مبارك الخالدي
(السعودية)

مبارك الخالديالركض

هكذا وجد نفسه منسلخا عن ثيابه، داخلا في حالة من الركض غريبة ومجنونة. يركض. يركض دون التفات أو توقف. البحر من ورائه، وكثبان الرمل الذهبية الهلالية كتل من الظلمة أمامه، تبدأ من حواف هالات الضوء الأصفر المتساقط من أعمدة النور المسطورة على طول الشاطئ الأفعواني.
يركض بأقصى قدرة لديه في اتجاه الكثبان. يركض وهو الذي لم يركض منذ أن غادر الصبا رموش عينيه.شكرا لليل وغلالة الرطوبة وشحوبة النور التي تزداد كلما اتسعت المسافة بين الشاطئ والكثبان، فقد نصبوا حجابا يقي شبه عريه ما قد يتلصص من العيون التي تملأ المكان.
ويوغل في الركض. يمطر بتساقط قدميه الأرض نصف السبخة، نصف الرملية: طخ..طم..طم..طخ..ينسرب العرق خيوطا عبر جسده إلى قدميه، وإذ يدخل في الركض أكثر، يبدأ يشعر أن جسمه موشك على التفكك عضوا عضوا، إلاّ أنه يضاعف سرعته كي ينسى التعب الذي أخذ يجتاحه بلا هوادة. فيحكم إغلاق فمه مثلما كان يفعل وأقرانه أثناء الركض زمن الطفولة مقاومة للتعب. لكن شفتيه المطبقتين على بعض تنفرجان الآن قسرا أمام الإجهاد المنبعث لهاثا ساخنا قويا من جوفه، فيبدأ يفقد حسه بالمكان، الناس، النور الشاحب المنسكب من ذؤابات الأعمدة، والجا بطريقة غريبة في ركضه. ليس في ذهنه الآن سوى الكثبان الذهبية الهلالية الجاثمة عند حواف هالات الضوء.
يصعد بمشقة أول كثيب منتزعا بصعوبة قدميه من الرمل. يتسلق الكثيب الثاني بمشقة أشد، وعلى الثالث يرتمي على وجهه لاهثا خائر القوى، وبقوة يغرز كفيه في الرمل يضغط بجسمه على الرمل كما لو أنه يود أن يمتص الرمل تعبه دفعة واحدة. كان ولا يزال يعتقد أن الكثبان أفضل فراش لمن استبد به التعب. يواصل الضغط فترة ويتوقف ليصغي إلى نبضات قلبه السريعة والقوية إلى حد أنه يشعر أن قلبه سيفتح كوة في ظهره ويخرج.
لما أفاق لم يسطع أن يتبين كم دقيقة أو ساعة غفا أو نام. فقد تخلص من ساعته عندما نضّ عنه ملابسه. لكن الشاطئ لا يزال متلفعا بالنور الشاحب وعامرا بالناس، كما أنه لا يزال مرهقا ففراش الرمل لم يمتص كل تعبه كما كان يتوقع. لا بد أنه نام لمدة قصيرة. لكن رغم خدر جسمه، يشعر بحالة لذيذة من النشوة والانتصار، فقد حقق أخيرا واحدة من رغباته الصغيرة التي نبتت في الفراغ الكبير الذي يسكن الآن في داخله بعد أن غادرته رغباته الكبيرة. لسنوات وهو مسكون برغبات صغيرة: أن يركض بملابسه الداخلية من البحر إلى الكثبان، أو من الكثبان إلى البحر، أو من أي مكان إلى أي مكان؛ أن يمشي في السوق بكامل هندامه لكن بقدمين حافيتين؛ أن يختلط بالعمال الهنود ليخبر كيف يعيشون في غرفهم علب السردين؛ أن يتنكر بزي متسول ويجلس عند باب أحد المساجد يوم الجمعة..إلخ..ترى كم يحتاج من الزمن لكي يحقق كل رغباته الصغيرة؟
من الكثيب، يشخص بصره عبر الظلمة إلى الأجسام دائبة الحركة على الشاطئ. يفكر: كم من الرغبات الصغيرة لديهم؟ هل غادرتهم رغباتهم الكبيرة؟ هل يركضون ذات يوم
يتزحلق لقاعدة الكثيب كطفل، ويمضي.

نشوان

بخطى سريعة خفيفة متوترة، يتجه نشوان صوب القطار وليس في تفكيره سوى أمنياته الصغيرة التي يطوقها بخوف وحنو بأروقة روحه ويخاف أن تنمو وتكبر بعد أن رأى أن زمانه لا يسمح بالأمنيات والأحلام الكبيرة، فهو يطأها بقدمين من غلظة وقسوة. أحيانا يتهم نفسه بالانهزام لأنه أصبح يفصّل أمنياته حسب مقاييس زمانه، وهو الذي كان يؤمن أن الإنسان هو المخلوق الوحيد الذي لا يمكن هزيمته حتى بتدميره، مثلما كان يؤمن العجوز سانتياغو. يفاجئه صوت في داخله لتخفيف قسوة الاتهام الذي سدده إلى نفسه: لكن سانتياغو ليس إلاّ شخصية نبتت من خيال هيمنغوي، هيمنغوي الذي ضغط بسبابته على الزناد ليكتب نهاية حياته. هل كان انتحاره تدميرا لذاته، أم إعلانا للهزيمة؟ ينسحب نشوان من أمام السؤال لأن هيمنغوي وسانتياغو لا يهمانه الآن. يمسك بهما ويدفعهما إلى داخل المكان الذي يحتلانه من ذاكرته ويرتج الباب عليهما، لا يريد أن يتذكرهما الآن ولا غيرهما، كل ما يهمه هو أن يصل إلى العربة.
يصل إلى العربة، يصعد العتبتين الحديديتين، يدخلها، يلقي بجسده في أحد المقاعد ويتمدد بارتخاء، مسلما نفسه لتيار أمنياته الصغيرة المائر في أعماقه. يتمنى أن يجلس دون أن ينقضّ عليه المأمور بأمره المتلفع بابتسامة مفتعلة باهتة أن يحمل جسده إلى مقعد آخر لأن المقعد الذي اختاره من تلك المقاعد المخصصة للعائلات. في كل مرة يركب فيها القطار، يعيد المآمير الكلام ذاته معه ومع غيره فينهضون من المقاعد باستياء، لأنهم يعلمون أن مايسمى "مقاعد العائلات" سوف تظل فارغة حتى نهاية الرحلة، ورغم ذلك يصر المآمير على إجبارهم على النهوض من أماكنهم إلى مقاعد أخرى، فكأنهم يتلذذون بممارسة هذا الطقس التعذيبي اليومي. لكن مايثير غيظ نشوان إلى حد الرغبة في الصراخ احتجاجا في وجه المآمير أنهم، في أحيان كثيرة، يطلقون لفظة "عائلات" على نساء يسافرن بمفردهن، ويمتنعون عن اعتباره عائلة، وهو الذي يمشي ويسافر ويؤوب بصحبة عائلة كبيرة ممتدة من همومه وعذاباته وأمنياته الصغيرة وصوتها. صوتها الذي إن جاء يخضّل ثواني عمره بالضياء والمطر، وينسكب في روحه رحيقا من أقحوان وشجر. يتذكر كيف كان يرتعش نشوة واحتراقا لذيذا في حديثهما الذي دام دقائق قليلة اختلساها من زمن الغلظة والقسوة ليلة البارحة، ونام على هدهدة نغمات صوتها العذب الرقيق الذي ينقله دائما إلى شطآن مغمورة بالنور. كان "نشوانا" بالفعل، ففي لحظات أحاديثه معها فقط يشعر أن اسمه ينطبق عليه، أما فيما عدا تلك اللحظات، فيتمنى أن يكون له أسم آخر، أسم لا علاقة له بالنشوة أو الانتشاء، لأنهما يكونان بعيدين عنه بمسافات خرافية. يتمنى الآن أن يمد يده في الهواء ويمسح المسافة التي تفصل بينه وبين صوتها ليدخل في النشوة التي خبرها البارحة. يرفع يده عاليا في الهواء، يحرك راحة يده المفتوحة أمامه بحركة قوسيّة، كأنه يمسح المسافة بينه وبين صوتها، وقبل أن يتم غايته، يباغته صوت المأمور: "لوسمحت". يحبس نشوان أنفاسه توقعا للأمر أن ينتقل إلى مقعد آخر، يفتح المأمور فمه مرة ثانية:"التذكرة من فضلك". يفلت نشوان أنفاسه بزفرة ارتياح، يمد يده بالتذكرة إلى المأمور، يتناولها المأمور، يضعها بين فكي الثاقبة، يندّ عن الثاقبة صوت خافت: "تشك"، يعيد المأمور التذكرة مثقوبة إلى نشوان، يدسها نشوان في جيبه. يلملم أطرافه ، يعود إلى حديثهما ليلة البارحة، يلج صوتها، يتدثر بدفئه، ويسبح في نشوة لذيذة.

ذات صباح

تمتد يده مدفوعة باللهفة المكتظة في داخله على النور. يفتح النافذة، ترتطم عيناه بسطر القضبان الصلبة.
كل صباح، يفتح النافذة، ويحدث الارتطام، فيغلقها لكي لا يستمر الارتطام ويستمر معه الوجع الذي يهرسه بشراسة كلما أثار مرأى القضبان صور قضبان أخرى. لكنه يقرر فجأة ألاّ يغلق النافذة هذا الصباح، وبسرعة يدير ظهره إليها وينطلق راكضا. يصطدم بكرسي في طريقه. يسقط الكرسي على البلاط. ينكسر مسند الظهر. لكنه يواصل ركضه غير عابئ بالكرسي الذي أصبح بدون مسند ظهر الآن. يدخل عبر باب صغير يفضي به إلى جوف غرفة صغيرة لم تفلح النافذة العالية، قرب السقف، قي تشتيت الظلمة الراقدة بين جدرانها. يتحسس الجدار بأصابعه المملوءة باللهفة المتوترة. ترتطم أصابعه بزر، لترتطم عيناه بالنور شديد التوهج الذي انبعث من المصباح المتدلي من السقف. يجيل عينيه في الغرفة المغمورة بالنور، تنبسط نظراتهما على أكوام متفرقة ،هنا وهناك، من مفاتيح مختلفة الأحجام والأنواع ومطارق وأزاميل وأدوات أخرى ظل يجمعها ويكدسها على مدى سنوات عديدة وطويلة على أمل أن يعود يوما إلى هوايته التي مارسها صغيرا، بصحبة أقرانه، في النجارة وصنع الألعاب عندما كانت الألعاب شحيحة وبعيدة عن مدي يديه.
يجلس بين أكوام الأدوات، ويشرع في نبش سريع عنيف. تقع عيناه على منشار. يمسك به بكل الوجع الذي مابرح يفتك به منذ ارتطام عينيه بالقضبان، ويعود ركضا إلى النافذة.
يركل، في طريقه إلى النافذة، الكرسي محطم الظهر بكل شحنة القوة في جسده، ويخاطبه باشمئزاز مهموس: " شكلك رائع فقط..انكسر ظهرك من أول ارتطام، ماذا لوكانت حياتك كلها ارتطاما يتلوه ارتطام؟". يسدد ركلة ثانية حانقة إلى الكرسي. يرتطم الكرسي بالجدار. تنكسر إحدى قوائمه. ينظر إلى الكرسي بتعجب واشمئزاز تمددا على وجهه تكشيرة كبيرة.
يصل إلى النافذة، يسحب كرسيا آخر، يضعه لصق الجدار أسفلها، يعتليه واقفا، ويهوي بالمنشار على قاعدة أحد القضبان. ويدوي رنين مزعج من ارتطام المنشار بالقضيب. ويبدأ في النشر غير مبال بالضجة المتصاعدة من احتكاك الحديد بالحديد. يستمر في النشر العنيف المحموم. يبدأ العرق في التصبب من جبينه، وسرعان ما يغدو جسده مبتلا بخيوط متدفقة متواصلة من العرق، لكنه لا يتوقف ولو للحظة لتهدأ أنفاسه التي أخذت تنافس علوا دوي النشر.
ينتهي من نشر قاعدة القضيب، ويشرع في نشره من فوق إلى أن يسقط القضيب مرتطما بالبلاط دون أن يتنبه إلى ذلك. يصوب عينيه المحمرتين إلى حيث سقط القضيب، فيلمح تحته شرخا في البلاط، يفكر: " إنك مثل كل القضبان، مؤذية ومدمرة حتى في سقوطها." ويلتفت إلى النافذة ليشرع في إسقاط قضيب آخر، ولكن من فوق هذه المرة.
يخر جالسا على البلاط مع سقوط القضيب الثاني، الذي تنبه إلى دفعه إلى الخارج. يحاول أن يقف ليواصل النشر، يشد جسده إلى أعلى بما تبقى فيه من قوة، لكنه يخفق في النهوض، فيلقي بجسده بتراخ على البلاط البارد، ويتمدد. وبعينين تجمع العرق على أهدابهما ينظر بوهن، مفكرا، إلى النافذة:" لن أستريح حتى تسقط القضبان من المكان كله". تنبجس في جسده مع التماع الفكرة في رأسه دفعة جديدة من القوة فكأنه لم يبذل ذرة من جهد في إسقاط القضيبين السابقين. يقف منتصبا. يقفز على الكرسي ليستأنف النشر، وقد بدأت تتشكل في خياله صور لشوارع وحارات ومدن امتلأت بدوي هائل لمناشير وقضبان متساقطة. تملؤه الصور بفرح لذيذ، فتنفرج شفتاه المنداتان بالعرق عن ابتسامه صغيرة، فيشد قبضته على مقبض المنشار وينشر، وينشر، وينشر...

تباريح وْحَيِّد بن فياض

لست طويل القامة وممشوق القوام مثل ماجد عبدالله، في أيام عز وشهرة "أبو عبدالله ..الرمح الملتهب"، ولا أدنو في الوسامة بقدر مسافة ميل من "بو سنيدا"، الفنان راشد الماجد. أما إذا افترش وجه الفنان جواد العلي شاشة التلفاز، فآه، ثم آه. وبإرادة ذاتية تدب فيهما على الفور، تمتد يداي كلتاهما، رغم أنفي، لتطفئا التلفاز على الرغم من صيحات الاحتجاج والشجب التي تنطلق متزامنة ومتزاحمة من أفواه شقيقاتي.
لمّا تكرر امتداد يديّ إلى التلفاز، وتكررت احتجاجات شقيقاتي، إهتدين إلى فكرة الانتقال إلى إحدى القنوات الإخبارية كلما سمعنّ وقع خطواتي أو صوتي وأنا متجه إلى الصالة. فيقتربنّ من بعضهنّ إلى أن تتلامس رؤوسهن ليتهامسنّ همسا مصحوبا بضحكات خفيضة. لم أتبيّن مرة واحدة موضوع همسهن، لكنني لا استبعد أنهنّ يتحدثنّ عن غيرتي من جواد العلي وغيره من الفنانين الوسماء بسبب ما يعتبرنّه دمامة فيّ.
الحقيقة أنني لست دميما، ولكنني قاب شبرين أو أدنى من الدمامة وفق تعريفي الخاص للدمامة. أما طولي فهو معقول جدا من وجهة نظري، لكن لا أحد يكترث لوجهة نظري، كما لا أستطيع إقناع الآخرين بأنني لست قصيرا كما يعتقدون. بعضهم يصرح بذلك أمامي دون حرج، و حتى دون التفكير في أنهم يجرحون مشاعري، والبعض الآخر يتحدث عن ذلك خلف ظهري، عندما لا أكون موجودا في نفس المكان.
ما يضاعف حدة تألمي من قصر قامتي وقربي من الدمامة هو أن أبي طويل وممشوق القوام ويملك من الوسامة ما يرضيني القليل القليل جدا منها، وأعمامي الثلاثة، الذين يوقعون بي دائما ألما مبرّحا بتذكيري بقصر قامتي ودمامتي، وسيمون وطوال القامة مثل شقيقهم الأكبر أبي، الذي لو لم أكن ابنه ويشفق علىّ لربما آلمني مثلهم. أما أخواي فكم تمنيت أنهم ليسا أخويّ، وكم تمنيت أنني أشبههما تماما، أو يشبهاني. كان أبي كريما معهما بتوريثهما جينات الوسامة وطول القامة، بقدر ما كان بخيلا معي للغاية.
الوحيد الذي كان مبتهجا بدمامتي وبقصر قامتي هو جدي قبل وفاته، والسبب هو أنه كان السبب في حدوثهما، فمنه ورثت مصيبة قصر القامة وكارثة الدمامة كما يرى الناس. أقول الحقيقة بدون مواربة، لقد كنت مثله فرحا بالشبه بيننا في سنوات طفولتي المبكرة، فكانت رقبتي تنمط و تطول، وتتهلل أسارير وجهي سرورا عندما يشير احدهم إلى تلك العلاقة الفريدة بيني وبين جدي، إذ كنت الوحيد بين أخوتي الذي تسربت إليه جينات جدنا في غفلة من جينات أبي حاملة الوسامة وطول القامة. تكرم جدي بتوريثي هاتين الصفتين أدى به إلى أن يكون كريما عليّ في أشياء أخرى. فدائما ما كانت جيوبه عامرة بأنواع مختلفة من الحلويات يمنحني إياها بعيدا عن أنظار أخويّ، ويهبني ظهره جدارا احتمي خلفه من سورات غضب أبي، وهي ليست بالقليلة لأن مشاغباتي لم تكن قليلة.
لمّا كبرت صرت أكره نفسي لأني أحببت صلة الشبه بيني وجدي، الحب الذي عمّقته الحلويات التي كان يدسها في جيوبي، واحتماءاتي خلف ظهره. وها أنا أعلن بصراحة أنني أصبحت أكرهه، وأحمله المسئولية عن مصيبتي.
ليس لي في كل هذا الكون من أبوح له بمعاناتي وبآلامي سوى أمي وابنة عمي. أمي لم تبتهج بحالتي مثل جدي، وهذا أمر متوقع ومألوف عن أي أم إلا في حالات شاذة ربما، و كأي أم يؤلمها ما يؤرق أبناءها وبناتها، ولهذا كان صدرها ولا يزال ملاذا ألوذ به من وخزات الألم الذي لا يبارحني إلا عندما أرتمي عليه، وقد احتشد صدري بالنشيج وعيوني بالدموع. "لا تدع الحزن يقتلك، " كانت تقول، دائما، ودموعي تصنع بقعا من الرطوبة على صدر فستانها. "الرجل لا يعيبه غير جيبه. وأنت سوف تكبر وتغدو رجلا ناجحا، في مركز مرموق، وجيوبك كلها مملوءة بالنقود. ولن يهتم الناس بأي شيء آخر."
أمي لاتزال تردد هذا الكلام رغم أنني كبرت وتعلمت وتخرجت من الجامعة وجيوبي ما برحت خالية من النقود لأنني لم أجد عملا فالبطالة تبسط أذرعتها الأخطبوطية كل مكان. أما ابنة عمي فقد حفظت كلام أمي حرفيا وصارت تصبه في مسمعي منذ طفولتنا لتواسيني وتخفف الوجع الذي يهاجمني في القلب والصدر والخاصرة.
في طفولتنا كانت تقول لي ذلك الكلام وجها لوجه، أما بعد أن افترقنا لمّا نهد صدرها وتغيرت تفاصيل جسدها، أصبح التلفون وسيطا بيننا قبل أن تشاركه الانترنت في الوساطة.
ابنة عمي تحبني كابن عم لا يمكنها التخلص من علاقتها الدموية به، لكنني لا أتصور أنها ستصطفينني في يوم من الأيام حبيبا يتحول في المستقبل إلى زوج وصديق وأب لأطفالها. إن مواساتها لي نابعة من الشعور بالرأفة والشفقة عليّ، وليس من الشعور بالحب. هي لا تفكر في الزواج بي. هذا ما استشفه من ترديدها: "الزواج قسمة ونصيب،" كلما اسألها عمّا إذا كانت ستقبل الزواج بي عندما أتقدم لطلب يدها بعد أن أجد وظيفة واستأجر شقة صغيرة نعيش فيها.
"قسمة ونصيب،" تقول ابنة عمي دائما. بيد أن القسمة والنصيب لن يكونا لي. سيكونان لشاب يمتلك ولو القليل من وسامة وجمال نجوم السينما والغناء والرياضة الذين تزين صورهم جدران غرفتها. أنا لم أدخل غرفتها منذ أن أصبح لها غرفة خاصة بها، لكن أعرف محتوياتها من توصيفاتها التي تهربها عبر الهاتف أو الانترنت.
في هدأة كل ليلة، وأنا مطوق بشعوري بالوحدة وبتيقني الموجع من أنها لن ترضى أن تكون نصيبي، أتخيل انسلاخ أحد النجوم من إطار صورته على الجدار لكي يتجاذب معها أطراف الحديث على حافة سريرها، فأحاول جاهدا أن أكبح جماح خيالي حتى لا يتعدى الأمر الحديث بينهما على حافة السرير الذي لم أعد أجرؤ حتى على الحلم في الجلوس على حافته.
في إحدى الليالي، يكون المنسلخ عن الجدار ليوناردو دي كابريو ، وفي ليلة أخرى، توم كروز أو براد بيت، وفي الليالي التالية انطونيو بانديراس، أو ول سميث، أو جون كلوني، أو عمرو دياب، أوعاصي الحلاني، أو ياسر القحطاني، أوعماد الحوسني ، إلى أن تنتهي القائمة، ثم يبدأ انسلاخ الصور من جديد. وأنا لا استطيع الانسلاخ عن حزني العميق المستمر النابع من حقيقة أنني لست وسيما وممشوق القوام-- الحقيقة كما تنطق بها عيون الآخرين وألسنتهم بجهرها وهمسها وبتصريحاتها وتلميحاتها، وسقسقة ضحكات شقيقاتي الخفيضة خلف ظهري.
في بعض الأحيان، ينتابني الحنين بقوة إلى أيام جدي، فأتمنى لو أنه لم يمت!!

قفزة

يشعر بغتة ببقايا الطفولة تعرش في قلبه غصونا خضراء رفيعة تتسلل بهدوء إلى شرايينه وأوردته، فتنفتح بوابات ذاكرته على الأزقة والطرقات التي ملأتها أقدامه ركضا وقفزا وشقاوة. يميل جذعه الممتلئ الآن للأمام، ينحني، يلتقط ذيل ثوبه، يرفعه إلى أن يصل مستوى صدره، ويقفز بقلب يفيض فرحا لذيذا من أعلى عتبة في مدخل القطار إلى الرصيف الأسمنتي. يهم أن يركض رافعا ذيل ثوبه إلى مبنى المحطة، يتلفت، تغرزه النظرات في مكانه، يفلت ذيل ثوبه، ينسدل ليخفي عري ساقيه، ويسير بخطى يتمنى أن تكون سريعة وخفيفة.

حروب

تبتعد المعلمة، تفتح نورية حقيبتها بارتياح. تسل كراس الرسم، تضعه على المنضدة، تخرج علبة الألوان، تضعها جانب الكراس، تفتح العلبة، تلتقط قلما، وتحني رقبتها فوق الكراس، ترسم بيوتا وشوارع وحدائق تملؤها بأطفال يحملون بنادق وأحزمة رصاص وقنابل يدوية، فتضج الشوارع والحدائق بأزيز الرصاص ودوي انفجارات القنابل، وتمتلئ بالأطفال القتلى. تقترب المعلمة، تنتصب إلى جانب نورية، يتقلص جسم نورية،تقصف المعلمة رسمة نورية بنظراتها، يتغضن وجهها، تجذب الكراس من تحت يدي نورية، تمزق الرسمة إلى قطع صغيرة، يتساقط الأطفال رؤوسا وأياد وأرجل وأشلاء تتناثر على سطح المنضدة وأرضية الغرفة، ويدوي قلب نورية بانفجارات صغيرة.

مسافات

الأصدقاء حزام من الأجساد المسترخية حول الطاولة، يحاصرون حديثهم المهموس عن الوصول إلى المدى السمعي للطاولات المجاورة، ويطوح بهم الحديث في مسافات كثيرة، مسافة للوطن، ومسافة للحزن، ومسافة للكتابة، ومسافة للمرأة، ومسافة طويلة طويلة للأقنعة. فيما كان أصدقاؤه يملئون المسافات بالكلام، كان يرتب على وجهه قناع الاهتمام، وقلبه وذهنه يهفوان في اتجاه امرأة إذا ما ألقى جسده للنوم شاركته دفء السرير في المسافة الضيقة بينه وبين زوجته. وكلما أيقظه الشوق للعناق طوقها بذراعيه وسدد عبر المسافة ابتسامة إلى عيني زوجته، وأغمض عينيه.

حدث

يترجل، ودون تفكير سابق، يقذف حقيبته في الهواء ويتلقفها. يقذفها ويتلقفها مرة ثانية بموجة من فرح وطفولة، ويود لو يفتحها ويقذفها بكل قوته ويهمي كل ما في جوفها على انحناءات المسافرين العائدين، المهرولين إلى البيوت التي تدثرهم بوهم الأمن من الغامض. ويود، بشكل أكثر حدة، أن يثقب قلبه ويرشق بدمه الهواء علّ أن تسقط كل الأثقال التي تشده إلى ما يسلب ألق براءته ويصفد لسانه عن اللغة المشتهاة.
يلكزه رفيقه بمرفقه أن: "أثقل"، يتلقف الحقيبة، ينغلق كفه على مقبضها طوق مرارة، ويهرول...

إفاقة

فكر أن يفعل شيئا يهشم به زجاج الرتابة التي تعصره طوال الوقت. قال لزوجته: أكرهك! ردّت ببرود رتيب: ومتى قلت إنك تحبني.

خوف

اقتربت من صالة انتظار الرجال، رأته ليس وحيدا، همّت أن تطرق الباب الزجاجي، أن تومئ له أن يأتي إليها، فباغتتها مدية في قلبها فأودت برغبتها إلى الهلاك. ضمّت جوانحها على جثة رغبتها، وقفلت عائدة إلى صالة انتظار السيدات. فكرّت أن تحاول مرة أخرى ، أجهض موت الرغبة الأولى الفكرة، فاستنجدت بالشرطي.
اقتحم الشرطي صالة الانتظار، أمره أن ينهض، فسقط كلّه عند قدميه. لما انفرج الباب عنهما على البهو بين الصالتين، قال الشرطي: امرأة تود التحدث إليك. حدق مبهوتا إلى الشرطي، همّ أن يقول شيئا، خذله لسانه.

بوح

يشخبط. يرسم خطوطا تتقاطع، تتوازى، تتداخل دوائر وأشكالا حلزونية، تتكون دائرة في المنتصف، يقذف داخلها حاجبين، عينين، أنفا، فما، يتشكل وجه امرأة، يبسط فوقه ابتسامة عذبة، ويضمه إلى قلبه.

نظافة

لما دخل البيت يجر قدمين مصبوغتين بدكنة الطين، لم تصرخ في وجهه، كما فعلت مرات ومرات من قبل، أن يذهب إلى الحمام لغسلهما، وأن يتفادى الوطء على السجاد ذي اللون الفاتح، وأن يغسلهما جيدا لأن النظافة من الإيمان. لم تقل ذلك كما قالته مرات ومرات من قبل، ولكن اقتربت منه بهدوء ، انحنت عليه، هسهست وطرف لسانها يكاد يدخل في ثقب أذنه: اغسل قدميك لكيلا تصير أسود.
فر الطفل عصفورا مرعوبا في اتجاه الحمام، والطين يتطاير نتفا تسقط لتبقع السجاد بالدكنة. قذف جسمه الصغير المنتفض في المغطس، فتح الصنبور على أقصى اتساع فوهته، فانهمر الماء شلالا صغيرا وقويا على قدميه، وراحت عيناه تتأملان للمرة الأولى بقايا دكنة الطين وهي تهوي في ظلمة المجرى.

حياة

أصوات المتظاهرين تهوي مطارق على طلبتي أذنيه: حرية، عدالة، مساواة، ديمقراطية، سلمية.. سلمية.. سلمية. لا تفلح سبابتاه في حماية طلبتي أذنيه من الطرقات المؤلمة المتتالية، فينطلق عدوا في أرجاء الدور الأرضي ليغلق النوافذ.. نافذة..نافذة والأبواب.. بابا.. بابا.
يصعد الدرج ركضا الى الدور الأول ليغلق النوافذ والأبواب في غرف النوم، يطوف معرقا لاهثا بالغرفة بعد الغرفة ليسد كل المنافذ والثقوب أمام أصوات المتظاهرين. يطفئ أجهزة الكمبيوتر في غرف أبنائه وبناته. يتوقف فجأة مستغربا خلو المكان من زوجته وبناته وأبنائه، يرتج هلعا لما تعبر في ذهنه فكرة احتمال خروجهم الى الشوارع والميادين.
يفكر في الخروج للبحث عنهم وإجبارهم على العودة الى البيت. لكن قبل أن يهم في النزول الى الدور الأرضي يستوقفه وقع أقدام وجلبة احتكاك أجسام صلبة بسطح البيت.
يتسلق الدرج الى السطح. يجمده مرأى ظهور زوجته وبناته وأبنائه، وقد اعتلوا الكراسي التي لم يلحظ اختفاءها من الغرف. أياديهم تتمايل في الهواء بتلويحات تنز فرحا للمتظاهرين، وترفع أوراقا تدير ظهورها إليه، يصرخ: "انزلوا يا..."، ويخر مغشيا عليه.
ببرود يلتفتون إليه للحظات، ثم يديرون ظهورهم إليه، تدير الأيادي الملوحة للمتظاهرين ظهورها إليه، تدير الأوراق ظهورها إليه.

تظاهرات

"أحضروه".. لم تكن نائمة عندما أحضروه، ولكنها تظاهرت بالنوم، مثلما كانت تتظاهر في الأيام الماضية بأنها لا تكترث ولا تتابع ما يجري في الشوارع والميادين ويدخل حتى في غرفة نومها عبر التلفزيون الذي لم يعد يتوقف عن البث كما في الأيام القديمة.
وكان مثلها يتظاهر بأنه لا يهتم، وبأنه، كما قال مرات ومرات ، ليس مثل أولئك المجانين الذين أصبحوا يقضون وقتهم خارج بيوتهم وبعيدا عن أعمالهم،لا لشيء، سوى الهتاف والصراخ والغناء، والتصوير، وتهريب التسجيلات الى القنوات الفضائية. هو مختلف وعاقل ويعرف مصلحته جيدا. تلك هي الصورة التي كان يحاول غرسها في ذهنها بارتدائه قناع اللامبالاة وكراهية ما يجرى خلف جدران بيتهم. لكن محاولته آلت الى الفشل، فالصورة لم تنغرس في ذهنها كما أراد. كانت بصيرتها تنفذ الى ما تحت القناع لترى وجهه كما هو، على حقيقته، وترى أن قلبه وعقله ومشاعره ، كانت كلها هناك، في الشوارع والميادين، تنام وتستيقظ وتهتف مع المجانين.
ردت على ارتدائه قناع اللامبالاة بارتداء قناع الإدعاء بأنها لا تشعر بالجمر المتلظي في داخله، وأنها لا ترى كيف أن أنامله لا تتوقف عن النقر على مربعات الكومبيوتر،و عيناه مصمغتان بشاشة التلفزيون. لكنها استمرت في التظاهر بأنها لا ترى ولا تسمع ولا تفهم، ولا تعرف مايجري حولها، كتظاهرها الآن بأنها نائمة، تكابد الرغبة الحارقة في البكاء والصراخ، لتخفف ألم الفجيعة التي تنخر أعماقها.
لقد رأته وهو يهوي إلى الأرض بعد أن بدأ الرصاص يحصد الأرواح. كانت قد ميزته وسط المتظاهرين، فعيونها اكتشفت مالم تكتشفه الكاميرا، اكتشفت إخفاقه في التنكر لكيلا تلمحه في طليعة حشود المجانين.
قبل أن يركض نحوهم الرصاص، قالت وكأنها تهمس في أذنه البعيدة عنها:"وأنت مجنون أيضا..المجنون الذي أحبه، وأدعو الله أن يحفظه ويبقيه مجنونا إلى الأبد..لو "كان أبوك هنا" لسبقك إلى الجنون.. لكنه لم يعد هنا.. وأنا لم أعد قادرة على الخروج الى الشارع لأكون المجنونة أم المجنون، أرملة الذي كان سيكون مجنونا.. أخت المجانين."
صرخت:"وا ولداه" ، وهوت بارتطام قاس لتحضن جثته, فبكت وبكت إلى أن أحست بسخونة الشاشة والتلفزيون تلسع صدرها وبطنها، فرفعت نصفها العلوي عن التلفزيون، دارت ببطء نصف دورة ومشت بخطوات واهنة مترنحة إلى الأريكة وألقت بجسدها عليها.
عندما تناهى إلى أذنيها اصطفاق الباب بالجدار، همست لنفسها: "أحضروه". تجمعت الحروف في كلمات في جملة: " أحضروا الحبيب المجنون.. أحضروه!"

عبور

توقفت عن تمرير أسنان المشط الصغير على طول غدائرها أمام المرآة التي تمتد على طول طاولة الزينة، وراحت تبعثر خصلات شعرها باستغراق وهدوء ، تنقب عن شعيرات بيضاء متخفية هنا وهناك لتغمرها بقبضات من الحناء قبل أن تأوي لسريرها كما اعتادت أن تفعل من حين لآخر منذ أن طعنت بصرها شعرة لاحت في مفرقها ذات يوم. كانت تلك البداية لمطارداتها المحمومة بأصابع مشحونة بالتوتر للشعيرات البيضاء التي أخذت بالازدياد مع مرور الأيام.
ظفرت الآن بشعرة. اندلعت في أعماقها رعشة انتشرت في كل بدنها. صدقت نبوءة أمي التي أخرستها بقولك إن العلم نور يعمر العقل ويملأ القلب وهذا يكفي. لكن هذا لا يكفي في واقع لا قيمة فيه لاسمي إذا لم يقترن باسم رجل، لا يكفي ولن يوقف زحف الأبيض على الأسود الذي كان يغطي جمجمتي، ليغطيني الرعب مع كل بزوغ شعرة بيضاء يحيل أيامي إلى قطع من جحيم.. العلم نور كنت تقول..لو كنت هنا.. لربما كان حالي مختلفا.. لكنك لم تعد هنا، ولن تعود إلى هنا، هنا أنا، وهذه المرآة، وهذا المشط، وأصابعي التي تفتش دائما عن الأبيض، وتضمخه بالحناء لتخفي زحفه المتواصل على الأسود. لو كنت هنا..آه ..لن تكون هنا. انك هناك..أدعو الله أن يمطر مثواك بالنور.
أمسكت الشعرة بين سبابة وإبهام يدها اليمنى.. فكرت في اقتلاعها..شدت على الشعرة..أوشكت على نترها..توقفت لما لاح في ذهنها تحذير أمها: لا تقلعي شعرة فتنبت في مكانها تسع شعرات.. لم تشرح أمها لماذا تنبت الشعرات التسع، ولم تكترث لسؤالها لماذا لا ينبت أكثر من تسع، أو أقل من ذلك.
ضغطت على الشعرة واقتلعتها من جذرها. وليحدث ما يحدث..وليندلع طوفان الأبيض فلا يبقي أثرا من سواد يا أمي..فشعرك ابيض رغم انك لم تقلعي شعرة بيضاء واحدة امتثالا لنصيحة أمك..ليأت البياض..فهو لن يأتي..لن يطرق بابي الذي يشتعل انتظارا لطرقاته من سنين.. ولن تمتد أصابعه إلى الجرس.. كنت صائبة فيما قلتيه عنه.. وبعيدة عن الصواب في تحذيرك من نتف الشعرة البيضاء الذي ينسل تسع شعرات، وتسع شعرات، إلى أن تشتعل جمجمتي كلها شيبا.. ليأت البياض .. سأتوقف عن طمسه بالحناء .. لن يهزم الحناء ما يزيده النتف تكاثرا وانتشارا على سطح جمجمتي..
تنفرج شفتاها في ابتسامة صغيرة لما تتذكر العطار الذي يخفق دائما في إصلاح ما يعيث به الدهر إفسادا. ترفع يدها أمام وجهها، تنظر إليها بشعور لا تستطيع تبين ماهيته ونوعه. ينطلق خيالها محلقا بها على أجنحته إلى سنوات قادمة، فترى شعرها كومة من بياض كالثلج، وتغضنات حول عينيها وشفتيها. ينبسط فمها في ابتسامة ناعمة. تهز رأسها إلى اليمين واليسار هزات خفيفة، تتسع ابتسامتها، تزم شفتيها، ينطلق من بينهما نفس ساخن ، توجهه إلى أنملتي سبابتها وإبهامها الممسكين بالشعرة، تقربهما إلى فمها، تدفع للخارج نفسا أقوى، تحرر الشعرة، تفر الشعرة كأنها هاربة من أمام النفس الساخن القوي، ثم تسقط بنعومة على سطح طاولة الزينة. تنهض من على الكرسي، تمشى إلى الباب ..تطفئ نور الغرفة، وتسير إلى سريرها، تندس فيه، تستلقي وعيناها تنظران إلى السقف في النور الخافت. يغمرها شعور بالارتياح، يحول خيالها السقف إلى سماء مرصعة بالنجوم، تروح تعد النجوم بسباتها، وفي داخلها ينطلق صوت خافت يحذر من الثآليل التي سوف تغزو يدها إذا واصلت عد النجوم، تواصل العد غير عابئة بالتحذير، تواصل عد النجوم إلى أن تنطبق أجفانها على بعضها ثقيلة ومضمخة بالنوم، وبدون أن تملأ أنفها رائحة الحناء كالعادة.