وفاء البوعيسي
( ليبيا / هولندا)

وفاء البوعيسيثمة ما وقف بين عيوننا والجمال العابر، صار العالم يومها بلا توق، وبلا رغبة، رخيصاً وسهلاً.
قلوبنا التي عرفت البلى, حلّقت ملتاعة في الأفق، وفي زحمة الأفكار, حين بدأت الموسيقى عزف سيمفونية "النشيد الجنائزي" لموتزارت.
لوّح المايسترو بيديه واستدار صوب العازفين بالزاوية مغمض العينين, منفعلاً, ومتأججاً بالثمل, كأنه يوقظ مهرجاناً من غفوته.
بدا كما لو أن القاعة كلها قد اخضّرت, وزجاج النوافذ قد تهاوى مُنصتاً, والشرفات بالأعلى احتفت بشمعداناتها.
عُزف النشيد الجنائزي بدار الأوبرا بفيينا يومها كان مراسم عبوري الى عالم فاتن، جعلني أرفض حتى اللحظة التأقلم مع الرداءة.
الآلات الوترية المعلقة على الجدران الموشاة ببذخ ظاهر أتيح لها أن تحتج, وضحكات الضوء بالسقف انزلقت على مفارش الدانتيل المخرم, ونوتات كبار الموسيقيين الأوائل الموضوعة على طاولات الزجاج بمدخل القاعة.

تقدم المايسترو محنياً كما لو كان يشارف على الركوع , مُشيراً للسلام في مشهدية الموت أن يعود من جديد إلي مصدره, وحين رفع يديه عالياً إلى آلات السكسيفون, نثر النسيمُ ثانية علي الحقل.
تأملٌ ذاتي حول الموت ساد بالمكان, تأمل لم يبارح الايمــان والاحتجــاج في عزف آلات الكلارينيت الكلاسيكية.
تأتي كانت بين لحظة وأخرى دقائق من الصفاء والتأمل, في النوتات الأولى للنشيد, وعتم العلاقة بين الدين والموت كان يراوح حولي وبقربي.

توغل المايسترو خطوتين بين العازفين مشدوهاً, يستدعي الشكوى في النشيد, فتسلل المارش الجنائزي إلى القاعة في شكل مباغت فضج المكان بالحزن.
سار بي طويلاً طويلاً بين الخرائب, لأكتشف حقيقة الجسد الفاني, عندما القمر في شفافيته ينضح كان تعِباً للزغب والنور, وراحت الأسئلة تنهال وتنهال, من أين يبدأ الليل وأين ينتهي النهار؟ وكيف تدخل كل هذه الموسيقى الى أعطافي على هذا النحو؟.

صرت أرتل النوتات معه, أدوزن أوتار الأرغن مع العازفين, وأنفخ بالمزمار, وأتآلف مع السير الخفيض والبطيء للموسيقي والأريج.
الموكب الجنائزي وقف هناك, بمنتصف القاعة, حين شاء العازفون أن يريحونه بمكان له فيه ذكرى أحبها, فتهاوى الايقاع حاملاً معه وقع الفجيعة في صراخ الآلات, فانفرط عقد آلاف الساعات, وهي تشكك بدعاوى السعادة الآنية المهددة بالزوال.
اعتلى الباعثُ صلاتنا في تدويمه الناعم, حلّق بنا مثل حمامة أعياها فرط التحليق لكنها مترعة بالنشيد, ومر الوقت بنا زائغ النظرات, ـ الوقت الحابس أنفاسه لتوقف الموكب الحزين ـ وحيّاه بقبعته المصنوعة من القش وعصا الخيزران في يده.

ترنح المايسترو في اهتزازه فاتحاً ذراعيه, فبدأت الموسيقى بالاتساع بقوة بقوة وبسرعة متلاحقة حين ترك الموكب الجنائزي المكان وغادر وحيداً إلى السماء عابراً بنا, وعابراً بي إلى النور, إلى راحة اليقين بعد قلق الألم الأول.

صدحت الموسيقى قاسية وقوية حين اهتز المايسترو منفعلاً, وطوّح بالعصا في يده نحو العازفين, فسرّح للجالسين خلفه سلماً نحو المهرجان.
ها هو الموكب الجنائزي يُخلّي المكان لنوع من الاستسلام الصامت أمام حقيقة ما حدث, أمام حقيقة الموت, أمام حقيقة الإذعان للصعود.
انجدل سلم المهرجان, انجدل في نزيفه ورحنا نتسلق ونتسلق معه, أغصانه تسحبنا نحو الدوالي المشكولة من الارجوان, فكان حقيقياً حينها أن الكمانات مثلي تصببت عرقاً, وكان حقيقياً أن تزهر الأقدام الثلاثة للبيانو في أدائه للكونشيرتو وحيداً حين كان يصلي, وكان حقيقاً أن ترسم السيمفونية مطراً بدمي, وتحيل الوشاح الأخضر على شعري إكليلاً.
على الغصون المضفورة بالسلم المجدول للمهرجان يومها, تسلق الحاضرون إلى حيث يكون الجميع أحراراً وطيبن, إلى حيث تبتهج جميع الكائنات وبني البشر, إلى حيث تورق الخزامى في أصابعنا حين نتصافح, وتصطف أزهار العالم في قبلة حبيبين.
وحين أشار المايسترو بالتوقف, ساد السكون والسلام, حل الهدوء والصفاء ثم ضجت القاعة بالتصفيق، وانهمرت أنا باكية.


أقرأ أيضاً: