يحيى امقاسم

مجدداً يا سادة.. تقترح بيروت الصباح لكن على غير العادة حين أزورها خاطفاً الوقت والليل، ومؤجلاً المحاكمات الطويلة مع المدن العربية، ووحدها بيروت لا تسمح بتلك المماحكات مع قليل التجربة والذاكرة. اليوم كأنّها في اشتغال جديد مع هذا الربيع "الدعيّ" ـ هي تهمس بكلمة دعيّ خيفةً على ريادتها إلى الفضاء طيلة خمسين ربيعاً وأمضى ـ، والاختلاف ما بين بيروت الزائر وبيروت المقيم شاسع وقابل للجرح حتماً.

XXXXXXXXXX بيروت اليوم ومن سباتها الطويل والمجهد، في غفلة الحالمين القدامى، ترقبها من أول وهلة كما لو أنّها تجتهد إلى قلق آخر ليكون لها وهج التطلعات وقائمة الحالمين الجدد، ثم تخذلك الفكرة قبل نضوجها.

الآن لا مكان لي في هذا الضمير الحديث، ولم يكن بوسعي أن أكون في حشد النار حينما كان اليسار الجميل يُنَظِر لحنكة الرصاص ولبلاغة الصورة وحين "العائلة عبرت من هنا" وعند تتابع الطليعيين واحتكار الحداثة. لم يتسع الحظ من قبل لأسجل في ليل العابرين الموقف وأنجو لهذه الفترة تحديداً برؤية تُجانب موقفكم يومئذ وتحدد رحم التعاطي مع بيروت اليوم.

ماذا فعلتم ببيروت؟ أو ماذا فعلتما بنا.. أنتم وبيروت؟ فلا المدينة بقيت ولا يساركم أوضح تأويلاً، لا المدينة الملاذ ولا مخطوطات بشراكم أوفت. هل هي اللغة ومَكَنة الكلام ولَبْس العمر وفرط العشاق وفارق الشعر وتمرد الكتب حين كان للتمرد اللون الأخضر كما وصفتم المرحلة؟ اليوم هل تعوزني بلاغة الحضور أم جسارة العاشق والعناوين المباشرة واللون المحايد؟.

كلما قالوا: "بيروت في الزمانات..."، كلما اتسعت ذريعة الفقد واشتدت فاقة الدهشة، واعتزلتْ الجغرافيا تُخفي الحقيقة كيلا تكيد مدينةٌ أخرى غيرةً وتهجس بالتحدي في هذا الوقت المرهق. كلما أكدوا: "بيروت في الزمانات..."، عندها الخيول تنذر بالنهاية وفي رحمة يسيرة وعاجلة تأخذنا بانكسار إلى جنود يصطلون بالطلقة المحتملة في شتاء العدو ورأفته ببزاتهم وراياتهم البيضاء وزهر نسائهم الموعودات بالإياب.

هكذا بمرارة أتلمس فرص اللقاء مع بيروت وأتحين زمنها الخفي يوم كان الربيع، حسب وشاية الصور وانحيازها، أكثر فعلاً والفنادق أصدق هواءً والمنحدرات أشدّ تحذيراً ونزاهة، وأُمعن في اتهامي بأن سبقكم من دوننا غير أخلاقي، فلا الزمن وحده يتحمل وزر السؤال عن هذا "العار الجميل" ولا أنتم تجتهدون على حافة العمر لاقتباس حماسنا نحو قيمة المدينة الأولى؛ فينبري آخر الرجال لمعالجة الصورة بقليل من العمر ويجلي عن بيروت فكرة الغفوة زُهاء أربعين عاماً ويزيد. يحررها من سطوة ربيع عصي وحلم عاقر.

بيروت الخارجة من الخريطة منذ عقود ووفاق سماوي.. اليوم وفي خلاصها القديم تقف على مشقة هذا الربيع غافية في زمنها البعيد، فلا هي مجدولة في طابور المدن النافرة ولا هي صريحة في نهارها البكر أو طليقة الخيارات، وتراوح على وهج المتاح وما "يتوفر" من الحياة وبقيتْ تستحيل على اجتهادنا في التصنيف، وبقينا نحن نكيل مرةً الوعودَ ورداً ليبقى فينا ضوء ما عشقناه في كتبكم يوم كان لها التقدم والشمس والمنجل، ومرة نشيخ في الظلام وأن لا علو غير المعركة كما كنتم تخبرون أبي المهزوم وتَعِدُون عمّي "يوسف" الطليعي جداً حتى في موته؛ نشيخ في الشباب يأساً على مشارف أكذوبتنا الدائمة والصادقة.

يا جناة المرحلة الطيبين.. هذا أنا لم أستطع اللحاق ببادرة العشق الأول، ولا لي قدرة على مسوغات الجولة ونبل هذا العصر في شائكة الظرف والدم والسقوط وجريرة الحدود وصياغة الرفض وفكرة الشهيد، ولا لي حظ في جدوى المدن العربية وازدواج أعلامها، لم يعد لي جهد على هذا العرض والتدوين المستطيل لبطولات الرجاء النحيل فقط؛ أو حتى لمجرد وخز الأمل القديم!

ثم ماذا بعد صمت بيروت يا سيدي؟!.. لا بيروت توشك على تمام خريطتها ولا أنا صالح لاحتمال النشيد.

بيروت 1 يوليو 2011


أقرأ أيضاً: