فادي سعد
(لبنان/أمريكا)

فادي سعد أمام نافذة فندق مطلة على مبنى الأمم المتحدة، كان فِعْل حبّنا الأول. في شرق نيويورك يجثم هذا المبنى المُسالم من الخارج، والمحمّل بتاريخ من القرارات المجحفة. يَعجَب المرء – أو قد لا يَعجب- لعدم إيمان الأمريكيين بعدالة وفعّالية هذا الصرح الدولي؛ عدالة يريدونها على مقاسهم، وفعالية ينتقصون منها هم أنفسهم، ومن ثم يسخرون من عقمها. لا مناص للقوة إلا أن تعبّر عن نفسها، وهي بفعلها ذلك، يصعب عليها في معظم الأحيان مراعاة عدالة الضعفاء. والأحرى التساؤل، كيف يمكن للقوّة، التي لا ترى إلا ذاتها، أن تكون عادلة؟ هل يمكن للقوة أن ترضخ لقيود العدالة مهما كان جنسها، ولماذا عليها الرضوخ؟ 

هل كنا سنرضخ لو كنا نملك القوة ؟ قد يكون النبلُ العاملَ الوحيد الذي يمكن أن يروّض الجبروت، البوصلةَ التي يُنتظر منها أن تصوّب مسار العالم و تحضرّه. ربما، في اللحظة التي تتخلّى فيها أي قوة عن قدرتها على البطش، وترى نفسها أداة لا هدفا، أداة نبيلة لتحضير همجية هذا العالم، سيمكنها عندئذ من ترويض طاقتها لـما يجعلنا جميعا أكثر أمانا وأقل قلقا. 

تسألينني عما يدور في رأسي، وأنا أحدق من نافذة غرفتنا في الطابق العاشر. أحاول أن أطالع الغيب من شرفة نافذة، أجيبكِ صامتًا، أضمّكِ، وأشمكِ ثانية. أمسح عنّا تراب السفر، تهدينني شفتيْكِ، وأهديكِ وجها أتعبه الرحيل. يكفيكَ بكاءً على ضياع الأرض، تقول لي عيناك المكّحلتان، سنعبر هذه البلاد سويّة فوق حدود اللغات والفوارق.
نغادر الفندق، نقطع أوصال نهارنا الأول ذهابًا وإيّابًا في شوراع نيويورك المزدحمة، نجلس عند أول مقهى يعجبنا، "أي موسيقى تحبّ؟"، تسألين. "أحب أغاني البلوز". "وأيّ لون أحبُّ إليكَ". "أحبُّ كل الألوان الكامدة". "وأي فصل تحبُّ ؟"، "أعشقُ فصل الخريف". تنظرين إلي بابتسامة مُعاتبة، "لماذا تحب السواد إلى هذه الدرجة ؟".
ولكن كيف على المرء أن يشعر وهو يشيخ بعيدا عن أهله، وأصدقاءٍ يحاول تذكّر ملامحهم، وهو يقيم في أرضٍ بعيدة متسكّعًا على أرصفة مدن غريبة؟ كيف عليه أن يشعر بين أحضان لغة غريبة وهو يؤجل كلّ يوم حلم الرجوع؟
 
في آخر المساء، يخطفنا مطعم أنيق، نرفع الكأس على شرف لحن حزين. أدعوكِ للاحتفال بقدوم الليل في ملهى قريب، حيث يهجرني القنوط وتبتسم لي نيويورك وأنا أرقب التواءات جسدكِ المطواع تضخ فيه موسيقى "التكنو" مزيجا من رشاقة غزال هارب وجاذبية شهوة حارقة. وإذ لم يتبقّ في الجسد طاقة أكثر على الرقص، وفي الرأس قدرة على تحمل جرعة أخرى من الكحول، عدنا أدراجنا إلى الفندق. طالعتنا المضيفة الشقراء في بهو الاستقبال، نسألها عن نسخة إضافية من مفتاح الغرفة الذي أضعناه في إحدى زوايا المدينة، نتبادل الحديث مع هذا الوجه الأمريكي الطفولي. تسألنا من أين نحن؟ "من شيكاغو" تجيبين. "أنا من سوريا، من الشرق الأوسط". فأسمع شهقة خوفها المكتومة، شهقة الخوف التي باتت تلاحق كلّ عربي في هذه المدينة التي ما زالت تلعق جرح كبريائها المدفون تحت أنقاض برجين كانا توأمين. أتساءل وأنا أرقب عدم الارتياح المرتسم على وجه مضيفة الفندق بعد سماعها شيئا عن الشرق الأوسط: كيف تخلّتْ ومعها الكثير من مواطنيها الأمريكيين عن تسامحهم المعهود تجاه الأجنبي؟ هذا القلق الذي بتُّ أراه على وجوه كثيرة بعد هجمات 11 أيلول، حتى تلك التي عرفتني سابقا في العمل أو في المقهى القريب، كأن كلّ ما يمكن أن يكون بيننا هو جدار من الخوف ونافذة من الريبة وقنبلة افتراضية موقوتة مخبوءة بين كلمتين ( الشرق- الأوسط). كلمتان لا يفقه منها أبناء جلْدتكِ إلاّ ما يسمعونه عبر أبواق الإعلام المسطح.
  
كعادتي، ابتسمتُ أمام صمت المضيفة المفاجئ وسْط حديثنا الودّي، أخذْنا مفتاحنا وصعدنا إلى غرفتنا، وأنتِ تربتين على كتفي مواسيةً، "إنها غبيّة، ولا تعرف شيئا عنكَ أو عن العرب، لا تلقِ لأمثالها بالاً". تكفيني ابتسامتكِ عندئذ لأنسى مرارة اللحظة. نغلقُ علينا باب الغرفة متشوقيْن لما سيأتي. نفد صبر الشهوة وهي تنتظرنا. الشهوة ربّة الوقت،  تهزّ أردافها ساخرة من الكلام المكرور عن اللغات وأصناف الثقافات؛ الشهوة ربّة الوقت أعتصرها منكِ قطرة قطرة حتى الإعياء، أرقص على موسيقى جسدك، أتشبث بساقيكِ وأنتِ تنشبين أظافركِ في لحم خاصرتي صارخةً: "لا تتوقف أيها الوغد...". لا يعود ثمة فرق أثناء المضاجعة بين صرخات الألم واللذة، فملامح الوجه واحدة. تنزلق أصابعي فوق منحدراتكِ الصقيلة، لا يعترضها شيء سوى رطوبة أماكنكِ السرية، لتسجل الحواس في الذاكرة صورًا لن يروّضَ فوضى حضورها المتسلّط بعدئذ إلاّ بؤس الاستمناء.
 
يهرب النوم منا أمام صخب لهاثنا. ممّ تخافين؟ أسألكِ ونحن نتفرّج من شرفة النافذة على نيويورك وهي تفركُ عينيها مع بشائر فجر جديد، ونشرب كأسيْنا احتفالاً على شرف سرير.
أخاف من نهارٍ جديد، تقولين، قد يأتي علينا بصحوة لا تغيب. إن لم نكن سويّةً بعد عام من الآن، فسيكون ذلك بسببكَ، تؤكدين. لا يسعفني جواب مطمئن لكِ، وأنا أتأمل عينيكِ القلقتين، مقلبا في رأسي احتمالات المستقبل. تتفرجين على صمتي المشبوه بحزن. وأنتَ، ممّ تخاف؟ تسألين. أمِنْ أسئلة الناس عندما يرونكَ تُمسكِ بأطفالٍ لا يشبهونكَ تماما، ويحملون في وجوههم ملامح رحيلكَ؟ أمِنْ عودة محتملة تدعّي أنها قد تكون مستحيلة بسببـي؟ ممّ تخافُ أيها الليبيرالي الورقي، والـمُدّعي بتبني مبادئ التحرر والانفتاح الثقافي؟ أمسكُ بوجهكِ المرتعش الغاضب، "توقفي أرجوكِ"، أتضرّع إليكِ. كان بودّي أن أقول لكِ ما يدور في خاطري حينئذ، ولكن كيف أقول لكِ ما يطفح به قلب الغريب بعد أن أحاطَه بأسوار من حجارة المنطق، دون أن أجرح رهافة روحكِ البيضاء؛ كيف أقول لكِ إن أطفالنا عندما يكبرون، ويلعبون كغيرهم من الأولاد بلُعب صمّاء يحطمونها بعد أن يضجروا، سأحار بأي لغة سأؤنبهم، وبأيّ لغة سأقرأ لهم عن الطفولات المحترقة خلف المحيط. هل سأستطيع أن أسمع معهم أغاني الشرق الحزينة؟ وهل سأستطيع تعليمهم قراءة نشرات الأخبار العربية المأساوية أبدا؟

هكذا دائما، يهرب الحبّ من نافذة الرحيل، يعلقني دائما بين النقيض والنقيض، يخيّرني بين لغتين، لغة تعشقني غريبا، ولغة أعشقها في اغترابي.
تتطلّعين إليّ في النهاية وتقولين لي: "من أنتَ؟". أُخرج جواز السفر لأريكِ اسما وصورة وتاريخ ميلاد، وتصريح دخول. "هذا وجهكَ إذن...".
نعم، هذا أنا من ترين. لكن، لا تُريكِ هذه الصورة الصغيرة ظلّ جسدي المصلوب بين الضفتين، وراحتي يديّ المثقوبتين بمسامير الهويّة.

ظللنا طوال وقتنا الباقي في رحلتنا القصيرة، لا نخرج من الغرفة إلا نادرا، مفضلّين دفء السرير على معالم نيويورك العديدة. أحاول أن أثبتَ لك كلّ لحظة فحولة البدوي، وفي أوقات الاستراحة، أسأل نفسي سرا عما سنفعله يوم أشتاق لخيمتي الأولى.