هواجس: رجاء بكريّة

رجاء بكريّةشهرزاد

ملأتُ فكرك بريقا حين أعلنت، "سأؤدّي دور شهرزاد. في كلّ يوم سأبتكر قصّة جديدة كي تنتظرها بشوق"

كتب إليها ملهوفا، " وصّفي لي أكثر لأفهم!"

" كان ياما كان إمرأة جميلة بضفائر شقراء طويلة، وسنّ ذهب واحدة في زاوية الفتنة يصفّق لحاكورة ورد يحتدّ في الخد. وكان للمرأة أنف مثل حبّة رمّان ممتلئة، ومكان عينيها لوزتان خضراوان. . في رسالتي القادمة سأخبرك ماذا حدث لزيت قلبها.."

" أنت تغشّين، لا يمكن أن أظلّ معلّقا هكذا مثل صورتك في السّقف حتّى تعودين إلي، ماذا حدث لتلك المرأة؟"

" حين تأخّر شهريار في الردّ على سؤالاتها، ونام بعد الوقت بقليل قصّت شعرها"
ضرب على الحرف الّذي وصلها مقتولا بأظافر سرعته، "يا ويلي، أين سأسرّح مشط أصابعي كلّ مساء إذن؟"

فردت حروف قلبها، " على ماذا تحتجّ أنت، إنّه شهريار!"
ابتسمت سطوره، حين وصلت منمنمة ومرتّبة، " لستِ أنتِ من سيفعلُ بي ذلك، سأظلّ أجدّل أصابعي بين خصلات شعرِكِ الأسود، ولو في الحلم"

"هو عقابي لتأخّرِكَ المتواصل في الرّد. لقد وعدتُ نفسي بذلك. ببساطة شديدة سأقبض على مقصّ الدّالية بيد وخصلات السجّادة الّتي تحبّها بيد وأصنع من أطرافها خارطة لجغرافيّة السّنة الّتي تدقّ النّافذة. لن تكون سنة سهلة، كرأسي تماما" هدَّدتهُ بخبث، وهي تسرِّحُ أطراف شعرها بكفِّها، وتتهيّأ لإثارة قلبه وصبغهِ بالنّدم. لكنّها تعرف أنّها ستهرع إليه عبر الجبال العالية الّتي تأخذها إليه وتعيدها منه كلّ يوم عدد مرّات أنّها ستحتضن رعشَ أنفاسِهِ، وتطلبُ إليها أن تتوقّف عن الخوف.

بدأت تحبُّهُ، لم تخبره بالعاصفة الّتي تدوّخ شامة نهدها كلّما تأخّر في الرّد. كلّما سبقت هاتفه الدّقائق. كلّما فهمت أنّ المجلّة غريمتها فيه. كلّما جاءها آخر العتمة معتذرا لأنّ ذهنه الثّاني ينتّف الأزهار الّتي تسأل عنها داخل الكأس. كلّما أخبرها بأنّ أصابعه لن تملّ الكتابة إليها، وإن زعلت لأيّام أو ساعات، وأنّه سيظلّ يرتكب أخطاء نحويّة وصرفيّة حتّى يفكّك أزرار أعصابها وتهرع إلى سطورِهِ كي تهذّبَ مَا شوّهَهُ عمدا أو جهلا. لا يهمّ النتيجة واحدة، هذا النّوع من الأخطاء يخرجها عن طورها. قد يستغرق تجاهلها يوما، يوما وثلاثة أرباع على أكثر تقدير تعود بعدها إليه مستاءة ومشتاقة تلوم الزّهر الّذي تفتت، والقلب الّذي تعثّر، والسّقف الّذي تذمّر من عينيه المحمرّتين من شدّة التّحديق في صورتها المرسومة بفرشاة صديقِهِ.

لم تعرف نوعا كهذا من الحب الّذي يتشارك فيه إثنان، واحد يعشق وآخر يهيّء سرير العشق باللّون والفرشاة، ودون شك أحدُهٌمَا يخون الآخر سرّا. لكنّها فجأة اكتشفت غيابَ الفرشاةِ الّتِي رسَمَتْ وبقاءَ اللّونِ والبورتريت وقلبِ الرّجلِ الّذي ارتكبَ أخطاءَ فادحةً في النّحو والصّرف والعروض. إنّها تحسّه بقلب جديد لا علاقة للشّوق المحموم فيه. يستفحل في أعصابها على مهل مثل حبّ الكستناء الّذي ينضج بين جمر بائعي الأرصفة على مهل، لا يصغي إلى نداءات صاحبه في لفت أنظار المشاة. يقرّر نضوجه حين يجد متسكّعا يشتهي أكْلَهُ. يختار آكِلَهُ بحرص شديد. هكذا فهمت غزْوَهُ لِحَيَاتِها، قلقٌ وتساؤلٌ ورغبة. ورغم ركاكةِ كلماتهِ يعرف كيف يشعلُ قلب الشّوق، بعد أيّام اكتشفت بأنّه فهم أنّ لعينيها رائحة اللّويزا. وهل ينبت هذا العشب الغريب في البرد الّذي لكم؟ سألته ذات مساء فأعلن أنّه يملك حوضا واسعا خلف نافذة نومه يكبّر فيها هذا النّوع النّادر من الأعشاب. ثمّ اعترف لها، بعد السّابعة والنّصف صباحا أمرّ من هناك، جانب اللّويزا، وأشمّ ضوعَكِ، أقصدُ ضوعَ عينيكِ، أشمّ رائحةَ قلبكِ، وعينيكِ على نحو لا يفسّر. أنا فقط من يفهم تفسيره. أحاول أن أحكي للبورتريت المعلّق في سقف رأسي شيئا عن الرّائحة الّتي تتصاعد منك حين أقف أمام اللّويزا فأتعثّرُ في السّطرِ الواحدِ ألفَ عثرةٍ، حينها فقط أقرّرُ أن أكتبَ إليكِ، بل أن نكتب إليك على بعد ثوان من الثّامنةِ والنّصفِ مساءً. أعرف أنّها تصلُ عند العاشرةِ والنصّفِ تماما:

" أنا والبورتريت .. نبعث إليك أحلى تحايا المساء. أنظري إليه كما ينظر هو إليك. إحتفظي بالنّسخة الّتي أرسلتها إليك، وأنا سأحتفظ بالأصل معلّقا فوق سريري حتّى لا يبقى وحيدا بين طيّات كتاب. هكذا أفضل، كي أحاوره قبل أن أذهب إلى النّوم وحين أستيقظ مباشرة، هكذا سأكون على يقين أنّك باقية معي. أصبّح وأمسّي على عينيك وأشم رائحة اللّويزا حتّى دون أن أحتاج لزيارة الحوض المفروش خلف غرفتي. أحبّكِ، هل رأيت رجلا يحبّ امرأة عبر رائحة عشبة، عشبة اللّويزا؟ إنّه أنا."

احتارت وهي تلمس أوراق اللّويزا الّتي بدأت ترعاها على بعد أمتار من بيتها منذ أخبرها أنّه يشمّها، بل وبادرت إلى نقلها قريبا من الممرّ المؤدّي إلى غرفة نومها. هكذا سيلتقيان معا. هو في طريقه إلى النّوم وهي في طريقها إلى قلبه. سيتساءلان معا، ويحتضنَان الواحد أصابع الآخر وهُمَا يغزلان مناماتِ ضجرهِمَا أو شوقِهِمَا. قال لها بعد يومبن من إعلان اللّويزا التّاريخي،" لا شيء يقتل مثل الشّوق، اللّويزا ذريعتي الوحيدة للبقاء". عابثته، "واللّويزا الّتي تحمل فوق كتفيها شكواكَ تناديني في طريقي إلى قلبك كي أصغي، إنّها تفشي أسرارَ خطيرة عن مغامراتك، النّساء الّلّواتي تلاحقُهُنَّ أو يلاحقنَكَ، الرّجال الّذين تحبُّ زوجاتِهم ولا يمكنك مغازلتهنَّ، الصّحف الّتي لا تستظرفها وتقرأها على مضض، الرّؤساء الّذين تجالسهم بودّ مصطنع، ومشاتل الورد الّتي تزورها كلّ صباح جمعة كي تنتقي منها وردة تهديها لحبيبة وهميّة تدّعي أنّها بانتظارك في أحد مقاهي العاصمة"

ضربتَ على جبهتك من هول المفاجأة، سمعتَ كمَا سمِعتُ أنَا صفقَ كفِّكَ لجبهتِكَ، وأنا أربط السّطر الّذي فَلِتَ من دقّ أصابعِكَ بِشَدَّةِ الوهم، "لا تخف لم تخبر سواي، اللّويزا عشبة ذكيّة ووفيّة جدّا بحقّ خائنيها، أمثالك، لقد وجدوا يا سيّدي أزهارك الخمسة والثّلاثين نائمة الواحدة إلى جانب الأخرى في جارور مكتبك". ارتبك وهو يهجم على خطوط الوجه الّذي يحبّه، "كلّها لك، وأنت تعرفين، أجمّعَها حتّى نلتقي ذات ربيع، ذات بردٍ، أو ذاتِ مطر، لكن عِديني بألاّ تقصّي شعرك، إنّه بروعة سجّادة فارسيّة مغزولة بخيوط الذّهب"

ضحِكَت مِنْ أعماقِ رغبتِهَا فيهِ، "بل حينَ ترانِي ستجدُني بشعرِ ولَد، قرّرتُ أن أكافئَكَ على المحنةِ الّتي أرسَلتَنِي إليها خلالَ آليومَين آلفائتَين، حتّى لو توسّلتْ إليَّ اللّويزا الّتي تحبُّهَا"

توتّر صوته، "هذه اللّويزا خائنة، سلّمت سرّي بسهولة إليك". " وستغفِرُ لَهَا لأنَّكَ تحبُّني". ابتسم الإبتسامة الّتي تحبّها، "شرط ألاّ تصيرين ولد". "حين أراكَ سأكونُ أجملَ شهرزاد رأيتَها في حياتك". "بل أنتِ أجملَ منها، ليس لها الحنكة الّتي لكِ"، قال وتعثّرَ في رعشة ساقه.

بعد انتصاف اللّيل بقليل وصلت إلى شقّتها البردانة. لقد أرسلت له دفعات من البرد الّذي تحبّة وطرحته تحت الأغطيّة. أصبح مريضا بسبب البرد الّذي ترسله إلى ثيابِهِ المبتلّةِ بالأّرّق. وقرأت على مهل شيئا فاجأها، مشروع شاعر مغامر. "أنا طريح القلب والشّوقِ والفراشِ، يا سيّدتي الّتي تفوق شهرزاد مكرا وجمالا. من هذه البقعة الملتهبة بالحمّى أكتب إليك، أحبّكِ، أحبُّكِ، أحبُّكِ. لا تحزني إن هبّطّ الرُّوادُ، في أرضِ القمر، سوفَ تبقِينَ أنتِ في عَيْنِي، دائِماً، أحلى قمر’".

عضّت على إظفرِ قلبها الدّامية، وأخبرته بحنق، "هل ستنتظرُ حتّى يصلُ الرّوادُ إلى هناك؟ كم يبدو حبّك بلا قلب!

1 يناير 09، حيفا