light05311701.jpg

من رشا حلوة:

(المانيا)

 مع نهاية نيســـان/ أبريل 2017، وعشــــية الأوّل من أيار/ مايو، افتتــــح مختبر الفـــــنّ برلين Art Lab Berlin معرض «ضائع في العمل»، وهو معرض لكل من المصوّر الفوتوغرافيّ الفلسطينيّ محمّد بدارنة والفنانة الألمانيّة سيمون زاوغ، المقيمين في برلين.
ضمّ المعرض صورا من المشروع الفوتوغرافيّ لمحمّد بدارنة بعنوان «ترجعوا بالسّلامة»، وهو عبارة عن قصص مصوّرة لعمّال من الداخل الفلسطينيّ، وكذلك لعوائل عمّال كانوا قد لاقوا حتفهم جراء حوادث عمل، بحضور السّياق السّياسيّ الذي يعيشه العمّال الفلسطينيّون في الدّاخل. أما المعرض الثّاني للفنانة سيمون زاوغ، هو عبارة عن تسجيلات صوتيّة لأغاني عمّال من مناطق مختلفة في العالم، قامت بتسجيلها بصوتها بعد بحث مطوّل: من ألمانيا، جامايكا، لبنان، مصر، النرويج، السويد، إيرلندا، إيطاليا وأرمينيا. أغانٍ تحكي عن السّعادة واليأس والقوة، عن ظروف العمل والسّياق السّياسيّ لها.
فكرة المعرض، وهي أيضا الفكرة التي يعمل عليها مختبر الفنّ – برلين، هي تجميع فنانيْن اثنيْن يعملان كل ضمن مشروعه الفنّيّ ضمن ثيمة مشابهة، حيث تقّدم الأعمال في المختبر/ الغاليري وتأخذ لها أحيانا أشكالا جديدة ضمن الحوار الفنّيّ الثّنائيّ.

فضاء يُحضر النقاشات العالميّة

بعد افتتاح المعرض، التقيت بالقائمين على الغاليري، وهما الفنان اللبنانيّ المقيم في برلين منذ عام 1984، صلاح صولي، والباحثة في تاريخ الفنّ وكذلك قيّمة المعارض، شارلوت بانك، اللذين أسساها قبل حوالي خمس سنوات في برلين، كمشروع فنّيّ مستقلّ يجمع فنانين من أماكن مختلفة في العالم، يعملان على أعمال فنّيّة بوسائط متنوعة ضمن موضوع مشابه، وجزء كبير منهم هم فنانون عرب، ومؤخرا، وفي ظلّ الحضور الثّقافيّ الذي تشهده العاصمة الألمانيّة، من إقامة فنانين عديدين من العالم فيها، أو مرورهم لفترة مؤقتة، أصبح من السهل أكثر استضافة فنانين من خلفيات ثقافيّة وفنيّة متنوعة في الغاليري.
حول هذا تقول شارلوت بانك: «الأهمية في مشروعنا هي أننا نعمل على تبادل ما بين فنانين من مناطق مختلفة في العالم، نستضيف العديد من فناني العالم العربيّ، وهم بالأساس فنانون تربطنا بهم علاقة، حيث أني عشت في سوريا لفترة، وكذلك على تواصل مع فنانين سوريّين ولبنانيّين، وكذلك صلاح صولي هو من بيروت، وبالتالي لدينا هذا التواصل المنوّع مع فنانين من مناطق عديدة. ونحاول من خلال الأعمال والفنانين الذين نستضيفهم، عرض النقاش والحوار حول قضايا عديدة آنيّة في العالم، ومنها في العالم العربيّ، ونحاول أيضا أن نربط النقاشات التي تحدث هُناك بالنقاشات والقضايا التي تحدث هنا، سواء في برلين أو في أوروبا، لأن العالم مربوط ببعضه بعضا، ومشاكله أيضا».

التجريب والفضاء المستقلان

هذا اللقاء بين الفنانين تحت سقف واحد، وبالإضافة إلى كونه يجمع في كل معرض فنانين يعملان حول موضوع واحد، فهو أيضا بمثابة محاولة لمنح مساحة تجريب للفنانين، يقول صلاح صولي: «نريد أن نمنح فضاء للفنانين بتقديم فنا مستقلا بعيدا عن السّوق، لذلك هو يحمل الاسم مختبر، فهو مساحة لتقديم وتجريب أشياء جديدة»، وتواصل شارلوت الحديث عن هذا المحور: «كقيّمة معارض مستقلّة منذ 12 عاما، أعلم جيدا كم هو من الصّعب أحيانا على الفنانين أن يعملوا على تجريب أشياء جديدة ضمن مؤسّسات فنيّة كبيرة، بالنسبة لي كقيّمة معارض، مررت بالحالة نفسها حين عملت بشكل غير مستقلّ، يجب عليك أن تلتزمي ببرنامج عمل وتعليمات من الصعب أن تكوني حرّة تماما في أعمالك وأفكارك خلالها. بالنسبة لي، كان من المثير أن يكون لي مكان، كقيّمة معارض، أن أجرب أفكارا وأسئلة جديدة مع نفسي ومع الفنانين أيضا. أن نشاهد تطوّر هذه الأفكار والأسئلة إلى أعمال فنّيّة لا يمكن معرفة شكلها النهائيّ منذ بداية الفكرة. فالعمل داخل مؤسّسات كبيرة وغير مستقلّة، بإمكانه أن يضيّق الأفق ويحدّ من الأسئلة لأنه عندها علينا أن نكون جزءا من سياق وتعليمات محددة». هذا التوجه أيضا مربوط بالاستقلاليّة التي اعتمدها مختبر الفنّ برلين منذ تأسيسه، فكان أن قرر صلاح وشارلوت أن يقوم المشروع على تمويل نفسه ذاتيا مع مساعدة أصدقاء، على أن يكون مساحة مستقلّة وحرة. مؤخرا، كان قد حصل المختبر على جائزة المبادرات والمشاريع الفنّيّة في برلين، وبالتالي قرر القائمان عليه أن يستثمرا الجائزة الماديّة بمعارض المختبر. عن هذا تقول شارلوت: «لم نرد أن يقع المشروع ضمن إملاءات ومعايير تمويليّة. أعتقد بأنه كان قرارا جيدا للبدء فيه، على الرّغم من الصعوبات التي رافقتنا وما زالت ترافقنا». ويضيف صلاح: «مرة أو مرتان حاولنا أن نقدّم طلب دعم لصناديق تمويل، لكننا وجدنا أنفسنا نضيع وقتا على القليل من النقود وعلى معايير مؤسّساتيّة ستفقد وستحدد أفكارنا الفنيّة، بما في ذلك سيكون الاستثمار بتعبئة الطلبات بمثابة مضيعة للوقت أيضا على حساب الإنتاج الفنّيّ».
برلين والتغييرات المستمرة
بإمكاننا الحديث كثيرا عن التغييرات التي تمرّ بها مدينة برلين خلال السّنوات الأخيرة، على المستوى الثّقافيّ تحديدا. ولربما تعيش هذه المدينة فترتها الذّهبيّة بما يتعلّق بالحضور المتنوّع للثقافات من العالم كلّه فيها؛ فنانون وكتّاب وعاملون في القطاع الثّقافيّ من كل مكان موجودون في هذه البقعة من الأرض. من جهة، تكون برلين ودودة باحتضانها لثقافات عديدة، بما في ذلك العربيّة بتنوعها، وكذلك يضيف هذا الحضور المتنوّع والمختلف للثقافات الكثير من الجمال للمدينة. منذ تأسيس «مختبر الفنّ برلين» قبل حوالي 5 سنوات، يرى كل من صلاح وشارلوت أن المدينة تغيّرت كثيرا بمشهدها الثّقافيّ، ففي البدايات، استضاف المختبر العديد من الفنانين من خارج برلين، خاصة في ظلّ حاجة المختبر لأن يقدّم فنانين من مناطق متنوعة في العالم، اليوم فنانون من مختلف العالم يعيشون في برلين أو يقيمون فيها مؤقتا، مما يشكّل هذا العامل نظرة أخرى إلى ما تشهده المدينة ثقافيا.
حول هذا يضيف صلاح صولي: «برلين كانت دوما مدينة متجانسة وحاضنة للفنّ والعديد من الفنانين، وكذلك هي مدينة ما زالت الحياة سهلة فيها على المستوى الماديّ، ما جذب العديد من الشّباب إليها. اليوم، حوالي 5000 فنان مسجّل في نقابة الفنانين، وهنالك المئات من الذين يمرّون بها، وكان هذا أحد أسباب قرارنا بتأسيس «مختبر الفنّ برلين». فالمدينة هي مكان جيّد ومفتوحة للفنانين الشّباب الذي يحاولون أن يجدوا ويشقوا طريقهم الفنّيّ. نحن اليوم جزء من المشهد الفنّيّ البرلينيّ، وهو مشهد فعّال جدا ومتواصل مع فضاءات عديدة في العالم». وحول هذا المحور، تواصل شارلوت بانك: «خلال السنوات الخمس، شاهدت التغييرات التي يمرّ بها المشهد الفنّيّ في برلين، الذي يختلف اليوم عما كان عليه عند ما أسسنا المختبر. وعندما يكون لديك فضاؤك الخاص، تنظرين إلى هذا المشهد وإلى الفنّ بشكل مختلف. لست زائرة فيه بقدر ما أنا جزء منه. العديد من الفنانين هُنا الآن، وعندما نظمنا معرضنا الأوّل، استضفنا فنانين يعيشون في بيروت وباريس، لم يكن أحد منهم في برلين، وهذا تغيّر الآن. أصبح من الاعتياديّ أن يعيش الفنانون هُنا، وهذا أمر مثير جدا. شبكة علاقتنا متمحورة في برلين، كما أن العديد من الفنانين السّوريّين الذي عملنا معهم بالسّابق، يعيشون هنا الآن، مما تخلق هذه الحالة مشهدا متجانسا وجميلا ومثيرا للمتابعة».

-------------------------------------------

القدس العربي- May 24, 2017