محمد الخضيري
(المغرب)

محمد الخضيريليس من عادتي كتابة الرسائل. لم أكتب ولا واحدة من قبل. كنت أحدث نفسي بالأشياء في هدوء المساءات وأنا أجالس )ع) بمقهى السفينة على كورنيش آسفي. نرى البحر من سفينتنا ونسمع رجع صوت النورس الذي يحلق على ارتفاع خفيض في آخر لحظات صخبه. تختفي النوارس تدريجيا في أعشاشها بالشقوق التي تمتد على طول شريط الجرف الساحلي. ونسمع معا أغاني عبد الحليم حافظ وليلى مراد ومغنين شباب تنبعث من مكبر الصوت الصغير المعلق على الحائط الأزرق الباهت. لا أعرف أسماء من يغنون. فقط أستمتع بأصوات لم أجرؤ يوما على اقتناء أغانيها والإنصات لها وحيدا.

يحدثني عطاء عن همومه، أخبره بأشيائي  الصغيرة. أتجنب الحديث عنك، وأشرب كأس القهوة أمامي وأنا أوزع نظري بين أشخاص باهتين يتوزعون على المقاعد أو الحاجز الحديدي الثعباني الطويــــل والزوارق الصغيرة التي تختفي تدريجيا في الظلمة.

قلت إني أحتاج إلى قبلة طازجة من شفتيك الورديتين. وأخبرتني بضحك خفر: أكتب لي نصا إذن وهديتك قبلة.
لم أكتب النص، ظل قابعا في مكان ما من وجداني، يتحرق، يرغب في الإفصاح عن نفسه، لكن أمرا ما جعله يتوارب متخفيا في أعماق جسدي، وكأن إيماني به ظل مستحيلا. كأنني كنت محاصرا بين أن أكون لك بعدم الامتثال لما تطلبين، أو أن أضع نفسي تحت رغبة لم أنجزها من قبل لكثيرات من قبلك، طلبنها في لحظات لم تخلف سوى ذكريات مجتزأة كلمح بصر. أن أكتب لك نصا كان يعني أن أفضح شيئا داخلي لم أعهده.

 أقسم أني اللحظة وأنا أخط الجملة السابقة ، انطلقت من مكبر الصوت بالحاسوب أغنية: " لا يوجد حب عظيم" لشيت بيكر وصوت المغنية الجميل للغاية. ما الذي كان داخلي يسترق النظر إليك في مقهى " au petit coin sympa " ويرغب في الخروج من القمقم المدفون في مكان سحيق داخلي؟  قطعا لم يكن حبا عظيما، لكنه إحساس مخالف لما عهدته في نفسي.
الآن وبرودة الخريف تفلت إلى أصابعي، وتجعلها مجمدة، الآن وغرباء كثيرون يمرون من الشارع أسفل نافذتي، أسأل نفسي إن كان ما أحسسته في كل تلك اللحظات حبا حقيقيا.

هناك كنا نشرب البيرة المثلجة، ثلاثتنا كنا غرباء بالمدينة المليئة بالرياح قبل أشهر، وكان انتظار قلق للقائك يجعلني مندهشا كما لو كانت مرتي الأولى. كنت أدرك أن عودتي إليك تستلزم ست ساعات من الطريق، لكنني كنت أرقب المدى البحري الذي أمامي، السجن القديم بالجزيرة الصغيرة التي تقابل مدينة الأبيض في الأزرق، وأنا أفكر في الشامات الباهتة في وجهك الذي يشبه حديقة أسرار. أصابني توتر ملغز وأنا أستنفر طاقتي للتعاطي مع الجو المزعج للمدينة، وكانت سائحات جميلات يعبرن في الشوارع الضيقة، يجعلنني أرغب في السفر بعيدا، في عيون خضر تشبه عيونك.

كصيف قديم تعود ملامحك. صيف مليء بأشعة شمس بيضاء، تجعل الأشياء واضحة وصقيلة في غمرة هذا الكسل الأبدي. واصفرار رمل، طيور تتقافز بين أغصان متشابكة، وملل العطالة الدائم الذي يدهس ساكني المدينة.
ليست كل الأمطار التي  تتردد صدى عميقا في ذاتي رجع أغنية قديمة. ليست كراسة لأغاني بدو مجهولين يختفون في الفراغ كما نبعوا من فراغ. لأنني قديم للغاية كغراموفون يشغل أسطوانات مغني كاريبي يستجدي الحب، أسمع صدى الأمطار في قلبي وأستعذب هذا الإحساس الممض بالفراغ.

المآذن تردد نشيدها الأزلي. المدارس تستقبل الأطفال الجذلين بأيامهم التي تمر كأساطير صغيرة. الإدارات تستوعب الموظفين الكئيبين، والمواطنين القادمين من كل مكان لاستصدار شهادات تؤكد وجودهم. الأزقة التي ضلت طريقها إلى حيث الضوء وأسرفت في الاختباء تحت المنازل المتكاثفة كدوالي عنب. الأفرنة التي تنبع منها رائحة الخبز الطازج، النعناع الذي تملأ رائحته أنفي. الماء البارد الذي يرشه الحلاقون أمام محلاتهم، الجزارون الذي ينشون الفراغ، شرطي المرور الذي يقف في الشارع الخالي وينظم حركة وهمية قبل أن يعتزل إلى جانب سور ويدخن سيجارة، وهو ينصت من خلال سماعة صغيرة بأذنه لموسيقى آتية من إذاعة ما، المرأة التي تمشي واثقة من نفسها. المحجبة التي تضع غطاء رأس وتلبس ملابس مثيرة أسفل، إسلام فلة كنا نتغامز أنا والأصدقاء.  الآجر الأحمر للفيلات الكولنيالية التي خلفها المعمرون، ليسكنها أشخاص لا يعرفون معنى الحضارة. كل هذه الأشياء تعني أكثر من مشاهد عادية لشخص يبحث عن معنى للعالم، خصوصا إذا كنت في عمق تفكيره.

أرغب بشدة أن تحبيني. أخبرتك.
في الحقيقة كنت أرغب أن تحبيني لكي أترك لنفسي أن تحبك. أن أترك لنفسي العنان ولو مرة واحدة. لأجد حبا عظيما قالت الأغنية إنه لا يوجد. لكن إجابتك كانت باهتة، وغاصت في بركة الانتظارات الصغيرة.
الجوع يتسلل إلى كل جزء من جسدي، أجيال من الجوع، والأسى والدموع الذابلة تترسب في. جوع إلى الحب. أهي مزحة أن تكون شهيدا، ما يسكنني في هذه اللحظة؟ ولهذا أحسه نهما ينهش جسدي؟ ربما، ربما..

بعيدا عن المطر، عن الصيف، عن عناقيد العنب التي تتدلى كنهود خضراء بعشرات الحلمات، أستدعي الأغنيات التي كنا نتبادل روابطها على الأنترنت متمازحين، علها تنقذ صمتي العاجز عن تفسير الزمن والناس. هل الأشياء التي لا تحمل معنى تتحول مع الوقت إلى أيقونات؟ هل بعض الأغاني التي كنت أسمع بدايتها دون اكتراث وأوقفها ستصير جزءا من قصة أخرى في عالم آخر؟ وكيف للصيف المقبل أن يكون؟ والذي يليه؟ والذي يليهما، إلى آخر النفق الطويل؟..