أمجد ناصر
(الاردن/لندن)

(فصل من رواية)

أمجد ناصر باستثناء ما تضمّه متاحف المدينة الرمادية والحمراء من آثار مسروقة من بلادك وجوارها، تشكّل بعض أروع مقتنياتها الذائعة الصيت، مثل "الوعل المقدس" الذي كان إلهاً ذات يوم، المسلّة الضخمة التي يراها الزائر في مدخل المتحف الكبير، الأسود المرمرية المجنحة، النصب المرمم لإله العاصفة والمطر، "قصر الربيع" المنقول، بكامله، اللوح الذي نُقشت عليه أسرار الأبجدية الأولى، باستثناء ذلك ليست هناك أشياء كثيرة لها علاقة بالعالم الذي جئتَ منه. فلم تهبّ عليك نسمة من هناك منذ وقت طويل. لم تلتق فرداً من عائلتك، أو أقاربك. البلدان التي أقمتَ فيها، أو مررتَ بها، لم يصلها، حسب علمك، قريب أو رفيق طفولة. أهلك لا يسافرون أصلاً. وأناس "الحامية"، عموماً، ليست لديهم تقاليد هجرة أو سفر. لم تكن في المدينة الرمادية والحمراء جالية ملحوظة من بلادك. هناك أشخاص مبعثرون صادفتَ بعضهم في مناسبات عامة فصرتَ تتفاداهم حَذَراً منهم أو ضجراً من حنينهم الريفي البليد. أنت شخصياً لا تعرف كيف وصلت إلى هذه المدينة، إذ لم تكن، يوماً، على خريطة خيالك. لكنك ترى، أحياناً، في أنفاق القطارات، ملصقات سياحية ضخمة لصحراء وجِمال ومضارب بدو وواحات نخيل مكتوب تحتها بالبنط العريض هذه الجملة التي لا تتغير: "حيث لا تسقط الأمطار"! خمَّنتَ أن تلك الملصقات السياحية تتعلق ببلادك. فليس هناك اسم للمكان. رغم أنك تشك في وجود جِمال ومضارب بدو كما تصورها الملصقات. مبعث تخمينك حول علاقة الملصقات ببلادك، ذلك السور الحجري البركاني الذي يظهر في لقطات الواحات. ولكن هناك مثل هذه الحجارة البركانية، أيضاً، في البلدان المجاورة.

***

ثمة سفارة لـ"الحامية" في المدينة الرمادية والحمراء التي أقمتَ فيها نحو عشر سنين. لكنها بلا أي نشاط يُذكر. كأنها غير موجودة. مرة، كما تذكر، خرجت فيه تلك السفارة من سباتها الدهري لمناسبة الزيارة التاريخية التي قام بها "الآمر" إلى المدينة الرمادية والحمراء. بسبب زيارته التاريخية علمتَ بوجود السفارة. علمتَ، أيضاً، أنها لم تكن تفعل طوال سنين عديدة سوى التحضير لهذه الزيارة التي ظلت طي الكتمان حتى أعلن عنها لدى وصوله إلى المطار. فأنت تعرف أن "الآمر" (تسمونه، اختصاراً، "الحفيد"، فقد سبقه في التسلسل العائلي الحاكم "الآمر المؤسس" و"الآمر الابن"، وكلمة "الحفيد" لا تشير في بلادك إلى أحد سواه) لا يغادر مقر قيادته في "الحامية" إلاّ للقيام بجولات تفقدية على الأرياف والحدود، إذ نادراً ما يقوم بزيارات خارجية. من يفعل ذلك، عند الحاجة، هو رئيس وزرائه. يقال إن سبب مرابطته في مكتبه، خشيته من وقوع انقلاب عسكري ضده، ويقال إنه رجل انطوائي يربكه الاختلاط بالآخرين، لكن الرأي الشائع حول عدم سفره إلى الخارج يتعلق بانهماكه في العمل على الأمن والاستقرار. كان هذا الانطباع الراسخ حول "الحفيد" وانكبابه على أمنكم يزعجك، خصوصاً، عندما أصبحتَ مهتماً بالعمل العام، حتى إن والدك قال لك مرة، رداً على انتقادك مقولات الأمن والاستقرار الفقيرة التي تلتقطها الصحافة الرسمية من فم "الحفيد" لتسفِّه بها "الأفكار المستوردة"، إن الرجل يكرس حياته للعمل ولا يُعرَف عنه ميل إلى الترف والاسترخاء، فلِمَ لا يعجبكم العجب؟

مباغتةً، وجدتَ نفسك وجهاً لوجه مع يونس الخطاط. المفاجأة كادت تمحو عشرين عاماً من النفي والأهوال والحنين وتعيد الأمور إلى صورتها الأولى.
بمرور الأيام والترحال والبحار العازلة نسيتَ، تقريباً، يونس الخطاط. نسيتَ قصائده القليلة الغنائية حيناً، المسنونة حيناً آخر، ونسيتَ، تماماً، الشعر التفعيلي المستحدث الذي مال إلى أكثر أصواته خفوتاً. صحيح أنه يراودك، من وقت الى آخر، في الأحلام، لكن الحلم غير العِلم كما يقال. هكذا، من وراء أسوار الزمن والبعد، انبثق أمامك في المكان الذي لم تتوقع أن يصل إليه رسول أو خبر سار من بلادك. لم يكن يونس الخطاط بشخصه. هذا غير ممكن. فهو لم يغادر "الحامية" إلاّ إلى الحدود وتوقف هناك. الذي عبر بلداً قاده إلى بلدان أخرى حمل اسماً آخر وصارت له مصائر مختلفة. لقد كانت أعماله، أو بالأحرى بعض قصائده. فقد أقام واحد من مجمّعات المدينة الرمادية والحمراء الثقافية المرموقة معرضاً لفنون منطقتكم وآدابها. كانت هناك مساهمات متراوحة النوع والأهمية من بلدان قريبة وبعيدة عن بلادك. ذلك حدثٌ لا تعلم أنه حصل، على هذا النحو، من قبل. العالم الذي جئتَ منه لا يثير اهتماماً كهذا في حاضرة كبيرة، عريقة، تحكم حياتها الخفيّة الأحلام الامبراطورية الغاربة والبنوك والشبق الجنسي وهواجس الأمن. النفط الذي تفجر سيولاً في صحارى ذلك العالم هو الذي يستقطب الاهتمام. إنه مربط الفرس كما يقولون. عدا ذلك كأنّ ذلك العالم الذي يترنح بين ثقل الماضي وآلام الحاضر، الممتد، عطِشاً وجائعاً ومهاناً، من ماء إلى ماء، غير موجود على الخريطة. أما الفضل لهذا الاهتمام الطارئ بالعالم الذي جئتَ منه فيُعزى إلى الأحزمة الناسفة التي صارت كابوساً، للأهلين والمسؤولين، بعد انفجارات صيف العام الماضي. يبدو أن سلسلة الانفجارات المروعة، التي قام بها شبان شلّوا مدينة كبيرة في رابعة النهار، وأذهلوا سكانها بقدرتهم الفائقة على الموت، هي التي جعلت نخبتها تهتم بمعرفة الأصول والمعتقدات التي ينشأ عليها اولئك المستعدون لتفجير أجسادهم بأجساد أشخاص آخرين قد لا يعرفونهم البتة، لكنها ولّدت، أيضاً، رهاباً بين العامة حيال القادمين من عالم مغلَّف بالخطر والغموض. فالحياة في المدينة الرمادية والحمراء غالية. أو هكذا كانت قبل أن يقع الوباء. يتمسك بها، على نحو يصعب أن يفهمه، أحياناً، المحتضر في مستشفى والضرير الذي تقوده عصاه والمشرد الذي يعتبر الشارع بيته الواسع، وقد أرعب سكانها قول نبي الانتحاريين في رسالته اليهم: إننا نُقبل على الموت كما تقبلون على الحياة.

كان المعرض، الذي استمر اسبوعاً، خليطاً من الآداب والفنون القديمة، مطعّمة ببعض ما هو حديث في ثقافتكم. بالصدفة عرفتَ الأمر. فقد كنتَ تقيم في ضاحية نائية مكتظة بالفقراء من السكان الأصليين واللاجئين والعاطلين عن العمل ولا تذهب الى وسط المدينة العامر بالضجيج والحركة إلاّ لماماً. في إحدى نزلاتك القليلة الى وسط المدينة رأيتَ ملصقاً على لوحات الإعلان في الساحة الرئيسية المغطاة بذرق حمام أغبر، يتكرر، كذلك، في أنفاق القطارات المضاءة بالبروق والتوجس، يحضّ السكان على حضور المعرض. كان الملصق الذي يعرِّف بآثار معروفة كالأهرامات وأعمدة هرقل والكعبة، الى أخرى مغمورة كـ"المغطس" وقلعتي "الجيلالي" و"الديراني"، وأطلال "ماري"، فضلا عن رسوم متخيلة لرجال بعمائم بيض كبيرة (لعلها لأسلاف بعيدين مثل ابن رشد والحلاج وهارون الرشيد) يتخذ من مثل شائع في لغة المدينة الرمادية والحمراء شعاراً له: "ليس متأخراً أبداً!". قلتَ في نفسكَ، وأنت تقرأ شعار الملصق، لعل ذلك استدراك لما فات، وادراك أن العالم يوجد، أيضاً، وراء برج الساعة التي تعلن ولادة الوقت من رحم اللزوجة والرماد.

بدا المعرض متنوعاً وطَموحاً بالفعل: قطعاً أثرية رائعة من مقتنيات متاحف المدينة، اسطوانات موسيقية لأساطين الطرب، عروض أفلام من زمن الأبيض والأسود، رقصات لرجال بأردية بيض وقبعات مخروطية، يدورون حول أنفسهم إلى الأبد، أنطولوجيات شعر وقصة قصيرة وفصولا روائية باللغتين إلخ. في الانطولوجيا الشعرية هناك ثلاث قصائد ليونس الخطاط.
بعث الاسم قشعريرة في بدنك.

كانت الانطولوجيا الشعرية الضخمة تضم قصائد لأربعة، أو خمسة، شعراء من بلادك بينهم شاعر قُتِلَ في حادث سيارة غامض. كان اسم يونس الخطاط يتوسطهم مع نبذة قصيرة مرتبكة توحي أن له اسماً آخر. منذ زمن طويل لم تقرأ هذا الاسم في صحيفة أو كتاب ولم تسمع شخصاً يلفظه. راودك، كذا مرة، حلم متكرر يظهر فيه يونس الخطاط. لم تتغير صورة الحلم ولا مكوّناته ولا كلماته رغم تقلّبك في بلاد عديدة. كانت هناك قاعة مكفهرة يجلس في منصتها ثلاثة رجال بثياب عسكرية موشحين بشريط أحمر وعلى صدورهم أوسمة، وبجانب كل واحد منهم قبعة عسكرية زيتونية اللون مرصعة بنسر فاردٍ جناحيه. أمامهم صفوف مقاعد فارغة. على جانبهم الأيمن قفص حديدي يمثل خلفه شاب نحيل، بشعر طويل وشاربين متهدلين، زائغ البصر. ينظر الرجال العسكريون الثلاثة الى أوراق أمامهم. يرفعون رؤوسهم. ينظرون في اتجاه القفص الحديدي، ثم ينطق الجالس في الوسط، وهو أكثرهم صرامة وانغلاقاً، هذه الكلمات: "يونس الخطاط... مؤبد"! فتصحو، كلَّ مرة، مبللاً بالعرق.

***

تعرف أن هناك تغيراً حصل في بلادك. لكنك لم تتوقع ادراج قصائد ليونس الخطاط في انطولوجيا أشرفت على اختيار مادتها مؤسسات رسمية لأكثر من سبب. فيونس الخطاط كتب قصائد قليلة نشرها في صحف محلية محدودة التوزيع، أو في مطبوعات يدوية سرية كان يحررها شبان آمنوا بقدرة الكلمة على أن تكون رصاصة. هذا، طبعاً، الى جانب الحكم القضائي الصادر في حقه غيابياً. صحيح أن تلك القصائد لفتت انتباه الوسط الأدبي إليه وكتب أكثر من ناقد عن ولادة شاعر واعد، ولكن يبقى أنه لم يكن شاعراً معترفاً به رغم انتشار بعض قصائده في الحب والسياسة بين الشبان. كان من بين القصائد الثلاث قصيدة "سيدة المدينة" المثقلة بتأثيرات من نشيد سليمان. الانشاد فيها واضح. الرعوية الطالعة من جبال السوسن والنمور والناردين واضحة كذلك. لكن كل ذلك الوضوح لم يبدد تساؤلاً استبدَّ بك وأنت تقرأ القصيدة. لِمَ يتحدث شاعر دون العشرين عن الزمن الذي أثقل كتفيه وترك ندبة على جسده، وجعل الأرض تنبت سوسناً بعد سوسن، والظباء تلد ظبياً بعد آخر، والنهارات والليالي تتعاقب من دون أن تنقص ذرة من حبِّه لحبيبته؟ قلتَ في نفسك إن الكلمات تهرف، أحياناً، بما لا تعرف، أو تغالي في تقدير ديمومة المشاعر. تؤبد لحظة لن تعتم حتى تتبين كم هي عابرة، إن لم تكن مثيرة للشفقة. قلتَ، أيضاً، إن الانضباط العاطفي والعقلي هو الذي يصنع، على الأغلب، للكلمات والأحوال مخرجاً، فينقذها من ترّهات وعودها القاطعة، ويجعلها قابلة للقراءة، بأقل قدرٍ من الغثيان، مرة ثانية.

لم يطل عجبك لإدراج قصائد يونس الخطاط في القسم المخصص لبلادك في الانطولوجيا الشعرية الضخمة. فقد رأيت، وأنت تتجول في أروقة المجمع الثقافي الذي احتضن التظاهرة، رفيقك القديم محمود الذي كنتم تنادونه، بسبب طوله المفرط، "أبو طويلة". كان محمود أطول من سائر رفاقه، بما لا يقاس، منذ مرحلة الدراسة الاعدادية في "الحامية". أنت تُعتبَر طويلا بين رفاقك لكن ليس بطول محمود. تلك السنتيمترات الزائدة من اللحم والعظم هي، على الأغلب، تفوقه الوحيد عليك. كأنّ عشر سنين، أو نحوها، لم تمرّ على آخر لقاء عاصف بينكما. أخذك بالأحضان. تكلّم بحميمية. طوّح يديه بانفعال. لمس كتفكَ، بحنانٍ مربك، أكثر من مرة. لكنك لم تتمكن من التجاوب معه بالأريحية التي بدا عليها. احتجتَ وقتاً كي تقطع نصف المسافة العاطفية التي قابلك بها.
كان صعباً عليك نسيان فعلته.

لا بدَّ أنه قرأ البيان الذي أصدرتموه ضده بوصفه "متساقطاً" فضَّل مصلحته الشخصية على القضية العامة. كنت ناطقاً باسم التنظيم ومدبِّج بياناته التي تصدر في الخارج. حدث ذلك قبل نحو عشر سنين. كانت عودة محمود المفاجئة الى البلاد أقل صدمة لكم من تعيينه، سريعاً، في منصب اعلامي رسمي رفيع. الذين كانوا يشكّون في "اندساسه" بينكم اعتبروا الأمر برهاناً على صحة شكّهم، فيما رفض باقي الرفاق هذا التفسير الذي يظهر رخاوة بنيتكم التنظيمية أمام القوى الأخرى، فقالوا إنه "متساقط" فحسب. مجرد بورجوازي صغير قصير النفس. كنت من مؤيدي التفسير الثاني. فلو كان مدسوساً عليكم، بالفعل، لوشى بك قبل مغادرتك. فقد كان يعرف أين اختبأتَ قبل ترتيب فرارك. وعندما هربتَ، مع عدد من رفاقك، إلى الخارج، كان معكم.
لكنّ اللافت أن ملاحظاته حول طبيعة عملكم التنظيمي و"تكلّس" اطروحاتكم لم تظهر، على استحياء، إلاّ قبل فترة قصيرة من قراره المفاجئ بالعودة. صار يتحدث، بنبرة فلسفية، ليبيرالية، متعفنة في نظرك، عن نسبية الشر. المقارنة بين شرّين: النظام أو ما كان يسمّيه "الموجة الظلامية الكاسحة". أنتم لم تحددوا موقفاً واضحاً من علو صوت القوى الدينية في البلاد وتحوّل أجنحة فيها الى العنف. ظللتم متمسكين بتحليلكم الطبقي لطبيعة النظام والقوى صاحبة المصلحة الحقيقية في التغيير ودور الطليعة الثورية في انجازه. أشرتم، بارتباك، إلى أن ما يجري في بلادكم صراع داخل الطبقة البورجوازية نفسها. اليمين ينقضّ على اليمين. لكن ثقل التعبئة والتحريض ظل مركزاً على النظام الذي حمّلتموه مسؤولية ما يجري من صراع وعنف ودم. قلتم إن ذلك ثمرة طبيعية لاستخدامه القوى الدينية في محاربة اليسار. كنتم تراقبون ما يجري داخل "الحامية" في أواخر عهد "الحفيد" بنوعٍ من التشفّي. ما لم تقولوه في بياناتكم كنتم تناقشونه في اجتماعاتكم المغلقة: هل اضعاف النظام على يد القوى الدينية من مصلحة قوى التغيير، أم لا؟ كان هناك شبه اجماع على أن ما يجري يصبّ، أخيراً، في مصلحتكم، فليس للقوى الدينية، في رأيكم، برنامج قادر على الحياة. إنها جزء من قوى الماضي والماضي غير قادر على إعادة انتاج نفسه إلاّ كمهزلة. بإضعافها النظام وزعزعة أركانه، تساعد هذه القوى غير التاريخية، من حيث لا ترغب، في وضع التاريخ على سكّته الحقيقية. لكن ما قاله مُنظِّر التنظيم هو ما ذهب مثلا، فقد شبّهها بالثور الذي يحرث الأرض ويهيئها لمن يرمي البذار. الثور الذي يجرّ محراث التاريخ. ثم قال كأن إلهاماً هبط عليه فجأة: دعوا الثور يعمل! صارت تلك الجملة شعاراً غير معلن. لم تُرِق لك تلك الاستعارة. شممتَ فيها رائحة انتهازية مبطنة. لكنك لم تقل ذلك. ربما لأن الأمر لم يكن واضحاً لك تماماً. ربما لأنكم فوجئتم بالتحول الذي طرأ على علاقة القوى الدينية بالنظام. غير أنك لم تكن مرتاحاً إلى ما تلاها: بداية الغزل بين "التنظيم" والقوى الدينية في مواجهة النظام. ذلك ما أبديتَ فيه موقفاً صريحاً. جادلتَ في ضروة الحفاظ على مسافة متساوية من النظام والقوى الدينية. قلت إن "التكتيك" لا ينبغي أن يكون مفارقاً للاستراتيجيا، ومن الانحراف الليبيرالي بمكان القول إن الغاية تبرر الوسيلة. لكنَّ هذا حدث بعد عودة محمود إلى "الحامية". كي تكون منصفاً عليك أن تتذكر ما قاله محمود في الاجتماع الذي وُلدت فيه استعارة الثور على لسان مُنظِّر التنظيم. سخر من شعار "دعوا الثور يعمل" وقال إن قرني الثور سيرتدّان على الجميع. تفكرِّ الآن: هل ما فعله اختيار فكري وسياسي لشرٍّ على شرٍّ آخر، أم التقى أحد المسؤولين الذين كان يأتي بعضهم للسياحة والتسوق في "جزيرة الشمس"، آخر مكان جمعكم معاً، وبدأت المساومة من هناك؟ لا تعرف. ولم تسأله. لكنك لم تجد تفسيراً مقنعاً لدخوله البلد وعدم الإلقاء به، أسوةً بغيره، خارجاً. فهو بين قلة قليلة من الذين حاولوا العودة لم يُلق بهم حرس الحدود إلى الخارج ثانية. كانت سياسة "الحامية" في هذا الخصوص ثابتة: عدم استقبال الفارّين حتى لو كانوا مطلوبين. تركهم كالكلاب الضالة يعوون في الشوارع. هذا تعبير حرفي رائج في الاعلام الرسمي حيال المعارضين الذين ينشطون خارج البلاد. نادراً ما تعني جملة "كلاب ضالة" كلاباً حقيقية. من يسمع هذا التعبير في الإذاعة، أو يقرأه في الصحف، يفهم فوراً المقصود.

***

قال محمود بطريقته المتوددة، التي يصعب القطع بصدقها أو كذبها: دعنا نذهب لتناول فنجان قهوة في الخارج. ألا تعرف مقهى جيداً نجلس فيه؟ قلت له: أعرف.
يقع المجمع الثقافي الذي عُقدت فيه التظاهرة على جانب النهر. بالقرب منه عدد من المقاهي والحانات. كان الوقت عصراً. النهر الكبير الذي يقسم المدينة قسمين، يتلوى كجسد حَنَش أمرد. قاتم. غامض. على وجهه تطفو بعض نفايات الاجتماع البشري تماماً كما وصفها شاعر المدينة الشهير. رجال ونساء يحملون مظلات في أيديهم تحسباً لمطر قد يهطل في أي لحظة، يعبرون في الاتجاهين من دون أن يلووا على شيء. لاحظتَ أنّ محمود كان يطلق عينين نهمتين، فيما هو يتكلم إليك، وراء العابرات على نحو يخرق بروتوكولات السلوك في المدينة الرمادية والحمراء. تلك العادة التي يضطر القادمون من عالمنا إلى التخلي عنها، على مضض، بعد وقت من الاقامة فيها. فلا أحد في المدينة الرمادية والحمراء يحملق في أحد. لا أحد يصوّب نظرات نهمة وفاضحة إلى مؤخرات النساء أو صدورهن. لكن ليس محمود الذي ظل يحملق ويلتفت إلى الوراء وأنتما في الطريق الى المقهى. كان يتكلم ولكنك لم تتابع كلامه. يضع يده على كتفكَ، كسابق عهده، فتتملص منها. فكِّرتَ في الأيام الطويلة التي جمعتكما معاً مذ كنتما على مقاعد الدرس في "الحامية" وانخراطكما في العمل السري والأخطار التي واجهتكما في مدينة الحصار والحرب حيث فقدتم هناك ستة من رفاقكم. لأنه كرر، على ما يبدو، السؤال عن أحوالك أكثر من مرة، انتبهتَ إلى كلامه. قلتَ له: لا بأس. عادية. الغريب أن عاطفتك تجاهه بدت كأنها لم تتغير. لكن نبرة الثقة المفرطة في كلامه واعتباره أن شيئاً كبيراً أفسد علاقتكما لم يقع، زاداك انفصالاً. بدا كأنه يتفوق عليك. وهذا أزعجك أكثر.

الذي آخى الفقر والمحن وحمى شعلته في هبوب العاصفة هو مَنْ ينبغي أن تكون له تلك الثقة بالنفس. إنه التفوق الطبيعي للموقف الأخلاقي!
تحدث محمود، كالعادة، بطلاقة، بلا ارتباك، كأن شيئاً لم يحدث. تقوقعكَ وجفاف نبرتكَ لم يؤثرا في تدفقه في الكلام. قال: أعرف أنك تعتبرني متساقطاً أو ربما انتهازياً ولكن ذلك لا يغيّر شيئاً مما حصل. هذا عدا عن كون العالم تغيّر. العالم كله تغيّر من حولنا، فقد سقطت أسوار وثورات ومعتقدات ودول عظمى. الأخطار القديمة زالت. حلّت محلّها أخطار جديدة أكثر رعباً وتعقيداً. ألا تعرف ذلك؟ فقلت: أعرف ما أعرف. ثم قلت كأنك تكلم نفسك: ليست هذه هي المشكلة، بل المشكلة أننا خرجنا معا وتعاهدنا على مواجهة كل الظروف معاً. أنت لم تكن مجرد كادر كبير في "التنظيم" بل صديقي أيضاً. ما فعلتَه لم يكن غدراً بقضيتنا فقط، أياً تكن اندحاراتها، بل بالصداقة كذلك. هذا ما حزَّ في نفسي. قال إنك لا تزال طوباوياً وإن صداقته لك شيء وما فعله شيء آخر. فلا تضارب بين الأمرين. قال إن الأمور تغيرت كثيراً ليس في العالم فقط بل في بلادنا. تحدث عن أهمية التغيير من الداخل، وعن عبثية الرحلة إن كانت من أجل الرحلة، فالرحلة ينبغي أن تنتهي، حسب قوله، إلى مكان في عينه. قال إنك ترغب في الرحلة نفسها أكثر من هدفها، بل لعلك قد أدمنتها. مرّ في ذهنك، عندما نطق كلماته الأخيرة، قول شاعر ما معناه إن الطريق الى البيت أجمل من الوصول إليه. هززتَ رأسك طارداً هذه الفكرة. ظن محمود أنك تعترض على كلامه. نظر في عينيك مباشرة ثم قال: إسمعني، "الحفيد" مات، وانطوى بموته زمن كامل. هناك "آمر" جديد يقوم بإصلاحات وانفتاح باقتناع أو بمجاراة للتغيرات التي طرأت على العالم. لا يهمّ. المهم أن القبضة الحديدية ولّت. لم يعد ممكناً لها أن تستمر. "التنظيم" نفسه، في الداخل، غيّر خطابه وصار أكثر ادراكاً لخطورة الموجة الظلامية التي لم تنكسر بعد، رغم الضربات الأمنية التي وُجهت اليها. تلك اللحى المتخلفة لم تجتث بعد. ما زالت مؤثرة في الشارع. تستقوي على الجميع. تنصّب نفسها ناطقاً باسم الله وسننه وتعمل على إقامة إمارتها بالتكفير والعنف. لا أريد اقناعك بعدائها لكل شيء تؤمن به. للحداثة، والتقدم، وحرية القول والاعتقاد، بل حتى لشرب كأس من البيرة. أنت تعرف هذا وأكثر. قلت لرفيقك القديم بعُشر حماسته وتدفقه في الكلام: لا أنطق الآن باسم أحد. ولا حتى باسم "التنظيم". الشرّ شرٌّ. بلحية طويلة أو بذقن حليقة. ولستُ مضطراً للاختيار بين أهون الشرين من أجل كأس من البيرة. "الحامية" لن تتغير بوجود بضعة يساريين سابقين في اداراتها. من يفهم طبيعة النظام يعرف أنه لن يتغيّر، فإن تغيّر لا يكون هو. يصبح شيئاً آخر. من سيتغيّر، فعلاً، هم الذين يظنون أنهم قادرون على تغييره. ثم قلت له مقتبساً مقولة لا بدّ أنه يعرفها: إن القبول بالواقع بمجرد تأويله بشكل مختلف لا يعني تغييره بل تكريسه. لم يردّ. هل نسي دروس التثقيف الحزبي يا ترى؟ بدلاً من ذلك، تطلع إليك بنظرة ذات مغزى وقال: أتظن أن ادراج قصائد يونس الخطاط في الانطولوجيا الشعرية مجرد صدفة؟ ألا تلاحظ عدم وجود قصائد لخالد رستم شاعر "الحامية" الرسمي؟ لم تُجب لأنك لم تنتبه، فعلا، إلى وجود اسمه من عدمه، كما أنك لم تعتبره يوماً شاعراً رغم طنطنة الإذاعة بقصائده المنمقة، المتزلفة. أطبق محمود بيده الكبيرة على يدك المبسوطة على الطاولة فلم تستطع سحبها وقال كأنه يهمس لك سرّاً: إنها ليست صدفة. أنا الذي أدرج قصائد يونس الخطاط وأقصى "شاعر الحامية" الذي يتسول الآن، بمهانة، في ردهات المؤسسات الرسمية على ذكرى قصائده التي تتغنى بـ"الحفيد". سألك: أتعرف لماذا؟ ومن دون أن ينتظر جواباً قال: ليس لأن يونس الخطاط صديقي بل لأسباب ابداعية. نريد أن نقدّم صورتنا الحقيقية الى العالم. كدتَ تضحك عندما قال جملته الأخيرة. كأنه يلقي خطاباً من تلك التي كانت تهدر على المنصات والمنابر في زمن القبضة الحديدية. زمن الخوف الذي كان طبيعة ثانية لمن يقرأ كتاباً أو يفكِّر بصوت مسموع. زمن عرائض المبايعة الأبدية المكتوبة بالدم التي كانت تنتشر بين جموع ملفقة كلما تعرض "الحفيد" لمحاولة اغتيال. تذكرتَ هتاف الجموع الغوغائي: "معك إلى الأبد يا حامي البلد"! تذكرتَ الأغاني المرقطة، الصقور المنقضة، الرجال الذين يشربون دم الأعداء، الأطفال الذين لا ينامون، باطمئنان، إلا تحت الجناح الحاني لـ"الأب القائد"، الصف الواحد المتراص وراء "درع الوطن". كأنه كان يتنصت على مونولوغك الداخلي قال: أعرف أنك لن توافقني الرأي لكني خلصت الى الآتي: الناس هم الذين يفسدون الحكّام وليس العكس. الحكّام يبدأون عهودهم خائفين من الناس، متهيبين من المسؤولية، لا يعرفون، تماماً، من معهم ومن ضدهم، ولكن الناس بخوفهم الغريزي من السلطة واستعدادهم التلقائي للخضوع أمام الهالة الدينية التي يسبغونها على الحكّام، يحوّلونهم، بالضد من تحليلك الطبقي، فراعنة. نماريد. آلهة أرضية. اسمع هذه القصة التي عرفتها من الداخل. كان "الحفيد" يحتج، بادئ الأمر، على المبالغة في التغني به. قال لمساعديه: أنا لست كوالدي. لا أحتمل المديح الكاذب ولا أفهم قصائد الشعراء بل لا أطيق هذه اللغة الحلقية التي يتلون بها قصائدهم. أكره، خصوصاً، تلك الأغاني التي تتحدث عن أمجادي وبطولات جيشي بطريقة ريفية تثير الغثيان. لا أريد تماثيل لي في الساحات العامة ولا صوراً ملونة في كل بيت، ولا اوبريهات في عيد ميلادي. أفضل أن أمضي عيد ميلادي في مكتبي أو في رحلة قنص. أريد للشعب أن يحترمني على ما فعلت لا أن يهلل لي على ما لم أفعل. ولهذا الغرض الأخير عيَّن مراقباً عاماً على المصنّفات الفنية يرمي في سهلة المهملات، بلا تردد ومن دون الرجوع الى أحد، مشاريع النفاق والتزلف. لكن بطانة "الحفيد" قالت له، بعد تعثر خططه التنموية وتنمّر الناس على النظام بل اجترائهم على "الحفيد" نفسه: الأمور لن تمشي هكذا. غياب صورك والأغاني التي تمجد عهدك جعلت الناس تعتقد أن سيادتكم غير موجود. كان عهد المغفور له والدكم أصعب من عهدكم وانجازاته أقل ولكن الناس، اليوم، تظن العكس. دعنا نتصرف. فقال لهم محبطاً: ماذا ستفعلون؟ قالوا: نغيّر المراقب العام للمصنّفات الفنية، نبدّل رؤساء تحرير الصحف والمجلات، نصعّد وتيرة الحديث عن الأخطار التي تواجه الوطن. لا تستمع الى الأغاني الريفية التي تثير غثيانك ولكن لا بدَّ منها. إنها جزء من هوية البلاد. ولا بأس بإعادة جوقة المديح القديمة، فبسبب تبطلهم صاروا يحرّضون العامة على عهدك في المقاهي والصالونات. هل تصدّق ذلك؟ لست متأكداً، في الواقع، من حقيقة حكاية رفيقك القديم. ربما تكون صحيحة. ربما لا. لكن هذه ليست كل الحكاية. وهي لا تتعلق بالناس بل، على الأغلب، بنخبة فاسدة. هناك وجهان لكل حكاية. وجود رفيقك القديم على رأس أرفع منصب إعلامي في "الحامية" يعكس لك الوجه الآخر.

***

لم تتغير حماسة محمود ولم تفتر طاقته العجيبة. تغيّرت بوصلتهما فقط. كان لرفيقك القديم ميزة فريدة لفتت أنظار المعنيين عن استقطاب الشبان الى"التنظيم": التدفق في كلام متصل، متماسك، وقدرة تكاد تكون غريزية على الاقناع. لم يكن كلامه مجرد كلام. كان يصعد من الداخل إلى الخارج، كما يفعل الممثلون على مذهب التقمص. فكّرت أن محمود حاول، بحسّ تنافسيّ عجيب، أن يحذو حذوك في كل شيء. أن يحب كما أحببت. أن يكتب مثلك. أن ينخرط في السياسة كما فعلت. فقد كتب شعراً كنت تسخر منه. فكفّ عن كتابة الشعر. جرّب القصة القصيرة. لم يكن فلتة فيها. أخيراً صار كاتب عمود صحافي ملتهب. هذا نجح فيه. بل لعل هذا تحديداً، حسب تقديرك، هو الذي أوصله الى منصبه الحالي في "الحامية". عرف كيف يوجّه ضرباته. كان يصبّ جام غضبه على الحكومات المتعاقبة، المسؤولين الاداريين، بطانة "الحفيد"، ولكن ليس على "الحفيد" نفسه. تحاول أن تسترجع، الآن، مقالاً نارياً واحداً له ضد "الحفيد"، فلا تتذكر، بل لا تتذكر مقالاً له عن "مؤسسة الأمن الوطني" المرعبة. وها هو يحاول أن يستميلك إلى خياره. أن ينتصر عليك. أن تكون له، لمرة واحدة، اليد العليا.

***

فهمت من كلام رفيقك القديم أن المسؤولين الجدد في بلادكم لا يعتبرون تنظيمكم، وغيره من التنظيمات اليسارية، عدوّاً لهم. عدوّهم، اليوم، هو القوى الدينية المتغلغلة بين الناس. المسيطرة، تقريباً، على الشارع. التي تكاد تكفِّر الجميع. فهمت منه، أيضاً، أنهم يشجعون، عكس السابق، الأفكار. يريدون أفكاراً متحررة، متنورة، منفتحة على العصر. تلك الأفكار، نفسها، التي كانوا يصفونها، من قبل، بالمستوردة. أطرف ما أخبرك به، على هذا الصعيد، أن رئيس "مؤسسة الأمن الوطني" جمع قادة الأحزاب العلمانية واليسارية، الذين كان يطاردهم من مخبأ الى آخر، سابقاً، ولامهم على كسلهم وتقاعسهم عن العمل النشط بين صفوف الجماهير!
مضينا نسعى وراء الحرية الغالية على قلوبنا،
حتى لنعلم أن في وسعنا التضحية بحياتنا في سبيلها.

كان هناك من يردد هذه الكلمات، بحماسة، في مدينة الحصار والحرب. ضحكت. لكنَّ رفيقك القديم لم يلحظ، لحسن الحظ، ضحكتك. شربتما ثلاثة، أو أربعة، فناجين قهوة كانت تأتي بها، في استغراب، نادلة شقراء لم تسلم كتفها من يد "محمود أبو طويلة" التي تثني عليها بطريقة غير مألوفة في المدينة الرمادية والحمراء، إن لم تكن منفّرة. لا تتذكر إلامَ انتهى الحديث بينك وبين محمود، لكنك تتذكر كيف استخدم يديه وعينيه وملامح وجهه على جاري عادته في الكلام الى حد أنه لفت أنظار الزبائن للغته الغريبة ونبرة صوته المتموجة، الموقَّعة. أحسست، ربما، بسبب شرودك، أو انفصالك عن المشهد برمته، أنك في عرض مسرحي، أو في حلم طال أكثر مما ينبغي .

النهار الثقافي
9 فبراير 2010