كتابة: رجاء بكريّة
(فلسطين)

حكاية إبريق الزّيت

رجاء بكريّة"......... الآن فهمت من هي شهرزاد، إنّها تشبه قصّة إبريق الزّيت الّتي لم أستلم تفاصيلها كاملة بعد!"

إلحاحَكَ على حكاية إبريق الزّيت تثير مخاوفي.لا أعرف بقيّة القصّة. لا أعرف كيف أستحدث سياقا لإبريق لا يمتلىء بالزّيت لأنّه مثقوب بذاكرة الفقد واللّجوء، هذا ما أذكره على لسان جدّتي لأبي. هذه المرأة لم تتوقّف عن إغراء طفولتي بحكاياها السّعيدة والمرعبة على حدّ سواء.
دوما تحدّثت عن إبريق يشبه إبريق الوضوء الأخضر الّذي كانت تحمله وتتّجه إلى حنفيّة الماء قبل آذان الظّهر بدقائق كي تملأه. حين أراها تتهادى بقامتها العالية أترك كلّ شيء وأجري إليها. أسحب الإبريق من يدها وأشدّه إ‘لى قلبي كما أشدّ رسائلك تماما، لكنّها كانت دائما تصرّ على أنّها صغيرة وتستطيع أن تملأ الإبريق وحدها. لكنّني أصرّ كي أستدرجها إلى حديثها العفوي عن السّماء واليهود وفلسطين. حين نصل أنا وهي إلى الحنفيّة الجالسة بانتظارنا تحت رأس البرتقالة تكون قد وصلت إلى موّالها الحزين عن الّذين طردوا وهجّروا وقتلوا، وعمّي الّذي كان ضابطا في الجيش الإنجليزي ومات قبل أوانه. موته ظلّ يحرقها حتّى اللّحظات الأخيرة. " هالغالي راح"، تردّد دون كلل.

وإبريق الزّيت هذا يرافق الحكاية الفلسطينيّة أينما حلّت، وعلى تعدّدها تستدرجه إلى شخصيّاتها. لكنّني لن أستطيع أن أساعدك في حلّ لُغزة. ستظلّ تسألني كما أسألك تماما عن القلعة الّتي تستعصي دون توقّف على غزاتها. قلعتك أصبحت أسطورة تدهش رأسى بلا توقّف. إنّها مسحورة، يا سيّدي، بحكايا الجنيّات الّلواتي يرسلهنّ الزّمن إلى أعالي جبال كجبالك كي تدوّخها. أنت لا تتوقّف عن ذكرها، وإثارة ولعي برؤوسها البيضاء. شتاء تقول لا يمكن لنا أن نستوطن شعورها، شَعْركِ أنت في هذه الأيّام ملاذا لغابات عينيّ، لا تقصّيه أرجوك، ولا تهدّديني بالقصّات الحديثة الّتي تعدم أجمل منطقة في تكوين امرأة، يجب أن تضيعا عينيّ ببلاد شديدة الطّول، وأنتِ بلادي. "جبالُكَ عالية جدّا لا يقو كبريائي عليها، لا يشبهها تماما، إذا اقنعتني بشبهنا غير المحتمل سأصير إمرأة مغرورة ولن تعود إلى محبّتي". "من أخبرك أنّ الغرور ليس سببا في عشق امرأة؟ من أخبرك أنّ تمنّع كتف امرأة واستحالة احتوائها ليسا سببا في استدراج رجل إلى معركة، ولو على عطر محرمَة؟" قال، وشدّ على أظفارها الملوّنة بزهر الرمّان. "أعشق رمّان قلبك؟" قال، وأطلق خصلات شعرها إلى نسمة مساء عابرة، هكذا بأطراف أصابعه بعثرها برفق كي يتأمّلها عن بعد، حَلُمَ قليلا وهو يتأمّل ورد وجنتيها، "وأنت تحفنين لؤلؤ الرمّان كأنّكِ تحملين كونا عاشقا ببشره وشوقه". انغمر بدنه بضوء عينيها العميق. سكتت وفكّرت بعناوين قلبها الجديدة الّتي يسجّلها في كفّه كلّما كتبت له رسالة. يقول إنّّ كوكبا جديدا يخرج من سيف رمشها كلّما سجّلت عن أحلامه رسالة. "لكنّ السيوف لا تَأخذُ رسائل إلى أحد، السيوف تقطف زهر رسائل تعرف أنّها ماضية إلى تلوين العالم بالدّهشة"، قالت. "السّيف النّائم تحت رمشك يا سيّدة شوقي مثل القبّعة الّتي ألبسها حين أكون جنرالا، منسوجة من شَعْرِ غيمة، لم أر عينا تضحك فوق شفرة سيف قبل عينٍك، لم أجد تفسيرا أبعد من قبّعة رأسي ونجوم كتفيّ"، علّق كلامه بدبّوس عطرها. تقدّم قليلا ثمّ شَبَكَ يديه ببكلة رأسها العالقة بين ياسمينة العنق وسوسنة الكتف، وسجّل لها قبلة على جناح فراشة بيضاء استقرّت على نهدها.

لا تعودي إلى الحكاية. حكاية إبريق الزّيث توقظ في بدني تاريخ أبطال دفَنُتُهُم داخل أساطير متخيَّلَة. كلّما كتبتُ سطرا عنهم تذكّرت إبريقَكِ، "وجدّتي ألا تذكرها؟" سأَلَتْهُ. أربكه صراخها، "أقصدهما الإثنان معا إبريق جدّتك وشعبك". كأنّ حيرته الطّويلة تصير شكلا لحكاية، "ماذا عن إبريقك أنت؟". أساطيرنا، يا سيّدتي، لا تحك عن إبريق، ولكن عن حريق، قال وخبّأ عينيه بكفّه المسكونة برجفِ قلبه. "قلتُ لكِ إنّي أحبّك، قلتُ أحبُّك يا امرأة روحي". همس وسجّل في جيبِها وَشَعر الغيمة الّذي يلاحقه شمعة.

كيف سأنام بعد الآن؟

"وأنا أظلّ أقيس طولي بطولك، وأسجّل في دفتري أفضل طريقة لاحتضانَكِ!" سجّل تحت حاجب قلبها المحترق بأخطائه النحويّة الكثيرة. "لكنّني أعرف حين سنلتقي لن أراجع ما سجّلته على ورقي الأبيض. نظرتك الحارقة ستملي عليّ ما أفعل. هل صدّقتِ أنّني أؤمن بالنّظريّة؟ كنت أكذب كذبا أبيض، أبيض فقط كالّذي ترُشّين به رسائلكِ إليَّ كي تصبحَ أنضر، هذا على الأقل ما أقنعتِنِي به. فلسفتكِ غريبة دائما، لا أفهمها أحيانا، لكنّني أجيزها لأنّك أنتِ، المرأة الّتي تحتضنها روحي وتأخذها معها إلى كلّ مكان. لقد وعدتك أنّني سأقيس طولي بطولك، لكنّني لا أعرف حقّا إذا كنتُ سأجرؤ على الوقوف إلى جانبك، قد أنغمر بشعرك دون أن أستأذن الحَلَق الّذي يستدير حول أذنيك، وهناك أهمس لك أنّ ارتفاع قامتي لن يغيّر شيئا في عمق حبّي لك، لكنّني مؤكّد لن أؤدّي دور المجاذيب، وأقف لمجرد أن أقيس، أمّي حذّرتني من عاقبة هذه الفعلة حين كنتُ طفلا. وخبّرتني إذا أنا فعلت فسوف أصبح قزما"
لكنّني أعدُكِ، يا حلوتي، أنّني لن أثرثر كثيرا وأنا عالق هناك بين صُفّيْرِ أشواقي وجمر الحكاية الّذي يشتعلُ بذقني ووجنتيّ. سأصمت تماما وأنتظر أن ترشّي لهفتي بسمّاق صوتك. حامض ورق صوتك، كالسمّاق الّذي يدفنّه عجائز مدينتي في طعامهنّ الأخضر. إذا تمكّنَ منّي ملحُِكِ وبِهارُكِ في تلك المدينة فتأكّدي أنّك لن تعثري عليّ، ومكاني ستقعين على كومة ثلج أبيض تذوب تحت نعل قلب، هو قلبك.
حين يتحدّث تخرسها اللّهفة، ولا تعرف ماذا ستقول له. إنّه يعذّبها كلّما كتب سطرا إذ يحيلها إلى حبر لا يقرأ.

آخر مرّة أعاد تسجيل طولِهِ، وأعاد تقديم طلبِه لتأكيد تفوّقه على قامتِها. كلّ النّساء يرتجفن حين يقيس رجل قامتَهُ بقاماتهنّ، إلّاها. لن تخاف لأنّها تعرف أنّها لن تقترب منه قبل أن يغامر بما لم يفعله عشّاق التّاريخ للنّساء اللّواتي عشقوهم. لم تحدّد تماما ماذا تتوقّع من عاشق لم يقرأ غير تاريخ الفراعنة وآلهات المكيدة. دون شك سيتقن الخبث وقد يتلاءم مع قرطها الفضيّ حين سيحرّضه على تزوير التّاريخ خلف غابات شعرها. لا تعرف إذا كان سيفهم لغة الإيماءة، وعدته أن يتحدّث عنها قرطها أو خلخالها، وربّما إسوارة الخرز الّتي تحتفظ بها من حبّ سابق. لكنّها متأكّده أنّه قرأ كتبا طويلة عن كيفيّة احتضان الملكات، لم يجد في كتب التّاريخ توثيقا مفزعا لأساليب العناق بعيدا عن جوارير الملكات. سيفتح جارور فزعه ويحتضنها تماما كما احتضن الأمراء الملكات، عناق الملوك قال، عناق دببة، يخنق رسغ الذّاكرة، "وأنا أريد أن يكون احتضاني لكِ حضارة احتواء". "لم أجرّب غير عناق دّببة، وربّما لذلك لا أذكر من عناق الرّجال الّذين عرفتهم غير سيناريوهات الهروب" همسَتْ له عبر رسغ العبارة، "لكنّني أعدُكَ أن ألتفّ بفستان لا يقلّ لُبْسًا عن فستان بلقيس الّذي دخلت به صرح سليمان، لكن بسيقان ملساء وخلخال أحمر".