عبدالله العقيبي
(السعودية)

حين يمر جارنا الأسمر، الذي يعرف كل سكان شارعنا بأنه مريض بداء " السكري ".. كان يطلب إلي أن أتسلق شجرة النيم الكبيرة التي كانت بمحاذاة مدخل بيتنا المكون من طابق واحد، أتسلق إلى أعلى الشجرة حتى أرى سطوح بيتنا.. وهو يصرخ بي بأعلى صوته :

طرف الغصن.. طرف الغصن.. بأكمله
أحاول جاهداً أن أقطع طرف الغصن من المكان الذي يشير إليه، ثم أرمي الغصن من الأعلى، و أسلك مسلكاً آخر في النزول، أتمسك بسور السطوح، و أستعرض قليلاً بالمشي على السور، فأسمعه يصرخ بي و ينبهني من السقوط.. فأقفز إلى السطوح و أنزل عبر الدرج بسرعة هائلة، من أجل أن أقبض منه خمسة الريالات التي كان يكرمني بها بعد قيامي بالمهمة..
عرفت من خلال حوارات أبي و إخوتي الكبار و بقية الجيران، أن جارنا هذا يمارس رياضة المشي مضطراً، بسبب داء السكري، وعرفت كذلك أنه يستخدم أوراق شجرة النيم كعلاج لمرضه.
لقد كان الرجل الوحيد في طفولتي الذي كنت أشاهده يمارس الرياضة، و بانتظام شديد، كل يوم في الخامسة عصراً يخرج من بيته مرتدياً " ترنج " الرياضة، و حذاءً رياضياً، معتمراً عمامة يلفها بـ"شماغ" أحمر. يدور حول الحي بأكمله الذي فيه بيتنا ثم يعود من بداية الشارع من الطرف، لا يطلب مني قطف أغصان النيم كل يوم، بل يفعل ذلك مرة واحدة في الأسبوع تقريباً. حين سألت أبي عن سبب اختياره الأغصان البعيدة، قال لي أنها الأنسب لصناعة علاجه لأن وريقاتها تكون جديدة !

لم اقتنع بكلام أبي طبعاً، لأنني كنت أعرف أن جميع جيراننا يربطون أي تصرف من تصرفات جارنا هذا بمرضه، حتى لو اشترى سيارة من نوع معين لقالوا أنها هي الأنسب لمرضى السكري.
لا أدري لماذا كنت أحب هذا الرجل أكثر من بقية الرجال في شارعنا، و كنت أكن له الكثير من الإجلال و الاحترام، ربما أكثر من حبي و إجلالي لأبي أيضاً، لعل حبي له نابع من شدة حبه و ارتباطه بنيم/ ـة بيتنا الوارفة.

تلك النيم/ـة كانت تظلل سيارة أبي " الكابرس" الـ 84 التي كان لها لون البحر، "جدة" كلها كانت تتمنى أن تشتري هذه السيارة من أبي، فكثيراً ما كان يعترض طريقه أشخاص يطلبون شراءها منه، لكن أبي لم يكن يبيع السيارات، بل يورثها لأخوتي ! فكما ورث أخي الأكبر " الكابرس " الـ 81 ذات اللونين، ورث أخي الذي بعده " الكابرس" الـ84 البحري.
هي كذلك – النيم/ ـة – حارسة دراجتي، حيث كنت أسلسل دراجتي الصغيرة بالجنزير في جذعها، و هي أمي إذا جن الليل.. ففي وسط تشابك أغصانها الكبيرة صنعت أنا و أحد أصدقائي من أبناء جيراننا بيتاً من " الأبلكاش "، كنا نصعد إليه، إذا جاء الليل، بعد أن نأتي منهكين من لعب كرة القدم في الملعب المجاور، ثم نذهب إلى المسجد لنتلقى دروس التجويد من إمام الحي، نخرج مسرعين، نتسابق في تسلق النيم/ ـة، و نبقى في بيتنا الصغير في حضن الشجرة الجميلة حتى نسمع نداء أمهاتنا، فنهرب قبل أن يكتشف أحد سر النيم/ـة.
في إحدى الليالي المظلمة خرجنا مبكراً من درس التجويد، و صعدنا النيم/ـة، فإذا بأخي الأصغر، آخر العنقود يعدو كعادته بسبب خوفه من المشي لوحده، فاستغلينا أنا و صديقي فرصة فزعه، و انتظرنا إلى أن أقبل على باب مدخل بيتنا، فقمنا بإصدار أصوات غريبة و أخذنا نقفز على أغصان النيم/ـة المسكينة التي طاوعتنا في لعب دور الشبح المخيف، حين أصبح أخي في مواجهة باب البيت تماماً رأى الشجرة كشبح ضخم.. فما كان منه إلا أن صرع تحتها، و بدأنا نحن في نوبة ضحك، و بعد لحظات إذ بسيارة أبي قادمة من بداية الشارع، آثرنا السكوت أنا وصديقي خوفاً من عقاب أبي، نزل أبي من السيارة و حمل بسرعة جثة أخي المتخشبة بين ذراعيه ودخل بها إلى البيت. و لم أستشعر خطورة الموقف إلا بعد أن دخلت البيت و رأيت أمي تولول، و أبي يقرأ على قليل من الماء في كفه و ينفثه في وجه أخي.

بقي أخي لفترة قصيرة صامتاً و واجماً، لم يكن يطيق الخروج من البيت، و حين نطق كانت أول كلمة له :
" النيم/ـة فيها جني "
كان باستطاعتي أن أخبرهم بحقيقة الأمر، ولكن ما كان سيترتب على تلك الحقيقة أمر لا طاقة لي على تحمله !

حين تعقد أمر أخي و بدأت اتصالات المدرسة تنهال على هاتف بيتنا بسبب غيابه الطويل، رأى أبي أن الحل هو التخلص من النيم/ـة، و أيد أخوتي الكبار هذا الحل، ذلك لأن النيم/ـة بدأت تكبر أكثر من اللازم ( برغم أنها كانت تقوم بدورها فقط ).. قال أخي الأكبر أن جذوعها بدأت تخترق " صبة " الخزان الأرضي.. و أضافت أمي بأن جذوعها أيضاً اقتلعت بلاط المدخل.
التزمت بالصمت و لم أنطق.. بقيت فترات طويلة وحيداً داخل بيتي الصغير، خاصة بعد الظهر، حين كنت أعود من المدرسة، كان الجميع يمر تحتي دون أن ينتبه لوجودي.
ذهبت أول مرة لزيارة جارنا الحبيب في بيته يدي بيد النيم/ـة، مصطحباً معي أعلى غصن فيها، كانت وريقات هذا الغصن صغيرة و خضارها فاتح اللون، تأمل الرجل الطيب الغصن بإمعان شديد، و كأنه عرف أن هذا هو أقرب أغصان الشجرة إلى شمس الله، طلب مني الانتظار، و دخل إلى البيت، لكنني لم انتظر.. راقبته من بيتي الصغير مرتدياً وزرته يبحث عني و في يده اليمنى حافظة نقوده..

في ظهر اليوم التالي، عند قدومي من المدرسة، كان بيتنا مثل رأس المرأة القرعاء، مكشوف تماما، و كانت " تندة " الكابرس الـ84 تصطلي بلهيب شمس الظهيرة، لم يبق من النيم/ ـة إلا أول جذعها الذي بدا أسوداً كالفحم، جرَّاء إضرام النار به، أما ظلها و خضارها فكان ملقى بجوار حاوية النفايات.

في عصر ذلك اليوم مر جارنا بالقرب مني، و لم ألفت انتباهه نهائياً لأنه كان غاضباً، مر بسرعة من أمام بيتنا و هو يهز رأسه يميناً و يساراً.. و دخل بيته.

حين قدمت من درس التجويد مررت بالقرب من الحاوية، و سمعت هسيساً صادراً من بقايا النيم/ـة، فتوهمت أنها تحدثني، ولكنني حين اقتربت منها وجدت جارنا، يحمل كيساً بلاستيكياً أسود، و يقصقص أغصان النيم/ـة الصغيرة، حين انتبه لي، ابتسم دون أن يقول شيئاً، فأخذت أقصقص معه الأغصان الصغيرة جداً، و التي لم أكن أستطيع الوصول إليها، كان يتمتم بكلمات لم أستطع سماعها، لكنني حين اقتربت لأضع الأغصان في الكيس، سمعته يتمتم : "أوراقها صارت قريبة !" و انتبهت إلى أنه لم يكن يقطع الأغصان بل كان يقطع الوريقات الصغيرة فقط.