القليلُ منكَ فقط قادرٌ أن يبقى.. القليلُ فقط يشحن المدى بوجودك.. يجعلُكَ تحملُ حلماً متوهِّجاً.. نافراً كهامة راسخة.. شامخاً كطود عتيد.
القليل منكَ فقط.. يشحنك بانتظار الغد.. ويجعلك تنام دون أن تستديرَ إلى خيباتك.. دون أن تموتَ فيك القدرةُ على البحث.. دون أن تنتظرَ كفناً من أمنياتٍ باهتة.
القليل منك فقط.. يجعلك متوهِّجاً.. حاضرَ الفكرة.. خصبَ الخيال.. ترمِّم وطنَك بِمِزَق القصائد.. وتتثاءب في صمتٍ مثيرٍ أمام أطياف الرغبة الخانقة.
هذا القليل الباقي.. يُزهر في لحظات الخوف المقيت.. يُزهر رغمَ محاولاتِك أن تقتلَه.. أن تكسرَه.. أن تعبث بقيمته.. أن ترميَه بعيداً عنك.
لكنه في كلِّ مرة.. يظل حاضراً.. يُداهمك في زحمة التفاصيل.. يُجبرك على العودة في كلِّ مرة بنفَسٍ جديد.. وبأمنياتٍ جديدة.
لكن الكثير في المقابل ينهض في وجهك.. أشياء كثيرة.. أشياء صغيرة خانقة تقتحم حياتك.. أشياء صغيرة مزعجة لها القدرة على النفاذ إلى أحلامك وكسرك.
أشياء صغيرة تدخل وسط بوحك.. تغتال خيالَك الخصب.. فيعجز قلمُك الفصيحُ عن كسر طوق البياض.
أشياء صغيرة.. تظل قائمةً.. منتصبةً.. ومخيفةً في الوقت ذاته.
هذا الطودُ الشامخُ من هذه الأشياء الصغيرة.. يتسلل كل يوم إلى قلبك.. إلى ذهنك.. إلى قصائدك.. ليظلَّ وجعُك معلَّقاً.. تغادرك إنسانيتُك الشاحبةُ رويداً رويداً .
وأنت.. كما أنت..
يخذلك كلُّ شيء.. ويفغر الموتُ فمَه في وجهك.. وتموت بين يديك أفكارُك الكبيرة.
تتقلَّب محموماً.. مسكوناً برعشتك الأزلية.. ممسوساً بارتباكك أمام ضجة المشاغل.. وأمام فصاحة الهموم تشهر قبضةً واهنةً.. ومسوداتٍ لقصائدَ لم تسكن إلا في ذهنك.. ولم تَغْتَلْ فيك إلا بحثَك عن كُوَّة.
وأنت.. كما أنت.
تشردُ عن وقتك.. تنطفئ فيك اللهفةُ .. وتنسى قليلاً أنك كيانٌ بديعٌ من أحلام.. وتغمض عيونَك على أكوام المقاييس.. لتظلَّ رغبتُك الحاضرةُ جزءًا من صورةٍ باهتة.. فقدت بريقَها مع الأيام.. وتناوشتها مخالبُ الواقع الأليم.
وتفقد نفسَك في زحمة الوقت الحاد.. تخبِّئ قلبَك الصغيرَ.. وتدفن رأسَك وسط التفاصيل.. دون أن تحلمَ بشيء.. وتمارس صمتاً بليداً.
تحملق كلَّ يوم في أشيائك الكبيرة وهي تموت.. وتتناثر.. دون أن تملكَ حق الكلام.. دون أن تمتلكَ القدرةَ إلا على البحث عن البدائل.
تتعود أحلامَك المقرونةَ بالخيبة.. وتتلذذ بالصمت الكريه أمام كل ما يحدث.. تصبح أنساناً آخر.. تصبح كتلةً من الطلاسم لا تنفتح أبداً.
تصبحُ [نعم] كلمة وديعة خالية من مخالب الرفض.. وتصبح
[لا] شبحاً واهناً أمام أكوام الموافقات الجاهزة.. ويصبح الهروبُ حلاًّ جاهزاً أمام جميع المشاكل التي تعترضك.. وتدريجيًّا ومع مرور الوقت تصبح اللامبالاة هي الحلَّ الناجحَ والسريعَ لكل العقبات.
الزمن سيمنحك حكمةَ الصمت.. والعجز سيكسر في قلبك طعمَ الإنجاز..
كل شيء يصبح خرافيًّا.. أسطوريًّا.
تصبح الحياةُ دائرةً مملة.. تشتبك فيها الأمورُ.. وتختلط فيها
المقاييسُ.. وتغيب معاييرُ الفهمِ وراءَ أكثفِ الحُجُب.
وتموت هكذا.. مُتأبطاً ركامَ أشياءَ صغيرةٍ خانقة.. عامراً بلهفتك المنطفئة.. وبوقتِك الخامدِ في أقبية الانتظار.. مُنشغلاً بخطواتك المتعثرة.. وعابراً إلى وجعك الوفير.
لكن القليل الباقي.. يحفظُ ذِكْرَك.. يُتوجك إنساناً مزهراً بفيض
الأحلام.. متوهِّجاً رغم سطوة الوقت الباهت.. وكم الأماني المعلَّبة!!
فُقّاعة !!
ــــــــــــــــــــــــ
أحياناً يكون الصمتُ ثوباً.. ترتديه متى تشاءُ.. وتخلعه متى تشاء.. أحياناً تكون الحكايةُ مَلَلاً.. يتسربُ في الأوراق.. وتركن في الروح بعيداً!!
أحياناً يكون الحلمُ جنوناً.. فكيف ستطارده قصائدي الصامتةُ بعيونٍ مغمضة.. أحياناً يكون الفرحُ جُرْحاً.. نافراً في الجسد .. باقياً كذكرى.
أحياناً ـ وعندما توصد أبوابَك ـ تطرقُ عليك الحروفُ الرشيقةُ البابَ.. لحظتَها ستكون عارياً إلا من المخاوف.. سريعاً في الموت.. منكسراً كبابٍ عتيق.
ستكون من حولك مجموعةٌ من الوعود.. والكثير من مفاتيحَ لا تفتح.. سيكون بقربك صمتٌ وفير.. سيكون بابك مشرعاً للعابرين.. الذين سيلتهمون دهشتَك.. لحظتَها سيكون القلبُ وحيداً.. مفتوحاً على احتمالٍ كسير!!
يا الله.. كيف تكون الروحُ مسكونةً بكلِّ هذا الموت؟! وكيف تكون مسكونةً بكلِّ هذه الحياة.
أيةٌ تناقضات تجمعها الروح في ثناياها؟!
ستكونُ قليلاً في كلِّ شيء.
في الحلم.
في الأمنية.
وفي الفرح!!
وستكون كثيراً في كل شيء:
في الجُرْح.
في القلق.
في الحزن!!
ستكون الأصلَ والصورةَ.. وستكون الشيءَ وضدَّه.. كيف تكون الأبوابُ مفتوحةً ومقفلةً في آنٍ واحد؟!
كيف نحب ونكره في وقتٍ واحد؟!.. كيف تكون مفتوحاً على كثيرٍ من الاحتمالات البائسة.. وداخلَك تتكور مجموعةُ أحلام.
تحاول أن تكون أنت وغيرك.. سيكون وقتك ضيقاً.. وستحترق في مَهَبّ نزواتك.. ستكون شاسعاً في الخيال فقط.
سيكون فعلُك فُقّاعةَ وهمٍ.. تحاول أن تشكِّلَ الواقعَ من خلالها.. وأنت ترى أن العالمَ لن يصبح أكثرَ اتساعاً بعد كل قصيدة.. وأن الطريقَ لن تصبح ممهدة بعد كل خاطرة.
الجميعُ يتآمر عليك.. العائلةُ تُلبسك ثوبَ المشاغل.. والوظيفةُ تفرش لك فراشَ الرتابة.. والقبيلةُ تتوّجك شيخاً مفتَرضاً.
وأنت تبحث عن ذاتِك ولا تجدُها.. تتصفح الوجوه.. وتفقد مع الوقت بريقَ الرضا.. ستكون مغايراً.. ساطعاً بجنونك.. وسط رتابةٍ شاملة..
إنها لعبةُ الزمنِ المقيت.. إنها سطوةُ الوقتِ القاحل.. إنها أيضاً الأحلامُ الكبيرة.. التي تفتحُ في الحُلكة نافذةً من نور.. وتقول لك: إن كلَّ شيء ممكنٌ ومتاح.. وأيضاً مرتعشٌ ومتراخٍ ومميت.
ستكونُ كثيراً بهذه الأمنيات.. بعد عمرٍ طويل سيقولون: [كان هنا.. سَلَكَ في الأرض طريقَه.. لم ينطفئ نورُ حرفِه.. لم يحملْ معه شيئاً.. فقط كان كثيراً على دنيانا هذه!!]
من مخطوط ( خارج الحبر )
- شاعر من ليبيا.
- صدر له ديوان ( في متناول القلب ) عن مجلة المؤتمر الليبية. 2005.
Ttfasel@maktoob.com
www.Ttfasel.4t.com