أمجد ناصر
(الاردن/لندن)

أمجد ناصر

يمكنكَ أن تقول للحجر في عينه إنه حجر،
وللشجرة بلا تردّد شجرة
وللرجل المائل إنه أعوج
ولكنك لا تعرف كيف تقول ذلك للظل المراوغ.

هناك، دائماً، أُناس مجهولون. هذا هو وفاء الحياة المعلوم لرافعي نهاراتها على أكتافٍ مائلة، أو لعله سأمها من التكرار والتشابه. معبِّدو الطرق، حرس الحدود، عمّال المناجم، سعاة البريد، بناة القلاع، مُقبّلو زوجاتهم قبل الذهاب إلى الحرب، كتبة المواثيق والعقود، مسافرو الليالي، إلخ إلخ. لا يمكن تَذَكُّر كل السابقين. لم توجد، بعدُ، ذاكرة كذلك، ولا ضرورة لها. شخص واحد، كما قال مهرطق كبير، يذكِّر بكل الأشخاص. وجه واحد قد يختصر كل الوجوه. لكن البعض يعوِّل على الكلمات في تبيان الفروق. فهي تبقى، أحياناً، بعد أن يذهب الناس وينهار الحجر أو يتفتت من تلقاء ذاته تحت وطأة جفاف مخيف. للحجر عمر أيضاً وطاقة تحمّل. حتى الحجر يمكن أن يئنّ. في وسع الجفاف، هنا، أن يستمر عقوداً. ثمة، طبعاً، من يتذكر أمطاراً وينابيع. هؤلاء ليسوا كثرة. وهم مسنّون بلا ريب. قد تكون تلك هي الذكرى السعيدة في حياتهم. ذكرى محفورة في أذهانهم على شكل أخاديد. هناك، كالمعتاد، من يشكّك في حكايات الطاعنين عن أمطار وسيول هادرة وينابيع. ذاكرة الطاعنين لا تعتبر، في هذه الأنحاء، دليلاً دامغاً. فالجميع يعرف أنها غربال. براهينهم الوحيدة تلك الأخاديد العميقة والمجاري المحصبة. لكنك لست مهتماً، الآن، بالجفاف. فذلك لا جديد فيه. هناك رحلة تركت خيوطاً فالتة في أنوال رأسك. ثمة قلعة مستطيلة تقع على قمة جبل حيث يبلغ الجفاف أوجَهُ، تتراقص في سراب ذاكرتك. لا تعرف أين ومتى رأيتها. ربما في الصحراء. لكن ليس في الصحراء جبالٌ كهذه. قد تكون على الجانب الغربي من هذه الطريق المندثرة. لِمَ لا تكون في رحلة مبكرة إلى الجنوب؟ وتلك رحلة حدثت بمعية الشافعيّ في زمن اقتسام الرغيف والحكاية وكبّاية الشاي. تتذكر أبراجها. أحجارها الكبيرة القطع. التلة العالية التي صعدتها متقطّع الأنفاس. الجرف الحاد. بقايا ربيع سريع يهرب الى الأسفل. تبلغه، فقط، أظلاف الماعز المتقافز. القلعة كبيرة. متاهة من الأروقة والحجرات المربّعة والسراديب. طوابق متراكبة. قلة يعرفون كيف يؤدي بعضها إلى بعض. ثمة رطوبة قويّة تفوح من الحجر والتراب. ضوء كارفاجيو وعتمته (تمكنتَ من هذا الوصف لاحقاً). للقلعة، حسب ما بقي من صورتها الرجراجة في ذاكرتك، مدخل واحد، ولكن هناك من يقول إنّ أحداً لم يعرف عدد مداخلها السرّية. وهذا، على الأغلب، مجرد زعم شعبيّ متجذر في النواحي. دخلتَ من بوابة خشبية كبيرة. لم تكن متداعية كما يفترض عمرها. إنها في حالة جيدة. خشبها مكوّن من ألواح عريضة مشقَّقة غير أنه متين، تبرز منه رؤوس مسامير غليظة صدئة. هناك مسافة بين صفوف المسامير المتناظرة. تمكن ملاحظة بقايا زخارف هندسية بسيطة: دوائر، مستطيلات، معينات. واضح أنهم جرّبوا أشكالا هندسية أولى. عراء داخلي. صمت أو صدى ضعيف مبهم، لكن يمكن استنطاقه لو شئتَ. كان هناك شخص إلى جانبك. لعله الشافعي. سمعته يتحدث كما لو أنه يبوح بسرّ. فهنا لا يزالون يتحدثون عن مذبحة. (لِمَ تقرن القلاع بالمذابح والمآدب المسمومة؟). ثمة أسماء أجنبية. لكن اسماً فرنسيّاً أكثر تواتراً من سواه. مرة يسمّى أرناط، ومرة رينالد دو شاتيون. كانت هناك صلبان كبيرة، لكنها لم تعد موجودة. الرموز هنا تتغير شأنها في أيّ مكان آخر. الصوت الذي كان إلى جانبك يقول: لقد لاحقوه إلى الصحراء بعد فراره فقبضوا عليه وحبسوه في سرداب حتى مات جوعاً. هذا هو السرداب. كما هو متوقع لا اسم لباني القلعة. مصمّم متاهتها الحجرية. هناك أسماء الأمراء الذين ملكوها ثم فقدوها. هناك أديان توالت. آلهة ورسل متعاقبون. الرحّالة الذي قطع نحو خمسة وعشرين ألف كيلومتر على قدميه ذكرها بين عجائب سفره الطويل وسمّاها "قلعة الغراب". ذلك اسم مشؤوم، هنا، كما تعرف. يمكن الذهاب بعيداً في سلسلة النسب. أبعد من اسم الفرنسي الذي روّع النواحي، ومَنْ حُبِسَ في سرادب حتى مات جوعاً (وقيل إنه أكل جيفةً قبل أن يلفظ أنفاسه)، وأبعد من محررها. للنسب البعيد اسم إله مقدود من جبل لم ينج هو، أيضاً، من آلة الأيام.

تتذكّر وشماً على نحاس مؤكسد، أو ربما على كاحل مغبرّ، كان يشبه فراشةً زرقاء. رأيتَ يوماً فراشةً زرقاء ترفرف على منحدرٍ خطرٍ، قريباً من شقٍّ أو هاوية حيث تثوي رائحةٌ عضوية مبيَّتة. رَقَصَ الوشم على نحاسه المؤكسد، فتحركت في ذاكرتكَ النقطة التي تودع فيها الرائحةُ سرَّها. لم تكن نقطة بل مثلثاً غير متساوي الأضلاع بل صدعاً بنفسجياً قاتماً، بل خاتماً في صندوق. أمعنَ الكاحلُ النحاسيّ في الرقص. تصاعد الغبار مع حماسةِ غناءٍ حلقيّ مبحوحٍ، خفقَ حريرٌ أسود على فلقة قمر. تصاعدت الرائحة، تأججتْ، ولكنها لم تبُحْ بمكنونها. ظلت مثل الطلسم والحلم وغموض الحيوان.

يمكن التلفّظ بكلمات مثل: جبال. قلاع معزولة. مضارب مبعثرة. ربيع سريع. قيعان ماء. حجارة كحلية. شابّات لهن رائحة صابون معطر. غزوات في ذاكرة مسنّين. رعاةُ غبشٍ رنَّتْ أجراسُ أكباشهم في القصائد والغناء، ريح تعوي ككلاب شرسة، لكن يصعب التلفظ بكلمة: رَمْل. إنها لا تنعقد على اللسان، مثلما يصعب الاحتفاظ بها في اليد. الرمل الذي يتسرّب من اليد مثل تسرّب الزمن (استعارة قُتِلت استخداماً ولكنها، عجباً، ما زالت حيّة) من أعمارٍ مهرولة. الرمل الذي يتسرب، ينفلت، يتسلل، كما لو أنه يقاوم الجمع والتماسك والاستقرار، وسيط فردي. أصله الوحدة. التجاور. التساكن. من دون اندماج. بالقسر تستطيع. مثلما تفعل ذلك مع البدو. الرمل بدوي. ليس هناك أكثر بداوة من الرمل. أن تخوض في الرمل ليس كما تمشي على الأرض. الرمل ليس أرضاً. الأرض يابسة، الرمل كلا. إنه، هنا، وسم البداوة المتواري وراء جبال تهزّها الريح، تجوّفها، ولكن لا تزحزحها. يقال إن للجبال جذوراً بعيدة غائرة، يسمّيها البعض أوتاداً. هذا الوادي قطعة تكاد تكون منقولة من وراء الحدود. كتلة مفاجئة مغلقة على نفسها. شقفة قمر سقطت في ليلة هاربة. جرّها الجنّ أو العمالقة الذين انقرضوا ورموها هنا. لعلها العلامة المرفرفة على اقترابك من التيه الحقيقي الذي يخبّئه الجبل. الجبل لا يعطي فكرة مسبقة عما خلفه. عندما تقول الجبل تقصد عائلة من الجبال. البعض يقول إنها سبعة. هذا رقم سهل. متواتر. سحري. لكنها، على ما راح يسمّيها لك موسيقيٌّ مهووس بالوادي، بدت أكثر. الجبال هي حارسة الوادي الذي لا تراه، وربما لا تتوقعه وأنت قادم من الغرب أو الشمال. تكوينات وثنية، أفواه ضخمة فاغرة. ثم الرمال التي تتقلب، بلا استقرار، بين الأحمر والذهبي، فالمياه المفاجئة التي تنزّ من قلب حجر صلد. وأخيراً صمت مرصَّع لا يقطعه إلاّ خفق جناح طائر، أو هدير سيارة ذات دفعٍ رباعيّ يذكّر بأن الرمل لم يعد متروكاً لشأنه، وبأن عزلته لا تستعيد زمامها إلاّ عندما ينزوي العابرون.

كُتل من الغرانيت والصخر الرملي.
رياحٌ تضرب ثم ترتدّ وتتسلل.
غروب برتقالي.
فوهات مفتوحة كصرخة رعب أو ولادة.
أطواق نجاة.
صدوع طويلة.
شقوق لحمية.
روائح جماع.
ظلال مراوغة.
فلورا ضئيلة مبعثرة، وأعشاب لمداواة القروح.

النهار الثقافي
13-5-2011