نهيل مهنا
(فلسطين)

نهيل مهناأعترف بأنها راودتني كثيرا ً كإغفاءة رقيقة تداعب جفون حارس أرهقه السهر ومراقبة خطوات الماشين.
تجتاحني كنسمة في لحظات اليقظة والحلم المسروق.
على حبال التردد أتأرجح بين الصمت والخضوع
.....................
رأيتها ثلاث مرات
المرة الثانية ذكّرتنا بالمرة الأولى
كانت القنابل والصواريخ تسقط كزخّ المطر تمتزج مع دقات القلوب وصراخ الأطفال المتكرر، ورائحة الخوف والقلق تنبعث بشراسة.
فرّقتنا الدنيا ليجمعنا الملجأ تحت ظل خوفه وارتباكه.
كان ابنها يلعب مع ابنتي كما لعبنا معاً آخر مرة
ـ لم تغيبي كثيرا
ـ فقط بضعة أيام وكثيراً من السنين
ـ كنتِ في العاشرة وكانت لديكِ أحلام كبيرة.
ـ وكنتَ متشائماً وها قد جلبتنا هنا ثانية ً.
ـ لكني أنجبت ابنتي وزوجتي حامل، وأنتِ؟
ـ لدي مظفر، وزوجي يقطن هناك في بلاد بعيدة لا تعترف بالحروب، تعيش في سلام بارد وهدوء لئيم، لا يتسنى له الحلم إلا في الإجازات الرسمية.
ـ لكنه في أمان.
ـ أمان خال من البطولة، ونوم كالموت يخشى الاختيار.
موتهم رخيص يصطاد ضحــــاياه بالـــزلازل والفيضانات.
كان وجهها كشرارة برق ينتشر بثقة يحمل عينين قويتين تتفجران عزماً وإصراراً تشوبهما مسحة حزن طفيفة أضفت على ملامحها مزيدا ً من الجاذبية.
في حياتها كثير من القرارات، قليل من المفاجآت. تقول: هناك خيط رفيع يفصل بين الاختيار والصدفة وأقول حياتنا مليئة بالمفارقات التي تهزمنا دائما وليس أحياناً ولا تترك لنا فرصة للدفاع.
اختارت أشياء كثيرة....
أن تُسمّي ابنها على اسم شاعر أحبته وأن تُنشئ قصة البحث الطويلة بينها وبين تلك الساعة الذهبية التي أضاعها جدها منذ سنوات مرت.
' حين أجدها سأجد كل ما أبحث عنه '
هي لا تعلم سر عشقه لهذه الساعة، كانت تشبّه جدها بالصندوق الأسود المليء بالألغاز من يدخله يقترب من الحقيقة .
' حتى الحروب نحن من اختارها والسلام المعلب يأتي فقط للكسالى وذوات الدم الباهت
كما أن النهايات تتغير في آخر لحظة'.
كانت تقول الأشياء العادية بشكل مختلف قالت وقالت وكان صوتها يتصاعد مع كل كلمــــة ويسبق صوت القذيفة وهي تنقــــض على فريستها، نظرها يجحــظ وصــــدرها يلهث وهي تقذف الكلمات كالحمم وأنا منشغل بفك العقد وربط الأحداث، أحاول تفسير النظرات وهي تتشابك حول المكان.
ـ اسمع
ورشقتني بنظرة كالسهم أصابت هدفها في عيني : بيتي تصدع وجزء كبير منه لا يصلح للسكن، القذيفة نفثت سمها ولم تدع لي فرصة للاختيار سوى اختيار ما رفضت أن اختاره من قبل.
ـ أين ستذهـ....
قاطعتني بعنف وكأنها تجيب على نفسها:
ـ هناك.. حيث أنصاف الحقائق، أنصاف التجارب وأنصاف الحيوات، سأستسلم للسلام البارد والهدوء اللئيم.
واحتضنت ذراعيها بكفيها كمن اجتاحه البرد فجأة موجهة نظرها إلى الصغيرين وهما يلعبان بحصوة صغيرة يضعها ابنها على ظهر كفه ويراقصها وطفلتي تقهقه وهي تنظر إلى عينيه كيف تبحلقان بتركيز على الحصوة.
............................
انتهت الحرب
سقط العشرات وأصيب المئات ولم توحدنا عاصفة واحدة كما تمنينا
لم يبك الرؤساء ولم يستقل أي منهم عن كرسيه
غزة أصبحت ملجأ ًمهدداً للطيور المهاجرة وأكواماً لا حصر لها من الحجارة والزجاج المهشم، والملوك لا يزالون متشاغلين بتهنئة بعضهم بافتتاح سلسلة المطاعم والقرى الترفيهية. حتى الأخبار أدارت لنا ظهرها وتسابقت تهنئ الشعوب على إنجازاتها.
................
قالت: ستخمد أصوات الطائرات بعد قليل.
سألتها: متى يكون ذلك؟
أجابت مطرقة والابتسامة التي أتذكرها تتوسط فمها: حين يصحو العرب، وتكف العقارب السامة عن محاولة قصف مدينتنا التاريخية وإسقاط بيوتنا ومساجدنا القديمة وأيدي أطفالنا.
كانت تظهر لي في أطياف الندى وهي ترسم مسارها بدقة، تمشي في كل طيف أرادته سواء كان مستقيماً أو منحنياً وأنا هنا متداع منهك لا أقوى على رسم أحلام جديدة أو حتى قديمة.
في مدينة هدها التعب والنعاس
تمنيت لو قلت لها: إنني أخشى الاقتراب أكثر، فأعرفك وأجهل نفسي وأضيع في المساحة الشاسعة بيني وبين رغباتي وأنفر أكثر من عجزي واستسلامي.
ثمة رغبات مكدسة وأحلام نيئة ذبلت في تربة الواقع وشحيح المسموح وقلب يرتجف ويعدّ في كل لحظة من الواحد إلى العشرة.
يوجعه صدأ الماضي ووجع الآتي.
.................
سألقي نفسي في المنفى
هناك ، نعم ولمَ لا !!
ألم تقل هي إن النهايات تتغير في آخر لحظة !
سأغدو بعيداً أبحث عن وجهها بين الوجوه الغريبة علـّنا نلتقي وننجب جنينا ً يصنع ما عجزتُ عن صنعه.
.......................................
كان وجهها كالبدر وعلى رأسها وشاح سماوي عكس ما في عينيها من موج متلاطم
لجمتني المفاجأة ولم تقوَ الكلمات على الخروج لتبرر سعادتي.
أومأتْ بابتسامة عريضة لا تناسب لقاء ً في مشفى بارد.
ـ كما تمنيت ُ
ـ أو كما اخترت ِ
ـ النتيجة أني لم ألقاكَ في حرب ثالثة.
ـ وابنتي لم تختر أن تكون من مواليد برج الحرب.
اقترب رجلٌ أنيقٌ يرتدي بدلة مخملية واتجه ناحيتنا يحمل باقة ورد ملونة أو لعله كان موجوداً ولكني لم ألحظه.
قالت والسعادة تتدفق من عينيها وتندلق على الأرضية الناصعة :
ـ وجدتُ الساعة الذهبية، تلك الخبيثة كانت مختبئة ها..ها..ها... تحت ركام بيتي المتصدع ووجدت معها أشياء ثمينة تكفي لأن أبني بيتا ًجديداً فوق الركام القديم.
نظرتُ بدهشة إلى الرجل الأنيق.
ردت وكأنها سمعت السؤال الذي لم يجرؤ أن يخرج وهي تنظر إليه بدلال:
- لم يعد هناك مبرر للسلام البارد هناك.
أسبل لها عينيه بوقار وقد مدّ يده إليها ليقضيا ما كانا قد أتيا من أجله.

مشيا معا الممر الطويل وسط ذهولي وصمتي الذي لم ينطق بأي حرف. اختفيا داخل إحدى الغرف البيضاء بعد أن طرقت على بابها طرقاً خفيفاً ليس كالطرق المدوي الذي أحدثته داخل جدار القلب.
لقاؤها بي الصدفة الوحيدة التي لم تخترها والاختيار الوحيد الذي تمنيته.
تلك كانت المرة الثالثة وربما....
الأخيرة.

غزة
القدس العربي
22/10/2009