حزامة حبايب

حزامة حبايبحَكْي أمي يجيئني على الهاتف ملضوماً بلآلئ صوتها فيطوّق جيد حياتي ببهاء عزيز. أنفاسها الملبّدة بالقهوة المخلوطة بحبّ الهال وبقايا كعك بالتمر ارتاحت ذروره الحرّة على ذقنها تتكثّف في سماعة الهاتف؛ فألتصق بالسمّاعة أكثر.. كي أشمّ أمي أكثر.

شغاف عُمرينا، أمي وأنا، تلامستْ في البعد المعالج هاتفياً أكثر مما تلامستْ في التحاماتنا السنوية المتباعدة، إذ أترك غربتي المؤقتة لألتقيها في غربتها الدائمة، التي خلافاً لغربتي، انصاعت لشرْط أمي في المحبّة تحت أي ظرف فاستوت غربتها أقل قسوة وأقل نأياً. على الهاتف، تعطيني أمي حضنها حتى بعدما هزمته السنون وسلبته وفرة لحمه وعافيته؛ وعلى الهاتف تمسّد أمّي روحي بكفّها العريضة، التي تضخّمتْ راحتها واغْمقّتْ حواف أظفارها وعُقد أصابعها من حفر الكوسا والباذنجان في مواسم الطبخ والنفخ لعائلة لا يكاد أفرادها يودعون حضنها حتى يعودون إليها بخلفتهم الكثيرة التي تربكها، فتأخذهم بالقبلات والمناغشات والمعابثات ووله الجدّة حيناً، وبالشتائم الغليظة، غير المشفّرة، التي تطالهم وتطال "الذين خلفوهم" أحياناً كثيرة جداً.

لكن أمّي على الهاتف تراها تُشاف، فتتثنى في "حكياتها" المتشعبّة بطراوة، وتضحك بانطعاجة يستسلم لها جسدها بالكامل، وأستطيع أن أتخيّل أنها تكشف عن أسنان متقنة التركيب مُلبّسة بـ"أغلى أنواع الخزف"، منسبةً الفضل في ابتسامتها المترفة، التي تتناقض مع شقاءات حياتها، إلى ابنتها في الإمارات – التي هي أنا بالطبع – فقد "زبّطتُ" لها أسنانها على يد "أحسن طبيب في الإمارات" كما تتفشخر، جانحة للمبالغة من باب إغاظة معارفها من النسوة اللاتي يعاينّ ابتسامتها الفاخرة أكثر من التعبير عن امتنانها لي فعلياً. وكنتُ قد استقدمتُ أمي إلى الإمارات مرّات متفرّقة كي تؤنسني وتفرد جناحي حنانها فوقي، فعشقتْ البلد وأسواقها وحيطانها المصرفية الكثيرة، إذ تراقبني وأنا أدسّ البطاقة البنكية في جهاز الصراف الآلي، الذي يبزّ من كل خُزق في المدينة، وبكبسة رشيقة خفيفة على متوالية الأزرار تنزلق الفلوس بفئات ملونة في يدي، فتعلنها أمّي في تنهيدة الأمنيات المستحيلة: "يا لها من حياة سهلة!"، فيشقّ عليّ – والله – أن أشرح لأمي صعوبة حياتي "السهلة"! في داخلي أبتهج لأن أمي تعيش حياة حُلمية مبهجة منتزعة مؤقتاً من سياق نهارات يغشاها التعب وأمسيات بكعوب ناشفة مشققة. من قلب هزائمي أفرح بانتصارات أمي الزائلة وقناعاتها الموهومة بالحياة السهلة.

وما يجعلك تحبّ أمي من بين أسباب كثيرة هو حبها للحياة، بكل ترجماتها، المادية بموازاة المعنوية منها؛ فأمي متجرّدة من وهْم القيم المجازية للسعادة؛ فالسعادة قد تتحقق في قميص نوم من قماش "البوبلين" الإنجليزي يحفّ جسدها بلطف حين تتقلب على الفراش، كما تتحقق في حذاء "كلاركس" من الجلد الثمين بقالب عريض يستوعب قدميها المتورمتين ومبطّن بوسائد لتخفيف الضغط عن مشط القدم، فلا تصدق أمّي نفسها وهي تمشي على أرضيّة المحل النظيفة بالحذاء، وتكاد تنطّ في الهواء، ثم ترفع نظرها نحوي بفرحة حقيقية قائلة: "والله يمّى شاعرة أني راح أطير في الكندرة!" ولا تتردّد في شمشمة الحذاء من الداخل، قائلة بصراحة: "حتى ريحة الكندرة بتشهّي مش متل ريحة الصرامي التي عندي!" وتتناسى أننا وسط بشر بعضهم على الأقلّ يفهمون لغتنا، فتروي لي كيف أنها اشترت كندرة ظلت تزقزق في قدميها مدة شهر، كأن بها حازوقة (وتضحك أمي من بلاغة وصفها)، ثم بعد شهر أصبح للكندرة رائحة نتنة "كأنها منقوعة في بعر غنم". ثم تخلص إلى الحكمة التي تؤمن بها إيماناً ثابتاً: "فعلاً يمّى الغالي سعره فيه!"

ولأمي نفْسٌ كريمة في استطياب الطعام، كما نفَسَها الأكرم في الطهو، ولديها حسّ مغامرة في تجربة الأطباق "الإكزوتيكية"، فتحبّ الأطعمة الهندية المبهرة، بأسمائها التي لا تعرف كيف تنطقها، والصينية المنوعة، والإيطالية المدللة، والمكسيكية بالمشهيات المرافقة لها، والوصفات الخليجية المترفة، وحتى وجبات "الفاست فود" بمشتقاتها وتنويعاتها تخاطب مزاجها الفضفاض في تناول كل ما لذّ وطاب! والأهم من الأكل هو المكان، فالذهاب إلى المطعم طقس تستعدّ له أمي بسعادة طفل غمرته توقعات صباح العيد. فتتأنّق وتتعطر وتفاضل بين إيشارباتها الحريرية التي تكويها بنفسها. وهي تغتبط على وجه التحديد بالمطاعم التي تدلل زوّارها بالمناشف المبللة بالماء الساخن المعطر، فتمسح بها يديها ووجهها، وفي حال تأكدتْ من أن العيون ليست عليها تفرك بها عنقها وصدرها من تحت الإيشارب كما تمسح بها العرق تحت إبطيها. أسألها عما قد ترغب في تناوله، فتترك الاختيار لي في الغالب، لكنها في بعض الأحيان ومن باب استطعام كلمة جديدة تعلمتها في الإمارات، تلوي فمها وتشقلب لسانها، ماطةً حروف الكلمة الملحنة على نحو يتناسب وثقافة المكان الذي وفدته مؤقتاً، قائلة: "تشاينيــــــــز يمّى!"

وحين تودعني أمي عائدة إلى حياتها الصعبة في الأردن، تجرجر معها في المطار حقيبتين حبليتيْن بثقل ونصف حقيبة ومجموعة أكياس تتدلى من يديها، فيها "قليل" من خير الإمارات لإخوتي وأحبّتها الذين يشاطرونها الحياة الصعبة، فنتفاوض مع موظفي شركة الطيران كي يشفقوا علينا فلا يكبّدوننا قيمة الوزن الزائد، في ما تحاول أمي أن تستغل مظهرها الطافح بالأمومة والمسكنة كي تورّط أحد المسافرين من معتنقي نظرية "السفر الخفيف" بأحد أحمالها الثقيلة، ودائماً ما تنجح في مساعيها. وإذ تلوح لي من وراء النافذة الزجاجية التي تفصل المسافرين عن المودعين، أشفق عليها إذ تتمايل على جنبيها وهي تنوء بالأكياس التي تحملها في يديها، فتتكشف من أحدها الدمى المخصصة لبنات شقيقتي، في ما تطلّ من أحد الأكياس الأخرى قضبان ثلاث مقالي تيفال، هي التي تعتبر التيفال غاية الحياة الدنيا، وتصطك الأكياس الأخرى التي انطوت على حاجيّات أثيرة، بعضها ببعض، فتبدو أمي في سيرها الوئيد والأذرع الكثيرة التي تتفرع من بدنها الذي اكتسب سمنة مهيبة بفضل الأطباق الجديدة التي لم تتورع عن استطعامها واستلذاذها كالإلهة الهندية لاكشمي، إلهة الحكمة والكرم والخصب والمنح والعطاء، ذات الأذرع الأربع. في يقيني، أعرف أن أمي قادرة على أن تتفرّع منها ألف ذراع وذراع، حتى وإن لم تكن في حُسن لاكشمي وفتنتها، فأتمنى لو أنني أستطيع أن أشتري لها العالم كي تشيله أذرعها التواقة للحياة بكل المذاقات. ثم عندما تذوب إطلالتها وتتلاشى أذرعها وسط حشود المسافرين، أظنني أشتاق إليها.. أشتاق إليها جداً، وأتوق كي تعود وتحفّ حياتي "السهلة".

لكن أمي ما إن تختفي، حتى يطرق صوتها على الهاتف قلبي. بجزل أصيل، تقص عليّ بطريقتها في الحكي اللذيذ المستفيض كيف نجحت – كالمعتاد – في "تهريب" الأجهزة الإلكترونية بما فيها جهاز الـ"دي في دي" وهاتف اللاسلكي الذي اشتريته لها كي تتمكن من التحدث مع أحبّتها على السطح حتى وهي تنشر الغسيل! فككل السفرات السابقة نجحتْ أمي في الاحتيال على موظفي الجمارك، واستعطافهم من خلال استخدام عبارات من نوع: "الله يخليك لميمتك يابنيي!" لكن أمي قد تضطر إلى استخدام "بلان بي" (أي الخطة ب) في حال العزف على نغمة الأمومة لم ينجح، من ذلك يوم حملت معها ذات سفرة بعيدة جهاز فيديو. موظف الجمارك ذاك النهار كان جلفاً. ومن منظره، كما قالت لي ضاحكة، يبدو كما لو أنه قتل أمه في الصباح وجاء إلى الدوام. سألها عما إذا كانت تريد التصريح بأجهزة إلكترونية تحملها معها، فأشارت أمي إلى حقيبتها المتفزّرة من الثقل قائلة بتهكّم: "نعم! أحمل معي ثلاجة وغاز وتلفزيون وفيديو!" ثم وضعتْ يدها على بطنها وصدحت بقهقهة رنانة. فلم يخف الموظف "الجلف" إعجابه بخفة ظل الحاجة الظريفة، التي تتمتع بروح فكهة في مجتمع اشتهر بتجهّمه ونكده! فأفسح لها المرور في طريق السلامة الجمركية! "لكن ماذا لو ضبطك؟" سألتُ أمي بين الدهشة والذعر، فطمأنتني أنها كانت ستقول للموظف حينها بأنها لم تكن تكذب تماماً فهي تحمل جهاز فيديو! ثم تستدرك: "شو راح يطلع بإيدو يسوّي؟ خليه يحبسني!" ومع ذلك، لم أستطع إلا أن أعجب بخطة أمي الذكية، معتقدة أنها اتكأتْ على قاعدة "الصدق أنجاه" التي لقّنها لها المعلّمون في الصغر. لكن أمي لم تستق الخطة من القاعدة التربوية الحميدة، على ما تبدّى لي، فقد اعترفت أنها استذكرتْ وقائع فيلم أجنبي يقوم فيه أحد اللصوص بتهريب مخدرات في حقيبة، وحين يسأله موظف الأمن في المطار ما الذي يحمله في الحقيبة، يجيبه اللص بكل ثقة: "مخدرات!" ويقرقر ضاحكاً، فيشاطره موظف الأمن الضحك، معتقداً أنه يمزح، ويجعله يمرّ دون أن يفتش الحقيبة.

وبما أن البعد الجغرافي هو الخلفية العاطفية التي تحكم علاقتي بأمي، ظل الهاتف وسيلتي كي أعبط أمي وتعبطني. لسنوات، خصصتُ يوم الجمعة للقاء هاتفي يجمعنا معاً قد يمتد في نهارات الصبّ والجوى إلى نصف ساعة، ذلك أن تعرفة المكالمات في هذا اليوم تكون مخفضة. وكنت أتعمّد أن يتزامن اتصالي مع موعد صلاة الجمعة، بتوقيت الأردن، كي يكون أبي قد اغتسل وتهندم وتعطّر بـ"الأولد سبايس" – توقيعه الأزلي – وانطلق إلى الجامع. فإذا تصادف وأن سبق توقيت حنيني إلى أمي توقيت صلاة الجمعة واتصلتُ، تردّ أمي عليّ بكلام محسوب، فأعرف أن أبي يحاصرها؛ أسألها تحسباً: "أبي حواليك؟" فتجيبني: "الموت علينا حق!" ثم أسألها: "شو أخباره؟" فتردّ: "متل بوش (أي جورج بوش).. يعربد في هذا العالم وما حدا قادر عليه!" واستشهادات أمي السياسية إنما تتكئ على ثقافة البيت الفلسطيني بالضرورة، التي تعتمد على نشرات الأخبار التلفزيونية وصحيفة يومية بعينها لا تتغير – لا لمحتواها السياسي الموثوق به وإنما لإعلانات النعي الكثيرة – تجعل الفهم السياسي، أو ما يشبهه، عمومياً، فيسهل على جميع أفراد البيت التنظير في الشأن العام كما يلوكون مصطلحات من نوع "كونفدرالية" دون محاسبة نقدية. لكن أمي ارتقت بالمصطلح من التنظير إلى التطبيق الحياتي، فتصف العلاقات النسوية المشتبه بطبيعتها بـ"الكوندرالية" (من الكندرة)، وتستسهل وصم أبناء شقيقتي ممن تضطر إلى تحمل شقاوتهم ساعات وأحياناً أياماً في موسم العطلات بـ"الإرهابيين"، فإذا ما انخمدوا أخيراً، وتصادف أن حللتُ ضيفةً عزيزةً عليها في إجازة مبتسرة، تدعوني إلى شرب القهوة معها على البرندة في جوّ رائق، وذلك قبل أن تستيقظ "الخلايا النائمة"، كما تصفهم!

وينساب سيل الكلام، مسكي المذاق، على التلفون، ولا يمكن لحكي أمي إلا أن يكون طويلاً وعريضاً، متفرعاً ومتشعباً، بإضافات لا تتناسب تماماً وطبيعة الصيغة التلفونية للأحاديث لجهة الاختصار واتخاذ الطرق القصيرة المستقيمة في إيصال الخبر، كما أن أمي لا تتوخى الحساسية في تقدير كلفة المكالمة البعيدة، فإذا سألتها عن صحتها، لا تكتفي بـ"الحمد لله" التقليدية أو "يللي بيجي من الله حياه الله"، وإنما تقدم لي سجلاً بصحة النساء اللاتي تعرفهن، وما أكثرهن، من باب عقد مقارنة محصّلتها لصالحها؛ فأعرف أن عمتي "عزيزة" أصبحت شبه عمياء، ومع ذلك تصر "المسخمّة" (وهو وصف تستخدمه أمي كناية عن المحبة الممزوجة بالإشفاق)، على زيارة أمي قاطعة الطريق الطويلة من بيتها إلى بيتنا على متن حافلات النقل العمومية! لكن عمى عمتي عزيزة أخف بلاء من عمى مرت عمي "أم العبد". في البداية، اعتقدوا أن السكري ضرب عينيها فلم تعد ترى لكنهم اكتشفوا – بالأحرى أمي اكتشفت – أن "أم العبد" عميت بسبب كثرة البكاء، ثم انجلطتْ "البعيدة" ("والبعيدة" هي كلمة نستخدمها في وصف من لا نشتهي أن نكون مثلها) لأن أصغر أبنائها تزوّج امرأة أجنبية تكبره بعشرين عاماً، و"يا ريتها حلوة زي الأجنبيات، متل الغولة!" تقول أمي، وتضيف دون أن تعرف ما إذا كانت الإضافة للتأكيد على بشاعة الأجنبية أم لمغزى آخر: "والله أنا أحلى منها مليون مرة!"

أحاول أن أستعجل أمي كي تنبئني بالحال والأحوال في ما تبقى من دقائق خصّصتها للمكالمة الأسبوعية، لكن روايات أمي تُفتح على روايات؛ وما بين رواية ورواية، تنادي على شقيقي كي يلمّ الغسيل من الحبال كي لا يكلح، أو قد تطلب من أحد أبناء شقيقتي "الإرهابيين" أن يناولها كوب ماء لأن حلقها ناشف، مستدركةً بأنها منذ فترة تشعر بعطش دائم، معربةً عن خشيتها من أن تكون قراءة السكري لديها مرتفعة! ثم تتذكر خبرية شهية فتقول لي: "لو تعرفي شو صار؟!" فأفتح لها حواسي، بصرف النظر عن قلقي من فاتورة الهاتف التي تنتظرني آخر الشهر، لكنها تطلب مني أن أنتظر قليلاً على التلفون كي تغلق النافذة، التي تتسرب منها أصوات الباعة في الشارع، وقبل أن تستهلّ سرد روايتها المعلّقة تقول من نوع إبداء ملاحظة اعتراضية توضيحية – ليس إلا – إنها فتحت النافذة متوقعةً مرور أبو مصطفى، الذي يبيع الخضار متجولاً بسيارته، إذ تفكر بشراء ثلاثة أرطال بامية مع أن البامية هذه الأيام غالية.. "حتى البندورة غالية، فهل تصدقين أن كيلو البندورة بستين قرشاً! يعني الناس زمان كانوا (يمشّون) الحال بقلاية بندورة بالثوم والنعنع.. والله إنها طبخة ولا أشهى.. خاصة إذا كانت بزيت الزيتون البلدي." حينها أخبط رأسي بالسماعة، وأستجدي أمي كي تعود إلى الرواية الأصلية، لكن كل روايات أمي مسهبات وفالتات!

ومع ذلك فإن أمي لا تنساني تماماً؛ من وسط استطراداتها واستدراكاتها، تسألني عن حياتي البعيدة عنها، فأجد نفسي محاصرة بالخواء إذ لا رواية مهمة أقصّها عليها؛ ثم بما أنها أدرى بحياتي والناس الذين في حياتي مني، تسألني عنهم، وقد تنبش أحزاني دون قصد، فتسألني عن صديق العمر الذي يذيبه السرطان على مهل، وتزعل.. تزعل كثيراً حين أعترف لها بأني لم أعد أتصل بصديقي منتظرةً موته عن بعد، فتعاتبني إذ أتخلى عن أناسي في هذه الأوقات الحرجة، ثم فجأة يأخذ الحديث المنحى الذي لا يمكن أن يأخذه إلا مع أمي، إذ تستشهد بموقف الممثل رايان أونيل الشهم الذي ظل بجوار المرحومة فرح فاوست حتى أسلمت الروح إلى بارئها بعد شهور من الصراع مع المرض الخبيث! لا أتعجب كثيراً من استشهادات أمي غير الواقعية أو على الأقل ليست القريبة من حياتنا، فهي كائن تلفزيوني "فضائي" بامتياز، لا تفوِّت حلقة من حلقات برنامج "إنسايدر" الذي يتقصى أخبار نجوم هوليود، فلا يسلم الممثل الأميركي براد بيت من لسانها، إذ تصفه بـ"شُرّابة خرج" (والشرابة هي الزائدة التي تتدلى من الكيس أو الجراب الذي يوضع في العادة على ظهر الدابة، ولا نفع من وراء الشرابة بل قد تكون موئلاً للقاذورات والحشرات إذ تظل تصطك بجسم الدابة عند سيرها)، لأنه لم يعد له شغل سوى حمل أولاد أنجلينا جولي. وفي صيف، ليس بعيداً، وكنتُ أمضي إجازتي السنوية عند أمي، صحوتُ قريب الظهيرة، فتعجبتُ حين رأيتها نائمة على الكنبة، ممددة على ظهرها كقتيلةٍ بوجه شاحب وفم فاغر، فعرفتُ لاحقاً أنها ظلتْ مستيقظة حتى الصباح تتابع نقلاً تلفزيونياً حياً لجنازة المغني مايكل جاكسون.

وأمّي من عاشقات برامج تلفزيون الواقع، مثل "قسمة ونصيب"، الذي يصطاد فيه الشباب وأمهاتهن العرائس المستقبليات، بعد مناوشات بين الحموات المحتملات، كما تسمرّتْ أمام برنامج "هزي يا نواعم" لاختيار أحسن راقصة شرقية، ناقلة لي على الهاتف – وهي تشهق من الضحك – منظر ظاظا، مدرب الرقص الشرقي، وهو يتمايل على جنبيه يعطي تعليماته للراقصات الشغوفات. وقد أستشعر أمي تتمايل على الهاتف على طريقة ظاظا! ثم تراها تعطي أبي دواءه، قبل موعده تماماً، وتستعجل طيّه في الفراش، حتى يتسنى لها متابعة برنامج النكات "لول". وإذ يلتبس عليها فهم كلمة، بسبب "عنطزة" أشقائنا اللبنانيين الذين يستخدمون مفردات من ثلاث لغات في سرد النكتة، تلجأ أمي إلى شقيقي كي يترجم لها النكتة، فتفتح قهقهاتها الشباك.. ترطب الطرقات الجافة، وتصل إليّ عبر التلفون ندية. ثم تنهض فجأة إذ تتذكر أن صلاة العشاء أدركتها! في الصباح، على فنجان قهوة وكعك بالتمر تسرد أمي على جارتنا أم ويليام تفاصيل البرامج الليلية التي فاتتها، ذلك أن أم ويليام الثمانينية، بخلاف أمي الستينية، لا استطاعة لها على السهر، فتثقل أجفانها منذ الثامنة مساء. ولعل البرنامج الذي تحرص أم ويليام على ألا تفوته، نقلاً عن أمي، برنامج "العاشرة مساء"، خاصة إذا كانت الحلقة مخصصة لبحث تفاصيل جريمة فيها من الوحشية والغلظة في الوصف ما يجعل أم ويليام تشرب فنجاني قهوة بدلاً من واحد مخالفة تعليمات الطبيب. والحقّ أن أمي تغوي أم ويليام بالانغراس أمام شاشة حكيها، ذلك أنها تمتشق صوت منى الشاذلي، نجمة "العاشرة مساء"، وأسلوبها في الكلام، فيشعر المرء أنه أمام إعادة فعلية للبرنامج، مع فرق هائل طبعاً في الهيئة بين أمي ومنى الشاذلي.

ولمن لا يعرف، فإنّ أم ويليام فلسطينية مسيحية من بيت ساحور، وهي أقرب الجارات إلى أمي، وبعد أكثر من ثلاثين عاماً جيرة واستجارة، أصبحت المرأتان كما أمستا رفيقتي عمر. في العيد، تعمل أمي حساب أم ويليام بالمعمول بالتمر والجوز، كما نتسابق على البيض الملون الذي ترسله لنا أم ويليام في فصحهم المجيد. لم تفوّت أم ويليام أياً من أعراسنا، ولها دائماً المقعد الأول بجوار أمي في الباص الذي ينقل نساء العائلة المحتفلات، فيرتفع صوتها القوي بالغناء، في ما تتبعها بقية النسوة كـ"كورس"، فهي الخبيرة في الأغاني الفلسطينية "الفلاحية" من نوع: "من حاله ساك (أي قاد) السيارة من حاله، بارتشوله (أي باركوا له) بالعروس يا ولاد خاله"، ثم قد تنغز أم ويليام شوفير الباص إذا استشعرت نظراته تتلصص علينا في المرآة، فتغني له: "يا شوفير اطلّع في مراتك (أي مرآتك)، إحنا متل خواتك!" ومع أن أمي لا تجيد الغناء، فإنها تقف مع ذلك مع أم ويليام في أعراسها بطريقتها. وفي مرة، جرتني أمي معها إلى ليلة الحناء لأصغر أبناء أم ويليام، فذهبنا إلى بيت العروس، ووضعت أمي صينية الحناء المزينة بالشمع والملبس فوق رأسي، وجعلتني أرقص حولها وحول أم ويليام، في ما رفعتْ أمي وأم ويليام أذرعهما في الهواء، تتمايلان على إيقاع أغنيات دارجة، وتتمايل معهما زجاجات عرق حملنها هدية لأهل العروس! ولو أن صامويل هنتنغتون، صاحب نظرية "صراع الحضارات" المشؤومة إياها، كان معنا في تلك اللحظة وشاهد أمي تقفز وتتمايل بزجاجات العرق في يديها، حريصةً على أن تسوي حجابها على رأسها كي لا يُفكّ لأعاد النظر في نظريته، أو لربما خزقتْ أمي عينيه بأصابعها التي تضخمتْ من تقوير الكوسا والباذنجان.

لكن أمي في أحايين الشجن، تبكي، تبكي على الهاتف بصمت، فأسمعها، ولا أستطيع أن أستعجلها، بل أترك لها أن تستطرد في أحزانها كما في أفراحها، ذلك أنها حتى حين تبكي تحكي.

ثم لم تعد استطرادات أمي توترني بعدما "حمّلتُ" على الكمبيوتر أحد برامج الاتصال الهاتفي محتملة الكلفة، فأمضي بصحبتها ساعة أو تزيد. وها هو أخيراً، يأتي برنامج "سكايب" المجاني الحنون الشفوق بالقلوب المحترقة بالبعد، ليمنحني أمي صوتاً وصورة؛ يجهّز شقيقي أو شقيقتي المكالمة السكايبية فتجلس أمي قبالتي بفستانها البيتي الذي تتعربش على ياقته المجعلكة أفراح بسيطة؛ فتطمئن إلى نعمة "الكلام ببلاش" وتمضي في طريق الحكي الطويل، الذي لا يخلو – كالعادة – من طرقات فرعية وأزقة، وقد تدنو من شاشة الكمبيوتر بخفة، تكاد تلصق فمها بها، كي توشوشني في أذني أو لتشاطرني سراً خطيراً لا تريد أن يلتقطه أحد غيري. وفي الأيام التي قد تبكي فيها، مع أنها تحاول كثيراً أن تظل فرحانة فلا تبكي، ينزل دمعها على وجهها القريب جداً مني، فأمدّ يدي إلى خدها الذي وقفتْ حبّة ماء كبيرة عليها.

ومع ذلك، لا تستطيع أمّي إلا أن تستطرد أو أن تستدرك، فشيمة وجودها الاستطراد والاستدراك. تثب من على الكرسي بغتة، معلّقة حكايتها عند الذروة أو قبلها بقليل، وتطلب مني أن أنتظر إذ استدركتْ "طنجرة اللحمة" على النار. تقول لي بأنها سوف تتفقدها ثم سترجع إليّ. أظل أنتظر أمي. لكن أمي تغيب كثيراً. ثم كأنها تنساني.. أنادي عليها بنزق، فيأتي "إرهابي" من أبناء شقيقتي، يُخرج لي لسانه. أسأله بعصبية: "وين ستّك!" يقلب عينيه، متحولاً إلى وحش صغير، ثم يفتح فمه عن ضحكة مطعوجة، لئيمة، قبل أن يضرب بإصبعه أحد الأزرار، فتعتم الشاشة أمامي، وينطفئ السكايب.

على طرف إصبعي، تقف حبة ماء كبيرة.

أقرأ أيضاً: