قصة قصيرة

عبدالمنعم الشنتوف
(المغرب)

عبد المنعم الشنتوفقطار منتصف الليل يسوخ في الأرض..
السيارة تنهب الأوتوستراد رقم 19 نهبا في اتجاه أنتويرب. أربعون دقيقة تكفي لكي أرى العلامة الدالة على حي برخيم ويكون علي بعدها أن أرصد الطريق المؤدية إلى المستشفى والتي لا تبعد إلا بأمتار قليلة عن المقبرة وشارع فلوريان. الأوتوستراد يغري اتساعه وانحداره في مواضع محددة بمضاعفة السرعة. أفعل بدافع الإغراء ثم أرعوي حين أرى مؤشر الندامة وتلوح لعيني الغرامات المالية القاصمة للظهر. السيارات التي تمرق تبدو لي أشبه بأحصنة معدنية تشن هجوما كاسحا على عدو وهمي. الوجوه التي تعمرها كالحة وعابسة. أخاطب نفسي كالعادة: ما شأن هذا الشمال البارد الذي يتكلس فيه الزمن ويضمحل فيه الفرح وتعلو الجدران؟ الراديو يبث لقاء سخيفا مع امرأة سخيفة أتخيلها بزوج هارب منذ طوفان نوح وابنة سحاقية وهيئة إدارية وأنف طويل معقوف وفستان بلون الرماد. كانت تتحدث عن الحمية ومختلف أنواعها بصوتها البارد المشبع بلكنة فلامانية ذكرتني بساكنة كورتري فشعرت فجأة بجوع حريف وقدرة على أن أبتلع ثورا بكامله وأكرع براميل من البيرة، ووددت حينها لو جذبتها عنوة من عقر الراديو وقذفت بها خارج السيارة. هاتفي النقال يرن. أتطلع إليه لأرى اسم "ف" وأحدس بما سوف أرى وألمس وأسمع، ويا ويح حواسي.

الساعة تشير إلى الثانية بعد الزوال ولم أغادر زانفورد إلا بعد أن تخبطت في المسافة الفاصلة بين الوسن واليقظة لمدة جاوزت ثلاث ساعات. أوقفت سيارتي قرب الكنال في تمام العاشرة صباحا ثم دلفت إلى بار صغير أحفظ تفاصيله ووجوهه عن ظهر قلب وطلبت فنجان قهوة. احتسيته بسرعة كعادتي وأنا أتطلع إلى الوجوه المبثوثة في زواياها والمنقوعة وسط سحب كثيفة من دخان السجائر. لم تكن لي رغبة في الحديث، وكان علي أيضا أن أتجنب ذلك بكل ما أوتيت من قوة وحيلة وإلا ألفيتني مقذوفا دون أن أدري في غمرة حديث بارد وحامض عن الصحراء والجمال والخيول والخيام والجواري ورائحة الصندل والشهوة البهيمية. ديرك الخمسيني الذي يعمل في مصنع فافوريت لتعليب لحم الخنزير أعرفه جيدا منذ سبع سنوات بالتمام والكمال وبيننا جولات وصولات من الردح الشرس تبدأ عادة باللغة الهولندية وتنتهي من جهتي بما تيسر من الدارجة المغربية المعتقة. غالبا ما تتسع عيناه ويفغر فمه حين أبدأ، وينتابني حينها ضحك مجنون لا أستطيع معه صبرا. يتدفق السباب المعتق الذي أختاره بعناية ولا أكف إلا بعد أن ينهض الصفيق ويختفي عن مجال رؤيتي. يستفزني في كل مرة فأندلق عليه مثل السيل العرم. رأيته هذا الصباح وأنا أتخذ مجلسي خلف طاولتي المعتادة فتجاهلت تحيته دون شعور بالحرج. من عادتي أن أفعل ذلك ومن عادته أن ينصاع دون أن ينبس ببنت شفة. سألني قبل أيام ويده المعروقة تسوي شعره الأصهب الذي انحسر عن مقدمة رأسه الضخم إن كان المغربي يضاجع زوجته عارية فكانت معركة ضارية تطاير شررها ولم ينج من لفحها اللاسع إلا بغيابه عن البار ثلاثة أيام بلياليها.

أعترف بأن لا علاقة تصل ديرك الفلاماني البغيض و "ف" ، والمكالمة إياها تمت بعد خمس وثلاثين دقيقة من مغادرتي للبار. أعترف أيضا بأن معرفتي أو حدسي – وهو الأصح- بما سوف يحدث لم يحل بيني وبين أن أمتطي صهوة سيارتي وأخب بها صوب الأوتوستراد. طعم القهوة ناشب في حلقي ويدي تشد على المقود. غلواء الصحو يعنف بي ويحثني على أن ألوذ بالحذر وأن أشد لجام السيارة. ومنذ أن صعقت قبل شهور بموت صديق طفولتي مجيد في الأوتوستراد الذي يصل مدريد بأشبيلية وأنا أشد اللجام. لم أكن أرغب في أن أنتهي وقد اختلط عظمي بلحمي وسط ركام من المعدن البارد، ثم إنني كنت أعرف أنني سوف أصل بعد دقائق إلى الشقة الصغيرة الكابية الواقعة في بداية شارع فلوريان على مرمى حجر من مستشفى ميدلهايم والتي تطل على محطة مهجورة للوقود وأنني سوف أقرع الجرس أو أنقر على زجاج النافذة لكي تفتح لي الباب. فكرت وأنا أقترب من المقبرة في وجه الشبه المعدوم، لكنني اكتشفت وأنا أعصر دماغي مباشرة بعد انصرام الزيارة الساخنة الأولى أن المرأة مومياء تتحرك بقوة الدفع الذاتي وأن الضحك والصخب اللذان يصدران عنها ليسا سوى علامات على موت غير معلن. ومثل ريح الخماسين الساخنة التي تثير الزوابع وتؤجج الظمأ وسط الصحاري ألحت علي صورتها في الفندق وهي تبالغ في الحركة وتتكلم دون بوصلة وبجرعات زائدة من الحدة وكأنها تنفس عن احتباس عتيق. ربما المشهد السريالي الذي كنت أحد شهوده في الفندق الفخم هو الذي أجج جذوة الفضول في داخلي. شعراء وشواعر من الشتات العربي يتحدثون عن الجنس والخصب والحرية وسط سحب من دخان السجائر وأبخرة النبيذ. كنت أرى في الجو نصالا تبرق وعنفا مكتوما وامرأة تموء بحرقة.
كان علي أن أركض مثل المجنون والساعة تشير إلى الحادية عشرة وسبع وثلاثين دقيقة إلى محطة الشمال. اصطدمت أكثر من مرة بأفارقة وأسيويين وعرب عاربة وأخرى مستعربة وجدران كالحة وعاهرات بألوان فاقعة دون أن أكلف نفسي عناء الاعتذار. ثم اكتشفت وأنا أصعد الدرج الكهربائي المؤدي إلى الرصيف رقم 11 مراقب التذاكر وهو يشوح بذراعيه يمنة وشمالا ويقول لي بنبرة مهتاجة إن قطار منتصف الليل يسوخ في الأرض...

قلبها في قاع الجرة:
هاتفها النقال لا يكف عن الرنين والمواعيد التي تتدفق بجموح وسيجارتها التي تبحث عبثا عن ولاعة. كأنها على سفر دائم بحقيبتها التي تحوي بالإضافة إلى علب المحارم والسجائر وحبوب منع الحمل أعضاءها الجاهزة للمقايضة. قدرت ذلك في قرارة نفسي وأنا أصغي إلى الثرثرة الجامحة التي تخوض فيها لأسباب تراها وجيهة فيما كنت أعتبرها محصلة طبيعية لإفرازات العصاب شأن محبة الصلاة بعد الكونياك والبحث عن زوج بنصف دوام وسائل منوي للإيجار. كنت أحدق في التفاصيل التي تميزها. عيناها الصغيرتان والغائرتان وأنفها الطويل الذي بدا وسط الوجه الشاحب المستطيل مثل عضو فاضح وصوتها المبحوح والمشروخ بتأثير التدخين. جاءت بالقلعة وبحرها المغلول إلى أقصى الشمال وحكت كثيرا لرجالها العابرين عن زوجها الذي خلفته في القلعة ورائحة فمه الكريهة التي كانت تضطرها إلى أن تغلق أنفها بيدها وهو يعلوها. إدمانها القفز من فوق السرير الشرعي إلى الأرض كي تجهض نفسها، هربها إلى الشمال في أثر الجرار المليئة بالعسل ولياليها الباردة والطويلة في مركز اللاجئين والشقة الكابية التي انتهت داخلها جارية على مرمى حجر من المقبرة. السرير العريض المركون لصق الحائط أسفل النافذة المطلة على الشارع والجارة التونسية أسمهان وصديقها المغربي وعلبة الأسرار التي تسح بالأشياء والصور والفضائح والكلام.

الشقة تبدو مثل مقصورة قطار بالدولاب الأسود الكبير والحقائب الضخمة التي تراكمت فوقه والطاولة المقابلة للسرير والتي تناثرت فوقها بعض الكراسي الصغيرة ومنفضة السجائر وقنينة نبيذ نصف فارغة ودواوينها المنثورة. ظل لوركا ولسانه الحلو وفستانها الغجري الذي اشترته من ملقة. الشقة بعتمتها وحقائبها والموتى الذين يتقاطرون عليها من المقبرة المجاورة تشبه أيضا سيناريو فيلم عنوانه العريض كوميديا سوداء للتسويق السريع. أقول ذلك وأنا مدرك للمسافة الفاصلة بين ما كنت أراه رأي العين؛ أقصد قبل الحفل التنكري وقناع السيد أسعد نخاس الجواري، وما قدرت في قرارة نفسي أنه باطن وعوالم سفلية وأشجار ذات أغصان تشبه الأفاعي والسحالي وشياطين ومردة ويد يسرى تخط كلاما بلا معنى. الضحك العنيف الذي استبد بي على حين غرة والذي وجدت عسرا في لجم جموحه. تعثرت وكادت أن تسقط وسط الشارع الطويل الذي يخترق الحي الإفريقي، ولولا يدي التي امتدت إلى مرفقها في اللحظة المناسبة لانبطحت بكامل جسدها فوق الرصيف. خذلها فستانها الغجري وبداوة القلعة ونحن نغادر المقهى المغربي ونذرع الساحة الواقعة خلف محطة القطار بحثا عن الظل وولاعة لسيجلرتها.

كنت مأخوذا في غمرة مما كنت أرى وأسمع بحكايتها مع جرة الطين الضخمة التي اشترتها من سوق الخردوات والتي أسرت لي غب دقائق من لقائنا الأول قرب محطة القطار أنها تحتفظ في قاعها بكثير من أسرارها. أتطلع إلى وجهها الذي كان يتقلص ويشحب وهي تحكي ويدها اليسرى التي كانت تسوي الإيشارب فوق رأسها أو تمسك بالسيجارة وتدسها بين شفتيها لتجذب أنفاسا متوترة لكي أقيس مثلا درجة العفونة التي باحت بها ونحن نغادر الفندق بعد الفاصل الساخن. بار كافكا معتم، وقد جلست في الزاوية ووجهي مقابل للوحة من الحجم الكبير لكافكا. دورق النبيذ الأحمر شارف على الفراغ، وقد وجدت عسرا في حمل عيني على أن تحيدا عن أذني كافكا. يجذبني طولهما الشاذ في كل مرة أجدني وجها لوجه معهما وأتخيل مثلا أنه يترقب مني أن أفضي باعتراف وأنه يجهز هاته الحاسة بالذات لكي يتلقف كل الأصوات التي سوف أدلقها في حضرته البهيجة.
قلت لها وهي تدعك عقب سيجارتها وتفرغ ما تبقى من دورق النبيذ في الكأس إن الرسائل التي لا تصل مصيرها الطبيعي إلى قمامة الذاكرة، واسألي العزيز كافكا إن شئت بيان الحقيقة. لاحت الدهشة في عينيها الضيقتين ولم تحر جوابا. رغبت في الحقيقة في أن أطلعها على مشاهد حية من الكابوس التي تسرح بذكاء وشقاوة في دهاليزه وغرفه المعتمة، لكنني خرست بنشوة وقلت في نفسي: هيت لك...
حكاية الأنف الطويل والنخاس حارس الجسر..

تضيق العبارة وتصبح الكلمات مثل حبات كمثرى عفنة حين أرى القطط الساخنة وهي تتسلل بين القصب أو تقفز على السطوح وهي ترسل بذلك المواء الحاد الذي يشبه الأنين. تتسع عيني وأتحول إلى تنين ينفث نارا. هكذا أنا ومنذ أن ولدت شمال البلاد قبل ألف سنة وينيف وقبل أن يمسك أبي بيدي في ليل عاصف قديم ويسحبني مثل شاة إلى الفرن الغازي المركون لصق النافذة ويمسك بالسيخ الحديدي المتوهج ويكوي يدي اليسرى التي زورت نتيجة الامتحان. وجه أمي الواقفة يسار أبي كان بلا ملامح. رائحة الشياط تخللت مسامي وأنا أترقب أن أسوخ في الأرض بين الحين والآخر مثل قطار الساعة الحادية عشرة وسبع وثلاثين دقيقة.
السيد أسعد نخاس الجواري وإرهابي مودرن يسرد العظات عن الفتنة والمتعة حلال ويتملى في اللابتوب الإسلامي في مفاتن نانسي عجرم ويشبه جدي القديم بفظاعة حتى إنني تخيلت في المسافة الفاصلة بين اليقظة والوسن أنه وارث سره وظله الشرعي في هذا الشمال الكابي. الغرفة التي كان يستقبل فيها الجواري ويجهزهن للاستعمال السريع في حي أندرلخت ضيقة ومنقوعة في عتمة غامضة. خيل إلي أنني في قبر ولولا مزرعة السيارات التي لاحت لناظري على اليسار لما شككت مقدار خردلة في وجودي على مرمى حجر من إمارة الثواب أقصد تلك الصحراء المريعة حيث تكتب الغيلان والوحوش وبنات آوى قصائد نثر رديئة في مديح الله والملائكة والشهوات القديمة وحيث الجنة مقهى فسيح بحيطان مصبوغة باللون النيلي ودرج عميق يمتد من دورة المياه ويتوغل يسارا وبسرعة البرق إلى أن يتاخم تلك الغرفة الموصدة على فيوض من الصور والحالات..
كأن الطريق إلى أنتويرب لا تنتهي. يدي كانت مدسوسة بين فخذيها وتحديدا في الفجوة الفاصلة بين المدخل الرئيسي للغابة حيث تركض الوعول بحثا عن الشمس والأخدود التي تلجه الثعابين الشرسة وتنزلق داخله بلذة . كأن الموسيقى التي علت فجأة وأنا أرصد الأوتوستراد بعيني كانت رسالة إلى يدي التي شدت عليها بفخذيها بقوة. هكذا توغلت بجنون دون أن أعير اهتماما إلى السيد أسعد الذي نط من حيث لا أدري واندفع في هراش فظيع فوق الزجاج الأمامي للسيارة. كانت أصابعي تتوغل في الأخدود اللزج وأنا أفكر في البرد الخفيف الذي تخلل جسدينا في ميدان واترلو والقطة التي ضاعفت من موائها الحاد حين أخذت في مداعبتها. لم أعرف كيف سلس الطريق إلى شارع فلوريان وكيف ركنت سيارتي بجوار محطة الوقود المهجورة. سقطت علبة المارلبورو على الأرض وهي تدس المفتاح في ثقب الباب، فانحنيت لاستلامها. جسدها كان يتمايل بقوة بتأثير الكحول القوي الذي احتسيناه في بار سكوربيون على مرمى حجر من محطة الشمال. فخداها الضخمان كانا يترجرجان في الدهليز الواصل بين الباب والغرفة الكابية، ولم أعرف لماذا شددت في تلك اللحظة بالذات على خصريها بقوة وأنا أدفعها في عتمة الدهليز في اتجاه الغرفة والبراكين الفائرة..

كانت الغرفة منقوعة في عتمة شهية حين لاحت لي الكراسي الصغيرة الموضوعة فوق الطاولة وكأنها تغريني بخرسها المزمن. الموتى الذين تقاطروا من المقبرة المجاورة وبدون موعد سابق كانوا يقلبون محتويات الغرفة ويطوحون بدواوينها وأغراضها الأخرى فوق الأرضية المغمورة بالأوساخ وورق المحارم. أحدهم ارتقى الخزانة السوداء وفتح بعنف مكتوم الحقيبة الضخمة وشرع ينثر محتوياتها في فضاء الغرفة الكابية بجنون. كان يضحك بهستيريا وطقطقة عظامه تعلو. الصخب كان عظيما وقد انتقلت عدواه إلى السرير العريض المركون لصق النافذة. لاح لعيني المشتعلة بشراشفه البيضاء ووسادتيه والفوضى المريعة التي عصفت بتفاصيله وأغراضه مثل مركب سكران وسط العاصفة, وكان علي أن أتحول بدوري إلى نار مستعرة وأن ألتصق بها في المسافة الفاصلة بين باب الغرفة والأريكة الجلدية. يداي كانتا تنضوان فستانها السماوي وتعصران نهديها الصغيرين. صدرها الغلامي بدا في العتمة مثل أرض كأداء. تخيلت في تلك اللحظة بالذات قدمي الصغيرتين وهما تحرثان المرج الموحل الذي لم يكن يبعد إلا بأمتار قليلة عن منزل الجدة ذي الطوابق الثلاث وضحكتي الصاخبة وأنا أركض في اتجاه البحر المالح..

كنت أرهزها رهزا عنيفا في المسافة الواصلة بين تأوهاتها المتدافعة وثعباني الشرس الذي والى انزلاقه بإيقاع محموم. رائحة العطر الحريف التي كانت تفغم أنفاسي لم تحل بيني وبين أن أتوغل في تفاصيلها حتى الثمالة وأن أسد منافذ جسدها بالعصف الضاري وأن أسرف في تلاوة تعاويذي الشهوية حتى ابتلال السريرة..
القطط التي تجمعت في الشارع الضيق غير بعيد عن محطة الوقود المهجورة كانت ترسل هاته المرة بهرير مكتوم. لم أعرف كيف تجمعت هناك في الهوة الواصلة بين المقبرة والجسر المؤدي إلى الأوتوستراد رقم 19، لكنني رأيت بعيني المشتعلة وقبل أن أركب سيارتي وأخب بها صوب زانفورد السيد أسعد وهو يلوح على بعد خطوات من المقبرة بشارة لم أتبين ما كتب عليها. لحيته السوداء المشذبة بعناية كانت تلمع بتأثير أضواء السيارات المارقة بسرعة الهبوب، وما أدري والأوتوستراد رقم 19 يبتلعني وسيارتي مثل حوت سيدنا يونس إلا وهاتفي النقال يندفع في رنين حاد متواصل، ولم تنفع كل محاولاتي في إسكاته بما في ذلك خبطه بقوة على لوحة القيادة وعضي عليه بالنواجذ. والذي حدث أنني فتحت النافذة وقذفت به بغضب. أحدث الارتطام العنيف بالإسفلت انفجارا أعقبه انبعاث تموجات ضوئية كادت أن تتلف بصيرتي لولا إلحافي في اليقظة. رأيت في تلك اللحظة بالذات رسائلي وهي تطير ثم تختفي في الزوايا الأربع للسماء. الحروف كانت تتقد بالنار وتبعث بروائح كانت خليطا من الكبريت والصندل وبقايا سرير مهجور. كان علي أن أضغط على دواسة الديزل بجنون كي أشعر بالضحك وهو يتجمع في صدري مثل ريح عاتية وأن أتخيل الحكاية بتفاصيلها ووجوهها وأسرارها وشهواتها مثل جريمة لذيذة ترتبت في الوقت الضائع بدل الحياة.

بروكسيل 2012