وفاء البوعيسي
( ليبيا/هولندا)

وفاء البوعيسيما كان بوسعي وأنا أغادرها عائدة إلى هولندا ألا أُلقِ نحوها بنظرة حنين لاهف.
ما كان بالإمكان ـ وأنا أستقل القطار العائد إلى هولندا ـ أن أنسى ذلك التأمل الفريد لشيء كان قريباً إلى هذا الحد من روحي.
لازلت أذكر حتى اللحظة, كم كنت مسلوبةً بجمال الجبال, عندما قادني دليلي لتلك الدروب القديمة, حين قاوم البلجيكيون قوافل النازية, وهي تحتل بروكسل ولوكسمبورج لتطويق فرنسا.

في تواضع صامت, رحت أتسلق وأتسلق, حين بدا كل شيء معتماً وبلا مخرج, على طول الدروب المفضية دوماً إلى مزيد من الأحراش,أتعقب يومها شتاءً كان يتعثّر وينهض.
ليياج, الشاردة أبداً في عناق الجبل والبحر والغابات, تُصيّغ أحلامها الزرقاء في ملتقى نهري ميوز وأورتي, حيث بعيداً يغفو الدغل تحت عباءةٍ من ضباب الصقيع, وأوراق السُحلبيات الرقيقة تعانق الصخور, وتستعرض لونها البنفسجي.
تتلألأ الشمس فوق الجليد, فيصير زلقاً خطراً للتسلق، وتنهمر الثمرات المثقلة بالثلج، فتعود القهقري إلى التراب من جديد.

على ضفاف البحيرات الحالمة, حط مرهقاً سرب من البط المقلّم, راقبْت البطات مثلي جذوع سنديانات حالمة, راحت تمارس أفتتانها في الألق, ومثلها مارستْ غزالات شاردة, استحمامها في انعكاسِ الوجود من حولي بغابات سباتا وباستون ليياج.

في حضور ذلك الاخضرار المؤلم للعين, بوسع العاشق أن يصير غيمة, تطوف نظراته البيضاء بذلك الفضاء المليء بالأحلام, وأنا العاشقة للجمال, لم أعد كما كُنتني يوم دخلت غاباتها في الصقيع.
روت البراري الخضراء لي في عينيها, تاريخ اجتياح النازية, البراري التي تنثني إلى ما لا نهاية في أغنية كئيبة, أخبرتني, كيف سجن الألمان حدائقها, كيف طوقوا بالسلاسل زقزقة العصافير, كيف أخرجوا الغابات من فراشها, لتُعدم في فجر رمادي, وكيف تركت الحياة غرفتها, لتُحصي جُرح الأسماء وذاكرة الأكفان, وجنائز الحلم في الطيف المتبقي لمقابر المقاومين.
البراري الخضراء, أهدتني يومها نفاذ النظرة, وصفاء الانصات للهفهفة الدقيقة لخفق جناح الفراش, لتناثر قطرات ندى تسقط على العشب, لنُدف الثلج تذوب خجلاً في الشمس, لموت الورقات وهي تصفّر على الأغصان.

وكمن مسها شيطان الربيع, تغلغلت بدمي الدهشة الخضراء, وأنا أتطلع مرتجفة ـ من هول الارتفاع ـ إلى مئات الأميال, من الدروب المصممة لممارسة المشي, ومنحدرات التسلق, والعربات المتنقلة بالسواح الموصولة بأسلاك الكهرباء, والجداول المائية من أجل التجديف وأراضي الجولف الخضراء, وعشرات الطائرات الشراعية تتعثر في هبوطها المظلي على السفوح البعيدة,
وكمن مسها شيطان الربيع يومها, تطلعت مقطوعة الأنفاس إلى ليياج تحتي, وهي تصافح ثقافات الشرق في المركز الثقافي بسيرا, وسوقها الشعبي التراثي للمغاربة والأتراك في ميوزييه, ومسرحها الكبير في دغواكس للرقص الشرقي.

وبقطار الإياب إلى بيتي, مأخوذةً كنت بمحطتها الماسية البيضاء, التي تناهز الاهرامات علواً بطرازها الهندسي الفريد, لتبدو من بعيد, أجمل محطة قطارات بأوروبا الغربية, تطلعت عبر الزجاج لمدينة لا تدين بشيء للفردوس الإسمنتي, تمعن في احتفائها بالسماء في طراز أبنيتها المنخفضة المتواضعة, في إعراض مقصود عن ناطحات السحاب وأسواق البورصة العالمية.