رسالة إلى غوستاف

بثينة سليمان
لبنان – الكويت

كان نهاري طويلا مثل نهارات سبقته، لكني لم أعد واثقة من نهاراتي المقبلة.
أضيّع الوقت بين صباح ومساء. روحي فارغة. ليس للسعادة مكان. ابنتي الصغيرة تثقل عليَّ. أحبها، لكنها تغيب عني أحيانا. ربما لولا وجودها لأوقفت هذا الإهدار في الوقت. لا أعرف ما الذي يصيبني فأغرق في فراغ روحي المتعبة. لا شيء يفرح ولا شيء يطمئن.
تشغلني أمور كثيرة.

جسدي الذي يهرم ويتغير، وجهي الذي لم أعد أميز امارات فرحه عن تلك الحزينة.
تشغلني فكرة الانتحار. لا أفكر في كيفية الانتحار، بل في هذا الفناء الذي ينهي كل شيء مرةً واحدة. تشغلني المرأة التي قتلت بناتها الثلاث وقتلت نفسها. أقبلت على الموت وأنهت فيضا من الحياة. تخلت عن كل شيء. أوقفت تعاقب الفصول وعطّلت جريان الدم في الشرايين الفتية. تجاوزت حبّ صغيراتها الذي لم يمنعها عن الموت. ربما فعلت ما فعلته لتحمي هذا الحب. أحاول أن أفكر مثلها وأغفر لها ما فعلت لأنها كانت وحيدة. أتخيلها كانت وحيدة مثلي. لكنها كانت قادرة على الموت.
تشغلني حياتي.

متى أنتهي من هذا كلّه؟ متى ينتهي هذا كله منّي؟ لا أعرف. أنا مشوشة.
إنني أحمّلك أو أحمّل بريدك كل هذا البؤس. إنها أنانية أن ألقي ببؤس يومي في فسحة فضائك. لكن هل تعلم، كلما فكرت في الموت، أسعدتني الصورة التي تتبادر إلى ذهني. لن ينتبه كثيرون الى غيابي. أحببت أن أوضح لك هذه الرغبة في الفناء.
ربما هذه الهرمونات التي نحظى بها نحن النساء، تعقّد أمور حياتنا على نحو تنقلب بنا انقلاب الليل والنهار. يحدث كل شيء فجأة وينتهي كل شيء فجأة.
الأمر سيئ. أرى نفسي منجرفة وراء البحث عن الحب، لا أجده، وربّما لن أجده.
حتى الآن لم يحببني رجل كما أريد ولا أعتقد أن الأمر سيحدث. على الأرجح لم يحببني رجل قط. إنه إهدار للطاقة كل هذا الوقت.
علاقتي غير المتوازنة برجل السكر تدفعني دائما الى السؤال عما أريده حقاً. تطوّحني رغبات مجنونة. أنا لا أدير عاصفة. العاصفة في شراييني. أريد أن أحبّ رجلا على قدر الحب الذي أختزنه.

أما زوجي فإنه حكاية أخرى. بعدما دمرنا ما بيننا، نتخبط في مجهول. أصبح جسدانا غريبين. وحدها رغباتنا المتأرجحة تربط بين روحينا الغريبتين. لا أدري كيف أصنّف علاقتي به. حاجة أختبئ بها عن نفسي، أشفق عليه في أحيان كثيرة على رغم الأذى الذي ألحقه بخلايا جسمي وعلى رغم الأذى الذي ألحقته أنا به.
لا يمكنني أن أمنحه طاقة الحب هذه التي تجري في شراييني. الحب طاقة كبيرة مجبولة بالشغف والجنون والرقة، طاقة الصوت الذي يصل بك إلى الآخر، درب يتسع كلما ضاق على السعادة. كيف أمنحه جسدي وهو لا يطال روحي. جسدي لم يعد يطاوعني. أنا وجسدي وحيدان في عذاباتنا، كلما ضاقت بي روحي أهمل هذا الجميل، المتعطش الى ماء الحياة.

العزيز غوستاف،
سأسمح لنفسي بأن أخبرك أكثر عن رجل السكر. هل أخبرتك عن اسمه من قبل. ليس مهما الآن، ليس مهما أن أهيم به أو أنتظره كما كنت أفعل أو أن أستعيد شيئا من ذلك الجنون. أعرف أنك لا تريدني أن أحدّثك عنه أكثر. لكنني أخالفك في ذلك. أدرك أنك الشخص الوحيد يقدر أن يفهم هذه الفوضى. لا أدري كيف أحدد مشاعري. الأمر مؤذ. هذه المشاعر التي تنمو في مكان خاطئ، تنمو وتختلط بمشاعر آخرين وتتشابك وتتعقد. لا أتحدث عن الخطأ أو الصواب ولا عن الإثم ولا عن العقاب ولا عن شيء من هذا القبيل.

إن الأمر يفقدني شهيتي للحياة. ليست مسألة خسارة. ليست شيئا أُحسن تفسيره. إنها أمور مؤذية. يكفي أن أكون وحيدة، لا تسعفني مهارات حياتي على أن أمضي وأرمي خلفي كل شيء، ولست على قدر من الشجاعة كي أوقف كل هذا الإهدار. أحاول في كل يوم أن لا ألتفت إلى هذه الأمور المؤرقة.
أكثر ما يفيدني أن أهرول كل يوم وأن أجعل الهواء يدفعني، وحيدة أجتاز المسافة علّني أتخلص من دهون أطبقت على عقلي ومشاعري وضيّقت شراييني. الخفة أمر ضرورة كي أستطيع أن أفكر في طريقة أسلم، وكي أمضي في هذه الحياة. كل يوم أهرول. حين أنظر في وجهي في المرآة يبدو جافا ومجعدا، لا حياة فيه. وحين أعود إلى منزلي، أرى وجهي مختلفا. كأنه يتنفس. إنه الهواء الذي أتنشقه. صحيح أن هذه البلاد هواؤها عفن ومشبع بالرطوبة هذه الأيام، لكنه يحدث تغييرا في مسامات الجلد.

المشكلة أنني عملت جاهدة طوال سنين حتى أنسى صورا كثيرة من الألم والحزن، لكنه جهد أضرّ بذاكرتي. تضررت ذاكرتي فأصبحت آنيّة في اختياراتها وأصبحت حياتي مسلسلا لا ينتهي من الحكايات اليومية. أمور عادية تتنازعني بين السعادة والضجر، بين المغامرة أو الانجراف نحو العدم.