رحاب أبو هوشر
(الأردن)

رحاب أبو هوشر خجلي من ضعفي في مواجهة آلامي، لم يكن يمنعه من الانتصار علي كل مرة، رغم محاولاتي المخلصة لمقاومته والتغلب عليه، في حضرة آلام الإنسانية وعذاباتها، التي ما انفكت تقارع الأزمات والمخاطر والحروب، في حين كنت أقارع نفسي بالتأنيب، كلما غرقت في ألم 'ضئيل'، إذا ما ألم بي مرض أو تعرضت لحادثة، فما قيمة الأوجاع الشخصية أمام تلك المحن الجسيمة، وما قيمة وجع جسدي 'تافه' أمام صراعات العقل وأسئلته الكبيرة، أو ضربات الإيلام المعنوية؟!

التأنيب ولوم الذات يقمع إعلان آلام الجسد والاعتراف بها، والشكوى منها، لكنه لم ينهها يوما ولن يمحيها من مجراها، لهيب الحمى التي تعصف بأجسادنا عندما نصاب بإنفلونزا حادة، لن تخففه أو تنتشل أجسادنا الواهنة منه، كل عبارات الفلاسفة والمفكرين والأدباء عن العذابات النفسية والروحية الأعمق والأرفع شأنا! وفي غمرة الاشتغال الأدبي والفني، وما يصاحبه من قلق إبداعي، لن يكون ثمة متسع أو قيمة لكل ذلك القلق، بينما المبدع يهذي جراء حمى تجتاح جسده بالقشعريرة، ليذوي لأيام، مثل غصن طوحت به الرياح العاتية، أو أذا ما داهمته نوبة صداع تعصف بالعقل ذاته. أزعم أن الكسر الذي باغت قدمي في أحد الأعوام، لم تعادله حينها كل آلام صراعاتي الوجودية وهواجسها الحارقة، والتي لطالما سببت لي الأرق والحمى الفكرية والنفسية، ويتفوق على آلام إحباطي وخيبتي أمام جهود قوى الشد العكسي لإجهاض أهداف الثورة في مصر وتونس، وحزني وغضبي على موجات شهداء فلسطين عبر السنين! كان ألما مبرحا لئيما، شرخ جسدي، وخلخل أعضاءه كلها.

لا تقف الآلام التي تبدأ بالجسد عنده وحسب، وهذه من بديهيات التكوين الإنساني، المختلط كمزيج متجانس، إنها تمتد نارا تشتعل في حقل اندلعت فيه شرارة، لتسبب آلاما نفسية ومعنوية لا تقل قسوة وإيذاء، تهشم الروح وتجمدها، وتعطل طاقتها الحيوية، وتعلقها في مدار العضو المعتل، ليصبح الشخص محض جسد يتكدس في بقعة وجعه، ويفجر بكاء داخليا حينا وصارخا أحيانا كثيرة، لكنه لا ينتمي لبكاء المرهفين الشفيف على وقع نغم موسيقي أو قصيدة شعر، أو بكاء المتأملين الخاشعين في صوامع العبادة، أو الفلسفة والفكر، أو المعذبين في لوعات الحب والشوق. إنه بكاء غريزي متوحش، بالغ الصدق والعري والضعف، والإنسانية!

في جدلية الألم الإنساني، تتداخل الحدود، ولا يمكن الوقوع على مساحات حقيقية تفصل بين المادي والمعنوي، ليكتسب أي منهما أفضلية أخلاقية على الآخر، ومن الضروري التأكيد على أنه ليس بالإمكان تمجيد أو ازدراء أي منهما لحساب الآخر أيضا. فأوجاع الأسنان تصلح لأن تكون مؤامرة على خصم شرس، إنها تبكي أعتى الرجال وأقساهم قلبا، وتسخر من بطولات المقاتلين الحربيين، وقد يستعمل الجنرالات المتقاعدون نياشينهم العسكرية الكثيرة للعض بها على أسنانهم لتسكين الألم.
العقل والروح ليسا أكثر أهمية أو سموا من الجسد المادي، وقد يرجع تعظيمنا لآلامنا المعنوية بمقابل التقليل من شأن آلام الجسد إلى ميراث زاخر باحتقار الجسد ذاته، حيث كل ما هو حسي غير جدير إلا بالمواراة والتغييب، لا يرقى إلى مصاف الروح النبيلة وعذاباتها، والعقل المترفع بمعاناته، ولعلها المسافة بين ما هو سماوي توطن على أنه وحده الجليل بالضرورة، ووصمة الوضاعة لكل ما هو أرضي مادي،، على أن كافة ادعاءاتنا الذهنية تسقط في أول امتحان للجسد، إذا شكى!

في المستوى الأكثر خطورة، تستغل آلام الجسد لخلق نزيف معنوي ونفسي في الكيان الإنساني، لكسر روحه وإرادته، ونلمح القدرات الاستثنائية على تجاوز تلك الآلام واحتمالها، إذا ما توحد الإنسان في قيمة عليا. والتاريخ البشري كله قائم على ذلك، فأقبية التعذيب ليست ابتكارا معاصرا، لإهانة الشخص وهزيمته، بامتهان جسده وانتهاكه وتشويهه أو تصفيته تماما، انتقاما لمواقفه أو ثنيا له عنها.
لقد سطر التاريخ بأشلاء الأجساد ودمائها، وكانت آلامها معبرا لخلود عظمائه، وتحولاته المفصلية، الديانة المسيحية كانت لتنقرض في مهدها، لولا قيامها على عقيدة صلب المسيح، وافتدائه البشرية بآلام جسده، والإسلام ووجه من قريش بتعذيب المؤمنين به، تعذيبا جسديا، لمقاومة انتشاره، ومعاوية لم يطمئن إلى انتصار سلطته وحسم صراعه مع الحسين، إلا بعدما قطع رأسه، واليهود ما زالوا يبتزون العالم كله بعذابات الهولوكوست الجسدية التي يزعمونها، وما كانت أنظمة الطغاة العرب لتستمر عقودا، لولا السجون والزنازين التي ذاع فيها صيت أدوات التعذيب التي تهشم أجساد المعتقلين كي تصل إلى أرواحهم.

في مذكرات الموسيقار اليوناني ثيودراكيس الذي اعتقل خلال الحرب الاهلية اليونانية، يقول: 'رقدتُ على سريري في المساء بعد التعذيب، وأخذتُ أردد بمرارة: يالها من أكاذيب تلك التي ملأنا بها عقولنا وعقول الآخرين، معاناة الروح، المعاناة المعنوية!! المعاناة العقلية!! إنها مجرد كلمات، ففي الواقع ليس هناك أكثر مشقة، ولا أكثر ألماً من الآلام الجسدية العادية، ألم الجسد'.

2011-12-15