مرتضى كزار
(العراق)

XXXXXXXXXX طرقات على باب البطرية، جعلت الظل المعلق على الباب منذ البارحة؛ ينحني قليلًا. لست متأكدًا من إنه ظلي . لايرتجف مثلي ولا تتساقط منه أعقاب السكائر، لايبدو بأنه يكتب أيضًا، حركاته توحي بأنه يحك خصيتيه أو يعبث بأنفه. أنحنى أكثر كأنه يستريح، أنا أستريح عادة بعد خمسة أسطر أو ستة، لماذا يتوقف ظلي عند السطر الثاني؟. هل علي أن أدون ذلك أيضًا، منذ ثلاثة أيام وأنا أهم بالكتابة، لكني أجد نفسي مشغولًا بالتفاصيل السخيفة. فتمتلئ ورقتي الطويلة قبل أن أصب الذكريات. تمتلئ؛ هل كتبت تمتلئ؟، أنا لا أعرف بالضبط هل أمتلأت أو لا. بكرات الأوراق الشفافة هذه، التي رصف الكثير منها هنا، لا تسمح لي بالتأكد من ذلك.

عدا سماع صراخ الكلمات وهي تدعس بعضها؛ لا يمكنني أن أرى ما هو مكتوب. وفي فرقة عسكرية خاصة مثل هذه، قد أعدم مثل كلب مبتل؛ فيما لو ضبطت بحوزتي، معلومات أو يوميات أو أي ورقة أخرى لا تعد تقريرًا علميًا مرتبطًا بتخصصي.
طرقات على باب البطرية، الباب تهتز، قبعاتنا التركوازية الثلاث سقطت مع مساميرها، الباب التي كانت تغطيها انكشفت، ومن خلف النافذة ظهرت قبعة الطارق. الفجر دخل وتبعته رائحة الشاي وصياح ديك چيخاو. ظلي انطفأ تمامًا. سأنهض وسأعثر على ظل آخر على سبورة الرادار، يشبهني وينصاع لتعليماتي الجسدية، سأعرف بأن الأول كان ظل ميثاق عبد الشاه. جندي المناخ النائم على الطاولة.
طرقات الباب تصل لكلينا تصحبها رنة، نصف الصوت كان فاتنًا ولاينتمي إلى هذا المكان؛ ذلك الجرس الطريب جعل من عبد الشاه يداعب زر بنطاله؛ ببطء كما لو كان يفتل شاربيه. عشر ثوانٍ أو اكثر و لبطت في حجرهِ؛ روح مكورة كجنين في شهره الثامن، لكنه أقفل ساقيه، بعد أن جرب الطارق قبضة أخرى، لايضع فيها خاتمًا من الفيروزج.

فرغ ديك چيخاو من صيحاته، ثم ألحقها بسعال حاد، سُمعت بعده تعليقات وضحكات صاخبة؛ ديكنا يدخن سكائر سومر مغشوشة... چيخاو شنو متعشي؟، لأن الجميع يعلمون بأن ديكنا، الذي يفزز صياحه كل أنحاء الكتيبة؛ هو جندي مجهول؛ يصوب حنجرته كل فجر من خلف هذه التلال الحمر ، وبما أنه يواظب على ذلك منذ ثلاثين عامًا؛ دون أن تفتَضح هويته، فقد يكون ديك الفرقة هذا؛ رهطًا من الجنود توارثوا بعضهم. و ينسب لي ذلك القول الساخر: چيخاو عشيرة سريّة.

انتظمت طرقات الباب، لازلت أكتب كأني أحرر محضرًا لحركات الفضاء الذي يحيط بي. أدار عبد الشاه رأسه نحو السبورة الزجاجية، صورة أنفه إنعكست على مربع في زاوية الخريطة، ، حيث تقع «بغلة عباس»، شبه الجزيرة التي تسكنها عشيرتي الصغيرة. كانت خارطة الإحداثيات هذه قد نظفت البارحة، من قلوب الحب المدحورة بالسهام والبساطيل، و رسومات لقوارض تؤدي أغنيات جنود تخونهم زوجاتهم. فلم تدون عليها منذ أسابيع أيّة علامات جوية، تشير إلى أختراق طائرات أجنبية أو صواريخ، سماء البلاد أو السماوات المجاورة. لقد أعاد شاعر البطرية ومراسلها البارحة، تعميق ملامح سبورة الإحداثيات، مرر أصباغ الببيو على الحدود والمربعات؛ مستخدمًا صرنجة غليظة تصلح" لتخصيب الجواميس"، حسب ما قاله آمر الوحدة وهو يلكز مراسله، بينما كان المراسل يحقن بعناية؛ دجلة والفرات ويزاوجهما في وسط الخارطة، ويوصلهما في شط العرب، حيث حشر ميثاق عبد الشاه أنفه.

كان ذلك الشاعر الشعبي يلوي كوعه بحذر؛ وهو يمد النهر الثالث ليكبح تدفقه الأحمر في المربع المناسب، وهو ككل المنقطين عليه أن يرسم ويكتب بالمقلوب؛ كي تظهر التفاصيل صحيحة والكتابة من اليمين إلى اليسار، لجلاس المصطبة من ألوية الحرب؛ في الجهة الأخرى من السبورة الزجاجية. ففي واجبنا اليومي الذي يشبه واجب فطرس وميخانوس؛ الملائكة المكلفة بمهمة رصد السماء، ورجم الشياطين المتلصصة؛ علينا أن نسجل ما ينقل لنا عبر سماعات مثبته في الآذان، من مواقع الأهداف والأجسام الحربية أذا ما أجتاح أحدها سماء البلاد، وعلى مترجم الرادار أن ينقلها لنا بدقة متناهية. وعلينا أن نعكسها لمجموعة من الجنرالات وعلماء الأرصاد، فهذه ليست فرقة رادار عادية، بل إن الرادار واجب صغير من واجباتها. ولكي أكون دقيقًا فأنا وعبد الشاه عوقبنا بهذه المهمة المملة. مهمة تعليم الأهداف وتنقيطها على السبورة، "يمكن لجندي مستجد لايميز بين فرج زوجته واللحاف؛ أن يتقنها"، كما يظن عبد الشاه. نظل خلالها نتنقل أمام بلاد زجاجية، عرضها ثلاثة أمتار وطولها أربعة، نذرعها بأرجلنا وبأقلام الماجيك، أما أجنحتنا فهي ضامرة على الزند، وهي من البوليستر وليست ريشًا نورانيًا. ولميثاق عبد الشاه جناحان آخران على ظهره، هي من وشم شاعر البطرية، الذي يحسن رسم الأجنحة والصقور منفرجة المناقير على أجسام الجنود، حليقة الرؤوس على ظهور العلماء.

الطارق يستخدم أظافره، يصدر حشرجة مرتبكة، ثم يتوقف للحظة ليعاود الطرق بحماسة، كأنه عثر على لحن قديم. وزميلي عبد الشاه يطلق صفيرًا متقطعًا، بينما بغلة عباس تختفي تحت أنفه، أو إنه قد شملها ببخار فمه، فبدت الآن ملبدة بسحابة سخية. صوت الشخير وطرقات الباب يمتزجان. تقول أمي شمخة، النائمون الخائفون يصّفرون، لا أعرف بالضبط هل هو خائف كما ينبغي أن يخاف من فَعل فعلتنا، أم إن أصباغ الببيو الحادة نفذت إلى خشمه. دنوت منه وقلبت وجهه، كانت بغلة عباس الرطبة قد مسحت من السبورة، تاهت عميقًا في رأسه تلك الناموسة. لا أظن أن بمستطاعي إغراءها بالخروج والعودة الى ملتقى النهرين. لكن مكانها ظل يبعث تلك الرائحة المخدرة.

حتى هذه الدقيقة؛ لم يتفوه الطارق بكلمة. أنا أيضًا حافظت على هدوء البطرية، لقد أستأنف ضرباته بقبضة الفيروزج، الجرس يقرع الآن في أحلام عبد الشاه. بغلة عباس بخيولها وجداولها، بنسائها و نخيلها، بطيورها وكلابها، تدور في رأسه، لعلها حطت الآن واستراحت من رحلتها القصيرة، من صرنجة شاعر يزعم بأن كتاب قصائد الجبهة مجربون لكل المهن، إلى سبورة الإحداثيات في الليلة الماضية، إلى أنفه العظيم. ولأني أعرف صاحبي جيدًا، وأعرف إن الجنين الذي يرفس سحاب بنطلونه الآن، إنما يرقص متوحدًا مع نغمة الطارق، لأنها لا ترد في حلمه كنغمة باب تُقرع، لعلها خلخال في ساق بدوية، ينام معها تحت أنابيب غاز البيوتان التي تعبر فراغات أور، أو من يدري؛ لعلها واحدة من حلوات بغلة عباس!.

سراديبنا المتوارية بين قباب رملية، كانت هادئة في هذا الفجر؛ بل إنها كانت هادئة جدًا هذا الأسبوع.
لا أوامر لا رادارات عاطلة لا عراك، ولا أهداف أو طائرات محطمة. لاقطعان جمال أو خراف، الرعاة لن يمروا من هنا حتى إبريل القادم، الضباط والجنود وعلماء المستحثات لن يشترو خرافًا صغيرة هذا العام، خرافهم ونعاجهم التي دهنها الرسام بأسماء أخوالهم و زوجاتهم ، كبرت الآن وتطوف مع راعٍ زبيري أعزب. لا عواء بعيد لا عقارب، الحرارة معتدلة بما يسمح للجنود الخفر، أن ينفخوا بهوائهم الكريه، على زجاج الساعات اليدوية؛ طردًا للضباب الذي يثقلها بساعات زائدة تخرب جدول الخفارات.

كما البر السماء أيضًا كانت هادئة؛ أو هكذا هي منذ آخر طلعة جوية ظافرة قام بها سرب من الغاق السوقطري، قبل ثلاثة أسابيع. لقد تعلمت من شمخة، لا من خبراء مسكوفيين، كيف أصطاد إشارات طيور الماء و السماء. متى تصنع أسراب الغاق والكراكي الرقم ثمانية. أين تهبط، تجوع، تشرب، ومتى تخبرها ساعاتها البايلوجية بطلوع كوكب سهيل. وبعد ثمانية أعوام من خدمتي في الحرب، صرت أعرف في أي مربع من مربعاتي الزجاجية تمر هذه الأسراب كل عام. وإذا كان موقعنا معلومًا لرعاة الغنم والبعران؛ وسيادة الرئيس حفظه الله ورعاه، ، فلا أحد يعرف بأن الغاق الذي يمر من هنا، ويذرق على ابراج الرصد الفرنسية، يستطيع أن يبوح بمكمننا أيضًا، وهو يرسم الرقم سبعة إذا كنا جنوب بغلة عباس، ويرسم الرقم ثمانية إذا كنا شمالها. بل إني تعلمت من شمخة كل الأنساق والأرقام الأخرى التي تشكلها الطيور، وأحيانًا، حينما ينام آمر البطرية وشاعرنا الشعبي، أسجل إشارات الأسراب على سبورتي، بجانب أبابيل والسترايك ماستر والشفق1 والشاهد278 ، وغيرها من أسراب جيراننا الحديدية. ولكني أمسحها قبل أن يحظى بها أحد، مخافة أن يلحظها الشاعر ويضمنها في قصيدة جديدة، مع النسور آكلة لحم العدو التي تتبع خطوط الهجوم، وحمائم الدمكش التي تسرق عطر الحبيبة وتبثه في الخنادق، وغير ذلك من اشعاره.

في اليوم الذي حلقت فيه الأسراب فوق التلال الكاذبة، كنت أقرأ في" محاولات أغتيال الرئيس" ، مرائيًا في فرد جناحيّ الكتاب أمام مجموعة من أمناء التوجيه الثقافي، الذين وزعوا علينا كتاب برزان التكريتي في ذلك الإسبوع. فوضعته فوق المخدة وهرولت منتشيًا بصفارة عريف السرب فوقنا. بلغت مركز القاعدة وتوقفْت، فركت عيني وأجلت النظر. انتظرت أن يطبع الغاق رقمه على شاشة الرب، لكن السرب كان يبدو مشغولًا بالهرب، ولايسعى الى نسق محدد، كان يبدو مقذوفًا من وراء الحدود، وحتى الرقم ثمانية الذي يظهر في كل الأسراب، والذي تبدأ وتقاس به الأنساق الأخرى؛ كصفر الميزان ، لم يظهر. الرقم سبعة ؛ لم يظهر أيضًا.

فتحت طية البنطلون ورفعت رأسي، ألفيت نفسي خارج التلال بين رمال رمادية، كنت أعدو خلف السرب المشوش، واجتزت شريط النخيل دون أن أدري. طويت رجل بنطلون عبد الشاه الطويلة دون أن أدري، وها أنا في أرض ثقبتها المدافع القريبة. فتناثرت فوقها قطع الألغام الفاسدة والمنفلقة، عبرتها مستخفًا بطريقة يوشا المهرج، خبير هندسة الألغام البرليني، أن تمسك بطانة جيوبك بالسبابة والابهام؛ وتتقافز مثل سندريلا تعبر حافية جسرًا من الحجارة الناعمة.

كل الأعوام العصيبة كانت رقصات طيور "يا يمّة"، لازلت أسمعها تقول، أحس صوتها يخرج مع شياط التنور، متماوجًا متصاعدًا من أنف عبد الشاه. ولكن ذلك اليوم كان غريبًا، فأنا معتاد في كل موسم على إشتقاق الأعوام المهمة من تلك الأسراب. فسنة وقف إطلاق النار؛ رسمها سرب من الفلامنگو مكررًا الرقم ثمانية فوق جزيرة أم الرصاص. وقتئذ دونت ذلك في ورقة شفافة مثل هذه. لا أعرف أين هي الآن. كما أن عام وفاة جدي الكبير السيد خنصر علي، رسمه سرب من صقور الأسماك فوق بستان الموز في بغلة عباس، وكاد السرب أن يكرر الرقم فوق سرير الجد الذي إحتضر طويلًا، لولا أن فَرقه عويل جداتي الخمس. فعرانيص الذرة والحصى التي قذفها أبي لم تنجح في تمويه الرقم 65. لقد كانت تلك الإشارة المشوشة فوق البطرية، آخر ضجيج في السماء هذا الشهر. بعدها عبرت التلال الصادقة ودلفت إلى مخبئنا، لأجد الشاعر الشعبي يقرأ في كتابي.

في ذلك المساء، ألقى شاعر الجبهات المعروف مهدي العكايشي قصيدته؛ في حفل حضره وزير الثقافة والأعلام في بغداد، بمناسبة الذكرى التاسعة لإستعادة مدينتي زين القوس وسيف سعد، المتاخمتين لأيران. وبثت قصيدته من الإذاعات و حقائب الطباخين العائدين من الإجازة، وسُمعت كقطعة مفاجئة سجلت على كاسيت لمواويل رياض أحمد. وكل هذا يعني أن شاعر البطرية سيشنف أسماعنا بقصيدة جديدة، ليست مستلة على الإطلاق من هذا المقطع!، أخبْرك بالشجاع يموت مرة. وأخبْرك بالجبان يموت مرات. سيصارع الذباب الذي يحوم حول رأسه، كي يخرج ببيتٍ لا تشم منه رائحة العكايشي. وسيسأل الدكتور قويلو عالم الأصوات، عن تطويحات الصوت المثالية لقصيدة لاتشبه القصائد. سيتسلل الى كابينات علماء الأسماك والتربة والأنواء الجوية، ليفرغ أخيلتهم في جيبه الخلفي كما يقول.

عندما أعتليت الفراش حشر كتابي في حشية المخدة. ونظر إلي بعد أن زفر كتلة كبيرة من الهواء؛ كما لو كان يتخلص من عهدة في ذمته.
- يعني ما شفت غير كتاب " أنساب الغجر والقرج " تخليه في غلاف كتاب إغتيالات الرئيس الفاشلة .
أخرجت الكتاب وأعدت لصق جلدته.

ترددت في أن أقص عليه حالي مع الأسراب، لكني خشيت أن لايصدقني. في الواقع، لم يصدقني أحد، لا الدكتور قويلو ولا ببغاؤه التي تقلد صياح ديك چيخاو. لا هنا ولا في أي مكان، لم يعبأ أحد بترهات أبن شمخة ، حتى حلاقيّ بغلة عباس كذبوني، مع إنهم أفضل من يصدق أكاذيب زبائنه. سكن الطارق للحظات. كأنه يستمع لقصتي مع الأسراب داخل عقلي، أو لبغلة عباس وهي تلج في أنف عبد الشاه. الشمس توارت خلف تلة أو غيمة. الضوء إنسحب قليلًا وظهرت الظلال. أعقاب سكائري العشتار دفعتها بقدمي، إلى النقطة التي ينطلق منها ظل عبد الشاه مائلًا و رشيقًا. أسندت ذراعي على النضيدة الدافئة القريبة مني. أرهفت سمعي متقصيًا أنفاس صاحبي، صاحبي لا يتحرك ولا يشخر ولايتنفس. عادت مرة أخرى أجراس الباب، الطارق توصل إلى ترنيمة مختلفة. تشبه ألحان الهجع التي يعزفها الغجر . أراهن على أنه زار بيوتهم وحضر حفلاتهم العائلية، و أن شذرة خاتمه من العقيق المزيف الذي يصوغه بعض شبابهم؛ وتباع في مداخل أحيائهم. لكني لا أظن أن صاحبي أدرك هذه البستة الهجعية الأخيرة. لأن جنينه قذف ماءه منذ دقائق. وفي وسطه بقعة تلتمع وتنحسر. أحسبها ظل حكاية وردية. ما الذي يفترض أن أفعله الآن؟، هل أرفع يده وأسقطها كما يفعل الممثل قبل أن يصرخ في مشهد كهذا. أم أنتظر أن يخرج المني من منخريه. كما يفعل الناس في بغلة عباس.

لماذا نغسل الميت يا يمّة؟. لأن الموتى من الرجال يفرزون مياههم النجسة من الرأس. والنساء يا يمّة؟!.
ضلفة الباب انفرجت قليلًا، لأن الضبة الصغيرة وقعت، لن تستمر صناديق نترات الفضة في صد دفعة الطارق. يمكن لستة أو سبعة أن تصد رمال هذه البرية وبردها. إذا ما رصفت جيدًا خلف الباب. ويمكن لنفس العدد أن يخلق غيمة سمينة، إذا مزجت طبعًا بأكياس الملح المخزنة هنا. لكن لم يسبق لميثاق عبد الشاه أن نجح في تجاربه تلك، لقد فشل مرارًا في إنتاج ساتر من الغيوم تستمطر فوق تلال حمرين خلال الحرب، أتذكر بأنه عوقب كثيرًا ولم يفلح مرة واحدة؛ في زرق يوديد الفضة أو النترات في الجو. لقد بدا كئيبًا جدًا، حينما دبج صحفي ثرثار مقالته في جريدة القادسية، بالقول :" سيدي، بأسمكم تمطر السماء ويخضر الزرع ...". كان يئن من الخوف لأنه لم يسبق ذلك الصحفي، ولم يجعل جملته حقيقية.

وكان عليه أن يحمل صناديقه معه أينما أقام في البطرية، ومع إنه ليس الرجل الأكثر جنونًا هنا، لكنك تسمع عنه الكثير من النكات التي بمقدورها أن تصَدر الى خارج البطرية الخاصة، بعد أن تُحور ويلثَم أبطالها وتضحك شعبًا بأكمله. وليس أولها ما فعلته به بغلة عباس، التي شفطها أنفه وأنا أكتب. كم هو ملعون ذلك الشاعر الذي رسمها بذلك الحجم، رغم أنها لا ينبغي أن تظهر أصلًا في مقياس خريطة كهذه.

لا يصح أن تطير قريتي وتتمزج مع مخاط عالم مناخ شغله الشاغل؛ أن يجعل السحاب يمخط الأكاسيد والبرمائيات الغريبة على رقاب العدو. لا يصح، وليت ذلك الشاعر محاها من السبورة، وأقحمها كجنة فسيحة يمرح فيها النجباء والعلماء، في قصائده التي يعدني بها .

الطارق لكز العتبة ببسطاله، كأنه يتنحنح على طريقته، ثم دخل. بقعة المني تركت وردة مورقة تحت بطن عبد الشاه، كدليل على عدم تجانس ماء هذا الممطرچي!.

أركان شمال السيد خنصر علي
15 شباط، 1989
------------------
مجلة (تاتو) العراق- 22-04-2011