أوقف الهندي عربته في الساحة وطفق يوضب أغراضه على عجل كي يحملها على طريق المروحيدا.ريق الذي يفكر فيه شبه ملتو، يمر مرة جانب البحر ومرة ينعزل ويبتعد كي يمسيوحيدا... هو وحيد وهناك رمل وزرقة ويسمع اختلاط وحدته مع ضجيج المياه.
العربة أمامه وهو يقيس الرحلة القادمة، ولاشيء سيذكره بالماضي الذي يتركه.
ماذا سيترك خلفه؟! لم ينظر إلى الخلف. العربة تدور وتهز الذكريات التي لا ترتد إلى مكان. المكان! الهندي الأحمر يشير بالسهم نحو صدغه ونحو قلبه أي ان هناك حالة وجد. يترك شيئا في قارعة الطريق. العربة تئز وتجوش مياه ساخنة وكأنها ستنكسر تحت ثقل الديمومة.
اقتربت منه عربة مهلهلة، بها فتاة تركت بلدتها من دون تحضير. في محفظتها دفتر ديون وأوراق فيها أسماء. وعلى يدها وليد الساعة يبكي لأن المسافة لا تنتهي.
فسألها أن تربط عربتها مع عربته حتى يتساعدان.
يقول وهو يضع يده ظلة وينظر نحو الأفق. ماذا يقول؟ لا شيء.
يقطعان الأميال، ثم يقفان. يوقد النار من أجل الشواء. ويذهب على قدميه يتحرز كي يصطاد عجلا بريا.
هل تعيش العجول البرية هنا؟ تسأل الفتاة وهي تقضم اللحم والعظم وتطعم الوليد قليلا منه.
فيجيب وفمه يقضم: غدا شوف أصطاد لك من البحر.
ثم بحياء – بعد استراحة القيلولة – يستيقظ الهندي على رائحة القهوة وفي رأسه خبايا سؤال فيدمدم: هل تتزوجيني؟
مازال الطريق مسافة ويريد صبرا. أفي الطريق، هل يجوز أن اسألها الآن أم أنتظر حتى نصل؟ لم يسألها.
على نحو بضعة مئات من الأمتار يريان عربة مكسورة لأسرة متعبة، أضناها الطريق. تسأل إن كانت العربتان ستحملهما المسافة المتبقية.
المسافة طويلة، كان عليكم قبل الرحلة أن ترمموا العربة وتجددوا الحصان. لكن ليس باليد حيلة.
فصعدوا العربة وراحت الأخيرة تنود وتصر كأنها من نبات القصب.
ينظر بين فترة وأخرى نحو الفتاة كي يقول لها: إنها ثقيلة.
ثم السمك.
والماء مياه البحر الهائل يبرد
ويقرقر
ولا أحد يدري ما يجري في داخله
يرفع رجل غطاء الخباء وهو ينظر نحو الأرض كيف تدور تحت عجلات العربة. إنها ثقيلة وتضرب على مهل بحيث تطبع في كل مرة أثرا وأثرا.
من بعيد
كل الأماكن، كل المعالم، من بعيد كومة رجال قاعدين ينتظرون قافلة.
بينهم رجل يبكي، لقد سمعه الهندي، يهز جسده بحزن على شيء مبهم، يضع يدا على قلبه والأخرى على جبهته، يتأوه: واه واه. فيخشع قلب الهندي، يقف، يقول للحصان ويهز شكيمته أن يحمل هؤلاء الرجال المقطوعين. فلولاه لماتوا.
تئز العربة، تصر، وترسم الأثر بقوة حيث أنه أثر حجارة وحديد، لا يمكن محوه.
كلهم هنود، ولنسيان ماحدث وللتسلية يرسمون في الطريق سحرا وطقوسا كانوا تركوها في منازلهم هناك. وينفخون الموسيقى في قربات أعدوها من جلد الحيوان الثقيل الذي أصطادوه ألف مرة.
هناك تلة. مرت أمامهم تلال، تشبه هذه الأراضي بلادنا. فراحوا ينوحون مما جعل الهندي يومئ للحصان بالتوقف، هذه تشبه بلادنا فراح الحصان أيضا يهز قوائمه ويضرب قامته كل شيء كائن وهو لا يرضى أن يهيم على وجهه من دون تبيان. الحصان. يجب التوقف قليلا والتفكر قليلا يجب... يجب.... لماذا يركب الهنود الحمر عربة؟!
يقص هندي معمر قصصه، ويظهر في وجهه صور جبال تركوها، يظهر في وجهه الثلج حيث يتساقط فوق كولارادو الآن ومناطق الشمال الآن ويتساقط فوق مونتانا الموغلة حتى اونتاريو كندا.
هناك! يرفع ذراعه يشير. إلا أنه بعد قطع هذه المسافة الشاسعة لا يدري إن كانت هناك هي الهناك التي يريدها أم لا. فيخفض ذراعه مترددا، ربما نحو مكان آخر. نحن درنا دورة شبه كاملة من الغرب إلى الشرق فضاع المكان.
تأتي نجمة هندية، تنحدر بضراعة من السماء، تخر، كي تضرب شيطان الأرض.
يجب النوم ثم عند الصباح نصعد الأرض وندحل.
ألفوا أغانيهم. أن يغنوا. والفرس والعربة والرجل الذي يقول أن الطريق لم يعد طريقا.
لكن الفتاة تهز وليدها وتغني بصوت فيه بحة الصباح الباكر.
الرجل الذي كان ينوح واه واه ينزل من العربة ويضع أذنه عند تراب الطريق ينصت إلى صوت قادمين يلوحون من بعيد كأنهم عشرة أو ربما عشرين رجلا مع نسائهم وأطفالهم. فيأتي ويوشوش الهندي قائلا: أنهم أكثر من خمسين نفرا. كيف تحملهم؟
فيقف ويفكر. يجب.. يجب .. أن نبني خيمة هنا. ونؤلف قبيلة ناجية راحلة نحو هناك.
يجتمعون، تنخلق الأصوات وتنخلق العذابات والتي تجعل الذكرى مباحة.
النساء والأطفال والعجز، الأشياء المكسورة في حياتهم، الأجنحة المهيضة تتبع أثر رجالها الذين ظلوا على قيد الحياة.
تغني وتداعب أحلام وليدها، وتغني الحبيب الذي وقف يصارع حتى خر أمامهم أما هي فكانت قد شدت قلبها وحملت الوليد تريد النجاة.
غنت أحلامها: سوف نصل إلى المكان الآمن.
لكن أين هو المكان الآمن؟ يسألها الهندي الأحمر الذي يستشرف المستقبل. هل تتزوجيني.
حتى وصلوا.
قطعوا البحر.
قطعوا البلاد.
قطعة قطعة. مساحة الرؤية والتاريخ.
هنا مكاننا الجديد حيث نحن البعيدون عنهم. لن يقربونا مرة أخرى، فلهم ذاك المكان ولنا هذا المكان.
إن أرادوانا فسيقضون أياما وأسابيع كي يصلوا إلينا.
ولن يصلوا إلينا لأنهم سيضيعون...
و نحن هنا في أقصى الأرض وهم هناك.
لن يصلونا ولن يريدونا مرة أخرى حتى لو كنا على أرض من ذهب.
لكن الهندي الأحمر الذي يستشرف المستقبل رأى أن هذا الكلام غير صحيح. ستثبت الأيام القادمة أنهم سيصلوا في يوم واحد، وأنهم سيفعلونها مرة أخرى.
لكنه وهو يلتفت نحو الفتاة: هل تتزوجيني؟ فنحن لن نرحل مرة أخرى إن قدموا.