عبدالعزيز كوكاس
(المغرب)

"كيف لا تسقط هذي الشمس في حضن السبايا"
قاسم حداد

عبد العزيز كوكاسما لها السماء معلقة هناك إلى الأبد كفكر عجوز أو رؤى متكلسة تفتقد نزق الموج وتأوهات الريح.. لا نسمة حرية تشتهيها؟ لم لم تهو من فوق من فرط التعب أو يغمى عيها بسبب الملل الرعاف؟ كيف يظل كل هذا الفضاء الفولاذي الأزرق معلقا في الفراغ بلا قلب أو وجع.. وما الحنين إلا للحبيب الأول؟.

السماء مثل جرح مسلمة ذابلة لا تتحمل وزر الشك..لا تفتح طريقا مشتهى، لا تسند حائطا للأمل، ولا تغرق في أسى شفيف يدفعها للبحث عمن يملك مفاتيح أسرها.
ما أروع شطآن البحار حين تمحو كل صباح ما علق بها من كدر.
حتى لو كانت السماء خدرا نأوي إليه لتنزاح الحجب بين الخالق والمخلوق، فإنه لوضع كئيب أن تظل معلقة في مكانها إلى الأزل منذ الانفجار السديمي الأول، تطل بلا كلل من فوق رأسي الذي يسقط عني أكثر من مرة في اليوم.
لم لا تحس يوما بواجبها في التحليق نحو الأعالي أو النزول نحونا، لتبادل نخب قبلة أو كأس لتعيش بدون كبرياء جريح.. ما لها تبدو مثل حارس ليلي أو كبزة عسكري مجهول معلقة في الهواء، تتزين بنجوم ونياشين لا تضيء لها درب الحياة؟.
عليها أن ترتج قليلا لتستعيد حريتها وتنزع ما يسلب زهرة عمرها ويشقيها، أو تسقط عنها ما تراكم من غبار السنين وتغادر موطن عزلتها القاسية.
كيف لها أن تظل شاهدة على كل ما مر بنا من آثام وتصم آذانها عن صرخات المنبوذين والمفجوعين، وتحافظ على هدوئها.. كيف تبقى معتقلة بعيدا هناك فوق منصة الهواء، فارغة بلا معنى، جذبة من نعمة التحول؟
على الأقل ففي الأرض والبحر ما يغير من نمط إيقاع الأشياء.. وبعض ترتيبات بسيطة دالة على أثر حياة.
الدروب تمضي والأبراج العالية تبحث أحيانا عن متكئ تنفض عليه روتينها الشامخ، وأجراس الأودية ترن كل صباح، والأرض تتشبث بأشجار السنديان أو بأعمدة الجبال وتقف أمام المرآة كالصحو لترى فتنة جسدها وتنام سكرى حالمة بغد أجمل..

على الأقل، فالأرض هنا تغير من عاداتها بين الفصول، وتهتز مرة زلزالا أو بركانا من غضب وتحضن أجسادا شهية وفاتنة، والبحر يهب غاضبا والموج يندفع هاربا من أسر الثبات متوثبا مفعما بالحياة والحرية، والشمس تغيب لتتجدد، والغيوم تبكي من أجل فرح الحقول، أو استياء من قدر أعمى أبقاها هناك معلقة إلى الأبد بقرب سماء باردة النفس.
وحتى تيجان الملوك التي صيغت من ذهب ورصعت بنجوم اللآلئ تنزل من الرؤوس كل ليلة، لتستريح من قدر الأعالي وتعانق لذة الحياة.
هل السماء ميتة؟ إذ الموتى وحدهم لا يصدقون أن الربيع يزهر حتى في المقابر، لم لمْ نعتبر بحكمة الغرابين في الحكاية، وتركناها جثة متعفنة في العراء؟.
يا لغموض السماء، تظل فوق رؤوسنا رابضة هناك بوجه شاحب، لا تقلق، لا تضحك ولا تبكي؟ هي لم تنعم يوما بمتعة التيه والضلال، لذا لن تتعلم أن السقوط شرط للسمو.. مثل أزهار بلاستيكية لا تذبل لتنتقم من وشم الغبار والشحوب المتراكم، لماذا لا تجمع أطراف جلبابها الأزرق الواسع، وتنفض ما علق بها من نجوم وكواكب، وتهرب بعيدا نح مجهول ما؟ لم لا تشق قميصها يوما وتغادر احتجاجا على الرتابة والتمسك بالحق في تغيير الأجواء؟.
ما هذا التسامق بلا نفحة كبرياء؟ ولأي شيء يصلح كل هذا الجبين الفسيح بدون كرامة أو نبض أو نزوة أو غواية؟ كيف تظل مستقرة ثابتة في مكانها كما لو أن هناك شخصيات أسطورية عملاقة أوثقتها بحبال غليظة أو سلاسل حديدية مثل المشانق، ترتفع فوقنا كجرح بلا ضفاف؟
كيف لا يتألق في عينيها حلم، ولا يزهر في قلبها خاطر أو ارتعاش أثر قبلة ولا يعتريها مس أو جنون "فتثور معي وتخون"، وتعلن عن تمردها على كل الوصايا التي شدتها إلى الأعالي، هناك إلى الأبد، كعقاب أزلي؟.
أحلم يوما أن أحذق مليا في السماء فتتلاشى مثل اللوعة الحارقة، أريد أن ألمس الشهوة المشتعلة للجسد الذي يغطيه هذا الحرير الأزرق، تتملكني رغبة نمرودية.