مها حسن
(سوريا/ باريس)

حبل سريصدر عن شركة "رياض الريس للكتب والنشر" ـ بيروت رواية جديدة للكاتبة مها حسن بعنوان "حبل سري". وهي الرواية الرابعة للكاتبة ، بعد " اللامتناهي ـ سيرة الآخر " عام 1995 ، و "لوحة الغلاف " عام 2002 ، و" تراتيل العدم" الصادرة كذلك عن دار الكوكب ، التابعة لشركة رياض الريس للكتب والنشر في العام الفائت.

الرواية تقع في 480 صفحة من القطع الوسط.

من الرواية :
حين فتحت فريدة الباب بتثاقل، فوجئت بإبراهيم الذي لم تره منذ سنوات، مع الصبية الحسناء.
دعتهما للدخول بفتور، بعد أن صافحتهما، وقد حاولت باولا الاقتراب منها لتقبيلها، ولكن فريدة ابتعدت عنها قليلا، مكتفية بالمصافحة، مما أثار ارتباك كل من باولا وإبراهيم لهذه البداية غير المبّشرة.
دعتهما إلى الجلوس في الصالة، حيث جلست باولا جوار إبراهيم على الكنبة الكبيرة، بينما سحبت فريدة كرسيا، ولم تجلس على الأريكة قربهما، وقالت على الفور :

ـ هه، ماذا تشربان ؟
ـ أتطرديننا ؟

قال إبراهيم، لأن الإسراع في تقديم المشروب للضيف، حسب المتعارف عليه، هو بمثابة اختصار للزيارة، وفي مناسبات كهذه، يأتي الرد اللطيف غالبا :

ـ لا، هذه قهوة أهلا وسهلا.
ـ لم تسأليني عن الصبية ؟
ـ لا يهمني. قد تكون كنّتك، أو زوجتك الجديدة.

ضحك إبراهيم بصوت مرتفع:

ـ لماذا تضحك، أنتم الرجال تفعلون كل شيء.

قالت وهي تلمّح له إلى زواج خاله عليها. فأجاب إبراهيم وقد تغيرت لهجته، و بدا عليه الارتباك :

ـ هذه باولا... إنها ابنة حنيفة.
ـ من ؟
ـ حنيفة.
ـ حنيفة من ؟
ـ حنيفة ابنة خالي، ابنتك.
نظرت إليه قليلا، ثم نهضت قائلة :
ـ سأجهز القهوة.

وقبل أن تغادر الصالون إلى المطبخ، استدارت وقالت :

ـ أنت تشربها دون سكر، والصبية ؟ كيف قهوتها ؟
ـ وسط.
أجاب إبراهيم، وراح يتبادل مع باولا بعض الكلمات.
ـ هل قلت لها أني حفيدتها ؟
ـ نعم.
ـ ومع هذا، فقد حافظت على برودها نحونا.
ـ لا تلوميها، لقد فقدت ابنتها منذ سنوات طويلة... توقعت قسوة ردها هكذا، إنها تتألم.
ـ لم أرغب أن أسبب لها الألم، ولكن من حقي أن أراها، فهي والدة أمي، أتظن أني تسرعت ؟
ـ نعم، كان ينبغي أن أمهّد لها أولا.

خرجت فريدة بصينية عليها فنجانين من القهوة.

ـ ألا تشربين القهوة ؟
ـ يكفيني الأرق الذي يمنعني من النوم.

أجابت على سؤال إبراهيم الذي راح يشرح :

ـ وضعت حنيفة باولا قبل أن ترحل بست سنوات، وهاهي الصبية اليوم تبحث عن عائلة أمها، تريد أن تتعرف إليكم...

قاطعت فريدة إبراهيم :

ـ اعذرني يا ولدي، لقد تناولت دوائي منذ قليل، وثمة منوم فيه، أشعر بتعب الآن، وأحتاج للنوم باكرا.
أنهى إبراهيم قهوته بسرعة، وسحب باولا من يدها، وانصرفا.
لم تمد العجوز يدها لمصافحة إبراهيم أو باولا، واكتفت بابتسامة جافة وهي تودعهما عند الباب.

انفجرت باولا بالبكاء وهي تنزل الدرج بسرعة. سبقت إبراهيم إلى سيارته، وحين وصل إليها لاهثا، وضع يده على رأسها، ثم قبّل جبينها :

ـ أنت تفتحين جرحا قديما يا باولا، لا تتوقعي استقبالا حسنا.
ـ هل يمكننا أن نذهب الآن إلى جدي ؟
ـ يجب أن نتأنى قليلا، ألم يكفك ما حصل فوق؟
ـ لا، أريد أن أرى والد أمي، أرجوك، يجب أن أراه الآن، وليحصل ما يحصل.

لم يكن كمال وحده، بل امتلأ المنزل باجتماع كل العائلة، حتى شيرين التي كانت في المطار هذا الصباح في استقبال عمتها، التحقت بالآخرين في منزل أبيها، مع زوجها نوري. وحين دخل إبراهيم وباولا، رحبت شيرين بالصبية كثيرا، وقبلتها عدة مرات :

ـ ما أطيب رائحتك، أشعر أن أختي عادت إلينا.

كذلك رحّب نوري بالصبية، والبنات الثلاث اللواتي تواجدن أيضا في المطار، ولكن ذلك مر سريعا، فلم تتذكر باولا أسماءهن المتقاربة، نارين، دلبرين، وروزالين.

ـ عندك ثلاث بنات ؟
ـ وصبي، إنه في جنديرس، عند أهل أبيه، سيأتي غدا وتتعرفين عليه، روني، الصبي الذي انتظرته، وجاء بعد جوهراتي الثلاث، أقصد الأربع، فأنت الآن أيضا ابنتي، ولا تنسي يا باولا، الخالة عندنا أم، أنا أمك هنا.
كانت شيرين تتحدث الانكليزية بطلاقة. أما باولا فقد اعتادت على استعمال اللغة الانكليزية خارج فرنسا.
أحست بدفء أنساها فتور جدتها. وقد فاجأها هذا التضامن العائلي، حيث فاديا، زوجة جدها، تجلس جواره، تدلله، وتطعمه بيدها، وتضحك بمرح، بينما نهضت روزالين، أصغر البنات الثلاث، وجهزت إبريقا كبيرا من الشاي، وساعدتها الوسطى دلبرين في حمل الصينية الكبيرة، مع الكؤوس الزجاجية الشفافة... مع بعض قطع الكيك والبسكويت.

أخذوا يشربون الشاي ويمزحون، حين خاطبت شيرين والدها بالكردية :

ـ هذه ابنة حنيفة.
ـ من حنيفة ؟ سأل كمال باستنكار:
ـ أختي، ابنتك، هذه حفيدتك باولا.شرحت شيرين بفرح وبفخر بهذه الصبية التي تحمل رائحة أختها.
قال الأب ساخرا :
ـ لقد تحسنت كرديتك يا شيرين، أحسنت يا صهري، منذ أن تزوجتما، وابنتي تتقن الكردية، ليس كما أمها... أربعون سنة معي، وهي تحدثني العربية.

فهمت فاديا فأجابته بالعربية :

ـ أنا أفهم الكردية، ولكن لماذا أتحدث بها، أنا لست كردية ؟
ـ لكنك زوجتي.
ـ أنا أفهم هذه اللغة، وهذا يكفيني.
تبادل إبراهيم وشيرين نظرات فهمتها باولا، لقد تجاهل جدها أمرها.

قالت أكبر حفيداته، نارين :

ـ جدي، ما رأيك بباولا، إنها جميلة أليس كذلك ؟ انظر ألا تشبه أمها.

أخذ كمال جرعة من كأس الشاي وقال :

ـ من أمها ؟

كررت شيرين :

ـ إنها ابنة أختي حنيفة.

أدركت شيرين رغبة والدها بمواصلة إنكار وجود حنيفة، التي كسرته بانسحابها الكلي من العائلة، كما لو أنها مسحت كل السنوات التي عاشتها في سورية، الأمر الذي يم يغفره لها قط. إلا أن شيرين، أدركت أيضا، أن كل هذه الإدعاءات هي محاولات خارجية للثأر لكرامته كأب زائد ولا أهمية لرأيه، وأنه في العمق، يحب حنيفة ويشتاق لرائحتها، وربما لو عادت به الأيام، لفعل كل شيء لتبقى معه، وتتربى في منزله. لقد أدرك كمال متأخرا حجم الأذى الذي ألحقه بالصبية التي وجدت نفسها متأرجحة في بيوت الأخوال، والعمة، دون أن تشعر بأنها " تمون" على بيت أبيها، أو على أبيها ذاته، لترتمي في بيته، على أي ركن فيه، تنام بعمق، تشاهد التلفزيون، تتناول الطعام، تمزح، تستحم... تفعل كل ما يفعله الأولاد في بيوت آبائهم... لقد أدرك كمال أنه حرم حنيفة من الإحساس بالانتماء إلى ركن آمن يتحتضنها، وأنها أحست بالخوف والضياع منذ لحظة خروجها من حلب منكسرة، خاسرة، ذليلة، بين أولاد أهل والدتها، معزولة، متهشمة.

أدرك كمال، أن فرار ابنته من البلد، ومن اليونان حتى، كي تقطع كل روابط القهر التي سببها لها تخلي والدها، وإحساسها بأنها كائن منبوذ، غير مرغوب به. إلا أن كبرياءه كأب وكرجل شرقي، منعه من القبول حتى بسماع اسم حنيفة منطوقا أمامه.

قال كمال وهو ينهض منهيا كأس الشاي :

ـ أنا لا أذكر أن لي بنات غيرك.

صافح إبراهيم مودعا، ودون أن يلتفت إلى الصبية، كما لو أنه لم يرها، دخل غرفته مناديا زوجته :

ـ فاديا، تعالي، أحضري لي بطانية أمي الصوفية، أشعر كما لو أني سأمرض.

قالت باولا لخالتها :

ـ ألا يريدني هنا ؟

صمتت شيرين محتارة، فتدخلت دلبرين، معلمة اللغة الانجليزية في معهد شيراز للغات، والتي تتحدث الفرنسية أيضا :

ـ قال جدي إنه لم ينجب سوى ابنة واحدة، هي أمي.

صرخت شيرين بها بالعربية :

ـ أيتها الحقيرة، لماذا تقولين هذا؟

أجابت دلبرين بالفرنسية :

ـ باولا امرأة غربية وموضوعية، من حقها أن تفهم الأمور كما تحدث.

وتدخلت روزالين وهي تتكئ على ذراع أبيها قائلة بالكردية :

ـ هذا صحيح، عندهم، حين يصاب المريض بأي مرض يقولون له، ولا يخفون عليه.
وغمزت نحو جدها.

إلا أن الكبيرة، نارين أوضحت :

ـ هذا عندهم يا فهمانة، وليس عندنا نحن.
فأصرت روزالين :
ـ باولا أوربية وتتفهم هذه الأمور.

نهض إبراهيم منهيا الحوار ساحبا باولا من يدها :

ـ هيا يا ابنتي، لقد تأخر الوقت، يجب أن ترتاحي قليلا.

قالت شيرين بالانجليزية :

ـ ابقي هنا، ما أن تنهِ البنات غسل الصحون وترتيب الصالون، حتى نغادر جميعا، تنامين عندنا، بيتي كبير، ستتسلين كثيرا مع البنات.

قال إبراهيم :

ـ لا، باولا ضيفتي أنا، لقد اتفقنا على هذا قبل أن تأتي إلى سورية، أتذكرين باولا، لقد وعدتني على الهاتف، أن تقيمي في بيتي. لا تقلقي يا شيرين، سوف تلتقون كثيرا، لقد جهزت غرفة خاصة بها في بيتي، وشيراز ستعتني بها جيدا.

ـ ونسرين ؟ ألا تغار؟ سألت شيرين مازحة، فقال إبراهيم مذعنا :

ـ خليها على الله، أتمنى أن تمضي الليلة على خير.
ـ إذن، فقد بدأت المشاكل.

قالت شيرين لإبراهيم بالكردية :

ـ بيتك ضيق، أنا عندي غرفة زائدة في البيت.
ـ لا تقلقي، إنهم يتدبرون الأمر بينهم، شيراز تنام مع أمي، وباولا تستقر في غرفة شيراز، لا مشكلة.
ـ ولكن ؟..
ـ كفى شيرين، سترينها، إنها باقية هنا لمدة شهرين، ستشبعين منها، هيا، دعينا نذهب.

حسم إبراهيم إصرار شيرين على أن تمضي باولا ليلتها الأولى في منزلها، مع بناتها، فقالت مذعنة وهي تعانق باولا وتؤكد لها :

ـ أنا أمك يا باولا، اتصلي بي في أية لحظة، وسوف أكون عندك. نوري يذهب إلى العمل من الصباح حتى المساء، والبنات في الشغل، وروني منشغل في دروسه، اتصلي بي في أي وقت، سآتيك بسيارتي ونتسكع أينما تريدين.

رغم الدفء الذي أحاطته بها شيرين، إلا أن باولا لم تحتمل قسوة جدها على أمها، ونكرانه لها، بأنه لم ينجبها. ما أن وصلت إلى الشارع، حتى انزوت في ركن ضيق ضاغطة بيدها على ببطنها، وقد أفرغت كل ما في معدتها وهي تبكي وترتجف.

مسح إبراهيم وجهها المتعرق وقال بحنان :

ـ يبدو أن معدتك لم تحتمل طعامنا، هيا يا صغيرتي، سأجهز لك نعناعا ساخنا وستنامين بعمق حتى الصباح.
وضع يده على كتفها واصطحبها بحنان إلى السيارة.

لم تستطع باولا أن تتأمل البيتين، أو أن تقارن بينهما، لا البيت الأول، في شارع المدرسة، حيث عادت فريدة، بعد طلاقها، وبعد رحيل ابنتها، للعيش في البيت ذاته التي تركته، وقد أرسل ادريس المال لوالده، ليشتروا هذا البيت، بعد أن تركته فريدة إثر طلاقها.

ولا حتى انتبهت باولا، إلى أن كمال، لا يقطن بعيدا، بل عدة شوارع فقط، تفصله عن بيت طليقته، حيث حاول كلاهما، فريدة وكمال، وربما فاديا، إعادة الوضع كما كان قبل الطلاق.

المنزلان ذاتهما، الأول، في الطابق الخامس المطل على المقبرة، والثاني، في الطابق الثالث، المطل على المدرسة.

أخذت شيرين تتابعهما من فوق، وقد تمزقت من الألم وهي ترى باولا تتقيأ في تلك الزاوية المظلمة، كقطة جرباء مرمية، وقد انتابها شعور غامض بالذنب، كما لو أنه لم يكفِ هذه العائلة أن نبذت حنيفة، إلى أن طفشت من البلاد، لتكرر الجريمة ذاتها مع ابنتها.

مع أن السيارة تحركت، وقد لمح إبراهيم شيرين، وهي تقف على الشرفة مودعة ابنة أختها بنظرات حزينة، إلا أن شيرين ظلت في الشرفة إلى أن جاءها صوت نوري بالكردية :

ـ هه، ألا تدخلين، البنات جاهزات، سنمشي !