لان عيناه مفتوحة دائما
ينظر بهما إلى البعيد..
والآلهة لاتحب من ينظر إلى الجهات التي هي فيها.

المسألة ينظر إليها هكذا، فأنا أول من يعطيها. الم أهب من أجلها فرخي الدجاج وهما كل ما نملك من دون دواجن ؟ ورغم هذا أحس بأنها لاتكترث بوجودنا، ربما لأننا لانشعر بشيء مميز. فالآلهة لا تنتبه إلى الأفعال البسيطة ولاتكترث حتى لاحتياجاتنا، ورغم هذا هي تشعر بنا ولكننا لا نلتفت إلى أحلامنا بسبب ضعف الحال، فالفقراء يتصاهرون مع النسيان ويجعلوه أهم سلوى في الحياة، لذلك تتركهم الآلهة غارقين في هذا اليم، وتذهب بعيدا إلى حيث الصالونات الفارهة وقاعات العروش، والغرف التي تعرض لهفة النساء كمن يعرض فاكهته الطازجة. هكذا تعيش والرفاهية حق من حقوقها، مجرد التفكير به والانتباه إلى عالمه الواسع المليء، باللعب والمخادعات والرهانات المكلفة، وحتى الحروب هي من المسليات التي ترفع عنها نوعاً من المأساة يصعب محوه بالليالي الموسيقية أو تأليف الشعر مع إيقاعات موج الفرات وهو يعلن عن طوفانه الربيعي، حيث وفرة السمك والتهديم القسري لكل أكواخ القصب التي حفلت بأحلام زراعي الشلب ومطربي المواويل الجنوبية، والسراكيل الذين يحمون القرى بخبرة الإرث والعقائد البالية، وغير ذلك فان للآلهة سباقا لخيولها الذهبية يصل فيها رهان الملوك وتجار القمح والسلاح إلى أرقام خيالية من أوقيات الفضة والذهب والأحجار الكريمة.
ـ والآن أين تريد ان تصل بطيفك ؟
ـ إلى حيث نجد ما نتمناه ؟
ـ ونذهب إلى مجهول دلمون من جل صبي أو بنت يخلفانا ؟
ـ المسالة ليست كذلك، الوصول إلى هناك سيضع حدا للكثير من أسئلة أراها في الألواح دون أجوبة.
ـ تريد ان تتحدى ما ليس بقدرتك ؟ أمس فعلها سليل الآلهة جلجامش وفشل. وكان من الخبرة والحكمة ما تحسده عليه كل الموجودات، ورغم ذلك، في النهاية خارت قواه واستسلم إلى إرادة الآلهة.
ـ قلت لك قبل ذلك أننا سنضع درس جلجامش أمام أعيننا.
ـ مركبك المتهالك هذا لن يصل حتى منتصف الطريق ؟ !
ـ ورغم هذا ستكونيين معي.
ـ وهل تتصور إني سأدعك وحدك. منذ شهقتنا الالى سوية وأنا أرى فيك شيئا لا يستهان به من مكملات حلم الإنسان ليعيش صفاء روحه وهو يتأمل فقط. تعلمت في لارسا مثلما علمتك الأفران. كانت مهنة أبي متعبة جدا ولكن لا جمال يضاهي ثمارها وأنت تنظر إلى زينة الثوب المكتمل تشاهد عالما منظما بترتيب وعناية، الخيوط الناعمة تريك دقة الأنامل وهي ترسم للثوب قياسا ملائما لسيد أو سيدة. وكان أبي يكلفني بتطريز الورد على صدر الثوب إذا كان لمراة تريد ان تحتفل بقدوم الربيع بين نهديها، إما إذا كان صاحب الثوب جندياً، فأبي ينسج سيفا أو صقرا. ومرة رزقت الآلهة شاعرا، ففكر ان يستبدل ثوبه البالي. فأحتار أبي ماذا يطرز وسط الثوب، فاستشارني، فقلت : لنطرز كأسا مملوءاً بخمرة العنب. وعندما شاهده الشاعر قال : كأنك تعلم ماذا أريد على صدري. رد أبي : كانت تلك ابنتي. قال : ابنتك ستصبح رائية. ولأنني لا افهم بالرؤى قدر فهمي بالحياة وشجنها الذي أراه وأفسره بعيوني، ابتسمت وقلت له من وراء الباب : أيها الشاعر الرؤى للآلهة وحدها.
ـ وكذلك البشر انهم يا ابنتي من يجعلون الآلهة تبسط رؤاها على الكون فمن دون إنسان لن يكون هناك معنى لأي رؤى واختيارك لما كنت أتمناه قد لا يستطيع حكيم لارسا ان يكتشفه ولكنك أدركت أمنيتي ببساطة وذلك بفضل الهاجس العظيم الذي فيك.
هل حقا امتلك القدرة على اكتشاف الهاجس ؟ وهل الهاجس مخفي حتى يحتاج إلى معرفة الباطن ؟ وهل اكتشافات انسيه مثل الذي فعلته مع ثوب الشاعر يغيظ الآلهة. ها أنا أقف معك يا زوجي العزيز مع الحيرة ذاتها. ان الإنسان يدرك حياته بقيمة ما ولد من أجله والفقراء قد تكون قيم الولادة عندهم رغيف خبز لذلك هم لا يتعدون الحدود دائما. وإذا قدر لهم ان يمتلكوا شجاعة ما فهم في قراراتهم الشجاعة يختارون الحلول الوسط. أما ان يفكر فقير بالذهاب إلى دلمون، والسعي إلى تفاحتها فذلك يعني ان الحلول الوسط ستذهب بعيدا. والبعيد كما قال لي أبي ذات يوم : عسير دائما حتى انه لم يزوجني وفق مقولته تلك إلى ثري يبيع الحبوب يسكن مدينة بعيدة وكان قد مر صدفه ليصلح أبي له ثوبه.
ـ أيتها الرائية الجميلة، أنا فيما عزمت لا أريد تحديا، الأمر أشبه بضرورة سكنت قلبي وذاكرتي، أما كيف فاعتقد ان هذا يتعلق برائحة الشواء، فعندما تشوي كلمة فأنك تأكل ثمرة من شجرة الروح. امتلأت الشجرة بالثمر، صار جسدي مليئا بالملاحم والأناشيد ورسائل شكر يبعثها الأمراء إلى من يفضلوهم عناوين لطموحاتهم القادمة. حفظت إلف قنطار من الشعر، غدا يأتي الخريف إلى شجرتي وشجرتك ! أين اذهب بهذا الوجع المتأمل ؟. ان من الحزن، وأحيانا هذا ينطبق علي، ان أتوسد قبر أزلية الظلام ومعي كل تلك الرؤى. ستقول عني الآلهة السفلية لأنني فقير فأنا أناني وبخيل لأني لم اترك بضاعتي على الأرض ومرات أفكر أن أستبدل ما يصيب ذكورتي معك أو أنوثتك معي أستبدلها بممارسة مهنة هي واحدة من مهنة سومر الحكيمة هي ان أكون معلما. لكن الحكماء الذين يجيزون مهنة كريمة كهذه سيقولون لهم : لم نسمع في تاريخ سومر كلها ان فرانا صار معلما !
ـ الآن أنا مع الفران أينما ذهب. فالمرأة لا تحتاج إلى قناعة كي تطيع زوجها. الذي يريده هو الصواب دائما. أنا فتحت لي مهنة أبي نوافذ أتخيل منها الجمال والهندسة المنظمة. وغدا إذا حرستنا الأقدار سنتمتع بجمال دلمون وأطيافها.
ـ سيكون الصباح موعد رحيلنا.
ـ وسأكون قد جهزت لك متاع الرحلة.
ـ الليلة أريدها وداعا لواحدة من أجمل مدن حياتي.
ـ وكم هي مدن حياتك وأنت لم تغادر أور سوى إلى ما جاورها من مدن.
ـ الذي يعتني بكمال اللوح يشاهد مدن الأرض كلها ففيها كنت أرى المدن على حقيقتها، بابل المدينة الصغيرة على كتف الفرات الشمالي، ولكش، وأكد، وحتى مدن النمرود وقراها الثلجية كنت أراها. شاهدت مدنا جبلية وأخرى تقع على البحر الذي جهته تكون مدينة الحلم دلمون، غير ان أور تختلف اختلافا كليا عن كل ما رأيت. فهي المدينة الوحيدة في الدنيا لا يكتمل وصفها إلا مع القصائد. لهذا فأن من المحزن ان نفارق مدينة بهذا البهاء في أخر ليلة لك معها، وتذهب لتنام. سنجعلها ليلة للتمني ما قد يكون، نتشاجر بها ونحن عراة، نربط فيها أحلامنا بحبال مودة ونتركها تنساب مع ضوء القمر مثلما تنساب الدمعة على الخد البارد. أنت تأخذني إليك، أنا أخذك إلي ومن ينجح يكرم صاحبه بقصيدة يؤلفها بذات اللحظة التي يشعر فيها صدر كل واحد منا بحرارة صاحبه.
ـ أنت تحسن الشعر، كنت اسمع في همسك الليلي قصائد ما سمعتها حتى على لسان البلابل، لذلك ستوفق في ان تمنح الليل البارد هذا نسائم من شوق سيتجاوز محنتي التي أفكر فيها من اجل ذلك الغد الذي تريد ان تحقق فيه معجزة لكلينا. أنا عندما أوفق في شجاري معك وأفوز سوف لن أتلو لك الشعر. مجرد ان اغرق عيناي في عينيك هو تأليف لقصيدة لا احد من نساء الأرض تستطيع ان تدونها مثلما افعل أنا وقد أراني دفء صدرك لذة النار التي تنضج بالعجينة وتجعلها طيبة في فم الجائع.
مرة قلت : ان المرأة رغيف الرجل، والعكس هو الصحيح أيضا. فيا أيها الرغيف ان فزت أنت، أو فزت أنا ففي المحصلة لن يكون هنالك سوى شهيقنا.
ـ وهكذا رسم الليل مؤشرات حلم حقيقي لزوجين يرتويان بحكمة الحلم مثلما ترتوي الشجرة بماء النهر. لا اعرف ان كان الزوجان اللذان شدا رحالهما قبل ان تطلع الشمس. قد وصلا دلمون أم لا ؟ لان الفران الذي جاء من بعده لم ينتبه إلى الألواح القادمة من جهة دلمون وكان من بينها يوميات ذلك الاوري الذي قرر ان يتجه صوب جهة الحلم لعله ينال مراده وسبب الذي جعل الفران الجديد لا ينتبه إلى ذلك كونه كان يجهل القراءة والكتابة !
بعد سبعة آلاف عام وبالضبط في بدء الألفية الثالثة للقرن الميلادي. عرضت شبكات التلفزة كشفا اثريا في دولة البحرين حيث يعتقد اليوم انها المكان المقصود بـ ( دلمون السومرية ) تلك الجنة التي افترضها أجدادنا وكان هذا الكشف عبارة عن مركب مطمور في رمال ساحل (المحرق ) وهي إحدى جزر البحرين وقد وجد فيه هيكلين عظميين لرجل وامرأة وهما متعانقين وقربهما تناثرت بقايا من جرة ما فخارية وأرغفة خبز متحجرة.

أور السومرية في 4 مارس 2..5