علي السوداني
(العراق)

علي السوداني

وحبة على حبة حتى صار الأمر قبة أو كاد يصير كما اردت واشتهيت وعزمت وعشقت . أما المشتهى والمراد والمبتغى فهو في ما انا منكب عليه من زمان لكتاب سآتي فيه على خصلة ذميمة كريهة ابتلى بها نفر من بنين وبنات آدم وحواء ، تلك هي خصلة البخل . وقد ميزت في واحد من بيبان الكتاب قيد الشغل والمعاينة والتأمل والتفكر ما بين البخل والفقر اذ البخيل من كان بيمينه وبخزائنه ذهب ودنانير مكدسة وتجارة رابحة لن تفنى او تبور لكن يده مغلولة ابداَ الى عنقه وليس في خزنته حق للسائل والمحروم واليتيم والمقطوع من شجرة ، اما الفقير فلا سيف بكفه يهديه ولا ناقة يذبحها فتأكلها الناس سنة جدب وموسم قحط . وفي مذهبي هذا قصرت الحكي عن بخلاء الأدب والفن من دون سائر الناس ورحت ابحوش في ذاكرتي المشتعلة عن شعراء وقصاصين وروائيين ورسامين حتى وقعت على كنز عظيم فسارت السفينة ببخلائها واذ شاع وراج وماج نبأ الكتاب ، جاءتني كثرة منهم تسأل وتضحك وتنقل وتتشمم ان كانت اسماؤها وصفاتها قد أنزلت ورسمت في بطن الكتاب فأجيبهم بما لا يجاب وامعمعهم بكلام مستجاب فلا يبرحوا مجلسي الا وكانت صفرة تعلو وجوههم وكدرة تخدد جبائنهم وتجعلهم في ايامهم يتبلبلون . وبينا انا أدق بابا عاشراَ من بيبان الكتاب حتى وقعت فوق رأسي سلة خيفات فتلكّأت وتوسوست وفكرت في عاقبتين ثقيلتين ما بي حيل على شيلهما ، فأما الأولى فهي الخشية من ان اسقط في عب وجب أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ وحاشيته وحواشيه ومن شابهه وقلده ومن فسّره ومن قوّله ، والثانية التي لا تثنى فقد نامت على حرج ذكر صريح شديد اللمعان لأسم الاديب البخيل وكنيته وكنفه وطرفه وملحه وكانوا جلّهم من الصحب الذين عاشرتهم ونادمتهم وكرعت على موائدهم أكؤساَ سمينات من عرق متبوع بمثرودة خبز في مرق عليها هبر لحم طلي هرفي طيب معافاة ببعض شحم ودهن يشفطه الشارب ولا يتنفس حتى سيلان الزيت من زوايا الحلق ، فصار الكتاب حملاَ عظيماَ لو انزلته على جبل لتصدع وصار تراباَ بعد عين . قيل وما انت بفاعل ؟

قلت : سأمضي به حتى منتهاه ماشياَ عند راق ورواق عمي الجاحظ ، وعاجناَ الأسماء والكنى بما يعجز عن فك طلاسمها وتلغيزاتها حتى الجن الأزرق فجاء باب الليلة على واحد من اهل الشطرة من اعمال ذي قار اسمه مذكور عبد القادر الشطراوي وكان صعد الى بغداد العباسية ساحلاَ وراءه مكتبة كتب عامرة ورثها عن ابيه وكان رجلا من اعيان السوق تحلف القوم برأسه ساعة تضاد . وفي بغداد انتبذ الولد الوسيم رصيفاَ مشاعاَ في سوق الكتب بشارع المتنبي وكان ان تريّق ،لا يتغدى وان تغدى لا يتعشى وان كانت عشوته متاحة ، غبش وهج الى صبحية البسطة ببطن تنطر الغداء بصبر جميل ، فأن حل زمانه راح متخففاَ نحو دكان كبة السراي وابتاع حبة كبة واحدة وثلاث صمونات وكاسة طرشي فتلذذ بصمونتين محشوتين بكبة مبينة ودرز الصمونة الثالثة ببقيا فتافيت وزفر وكشمشات فائتات تنفعه زمان العشاء وظل على هذه الحال دهرا حتى ضحكت له الدنيا فقعد على دنانير ودكاكين وخزائن . وكنت جلست قدامه غير مرة في مقهى حسن عجمي فيأتيه النادل ابو داوود سلمان باستكان الشاي فيتركه حتى يبرد ثم يبدأ الشفط وكل شفطة تبقى في بطن حلقه مدة يتمضمض بها ويقلبها يمينا وشمالا فيطول عنده وقت ولذة شرب الشاي نحو ساعة . اما ان كنت جليسه ونديمه في حان فستكون سكائره في جيبه يسلتها واحدة واحدة . المزة تكاد تسقط في حضنه يزرع قدامها سطلة الثلج وزجاجة البيرة كما لو انها مصدات لغزوة محتملة . لا يهاجر الى المرحاض حتى لو طقت مثانته ، فأن قمت قام معك وعاد قبلك . عندما تأكل ، يرمي عينيه فوق صحنك فتقول له كل فيقول لك ما انا بأكول واذ تناوشه شيش كباب دهين ساخن ، زلطه وعاد بعينيه الى ماعونك . هذا هو الشاعر مذكور عبد القادر وقد وافق على قولنا فيه الراوية البغدادي عبد الستار ناصر جدوع الزوبعي الرصافي وزاد عليه عشر حكايات وحكاية !!