مها حسن
(باريس)

" أمينة، داستيمن بارمادا" .
بهذه العبارة أنهى أبي حياته، في صبيحة الأول من مارس 2010. " أمينة، لا تتركي يدي"، كما لو أنه اعتقد أن يد أمينة القوية، ستشده من الموت، فتبقيه حيا.
تنبهت لنقل أمي لعبارة أبي الأخيرة، بأنه كان يتحدث معها باللغة الكردية.
كان أبي يتحدث معي بالعربية ، وكذلك مع إخوتي وأختيّ ، ولكنه مع أخواته وإخوته، وأصدقائه، وأمي، كان يتحدث بالكردية.
مع أنني أتقن الكردية، إلا أن أبي لم يعتد استعمالها معي، كما لو أنه فصل حياته لغويا، بين حياة حميمية ورثها وجاءت إليه دون خيارات، وحياة أخرى أصبح فيها شخصا مسؤولا، مربيا .
في حميميته مع الأصدقاء، والأهل، وأمي، تحدث الكردية . وفي علاقته المتأرجحة بين الرفض والقبول، معنا نحن أبناءه، وأرباب العمل، وأهل الحي ... كل هذا العالم الذي فُرض عليه،اختار العربية للتواصل .
أدركت بغتة أن أبي عاش متقطع الهويات، ولكنه مات كرديا، بل، ومات مسلما.

-1-

في الساعة السابعة من صباح الاثنين الأول من آذار، استيقظت كالعادة، لأحضر قهوتي أولا، ثم أفتح جهاز الكمبيوتر لأطلع على بريدي وأخبار العالم من حولي، عبر شبكة الانترنت . فعلت هذه الأشياء، حضرت قهوتي وفتحت الكمبيوتر، وبانتظار إقلاعه، أخذت جهاز هاتفي فألقيت نظرة متلصصة عليه، وهذا ما أفعله أحيانا، ولكن ليس ضمن برنامجي الصباحي، لأرى فيما لو كان ثمة اتصال ما أثناء نومي، إذ أفصل هاتفي عني حين أنام، وأتركه وحيدا في الصالون.
رأيت اتصالا من أختي، في الخامسة صباحا، أي السادسة بتوقيت أهلي في حلب، " عصّني قلبي " وأحسست بشيء ما ... في الوقت الذي كنت أقول فيه لفيليب " آه، ثمة رسالة من أختي "، كان قد فتح الباب وشرع بالمغادرة، كما لو أنه يحاول التملص من النظر إلي ... ليعدّ انفعالاته بعيدا عني.
فتحت الرسالة، وقرأت الكلمتين اللتين كتبتهما أختي، واللتين لا أستطيع حتى لحظة كتابة هذه الصفحات أن أعيدهما ... كتبت سها العبارة بالفرنسية، مؤلفة من الفعل والفاعل، جاهلة أو بسبب الانفعال أسقطت فعل الكون الفرنسي من الجملة، لأننا نستعمل أفعال الكون في حالة كهذه، أو بالأحرى، ماضي فعل الكون، كفعل مساعد .دون فعل مساعد، كتبت أختي الرسالة، كأن الفعل هو مضارع، مع أنه أصبح، حين تمّ وانتهى حدوثه،ماضيا .
كتبت سها:

Papa mort
بدلا من
Papa est mort

إلا أن العبارة الأولى، الخاطئة نحويا، ستبقى بمثابة لازمة ملاصقة لتصوراتي القادمة، ولمحاولاتي في تثبيت الحادثة واقعيا في رأسي .
ضغطت أرقام النداء الدولي، واتصلت بأهلي.
كانت أصوات البكاء تأتيني بوقار، لا عويل ولا صراخ، بل بكاء مهذب، مختلط بادعاء الفهم والقبول. من أجلي، كانوا يكتمون بكاءهم .
راحت أمي، بوصفها أحد الأشخاص المغذّين لقدراتي السردية، من حيث رويها التفاصيل بدقة، واستعراضها لجزئيات لا يلحظها غيرها، وبل بمهاراتها السردية في تكرار سرد أي حادثة، دون أن تكون الحكاية هي ذاتها، تبرع أمي بخلط الواقع مع رغباتها، وتسرد الحدث ذاته في عدة روايات، إلا أنها كررت عبارة " أمينة، داستيمن باماردا"، دون أن تلعب بها .
راحت أمي إذن تصف لي بدقة :
" إنه هنا، جواري، يستلقي كنائم .. عمتك فريدة تغني له، وتتحدث إليه، سها ونائلة جالسات قربي، ننتظر الرجال الذين يحضرون القبر".
تحدثت إلى سها ونائلة سريعا لأطمئن عليهما، ولأشعرهما بقربي منهما ...ثم أغلقت الهاتف منتظرة الفصل القادم من رحلة أبي الأخيرة.
نسيت الكمبيوتر، وتركت قهوتي أمامي على طاولة الصالون، حيث كان هاتفي مرميا طيلة الليل .حين عاد فيليب بعد أن أنهى جولة الصباح مع الكلبة، كان قد هيأ نفسه لسماع الخبر . رآني صامتة، هادئة، بلا حراك، ولكن ليس خلف مكتبي، قال كلمة واحدة " والدك ؟ "، هززت برأسي، ونزلت دمعة خفيفة .
وضع فيليب يده على رأسي محاولا ألا يستفز انفعالاتي و سألني إن كنت أريده أن يبقى معي، أجبته بهدوء بأنه لا داعي لهذا، ما حصل قد حصل، وليذهب إلى العمل.
غادر فيليب، وبقيت وحدي.
وحدي.
أحسست في تلك اللحظات الطويلة، بعمق وحدتي وحقيقتها .
كانت الساعة تقترب من السابعة والنصف، وكان العالم فارغا في تلك اللحظة.
في تلك اللحظات، لم يكن أمامي سوى معنى واحد، أنني " مشلوحة " هنا، وحيدة، ولا أحد معي، ولا أعرف حتى كيف أحزن، أو أبكي ... لم أعرف ماذا أفعل .
ذهبت إلى سريري، جلست وقد انغلق العالم عليّ، تذكرت " العمى" لساراماغو... صار العالم خاويا، ليس أعمى، بل غائب، أو غير موجود من الأساس.
بعد ساعة تقريبا من ذهول ومحاولة فهم، قارئة رسالة أختي عدة مرات، لأفهم ما حدث، بدأت أستوعب، أن أبي مات هذا الصباح.

-2-

ثمة شيء انقلع مني، شيء اقتلع من داخلي ... ثمة خوف وقهر كان يتملكني، أحسست بذل كبير، ذل الموت .
الصورة الثابتة التي رافقتني طيلة تلك الساعات، هي أني كنت أحاول تخيله وقد أصبح " ميتا" ... ترتجف أصابعي، وتنهمر دموعي، أتوقف عن الكتابة الآن، أكتب ما أكتبه هنا على دفعات، أشعر أنني أخونه، أحوّل " لا أستطيع قولها" إلى تجربة لي ... أحاول أن أصدق العبارة، أكررها، رسالة أختي، كلام أمي ... أستعيد وأكثف صوته وصورته، فلا يتطابق كل هذا مع حقيقة لم تصبح بعد حقيقية بالنسبة لي، هي أنه .... أعجز عن تدوين الفعل.
إنه لم يعد موجودا، هذا ما يجب فهمه، وقبوله.
أنا لم أفهمه بعد، فكيف أقبل به.
لا أفهم أن أبي لم يعد هنا.
أتوقف عن الكتابة، العبارة تمزقني، آخذ فاصلا من البكاء، لأعود وأدون.
أعود في اليوم التالي لمتابعة الكتابة. لدي رغبة في الكتابة ومشاعري لا تزال طازجة، لدي رغبة في فهم نفسي عبر الكتابة، في تخليصي عبر الكتابة، وربما ذات يوم، تقديم العون لقارئ ما، إن مر بتجربة مماثلة.
اتصلت البارحة، بسبب عجزي عن متابعة الكتابة، بصديق لي، كاتب فرانكفوني، أسأله عن إمكانية الكتابة في هكذا حالة، لكني لم أعثر عليه، وأنا في هذه الفترة،لا أتصل وأتواصل، إلا بحلقة ضيقة من أشباه المقربين، إذ وجدتني في هذه الظروف، وحيدة من الداخل، وتعمقت مشاعري بالا انتماء واللاتشابه .
إلا أني صديقة أخرى ( أستخدم صفات كهذه، دون أن يكون لها عمق حقيقي بداخلي، لأن صداقاتي تكاد تكون معدومة، وسأفسر هذا لاحقا)، حذرتني هذه من الكتابة في هذا الظرف، لأنها تؤلم أكثر.
حسنا، أنا اليوم أستعيد بعض قوتي لأكتب،أرغب في "حبس" انفعالاتي في هذه الصفحات البيضاء على وورد حاسوبي.
كنت قد وصلت تقريبا إلى ما بعد رحيله بساعات قليلة، وكانت أختي قد اتصلت بي من هاتفها المحمول " شكرا للمحمول، المتنقل، اللاشبكي"، لتخبرني بحميمية لصيقة، كما لو أن جسدي يمتط، يتمدد، فأجد جزءا فيّ في باريس، وجزءا آخر امتد مني، وحط في السيارة الكبيرة التي حملت " جثمان" أبي . ( لا أزال حذرة في استعمال ألفاظ تبدو غير واقعية بعد بالنسبة لي، وأضعها بين أقواس، لأنها لم تدخل بعد في وعيي، ولم تتحقق أو تأخذ حيزا حقيقيا " . أختي في السيارة، جالسة جواره، تتحدث إلي، أمامه، تعتقد، وأنا مثلها، بأنه يسمعنا ... ثلاثتنا فقط، معا، روحين ربما، روحي وروحه المحلقة هناك، وجسد أختي، أو ربما جسدين، جسده المسجى أمامها، وجسدها جالسة قرب رأسه، تمسح على جبينه ... لا أعرف إن كان مجرد جسد، أو أنه روح تحلق في مكان ما، أكانت روحه قريبة مني ولا تؤاسي ألمي، ولا تهمس لي بكلمات تخفف من إحساسي بفقداني التدريجي لروحي التي ترغب أن تخرج مني.

أغادر باريس، تحضر روحي بينهما، أقول لها " قولي له أني على الخط "، ترد " نعم، أنا أشرح له كل شيء " .
كانوا في الطريق إلى القرية . ماتنلي التي شكلت انفعالاتي الأولى، طفولتي الأنيقة، وصباي السياسي، وتكوني الهوياتي إذا كان وصف الهوية هكذا، أو الوجودي .
انتهى الاتصال،وعاد إليّ رأسي الممطوط إلى طريق حلب ـ عفرين ... قابعا فوق كتفيّ. استقرت عينايّ في مكانهما في رأسي هذا .... وعاودت التنبه إلى أنني في هذه الباريس الكبيرة، الحافلة بالشمس والمترو والبشر والحركة ... أقبع وحيدة بين عدة جدران، أتواصل مع حلب، حلب فقط من جميع بقاع العالم، عبر الهاتف ...
كتبت رسالة إلى عارف، جملة وحيدة فقط " هذا الصباح، فقدت أبي " .

مابين الحزن والذهول والألم، ثمة خطوط انفعالية تتصاعد وتهبط، ثمة صور تحرك البكاء، وأخرى تخلق التأمل والصمت ...
يصعب التقاط خيط انفعالي واضح وتتبعه وعيشه، لأنه مجموعة صور متلاحقة، كل صورة، تأتي اعتباطيا، ولا أعرف محرضات ورودها عن غيرها، تحرك انفعال ما، فأتنقل من حالة لأخرى، تماما كمركب في الماء، يعلو ويهبط، دون قرار، بل وفقا لتيار الهواء ... كانت انفعالاتي تلحق أفكاري، التي تخلقها الصور ...
ربما أستطيع أن أركز قليلا، فأحصر الصور الرئيسية التي كانت تأتيني :
ـ ممسكا بسماعة الهاتف في آخر اتصال بيننا ... كان يأمل بأن نلتقي، كان خائفا من الذهاب، كان يحاول الفرار من شيء يحس بأنه يلاحقه ... الفرار... هو ما تركز في هذه الصورة .... الفرار من الموت.
ـ ممسكا بيد أمي في المستشفى، عبر جملته الأخيرة " أمينة، داستيمين ... "، محاولا أن يشد وجوده إلى الحياة، خوفا من الذهاب إلى العدم.
ـ أبي لا يشعر بشيء الآن، لا يسمع، لا يحس، لا يتألم ... أو، يشعر، يحس، يسمع، يتألم، ولكنه لا يأتي بأي فعل، فقد انتهت أفعاله....
كان لدي بعض الطمأنينة، أنه لم يذهب بعد،أنه في الطريق ... كنت أنتظر أن يتصلوا بي بعد العودة من المقبرة. لأدخل فصلا آخر من انفعالاتي.
حسنا، حتى الآن، تبعته في الغرفة الكبيرة في منزل أهلي، وهو " راقد " في الفراش، تجلس فريدة قرب رأسه، و" تهنهن " له بتلك " العديّات" الخاصة بهم .... والجميع حوله.
تبعته وهو يغادر الحارة والمدينة، في طريقه إلى ماتنلي .... وتوقفت بي مخيلتي هنا، لا أعرف أين وصلوا، أنتظر بعد الزيارة " زيارة حنان " .... ولم أعد أعرف أين وصلوا.
كانت الساعة تشير إلى التاسعة وأربع وعشرين دقيقة في فرنسا، حين أمسكت بورقة بيضاء، سجلت فيها : 1 ـ 3ـ 2010
كما لو أن قضيتي قد انتهت
كما لو أن المحكمة قد أغلقت أبوابها
كما لو أن الامتحان قد أقفل، ألغى، توقف ...
عليّ الآن رمي جميع ملفاتي ووثائقي مع الحياة
الحياة التي كانت ردا على وجوده
أخذ أبي كل معاركي ونضالاتي في العيش
ثمة فراغ كبير أمامي، فراغ هائل
لا أعرف أين ذهبت الحياة
لم يعد لأي شيء قيمة في أن يصير أو لا يصير
كنت أحيا رداَ عليه
كيف أحيا الآن، وقد ذهب مؤسس العيش لدي
منذ هذا الصباح، الأول من آذار 2010 ستأخذ حياتي شكلا آخر، لا أعرف كيف سيكون، ولكن هذا التاريخ سيفصل حياتي إلى حياتين، واحدة قديمة، سابقة، أسسها أبي، وتابعت أنا بناءها ردا عليه، انعكاسا له، محاولة دوما الاختلاف عنه، الهروب من التشابه العميق بيننا، متخذة هويات فكرية متناقضة مع هوياتي الروحية التي أنشأها أبي ... كنت صدى له، كنت انعكاسا له، ولكنه بعد أن راح ـ ينبغي عليّ فهم فعل راح ـ لا أعرف كيف سأكون؟
كان بمثابة المرآة المرفوضة، ولكني كنت أكتب، أناضل، أحيا ... متجملّة عبر كل هذا، له ... لقد ذهب ناظري، جمهوري، شاهدي، قاضيي الذي انتظرت أحكامه ... فأين اذهب بوجودي الذي فقد أساسه: من أجل أبي ـ ردا على أبي ـ ضد أبي ....
كما لو أننا في رحلة مشتركة، كل منا يقود الحافلة وفق فهمه للعيش، كنا في رحلة خاصة بنا نحن الاثنين، لقد توقفت بي الحافلة في مكان ما، ليس من الهم أبدا أن أعرف ما هو، أو أن أسميه، نزل أبي من الحافلة، اختفى في مكان ما، وتركني أحاول القيادة دون أن أتشاجر معه، أو أختلف معه، حيث من خلال ذلك الاختلاف، تحددت وجهات حافلتي.
عليّ الآن، إصلاح الحافلة، فيما بعد سأحاول معرفة أين يكون الطريق ... ليس الطريق هو المهم في هذه اللحظة، بل الحافلة التي توقفت بي، وتركها أبي الماهر في التصليحات والميكانيك، تركها لي لأعتني بالبراغي والرنديلات وأجرب كل الاحتمالات، حتى تنطلق بي الحافلة، دونه، من جديد، لأول مرة عليّ أن أتعلم كيف أقود حافلتي وحدي، دون أن أنظر في المرآة، منقبة عن ملامحه، مستفسرة عن رضاه أو غضبه، فيما لو كنت في الطريق الصحيح أو أني ضللت المسير.كيف أقود وحدي، دون مرآة، دون إيحاء بالطريق؟
جالسة أمام حافلتي المعطوبة، أنفجر ببكاء حارق، بكاء طفلة ضاعت وسط الطريق، وبدأت تخاف من أوهام العتمة والوحدة، أبكي : أين أبي؟

- 3-

وصل عارف على الماسينجر.
كتب لي :
لن يكون بإمكان يدك ودموعك
أن تربت على كتف الراحل
أن تؤلمه في موته
وكذلك أن تودعه كآخر وداع
سيكون بإمكانه
بعد اليوم
أن يتخفف من المكان ومن ثقل المسافات والزمن
سيكون بإمكانه زيارتك كما تلك الجدة
سأجدك يوما ما على الكنبة ورأسك على صدره
لا أدري إن كان بإمكانك تحمل كل ذلك لوحدك
لوحدك
لوحدك جدا
انتهى كلام عارف.
اتصل عارف برشاد، كانوا في الطريق، قال له رشاد، وهذا ما نقله لي عارف " الجنازة في ماتنلي والعزاء في باريس "، كانوا، أو ربما رشاد أكثر من غيره، قلقين عليّ.
اتصلت أختي، هذا يعني أنهم عادوا من الزيارة ...
كان روي سها لتفاصيل " أكره الكلمة السوداء"، مدهشا ومصحوبا بالفرح.
قالت أن الطقس رائع، والعشب ملأ القرية. خرج الأهالي للصلاة على أبي، كما لو أنهم في مهرجان، الشمس ساطعة، بعد برد وعواصف شباط ... البارحة كانت تمطر، لكنها هذا الصباح مشمسة ومشرقة، إنه الربيع في حلب، في ماتنلي، في زيارة حنان.
كانوا قد نقلوه إلى ماتنلي، لغسله وتكفينه " لا أصدق أني تجرأت على تدوين الكلمة الأخيرة"، وصلواّ عليه ... ثم نقلوه إلى الزيارة.
الورد الموف هو الذي استقر في مخيلتي أكثر، وسيأتي بعده ( الحْرام)، أو الغطاء الصوفي الأحمر الذي لفوا به أبي، ووضعوه وسط ساحة القرية،حيث اجتمعت الحشود لوداعه .... كل هذا وأنا لست هناك!
وصفت لي سها الربيع المباغت، الشقشقيق الأحمر أو شقائق النعمان، الورد الموف أيضا، العشب، الشمس ... كما لو أنهم كانوا في نزهة، أو أن رحيل أبي، جمع هؤلاء الذين لا وقت لديهم ولا طاقة للتنزه، فأجبرهم على الخروج الجماعي في نزهة ربيعية وصلت بينهم جميعا بحبل عاطفي واحد، هو التضامن في هذه اللحظة الوقورة، لحظة الوداع الأخير.
حدثتني عن كلمات الملقن، وأنا جاهلة بهذه التقاليد أو ربما هي من قواعد الدين... وأفرحتني قائلة " دفنوه في قبر أبيه، ورأينا أقدام حنيفة " . قلت لها " حسنا، سيكون سعيدا هناك، سيثرثر مع حنيفة طويلا " .
كانت حنيفة أصغر أخواته، وأقربهن إليه، وإليّ .
هكذا انضم أبي إلى كائنتيّ المفضلتين :حنيفة وحليمة ... ستنفردان به وتثرثران له، وتستمعان إليه يفضفض أمامهما، كما كانوا يفعلون من قبل ... لقد استعادوا حميميتهم، واستردوا جلساتهم الخاصة، حيث يتبادلون الهموم بحميمية لا تسمح بدخول أي شخوص أخرى بين ثلاثتهم .
ثمة تواطؤ سري وجميل بين الثلاثة ... ستنتظر حنيفة عودة الأهالي إلى بيوتهم، أو إلى بيت أهلي في المدينة، حتى تعد ثلاثة فناجين من القهوة " لن أقول كيف، فهي ستتدبر أمرها هناك "، وستدخّن أمام أبي.... سوف يصمتون طويلا، ثم سيضع أبي رأسه على صدر أمه، ويبكي " أوني، أزي جوم" . فتصحح له " ته هوتي" . أمي، لقد ذهبت. تصحح له : أنت أتيت .
يقول عمي منان، الأخ الأصغر لأبي " ستكون حليمة سعيدة الآن، كانت تحبه أكثر مني، ها قد سبقني إلى هناك أيضا".
يحاول عمي الهروب بالدعابة، مخففا من حزن أختي، وأنا هنا، يُنقل إلي كل تفصيل لغوي أو فعلي.
تهدأ روحي قليلا، وتنقلب دفة مشاعري، من حزن لأنه لم يستمتع بشمس آذار، مغادرا في أول أيامه، إلى فرح أنه غادر في نهار جميل، سيزور فيه أحباءه هناك ... كان راغبا في نزهة أخيرة، في خروج إلى الطبيعة، لا بل، إلى القرية، في طقس جميل، كما يبدو، محاطا بكل من أحبهم .
اتصلت برشاد في منزله،لأنه كاد قد ترك أهلي وسها، للذهاب والاعتناء بالصغار وتحضيرهم للذهاب إلى المدرسة.
لا أعرف لماذا أصبح رصينة مع رشاد ؟ كما لو أنه مرآتي النقية، دون غبار، دون خدوش ... نظيفة تماما. كنت أتحدث إليه بهدوء، لا بكاء ولا ضعف، برصانة ووقار، كما لو أن من نتحدث عنه هو صديق مشترك لكلينا. كأنه لم يكن أبي أنا فقط، وكان بالنسبة لرشاد عمه، أو والد زوجته.
كان رشاد يحاول اختيار كلماته، خشية خدشي في أي عبارة لا تليق بالمناسبة، فقد عانى وهو يقول لي " لقد خدم الموت أباك"، وعاد ليصحح " لو كان يمكننا قول هذا ". واصفا لي جمال الجنازة " جيد أني نطقتها، مع ملاحظة أني أكتب وأنطق الكلمات والحروف وأنا أضغط عليها" .
كما لو أننا أمام أحد مقاطع فيلم أحلام كيراساوا، هكذا وصف رشاد المشهد.الموت البديع ... ذاكرا لي، وأنا لا أذكر الكلمات تماما الآن، أنه في أحد المشاهد يسأل أحد الأشخاص أحدهم عما يرونه، فيقول له أنها جنازة، حيث يعتقد الآخر أنها زفاف أو عرس .... لا أذكر بدقة، ولكن رشاد كان يحاول أن ينقل لي، أن الموت أحب أبي، وان أبي غادر بطريقة احتفائية جمالية.
هذه الصور الجمالية، استلقاء أبي جوار حنيفة، الورد الموف، الحْرام الأحمر أو الغطاء الصوفي الأحمر الذي لفوا به أبي، وصلّوا عليه وسط القرية، محاطا بالعشب، حيث الشمس تلقي بدفئها المفرح على شخوص الطقوس الأخيرة ....
أن الموت خدم أبي، أن الجنازة كانت مهيبة ........ كل هذا يخفف من قهري .
كانت البذور الأولى لحزني، هي أن الموت أذل أبي، ولكن تلك الصور، حذفت مفهوم الذل، ورسمت برشاقة حالة الوقار ومهابة الموت الرصين.
لم يكن الموت بعبعا، ليس رجلا خسيسا ظالما ... كان يدا حانية، حاول أبي بخوف أن يمسك بيد أمينة، ولكن يد الموت كانت أقوى، وهي دوما، ولكنها قوية بحنان ... سأقولها للمرة الأولى هنا، بعد أن تجرأت ولفظتها في اليوم الرابع " ليرحمه الله" .
غاب أبي
لم يعد يسمعنا
لن أتمكن من سماعه ورؤيته بعد الآن
أنا مركب رامبو السكران، ما بين الرصانة والانفلات، أتقلب ...
بين الفقدان الأبدي، والمطاف الذي ناقشته مع رشاد، أتقلب.
كنا نقول أن هذا نهاية المطاف، ويجب على كل منا أن يمر بهذه التجربة، تجربة فقدان أحد بهذه الأهمية وبهذا القرب أو القرابة... إنه المطاف النهائي لجميع حالات الحزن، حيث انتهى الحزن وتوقف بني هنا.
برصانة، حدثت رشاد عن أهمية هذا الحدث المفصلي، الذي يُنضج آرائي ومواقفي وانفعالاتي ... كنت أعتقد أن هذه الصدمة العنيفة، ستغير الكثير من مفاهيمي.
كنت رصينة، كاتبة، ناضجة، أرقب الحالة، أدقق في بذور انفعالاتي، المتنقلة بين الشفقة على أبي الذي رحل ولم يعد يستمتع بالعيش، والشعور بالذنب لأني هنا، بعيدة عنه وعنهم جميعا، والشعور بالحرمان لأننا لن نلتقي أبدا بعد أن انتهى كل شيء، والشعور بالخوف لأني لا أعرف ما حل به، والشعور أيضا بالشفقة والحزن لأنه في مكان معتم ومخيف .... والعجز لأنني لا أستطيع فعل أي شيء .........
كما في العمليات الكيميائية التي أجهل تفاعلاتها ... ثمة عناصر ما، تختلط بأخرى، فتطلق مواد ما أو غازات أو معادن....
كانت روحي تختلط بصور ما، أظن مصدرها أفكار تحركها .... فأشعر بغتة بالانكسار، وأبكي.
ضاقت بي الشقة ... تواصلي مع العالم يتم عبر الهاتف فقط ... أحتاج للمس أحد .... أحتاج لأن أمد يدي وأضعها على جبين أبي " قال رشاد فيما بعد، أنه قبّل جبين أبي، وأنا تألمت جدا لأنه لم يتح لي هذا" ... لا يزال المشهد بالنسبة لي تجريديا محضا، لم أكن هناك، أتصور الأمور، وفق مخيلتي، التي لن تكون متطابقة بتاتا مع ما حدث فعلا، أو ما كنت سأحس به، لو أنني كنت هناك .
الهاتف فقط هو ما ينقلني إلى المشهد الغائم، المتخيل وفق أوصافهم، التي لن تكون أبدا، لا متطابقة مع ما يحدث، ولا مع وصفي لو كنت هناك، لأن حقيقة مشاعر كل منا، تختلف عن طريقة شعور غيره بالحدث.
غيابي الجسدي عن المكان الرئيسي لإحداث انفعالاتي، غياب باريس كوجود واقعي، غير موجود آنيا، لأن عقلي في حلب .... يصنع لوحة تجريدية، لن يقنعني شيء بواقعيتها، سوى صيرورتي هناك .... أريد أن أكون هناك.
أريد أن ألمسهم، أمسح دموعهم، أحضنهم ...
أكاد أختنق، لا أحتمل، أتصل بخالد في العراق.
أحتاج الأصدقاء المقربين " سوف أتحدث لاحقا عن مفهومي للصداقة".
تحدثنا قليلا ... قال لي كلمة مستني " أنا أحضنك " . شرحت له، أن الحضن، الملامسة الجسدية الحقيقية، هي التي أحتاجها الآن، أكثر من الكلمات.

-4-

حين عاد فيليب في نهاية اليوم، كنت ألملم انكساراتي. ثمة لغة دعابة وتهكم تجمعني مع فيليب، خاصة في المواقف الصعبة.لا أحب، ولا يحب هو أيضا، تبادل المواقف الضعيفة .
كنت متماسكة أمامه. ولكن بسبب البكاء الطويل، وعدم تناول أي شيء، كنت أشعر أن رأسي سينفجر من الألم.
كان قد أحضر لي معه حبوبا مسكنة للصداع، إلا أني، وبغباء أو جهل، اعتقدت أن كأسا من النبيذ، قد يريح أعصابي، ويخفف الكثافة الشعورية التي أحياها ضمن صورة ثابتة " أبي لم يعد موجودا، صار تحت التراب" .
كانت الصورة عنيفة، تهزني بقوة .
شربت بسرعة، الكأس الأول، الثاني، الثالث، وبغتة.........
تطايرت أشلاء روحي ... جلست على الأرض كطفلة السنوات الأولى من عمرها .... ورحت أعترف :
لم يكن أبي مجرد أب بيولوجي، كان رفيقي، محرضي على التفكير، دافعي إلى البحث والتنقيب، رغبت بإثبات تميزي، من أجله، إرضاء لمتطلباته الصعبة . كان رجلا صعب الإرضاء، فرضت على نفسي التفوق والتميز، لأكون جديرة باحترامه.
بدأت صديقة له ... جمعتنا شراكة طويلة، أنا ابنته الأولى، فأنا أول أبنائه الذكور والبنات، مدللته ...
جمعتنا رفاقية سياسية فيما بعد.
كان يربت على كتفي، وسط الضيعة، أمام الرجال ( من هنا ستكون صداقاتي ناجحة مع الرجال، وفاشلة مع النساء، وسأكون فاشلة عاطفيا مع الرجال الذين لا يحبون الصديقات)، ويقول " هذه ليست ابنتي فقط، بل أختي ورفيقتي، هذه رفيقتي مها" .
كأب شرقي، يفترض أن يصحب ابنه الذكر، كان أبي، الأممي آنذاك، يصحبني ويفتخر بي، كنت أسافر خلفه، أمسكه من خاصرته وأنا متشبثة به على دراجته النارية .... نتنزه في الحقول، نسافر من قرية لأخرى ... هو وأنا فقط....
في سهراته الرفاقية، في سهرات الرجال، كرجل شرقي، لم يصحب أبي زوجته، أمي، ولا الذكور، بل أنا .... حيث جمعتنا ثرثرات خاصة، وكنت امتدادا روحيا لأمه وحنيفة، أغلى كائن عليّ حتى رحيلها.
كان أبي محور حياتي، لقد غاب المحور، وانقلبت حياتي.
كما في تراجيديا كردية أو إغريقية، كان كلامي مصحوبا بالبكاء والعويل .
طلبت من فيليب أن نخرج من البيت،أحسست أن الجدران ضاقت كثيرا،وأني أكره المكان. صارت باريس صغيرة عليّ وضيقة .
كان فيليب قد اتخذ قرارا بالتوقف عند التدخين منذ بداية العام، ومن باب التضامن والتشجيع، فعلت مثله.
أول ما فعلته في مساء ذلك اليوم، اشتريت علبة سجائر،ثم رحنا نتجول في المنطقة، مشينا كثيرا.دخنت دون توقف، وأنا أحدثه عن أبي، كما لو أننا نتعارف للتو، مع أننا معا منذ أربعة أعوام.

في الفرنسية يستعملون فعل رياليزيه، أي يتحول الأمر إلى واقع، ومن هنا فالسوريالية أو سورياليزم حسب اللفظة الفرنسية،هي فوق الواقع . كنت أحاول أن أحول الأمر إلى واقع، فأعجز .... لم أستطع تقبل أن أبي الآن يرقد تحت الأرض، في العتمة والرطوبة، وأنه لا يتنفس ولا يتكلم، ولا يفتح باب منزل أهلي ثم يدخل مطلقا ضحكاته الرنانة، مستجوبا عمن في المنزل بصخب يعلن عنه كلما وصل... وكأنه يرغب منا جميعا، بحب متكبر واحتياج مترفع، لننهض جميعا ونستقبله... كان مرحا وصاخبا وممتلئا بالحياة.... لم أستطع تصور أن ذلك الرجل العاجز عن الجلوس بكسل دون أن يتحرك ويعمل أي شيء، الرجل الذي كان يخترع أي عمل يلهوه عن الخمول، يخرب أي شيء، ليعيد تصليحه ... يعبث بالراديو، بالغسالة، بالثلاجة ... يفك البراغي ويركبها ... هذا الذي لا ينهي وجبته إلا ملتهما اللقم الأخيرة ناهضا ومودعا ... الذي يأكل سريعا ويغيب طويلا، وحين يعود منهكا، ينام كالقتيل، كما تصفه أمي ... هذه الطاقة والحيوية والصخب، عليها الآن أن تسكت وتتوقف وتسكن تحت التراب، في العتمة والبرد ... كنت أتحدث وبداخلي شعور أني أرسل له بكلماتي، المعجونة بالبكاء والذكريات ....كانت كل هذه الصور والأفكار، أشياء غير واقعية، لم أتمكن بعد من تحويلها إلى واقع أحياه.
لم يصبح الأمر بعد واقعيا، لا تزال الحكاية تشبه كابوسا ثقيلا، أو حلما مرعبا أحاول الخروج منه.

اليوم الأول، حيث تتالى أيام سرديات ما بعد الرحيل.

أقرأ أيضاً: