سهام الدهيم
(السعودية)

سهام الدهيمإن الحياة جسرٌ معلق بين هاويتين، الألم هو السور العظيم الذي كلما اقتربنا منه نشم رائحة النهاية ونسترق السمع لصخبها القارص، لنعود لطرقنا الآمنة حيث بإمكاننا المضي لوقت ما في سعة اللذة قبل أن يزاحمنا عليها الآخرين ويصرفنا عنها الشبع إلى ذلك السور ثانية . فالحياة خط مستقيم لكن أقدارنا بندولية مابين ألم ولذة.

في مسلسل Grey's Anatomy كانت حالة طارئة لطفلة تحمل جروحاً ورضوضاً في جسدها الصغير، وفي ذراعها دبابيس تلم حافتي جُرحها . شك الطبيب في والديها بالتبني أنهم عذبوها، فكانت تُصر تلك الطفلة أنها هي من خرمت جسدها بالدبابيس وأنها هي التي تسببت بتلك الجروح بعد مشاجراتها مع أطفال الحي والمدرسة لأنها 'super girl'، وحينما لمست تكذيب الطبيب لها، رفعت ذراعها لفمها فغرزت أسنانها حول تلك الدبابيس فانتزعتها والطبيب وقف مذهولاً لاتساع إرادتها بتحمل الألم، ولكنه ظل غير متيقن من قدرتها الخارقة لتجاوز الألم، فجاءها بوعاء فيه قطع من الثلج الذائب للتو، فدخل معها في تحدي أيهما أكثر احتمالاً لتلك البرودة، فوضعت يُسراها وبدأت تحدثه عن أطفال الحي كيف لا يصدقونها وتتحداهم بأن يضربوها على معدتها حيث الألم المتضاعف في أجسادهم الصغيرة، فيفعلون ما يؤمرون، لتبتسم مع كل ركلة على بطنها الصغيرة فتُكسر أخشابهم الضاربة وتمل أيديهم ; يخرج الطبيب يده بسرعة ويلفها بالقطن ليدفئها قبل أن تموت بزرقتها المتجمدة، وتفوز الطفلة الخارقة بالتحدي !
يسأل صديقته الأخصائية الاجتماعية عن حالة تلك الطفلة فتُجيبه بتلقائية : هناك نوع من الأطفال _ وخاصة الأيتام ومن يتعرضون للألم في طفولتهم _ يتوهمون امتلاكهم لتلك القدرة الخارقة ليتجاوزوا آلامهم، لأنهم لا يجدوا من يتكئون عليه حين الوجع إلا ذواتهم الصغيرة . فبطريقة مذهلة يستطيعوا إطفاء أعصابهم الناقلة لأدق شعور إلى رؤوسهم الصغيرة، أشبه بسحب سلك كهرباء من فيشه لتعم الظلمة الآمنة !
أشفق ذلك الطبيب الشاب على مريضته السوبر قيرل، و تذكر حكاية معدتها التي باتت منصة للضرب، فذهب بها سريعاً إلى قسم الأشعة ليجد نزيفاً داخلياً في بطنها المتكور على سرتها !
إنه الألم الضاج باللامبالاة عندما يختمر في أجسادنا وأرواحنا بعيداً عن أعين الآخرين وحتى أعيننا ولكنه يوماً سيُميتنا بسكون .

يا صاحب الظل الطويل :
تجيء قبل النور دائماً، لتكون الغبش الرمادي الذي تُشع حدوده . من قبل كنت تلك الطفلة الخارقة، بغير يُتم ولا عذاب طفولي . ولكن لأني خرجت من لعبة القطيع الضال فسلكت طريقي الخاص دون هداية من ضوء ولا حتى وعد بكنز وخارطة مخبأة في كهف . كان طريق مرعب بوحدته المظلمة، وليله الطويل بالتأمل في التيه، ونومه المتكدس بعيداً تحت أرتال الأرق، وسماع أصوات الساخرين والزاعقين من تلك الأسراب المغادرة . كنت تلك الطفلة التي تلقي ثقل آلامها على أكتافها حتى تثقل خطاها بتلك الأوجاع المؤجلة، فأقف لبرهة في تلك الظلمة لأواريها الثرى، كغراب ابني آدم الحصيف، أرحل في رحلتي الأبدية وأجر جرّاب ألمي فارغاً حتى يمتلئ وأنا لا أُلقي له بالاً إلا عندما اسقط بثقله !

كتبت في السطر الأول من بعد النقطة الأولى "من قبل"، لأنه عندما توغلت في وحدتي كنت أنت هناك وكأنك تنتظرني . لم يعد ذاك الطريق موحشاً بعدما بات ظلك يتطاول في طريقي،
لم تعد تنعق الغربان على تلاله، لأن وقع خطواتك بات لحناً يسامرني، ولم تعد جنازة ألمي مفزعة جداً من بعد تراتيلك القدسية التي تجعله ألماً مباركاً أحمله قنديلاً يضيء لي عتمتي بتعلم صبر جديد كل حين، والارتقاء على أي ألم سالف وعتيق !
اقتربت خطواتنا، وباتت أقدارنا تنزع عنادها وكبرياءها لتتوحد في درب أبدي،
لأمتلئ شغفاً برؤيتك، ففي باطن كفي، وعلى قمم أناملي، وفوق تلال مفاصلها، وتحت جليد أظافري، وحتى بوابة رسغي، هناك أكوام من الرغبات المدفونة ناء بها البعد عن تطلعها لملامسة جيش من الرجال متحد بملامحك !
إن ظلك الطويل آخذٌ في القصر، ولكن خوفي من فقدك يتطاول كلما آنست بقربك . وأنا ذاك البندول المعلق من كتفيه بقَدَرٍ مابين ألم ولذة .