نصيف الناصري

1

نصيف الناصريعلى الشاطىء الرملي الأزرق بين مالمو وكوبنهاكن ، يأتي أهل كهف أعرفهم يحاولون العثور على مفتاح لظلام حيواتهم في نسيم البحر . لا يخلعون أرديتهم الثقيلة ، وينظرون بشهوة الى أجساد النساء السويديات العارية . قدور طعامهم المتنوعة واللامعة في الشمس . تعرض غيومها ، التورمات الدائمة لصبّار أيامهم المتشابهة . يتحدثون بهمس بعيداً عن نساءهم حول الجمال السويدي والسياسة وسعر صرف الدولار ، وينسون في شذّة الحرّ تعرق أجسادهم وانتفاخ كروشهم . فتاة جميلة شقراء تصعد النجوم في ليل المياه . تعلق المراكب والأسرار في حمّالة ثدييها ، وتتقافز الكنوز ناثرة المال والجواهر على الغرقى . كل نصر يقوّض سعينا في الوصول الى خلاص ما ، وبلور أحلامنا ينطفىء في الظهيرة المظلمة ، ولا يمكن انقاذه . يلزمنا الآن أن نلقي ببذور موتنا في العطور الصائتة للشواطىء المطمئنة على مزاميرنا وفطريات ذكرياتنا المستلقية على الحافات الصدئة لخريف محنتنا . الموت عسل في الصخرة التي نغطيها بأشواك أفعالنا ، وطوابع أسرارنا يغطيها الصقيع في النهار . تتحدث ثعالب الماء لغة نعرفها لكنها تغيّر نبرتها قبل وصول أصواتنا الى ليل الينبوع . تغيض فراشات جرحنا العادلة في طيرانها الزمن ، وتصعد النهد اللامع لاهرامات الصيف . انخيدوانا في برلين تجلس في المقهى وحيدة وتصبغ أظافرها ، مجهولة عبر حقول النهار ولا أحد يكترث لوحدتها وحزنها الشفيف . هي تعرف أن أشياء جوهرية كثيرة قد تغيّرت الآن في طقوس وشعائر الحبّ ، وتعرف أيضاً أن المستشفى حلّ مكان المعبد ، لكنها لا تعرف أن صلواتنا الآن ، مجرد تجديفات مغتاظة ضد الجمال والحبّ . الوردة جلدة ألمنا ، ولا شعلة منسوجة في ساعات نومنا ، ولا أغنية تربض مصانة في سنبلة زفافنا الدامية . كل تخميناتنا حول سهم كيوبيد خاطئة دائماً ، ولا يدلنا طائر البطريق على أفق السرّ . تنتظرنا في الباص ، وتحت الشجرة اليابسة ، العناكب وعطونة الفصول ، ولا ربيع يزيح الغبار عن حراشف كلماتنا المتغضنة . سرب أصوات مختنقة يحلّق في أركان مداخن بيوتنا ، والاشارات تذوب في ليل لهفتنا . لا توقظ مصابيح نوافذنا النسمة المهفهفة ، ولا تعبر أسرارنا الايماءة . صدى خطوات بطيئة يعرض خصوصيته للفراغ ، ويطبق على الهسهسة الخفيفة لشواطىء لحظاتنا المرتجفة .

2

قالت لوليتا متمنعة وهي تشهقُ وتتنهدُ عارية الى جانبي في فضاء السرير . : { ابعد شفتيكَ عن نهديّ } . جلستُ أدخنُ وأداعب القنفذ في ليل الشرفة . أيّة لذّة حين نؤجل فتح القلعة لحظات قصيرة ، كموتٍ مفعم بأريج الهاجرة ؟

3

رجلٌ وامرأة يجلسان في الحديقة العامة ويستمعان الى أغاني الراب الرجل يشربُُ ويفكر في الثورة والحرب والمرأة تطعم الطيور وتحلم في الحبّ وأغاني الراب متبجحة وتحرّض على القتل والكراهية والانتحار . عندما انتهت الحرب وخربّت أسلحتها الابتسامة في البلاد كانت المرأة بعطرها النفاد تنزل السلالم وبيدها زهرة قرنفل . تفكر في الرجل الذي قُتل ولم تخل جثته لقربها من مواضع العدو . ينبغي على الجبابرة التعلم من كل المجابهات التي تحدث في التاريخ . كان يمكن لهذا الثوري أن يصبح جنرالاً عظيماً في جيش الحبّ لولا النظام الضيّق والواجب الشيطاني الذي فرضته عليه أغاني الراب .

4

قلتِ لي أثناء الغارة الجوية ونحنُ نتمشى تحت ظلال الرماد الذي يحيط المدينة : { الى أين يتجه سرب البجع هذا ؟ } وقلتُ لكِ : { ارفعي رأسكِ حتى ترين القنابل ناضجة فوق أشجار البرقوق } . مستقبلنا كساعة يحركها العفن في الفراغ ، والنوم على حشائش الرغبة ، يمكننا تعويضه بقرميد عدم الجدوى . كل لحظة ارتياب ، تخسف الصقيع العميق للصيف ، ولا ثراء لفضائلنا التي تتمزق توهجاتها أثناء ازاحتنا للحطام الذي خلّفته سنوات الحرب . ما الطابع الجميل لترميم الأشياء التي تهدمت ونشعر بفقدها ؟ انه الاستشفاء من ايماننا بقوة الحاجة الى تغيرنا في الزمان .

5

أود دائماً أن أسند في لحظة موتي ، جبيني على أيّة صخرة في الأرض التي أعيش عليها . ما هو وطن الانسان ؟ انه غصن قبره ، والتبدلات الحقيقية لا تهوّن علينا العيش في جحيم اللحظة المجردة . كل باب مجهول ، جسر نعبره الى خريف الأيام في بستان المستقبل . يسقط النور على ما نتأسف عليه دائماً ، وعظمة الانسان لا تحتاج الى شهادة المنفى . ذكرياتنا تتخلى عن تغضناتها بسبب ارتيابنا من فراغ ماضي حيواتنا ، ولأن المعجزة تسخر من ما نأمله وما نعوّل عليه . يرقد الانسان في مسعاه الأخير ، تحت الخرائب التي نذر نفسه لحجارتها المعذبة .

6

يحتفظ الموتى في { الماوراء والمابعد } بأسماء جديدة ، تصعب علينا تهجئتها حين نقيم على أرواحهم القرابين . نريدُ نحن الذين لا نعلم شيئاً عن مصائرهم ، من الآلهة أن تشاركنا الاحساس بالفقدان ، وأن تخفف عنّا ثقل خساراتنا الفادحة على مَن أحببناهم ورحلوا الى حيث أطبقت عليهم البوّابة الفولاذية للغياب . لا نريد مغفرة ، ولا وعد بمكافأة . ما سوف نخسره ، سنحصل عليه عبر سيرنا أشواط طويلة في ليل الحلم الانساني . أنهار آمالنا مضاءة في الصمت الذي تتسلق حجارته أصداف أحلامنا الملأى بالألم والجروح . ما نحتاجه الآن هي لحظة صيد خضراء ، نشعل فيها النار على الشاطىء ، ونذرف الدموع بلا اكتراث على من رحلوا بلا ذخيرة ولا مؤونة صوب صحراء العالم الآخر .

7

تستمرُ الحروب في العالم وتتكاثر ولا نهاية لها يستمرُ الكذب والرياء وأعمال القرصنة ويتعاظم الفجور وزنا المحارم ومضاجعة الموتى ولا شيء يردع اللصوص عن السرقات في ضوء النهار . أيهاب الشاب الصغير لا أريد أن أعظك لا تنصت الى الهذيان الفارغ للمواعظ الاخلاقية للشيوخ لن يصلك من حكمتهم التافهة إلاّ ايصال بخدعة . هم سرقوا في أيام حياتهم الماضية ، وزنوا بالمحارم وأشعلوا الحروب العدوانية ، وتجسسوا ، وامتهن البعض منهم الدعارة وسرقة الأطفال وضرب النساء. ما جدوى نصائحهم الكاذبة ومواعظهم الشريرة ؟ سر في حياتك مستقيماً كالسنبلة ، وتجنب ما فعله هؤلاء الأوغاد الحمقى ، ولا تنصت الى ترهات أمك وأبوك ولا الى حماقات جدّك أو معلم مادة التربية الاجتماعية في المدرسة . زمانك لا يشبه زمانهم ، وما تطمح اليه غير ما طمحوا هم ووصلوا اليه . لا أريد أن أعظك أيها الشاب الصغير .

8

مهمات عظيمة وصعبة كان يقوم بها السلطان العثماني سليم الثالث في حياته التي توزعت بين الحبّ والحرب ولعب الشطرنج والبستنة كان يشن الغارات باستمرار ضد مدن الامبراطوريات الغربية من أجل تدميرها وفتحها ، وكان يبّجل ويعشق النساء . حين مات وتكسرت أغصان حياته ، كان هناك 100 مهد يُهز لاسكات الأطفال الرضّع ، وكان الخازندار { أمين الصندوق الأساسي } في عاصمته اسطنبول يسجل كل مضاجعة في دفتر يوميات لكي يعيّن ولادة الأطفال وشرعيتهم . السلطان الآخر سليمان العظيم كانت له نفس الأعمال الخطرة والجليلة . الفتوحات الكبرى والتشريعات القانونية التي اشتهر بها ، لكنه كان متسلطاً ومتعجرفاً في الحبّ . أعدم الزوجة { غوليم } لأنها باعت دورها في المضاجعة الى زوجة أخرى . بعد موته لم يعد السلاطين الأتراك يقودون الجيوش في حملات أو معارك ، فضلوا قضاء أوقاتهم في { الحرملك } والغارات على النساء كل يوم واعتبروا أنفسهم في حلّ من مشاغل العالم .

9

لا الدين ولا السياسة يمكن أن ينقّيا المجتمع من فطريات وطحالب الطائفية . اهتمامنا بالعاجيات والتماثيل التي نشيّدها لما نعتبرهم رموزاً ، أفكار شريرة ينبغي احراقها ورميها في البالوعات . ما نتخيله ونضفيه على المقدس ، ضرطة ابن عرس في اللحظة المخربة . الظلال الذابلة لريش الطوطم المقدس ، اشارة واضحة للخوف الذي يتقلب في أسرتنا . ينبغي أن نعطي تعهدات ملزمة في نقض الشرائع القديمة والخبيثة ، حتى لا تهجر العصافير فضاءاتنا الصفصافية .

10

يريدون أن يخترعوا لهم إلهاً جديداً غير الاله الذي آمنوا به وخذلهم . إله يشبههم وعلى طراز تفكيرهم . يحنو عليهم وعلى ذريتهم ويبارك أعمالهم الصالحة ويشفي مرضاهم ، ويكّثر محاصيلهم الزراعية ، لكن فكرة اختراع إله جديد والايمان به وباسطورته ، تتطلب الخضوع له أولاً ، ومحاولة تقديسه والخوف منه ومن أفعاله الشريرة ولحظات غضبه التي لا يمكن اكتناه مغزاها . العفة والعدل والرحمة ، لا تشكل رمزية اخلاقية معينة ، وعلينا ايجاد رؤيا لا تتعارض مع شعورنا بكرامتنا الانسانية . تشكيلنا للمفاهيم الجديدة والافتراضات التي نرغب بها ، ينبغي أن لا تسيطر عليها التحولات التي تطرأ علينا بعد الموت في الطبيعة العليا . تعاطفاتنا الدرامية في عباداتنا لآلهتنا ، تدمر كل طاقة في حية في عالم انسانيتنا الذهبي ، وعلينا ايجاد مخرج من هذه المتاهة الايديولوجية الشائكة .

11

ماهي جرثومة الحرب ؟ انها الدمار الشامل والخراب وآلاف الضحايا لكنها ضرورية لحياة اللانظام واللاعدالة الرتيبة في حياتنا . في كل حرب جديدة تنهض شعلة المجتمعات من استكانتها وتزهر براعم عالم جديد ، وتستعاد الحقوق المستلبة . ليس الهدف والغاية الأساسية من الحرب ، سواء كانت عادلة أو عدوانية ، نبل مقاصدها وأهدافها التي نطمح الى تحقيقها ، والبطولات التي ننشدها ، بل المهم هو نتائجها النهائية مهما كانت . بعد الفوضى والدمار والخرائب العالية والخسائر الجسيمة ، ينهض عالم جديد من الجمال والتناسق التام ، ويختفي الظلم والعدوان .

12

أنا التلميذ العزيز لأبي العلاء المعري وشيعة أيام حياتي مروّعة ومتصدعة وفي لحظات الانتحار ، تهيمن عليّ مشاعر اذلال مقيتة . فورات الرغبة كثيرة عندي ، لكنني أفضل الجلوس وحيداً تحت خيمة النهار ، أقرأ المخطوطات الدينية وأسخر من كل الفضلاء ومن اعتقاداتهم وتبجحاتهم البغيضة . أسخر من العشق والعشّاق ومن تربية الأطفال ومن الشراب مع الخلاّن وأكره المشاركة في رحلات الصيد الجماعية . أنا مريض وساخط دائماً في لحظات التأمل الطويلة ، أفكر في التوشيات اللطيفة للقصيدة التي أود أن أختم بها حياتي لكنني أعتقد أن كل التناظرات والصيّغ والأشكال في الشعر لا طائل من وراءها . الليلة الفائتة ذهبتُ الى الصيد وحدي . وسط جلال الغابة المعتمة التي تصفر فيها الرياح وتعوي بنات آوى والذئاب في الجوّ الماطر تهرأت رغبتي تحت صخرة فضولية ابتعدتُ عن اخوتي الجياع وعدتُ الى المدينة أوزع البندق على السناجب تحت الأضواء وأرمي لحوم البشر الى الفهود والخنازير البريّة .

10/7/2010 مالمو