أكرم قطريب
(سوريا/نيوجرسي)

كم منزل في الأرض يألفه الفتى
وحنينه أبداً لأول منزل

لم يأخذ ياقوت الحموي صاحب معجم البلدان من كتب الجغرافيين والرحالة والمؤرخين وما أضافه هو من سفراته المديدة من المشرق إلى أقصى المغرب وعلى نحو متواصل إرث المكان وتأثيرات الظروف المهددة لوجوده
   بينما سننس
ى نحن الآن أن العالم قائم على حروب باردة وأخرى ساخنة وفوكوياما وفكرة نهاية التاريخ.ذهاب العرب إلى الأندلس ودخول العثمانيين والأوربيين حواضر البلاد والخلجان ومنابع الأنهار إلى الأميركان بفوضاهم الخلاقة لأجل الغاز والنفط والهيمنة والدم والقتلى المرميين أمام بيوتهم أو في وديان بعيدة . البصمات المميزةلأفكار هيغل و نيتشة وإدلر وليبيدو فرويد وصراع الطبقات الحاكمة والمحكومة وكتاب الأمير .الطغيان والإمكانيات الخصبة لرؤية التاريخ متاحاً للجميع في متاحف ماوراء البحار.هنا حيث الرحالة يتقدمون الغزوات بالمبشرين بينما سيقيم نابليون بونابرت في مصر بعربة وحصان وخبراء لغات وجيش يلهث لآكتشاف أضرحةملوك نهر النيل مع الكهنة والقضاة .المنفى علامة التاريخ والفتوحات تحت أسماء كثيرة ستصير أكبر مخرب وصانع للجغرافيا.الملكيون والجمهوريون والديمقراطيون والأحزاب التي تضرب طول الأرض بعرضها بخطبائهم البارعين وهم يذهبون إلى أبعد نقطة في طالع الحلم بالسلطة وامتلاك زمام اللغة والمخطوطات التي تصف الوجود الخالص والمؤثر لمملكة من تراب ولغة وإيمان. في جزيرة مثل نيويورك كمثال لا طائل له لغزارة الأفكار والحيوات المنعزلة عن بعضها البعض , لوحة تجريدية لمهاجرين أبديين مازالوا يحلمون بالثروة والعودة إلى مساقط رأسهم بكنز الوهم . وكل السلال التي اشتروها رميت في الحاويات , فالذهب لم يكن مرمياً على الأرصفة والدولارات لا تسقط عن أشجار الحضارة المسننة الحواف, بينما الرأسمال  ينمو بالمشيئة والحروب الحضاريةوالهدايا والأجساد التي تئن تحت حديد العقاب .وسيذهب النازحون في قلب المتاهة وأساطير المكان المثيرة للذهول وهم يقعون فريسة حلم العودة إلى أمكنة لم تعد لهم .لن يكون هنالك أي سبب وجيه آخر للإستعانة بعلماء الآثاركي يتم إحصاء عدد الغيوم التي كانت تمر فوق الشجر والحجر, وكم لحظة مؤثرة قد تحيي الصفحات الميتة في الكتب والسهوب .ماالذي يجعل مكاناً أسميه وطني ؟هل هو فقط منحدرات وأصدقاء وحطب ذكريات
أم فندق مركون على تخوم غريبة تريد أن تهرب منه عبر الباب الضيق . هل هو الجمال المؤذي للآلهة والأطفال والحجرات وروعة نزول الشمس في البحر مع أنها تنزل في بحار كثيرة . وجبات العشاء تحت درب التبانة ,المشي البطيء والوقت غير المضبوط بماكينات القيامة بل بحركةالريح. جسد متروك بين الحلم واليقظة هناك حيث الأحاسيس غير قابلة للجدل و في الوقت المتأخر جداً سأتحدث مع الجدران : _ لي ابن وُلد في أميركا وأحلم بالعودة إلى مسقط الرأس أنا وهو دون أن أتقن اللغة الإنكليزية ودون أن ألتصق بالتي أحببت أكثر من أي وقت مضى , ودون أية نقود كافية لضمان هكذا عودة أريد فقط أن أعود لأجد وقتاً كافياً للبقاء معه وأن أقرأ جريدة  في مقهى ما ولو في الجحيم , فقط لكي أتنفس بروية دون أن تقاطعني الأصوات الغريبة التي أسمعها ولا أرى أصحابها . وكل هذه المسافات التي تقع وراءهاالولايات وأنت تسأل من الذي يسكن فيها دون أن تلتفت إلى قوة الطقس البدائية والزخات التي تشطف وجه الطبيعة, سترى مجرد أشباح يقطنون في مأوى القوانين وأنظمة السير و الفواتير التي تنهمر عليك من كل حدب وصوب ودعايات التنحيف .مخلوقات جبانة ودائخة أنفاسها قريبة من الأرض حتى لتخال أن بمقدورها الإختفاء في جحر , أي جحر . طبيعة محاطة بالغزلان والذعر والخوف من الآخر .مداجن بشرية مهزومة تؤمن بأديان غريبة وتترنح تحت كلام المبشرين الذين يصفون الجنة بأنها على مرمى حجر وفيها قمر
ضوؤه خفيف ,ونوبات الصرع تحت الكاميرات التي تلتقط ملامح الصرعى الوحيدين ودون حماية . شبه إغماءة وسيعلو صوت المايكروفون الذي يحدثك
عن أهمية السفر إلى الآخرة,الأرض التي لن ينفع فيها قراءة شكسبير ولا فيثاغورث ولا سماع بيتهوفن . فكرة أن تكون اللغة موطناً ومسكناً فيها من السذاجة وقلة التجربة أن صاحبها لن يعي لحظة تصير اللغة نفسها مثل حديقة خلفية مهملة. ربما أجد اللون أكثر قدرة على إختراع فكرة المنزل والمصاطب والوجوه ولن يفنى حتى الفراغ الذي يحويه , ولن تبذل جهداً هائلاً لاستحضار ذلك الشعور المؤكد أمام الخطوط والنتوءات الصغيرة
اللغة هي الشخص الذي يقف على الشاطىء. واللون هو نفس الشخص الذي رمى بنفسه إلى القطران . اللون ينقذك من آخر الأمل
ربما أجد ابن جبير الأندلسي و أمجد ناصر قد حاولا سحب اللغة إلى زاوية الرسم والحماس المتقد والعاطفة لملاحقة الأثر واقتفاء خرافة المكان وتحويلها إلى مأثرة .عند يوسف رخا سيتحطم السرد اليومي ليقترب من كتابات ثمل شرب الكحول لفترة طويلة قبل أن يبدأ الكتابة حيث التشظي والرغبة بتفتيت الجمال المتوقع والمعصوم
جميعهم رموا بأنفسهم إلى القطران بينما بقي ياقوت الحموي وحده على الشاطىء