محمد الخضيري
المغرب

محمد الخضيريحين مشت ناحيته، بين الموائد الدائرية بالمقهى، فكر في مظلة تمطر خيولا بألون ثلاثة. الرمادي، الأسود، والأخضر. لا يعرف الدافع وراء الفكرة المجنونة، لكنه رأى نفسه يحمل مظلة باهتة اللون، تسقط منها أحصنة على رأسه. وقفت قليلا أمامه، وكانت تمسك بطرف يدها الحقيبة اليدوية، قبل أن تنحني لتقبل وجنته التي كانت تكسوها لحية خفيفة. أحس انضغاط شفتها العليا على وجنته، وأبصر بطرف عينه عنقها الأبيض القصير، قبل أن ينظر من خلف الزجاج إلى أجساد تعبر الطريق في حركة كسولة. كانت تضع نظارات سوداء تخفي عينيها، وخصلة من شعرها فرت لتسقط على جبينها. حين انحنت لتقبله اشتم فيها رائحة السجائر وعطر الفانيلا. جلست.

أخرجت هاتفها النقال الذي كانت خلفية شاشته علم الأرجنتين، بشمس حارة تخرج منها خيوط ذهبية ملتفة. وضعت الهاتف المحمول على المائدة وبادرته بسؤال عجل.
- ما أحوالك؟ سألته بصوت لم يعرف تفسيره.
اعتراه الشعور الغريب ذاته الذي يحدث معه كلما التقاها. رجفة صغيرة تحدث حين ينظر إلى الجسد القصير القامة، للشعر القمحي الذي تتخلله خصلات شعر مصبوغة بالبني. الوجه الدائري كحبة برتقال، والعيون المرحة. العيون التي لمح خيالها من أسفل النظارات السوداء الغامقة.
- بخير. كما العادة، العمل البيت، والتسكع.. أجابها وهو شارد الذهن.

لم يعرف كيف يتصرف في الموقف. كانت الشخص الذي عرف حميمته أكثر من أي شخص آخر في العالم، وكانت الشخص الغريب البارد الذي لا يعرفه البتة. تبادلا أطراف الحديث الممل ذاته. كررا الأسئلة ذاتها، والأفكار ذاتها. أحس شيئا من الانكسار داخلها. ورأي ألفة غريبة في عينيها حين أزالت النظارات لتمسح عنها الغبار. ألفة توجد داخلها رغم كل الأشياء البليدة التي تملأ رأسها بعض الأحيان وتجعلها تتصرف بحماقة. خلال الحديث لم يتوقف عن النظر إلى وجهها. كانت تحتل أفكاره.
- أرجوووك، توقف عن النظر إلي بهذه الطريقة. قالت له.
ابتسم. كان يعرف أن عينيه تخونانه، وأن الأحصنة التي سقطت من المظلة كانت تعدو في رأسه. كانت خيولا متوحشة تدك أرض رأسه، وفكر حينها في سيجارتين تركتهما في شقته قبل أشهر ولا يزال يحفظهما. فكر في أشياء أخرى لا يدرك معناها...
حدثها عن زجاج حبهما الذي تكسر. عن حبر أقلام يومياتهما المشتركة الذي جف. عن السطور التي انمحت، وحل مكانها بياض غير متوازن يشبه الغرق اسمه النسيان. عن القطط التي تأتي بمحض إرادتها إلى شقته الباردة، وعن المرأة التي طردته من شقتها في آخر الليل.
حين كان يحدثها فكر في شيء أحبه كأي مجنون بالذكريات.
- أشتقت لأن أرى شيئا ما في جسدك، قال ضاحكا وهو يواري خجله، كان يسعل كل مرة بسبب نوبة الربو التي لم تفارقه طيلة أسبوع.
- ما الذي اشتقت للنظر إليه، قالت وابتسامة كبيرة تعلو وجهها، لا تقل إنهما نهداي؟
كان يحب ابتسامتها الواسعة التي طالما جعلته يفكر في أزهار تنبت على أرضية غرفته، وعلى حيطانها. ضحك، قبل أن يجيب: لا، لا، اشتقت للشامات على كتفك الأيسر. ضحكت هي الأخرى وقالت له. همم أوكي. أنزلت السترة السوداء التي كانت ترتديها، وظهر كتفها الأحمر الصغير، والشامات السوداء الصغيرة المتفرقة عليه. كأنت أربع شامات صغيرة. فكر مرة ثانية. فمي كان على هذه المساحة من جسدها. آثار أسناني كانت هناك. لعابي ولساني داعبا عشرات المرات هذه المنطقة من جسدها. لكن كل شيء بعيد الآن. بعيد حد القرف.
أرجعت وضعية سترتها، ونظرت إلى الخارج. لم تكن ترغب في النظر إلى عينيه. لم ترغب في أن تبادله النظر على الإطلاق.
هل كانت مرتبكة هي الأخرى؟
في أول لقاءاتهما قبل سنة حدث الأمر نفسه. كانت تضع نظارات سوداء، ورفضت أن تزيلها عن عينيها. حين سألها بعد شهرين عن السبب وراء ذلك قالت إنه كان الخجل. الخجل؟ أنت تخجلين، سألها مستغربا. أجل أنت لا تعرفني جيدا، في بعض الأحيان لا أستطيع أن أحادث الآخرين على الإطلاق.
هل كذبت؟ خدعة أخرى من خدعها؟ الحقيقة؟ الحقيقة الوحيدة التي لا يمكن الشك في صدقيتها؟ قصة أخرى من القصص التي لا تنفك تغيرها كل مرة؟ لم يستطع أن يحسم في الأمر.
لكنها الآن كانت تعيد الأمر ذاته. كانت تصر على حجب عينيها بنظارات شمسية سوداء كبيرة.
اختطف النظارة من على عينيها وطلب منها أن تبقى بدونها ولو لخمس دقائق. حققت طلبه بعد أن تمنعت. وتبادلا أطراف الحديث. كان الناس يخرجون من مطعم الماكدونالدز القريب من المقهى. يحملون أكياس بنية صغيرة، وتجنبت هي النظر إلى عينيه. فكر أنهما أكثر من مرة خرجا من مطاعم الماكدونالدز بمدن مختلفة وهما يحملان الأكياس نفسها.
حاول أن يمرر أصابعه بين خصلات شعرها كما تعود أن يفعل. تركته يقوم بذلك. طلب منها أن تقترب واشتم رائحة شعرها التي يختلط فيها العطر برائحة السجائر. ابتعدت قليلا، وطلبت منه أن يتوقف. أرجوك أنت فعلا مجنون، قالت له في نبرة غريبة. أحس كما لو أنها تسخر منه.

رضخ للأمر وظل يتابعها بنظراته. فكر في فيل أبيض صغير رفقة مدربه الهندي في العصور الوسيطة على حافة نهر. الفيل الصغير الأبيض كان ذابلا، وهو يعبر النهر الذي أرهق أرجله البيضاء الباهتة. لم يستطع عبور النهر، وكان مدربه غاضبا. الفيل الأبيض الصغير رغم أنه كان منذورا لحياة إله، فإنه ترك النهر يجرفه دون أن يفكر في كل الزهور التي ستحيط رأسه الضخم. وحين ابتعد قليلا، أدرك أنه يعرف السباحة أيضا..
قام إلى المرحاض أكثر من مرة. كان يقف أمام المرآة وينظر إلى نفسه. لم يتعرف على تعابير وجهه. أحس بعض البرود، البعد، الانحدار نحو شيء من البلادة. أحس أن هذا البون الشاسع الذي خلقاه بينهما في غمرة البحث عن كذبة أخرى تحول إلى شيء عادي جدا. وأنها أصبحت رقما آخر ضمن أرقام النساء في ذاكرته. وأنه بالمقابل تحول إلى جندي آخر من الجنود الذي يسقطون في حربها. كانت المرآة كبيرة ومظلمة بعض الشيء. في الحائط كان ثقب صغير على شكل نافذة، وكانت آلات تنشيف الأيادي موضوعة إلى جانب لفافات المحارم الورقية. غسل وجهه أكثر من مرة، وراودته فكرة أن يخرج ما في معدته ولو بالقوة. لكنه لم يأكل أي شيء طيلة يوم. كان يخرج من المرحاض وينزل الأدراج في أناة، قبل السير ناحية مائدتهما، وكانت هي، كل مرة، تنظر (في برود؟) إلى الشارع المليء بالعابرين في مساء اليوم الصيفي.
أراد أن تزيل نظاراتها وتضحك في وجهه؟ ثم ماذا بعد؟ كان يعرف أن النهر أخذ الفيل الأبيض الصغير الذي أحبه، والأشياء التي كانت تجمعهما انكسرت إلى الأبد. فكر في عينيها، وفي جسدها الذي أحب. في صوتها حين تقترب من النهر الجارف. فكر في دموعها اليائسة والحزينة، وفي أصوات كلماتها التي كان يغطي عليها دوي صوت القطارات.. وهما بالمحطات. أراد أن يهمس في أذنها: لا زلت أح..( لكنه أصبح يعرف أن العبارة فقدت تدريجا طعمها في أذنها)
قضيا ساعات وهما يتحدثان في المقهى. كانت كعادتها قريبة إليه. كانت أيضا بعيدة ما يكفي ليحس بالرغبة في أن يغمض عينيه ويسرح في أفكاره. لم يفعل. رافقها إلى محطة القطار مرة أخرى. كان قطار الساعة الأخيرة.
مرة أخرى كانا يلجان بوابة محطة، ويقفان في انتظار الهدير الحديدي الذي سيحملها إلى مكان آخر. أخبرها مرة أخرى أنها كانت الأقرب إلى قلبه. ودعته دقائق قبل بداية الرحلة. قبل وجنتيها الدافئتين. انزلقت بخفة من البوابة الزجاجية واختفت عن النظر. بعدها ذهب إلى بار قريب من المحطة. أحس بفيل أبيض صغير ينزلق في قلبه. لم يعد إلها لكنه فيل أبيض يعرف السباحة، وينظر بطمأنينة إلى أشعة الشمس التي تخترق الأدغال وأغصنة الأشجار المتشابكة. شرب ثلاثة كؤوس كبيرة من الجعة في صحتها. وفكر في الخيول التي تركض في رأسه، وأنه ربما عليه أن يكتب نصا طويلا عنها.. وعن نظاراتها السوداء.

elkhadirimo@yahoo.fr