حلمي سالم

(الامسية الأخيرة )

في جهة الشعر

********

توفي الشاعر المصري الكبير حلمي سالم ظهر اليوم السبت -بإحدى مستشفيات القوات المسلحة- عن عمر تجاوز الستين بعد صراع استمر لعدة شهور مع مرض سرطان الرئة.
وفاجأت آلام المرض الشاعر الراحل قبل عدة أشهر ما دفع وزير الثقافة وقتها الدكتور شاكر عبد الحميد للعمل على نقله إلى مستشفى عسكري لمحاولة إنقاذ حياته.
والراحل من مواليد قرية الراهب في محافظة المنوفية عام 1951. وحصل على شهادته الجامعية من جامعة القاهرة في الصحافة، ثم عمل بجريدة "الأهالي" الناطقة بلسان حزب التجمع، وترأس تحرير مجلة "أدب ونقد"، كما ترأس تحرير مجلة "قوس قزح".
واقترن اسمه بجماعة "إضاءة" الشعرية التي كانت أحد أشهر الكتل الشعرية في سبعينيات القرن الماضي بمصر. وحصل على جائزة التفوق في الآداب عام 2006 عن مجمل أعماله الأدبية.

دواوين ومؤلفات

وصدر لحلمي سالم 18 ديوانا شعريا كان أولها "حبيبتي مزروعة في دماء الأرض" عام 1974، بالإضافة إلى "سكندريا يكون الألم" عام 1981، و"الأبيض المتوسط" عام 1984، و"سيرة بيروت" عام 1986، و"فقه اللذة" 1992، و"يوجد هنا عميان" عام 2001، و"الغرام المسلح" و"عيد ميلاد سيدة النبع" عام 2005، و"الثناء على الضعف" عام 2007.
كما ألف عددا من الكتب النقدية منها "الثقافة تحت الحصار"، و"الوتر والعازفون"، و"هيا إلى الأب: مقالات حول القطيعة والإيصال في الشعر"، و"الحداثة أخت التسامح: الشعر العربي المعاصر وحقوق الإنسان"، و"عم صباحا أيها الصقر المجنح: دراسة في شعر أمل دنقل"، و"التصويب على الدماغ: كلمات في الحرية والقمع"، وأخر كتبه المنشورة بعنوان "محاكمة شرفة ليلى مراد".
وأثارت قصيدة له بعنوان "شرفة ليلى مراد" ضجة كبيرة في عام 2007، حيث أعاد نشرها في مجلة نقد بعد أن تضمنها ديوانه الشعري "الثناء على الضعف". وقد اعتبرها التيار الاسلامي مسيئة للذات الإلهية وطالبوا بسحب الجائزة التي حصل عليها من وزارة الثقافة عن مجمل أعماله.
وفي أبريل/نيسان 2008 أصدرت محكمة القضاء الإداري حكما يطالب وزارة الثقافة بعدم منح جائزة التفوق لسالم بدعوى "إساءته للذات الإلهية" ليقيم الداعية الشيخ يوسف البدري بعدها دعوى قضائية ضد وزير الثقافة وقتها فاروق حسني والأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة وقتها علي أبو شادي مطالبا بتنفيذ القرار وسحب الجائزة.
من جهته نفى حلمي سالم اتهام القصيدة بأنها تسيء للذات الإلهية قائلا "انتقدت في القصيدة تواكل المسلمين على الله وقعودهم خاملين وهذا معنى ديني ذكر في القرآن الكريم حيث قال تعالى (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) والقصيدة قالت هذا المعنى بصورة شعرية بسيطة لم يعتد عليها كل الذين يقرؤون الأدب قراءة حرفية ضيقة".

صدمة رحيل حلمى سالم تمنع الشعراء من نعيه

كتب عبد الله محمود

حلمي سالم

انتاب عدد من الشعراء حالة من الصدمة فور تلقيهم خبر وفاة الشاعر حلمى سالم، الذى وافته المنية ظهر اليوم، السبت، حيث عجز جميعهم عن الحديث بعد سماعهم خبر الوفاة.
الشاعر الكبير عبد الرحمن الأبنودى، قال لليوم السابع، إنه حزين لسماع هذا الخبر، مطالباً ببعض الوقت حتى يستوعبه، كذلك الشاعر سيد حجاب، الذى قال لليوم السابع إن حزنه شديد على وفاة حلمى سالم وأنه لا يستطيع الحديث حالياً.

كذلك قال الشاعر الكبير عبد المنعم رمضان إنه لن يستطيع الحديث حالياً عن الراحل ولن يستطيع نعيه، كذلك الحال بالنسبة للشاعر الكبير حسن طلب، الذى قال لليوم السابع إنه سوف يسافر الأن للمشاركة فى مراسم دفن الراحل، كما سيشارك فى العزاء الذى يقام له مساء فى بلدته بشبين الكوم.
جدير بالذكر أن الشاعر الكبير حلمى سالم رحل عن عالمنا ظهر اليوم، السبت، بعد صراع مع المرض، وتشيع جنازة الراحل حالياً من مسقط رأسه بشبين الكوم محافظة المنوفية، وسيتم دفنه هنا، كما يقام له عزاء فى بلدته وسط أهله وأقاربه، وعزاء آخر فى القاهرة بالتنسيق مع اتحاد الكتاب.

اليوم السابع- السبت
28 يوليو 2012 - 18:12

*******

القاهرة الشاعر المصري المعروف حلمي سالم عن عمر يناهز 61 عاما بعد معاناة مع مرض السرطان الذي أصيب به العام الماضي.
ويعد سالم من أبرز شعراء مصر السبعينيات، وهو من مواليد محافظة المنوفية في الدلتا عام 1951.
حصل سالم على ليسانس الصحافة من كلية الآداب بجامعة القاهرة، وهو صحفي بجريدة الأهالي التي تصدر في القاهرة، و رئيس تحرير مجلة أدب ونقد الفكرية الثقافية المصرية، وحاصل على جائزة التفوق في الآداب للعام 2006 عن مجمل أعماله الأدبية.
اقترن اسم حلمي سالم بجماعة إضاءة الشعرية التي كانت برفقة جماعة أصوات من أشهر الكتل الشعرية في السبعينيات. وكان أبرز أصوات جيله إبداعا وتنظيرا مع عبد المنعم رمضان وحسن طلب ومحمد سليمان.
وكان سالم ضمن طلائع الحركة الطلابية الناشطة في السبعينيات ثم غادر القاهرة إلى بيروت وعايش هناك تجربة الحرب الأهلية في بيروت كما عايش تجربة الاحتلال الإسرائيلي لبيروت في العام 1982.
وفجرت قصيدته شرفة ليلى مراد قبل نحو خمس سنوات أزمة مع الجماعات والجهات الأصولية حيث بادر الشيخ يوسف البدري برفع دعوى قضائية لسحب ترخيص مجلة إبداع التي نشرتها كما طالب بسحب جائزة التفوق من الشاعر الراحل.
وفي رده حول اتهام أن القصيدة تسيء للذات الإلهية، نفى سالم الاتهام مضيفا لقد انتقدت في القصيدة تواكل المسلمين على الله، وقعودهم خاملين. وهذا معنى ديني ذكر في القرآن الكريم، حيث قال تعالى (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم).. فالقصيدة قالت هذا المعنى بصورة شعرية بسيطة، لم يعتد عليها كل الذين يقرأون الأدب قراءة حرفية .

وقد وثق الشاعر الراحل هذه الأزمة تفصيلا في كتاب حمل عنوان محاكمة شرفة ليلى مراد صدر عام 2008.
وكان سالم قد قرأ الأسبوع الماضي في حزب التجمع مقاطع من ديوانه الجديد كما أعلنت الهيئة العامة لقصور الثقافة نيتها نشر الأعمال الكاملة للشاعر وتتضمن دوواوينه الشهيرة ومنها الأبيض المتوسط، سيرة بيروت، الثناء على الضعف، مدائح جلطة المخ وغيرها من الدواوين.
وبخلاف الاعمال الشعرية ترك الراحل مجموعة من المؤلفات الفكرية منها الثقافة تحت الحصار، الوتر والعازفون، العائش في الحقيقة، الحداثة أخت التسامح، وهيا إلى الأب .

*******

حلمى سالم عاش يتنفس بالشعر زاهدًا الرفاهية قبل انتزاع الحرية

كتبت: سارة عبد المحسن

حلمي سالم

(أعتبر نفسى"لصا" و"أنانيا" إن مت على سرير وثير وغيرى سحلوا فى الميادين).
كانت هذه الكلمات كانت آخر ما صرح به الشاعر حلمى سالم، الذى فارق الحياة على سرير المرض ظهر اليوم عن عمر يناهز الـ61 عاما، حيث شعر سالم بأن الله منحه معجزة الحياة بالكلمات والأشعار فكتب ديوانه "معجزة التنفس" الذى أكد فيه أن الشعر يشفى أفضل من ألف جلسة كيماوى".

من شرفة حلمى سالم تستطيع أن تعرف المعنى الحقيقى للفعل الثورى، من خلال قصائده، فوهب عمره منذ سبعينيات القرن الماضى لطلب الحرية فكتب ديوانه "حبيبتى مزروعة فى دماء الأرض"، واستلهم من روح الثورة المصرية ديوانه "ارفع رأسك عالية"، والديوان الأشهر الذى أثار جدلا كبيرا فى الأوساط الثقافية "شرفة ليلى مراد"، تلك القصيدة التى اعتبرها المكفرون أنها سب فى الذات الإلهية.

كان سالم لا يخشى فى الحق لومة لائم، فينطبق عليه البيت الشعر الذى قال فيه أمل دنقل "المجد للشيطان من قال لا فى وجه من قالوا نعم"، فكان له تصريحات سابقة لموقع الجزيرة نت عقب ندوة أقامها له حزب التجمع للتضامن مع المقاومة العربية ضد العدو الصهيونى عام 2006 كشف فيها سالم أن المستقبل القريب سيسفر عن سقوط كل الأنظمة العربية المستبدة، التى كشف حزب الله ضعفها وهشاشتها، ولم يخفِ سالم أن متابعته للأحداث على الأرض اللبنانية أسفرت عن العديد من الحقائق الكارثية، ذلك أن النموذج اللبنانى فى ديمقراطيته واحتوائه كافة الأطياف السياسية أبهر الدنيا بنضجه وليبراليته وجمعه بين قيم الشرق وحرية الغرب، فى توليفة عبقرية استوعبت كافة الملل والطوائف.

اليوم السابع
السبت، 28 يوليو 2012 - 16:18

*******

وفاة الشاعر المصري حلمي سالم صاحب "شرفة ليلى مراد"

أعلن اليوم، في القاهرة، وفاة الناقد والشاعر المصري الكبير حلمي سالم، عن عمر تجاوز الستين عاماً متأثراً بمرض سرطان الرئة.
وفاجأت آلام المرض الشاعر الراحل قبل عدة أشهر ما دفع وزير الثقافة وقتها الدكتور شاكر عبد الحميد، إلى العمل على نقله إلى مستشفى عسكري لمحاولة إنقاذ حياته.
ولد الراحل في محافظة المنوفية في دلتا مصر عام 1951، وحصل على ليسانس الصحافة من كلية الآداب جامعة القاهرة وعمل بعد تخرجه صحفيا في صحيفة "الأهالي" الناطقة بلسان حزب التجمع المعارض ثم مديراً لتحرير مجلة "أدب ونقد" المصرية ثم رئيساً لتحرير مجلة "قوس قزح" الثقافية.
اقترن اسم حلمي سالم بجماعة "إضاءة" الشعرية أحد أشهر الكتل الشعرية في سبعينيات القرن الماضي في مصر وحصل على جائزة التفوق في الآداب عام 2006 عن مجمل أعماله الأدبية.
وصدر للراحل 18 ديواناً شعرياً أولها "حبيبتي مزروعة في دماء الأرض" عام 1974 و"سكندريا يكون الألم" عام 1981 و"الأبيض المتوسط" عام 1984 و"سيرة بيروت" عام 1986 و"فقه اللذة" 1992 و"يوجد هنا عميان" عام 2001 و"الغرام المسلح" و"عيد ميلاد سيدة النبع" عام 2005 و"الثناء على الضعف" عام 2007.

وصدر له عدد من الكتب النقدية أولها "الثقافة تحت الحصار" في بيروت عام 1984 و"الوتر والعازفون" عام 1990 و"هيا إلى الأب: مقالات حول القطيعة والإيصال في الشعر" عام 1992 و"الحداثة أخت التسامح: الشعر العربي المعاصر وحقوق الإنسان" عام 2001 و"عم صباحاً أيها الصقر المجنح: دراسة في شعر أمل دنقل" و"التصويب على الدماغ: كلمات في الحرية والقمع" وأخر كتبه المنشورة بعنوان "محاكمة شرفة ليلى مراد".
وشهد عام 2007 منعطفاً هاماً في حياته حيث نشرت له في شتاء هذا العام في مجلة "إبداع" قصيدة بعنوان "شرفة ليلى مراد" كانت نشرت في ديوان شعري سابق له بعنوان "الثناء على الضعف" لتتفجر بسببها أزمة ثقافية قضائية كبيرة.
وبدأت الأزمة بإصدار رئيس الهيئة المصرية العامة للكتاب وقتها قراراً بسحب نسخ المجلة من الأسواق باعتبار أن بعض ما ورد فى القصيدة "يسيئ إلى الذات الإلهية" وهو ما تلاه اتهام مجمع البحوث الإسلامية في مصر للشاعر بكتابة قصيدة "تحمل إلحاداً وزندقة" ليتعرض لحملة شرسة تطالب "باستتابته" وفقا لبيان وقعه نحو 100 شخصية دينية.
في المقابل ظهرت حملة مضادة قادها عدد من كبار المثقفين المصريين والعرب الذين اعتبروا حملة "استتابة" الشاعر الكبير نموذجاً لحملات التكفير وثقافة الإرهاب.
وفي أبريل 2008، أصدرت محكمة القضاء الإداري حكماً يطالب وزارة الثقافة بعدم منح جائزة التفوق للشاعر حلمي سالم بدعوى "إساءته للذات الإلهية" ليقيم الداعية الشيخ يوسف البدري بعدها دعوى قضائية ضد وزير الثقافة وقتها فاروق حسني والأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة وقتها علي أبو شادى مطالباً بتنفيذ القرار وسحب الجائزة.

لاحقاً وفي نفس الشهر طعن المجلس الأعلى للثقافة على قرار المحكمة ووصف الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة الطعن بأنه جاء "كدعوة للتنوير ومحاربة الظلامية التي توقف كل عمل إبداعي".
ومن جهته نفى حلمي سالم اتهام القصيدة بأنها تسيء للذات الإلهية قائلاً: "انتقدت في القصيدة تواكل المسلمين على الله وقعودهم خاملين وهذا معنى ديني ذكر في القرآن الكريم حيث قال تعالى (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) والقصيدة قالت هذا المعنى بصورة شعرية بسيطة لم يعتد عليها كل الذين يقرأون الأدب قراءة حرفية ضيقة".

اخبار الأمارات
المصدر:
القاهرة - د.ب.أ
التاريخ: 28 يوليو 2012

*******

رفقاء الشاعر حلمي سالم يتذكرون أيامهم الأخيرة معه

سميرة سليمان

حلمي سالم

آه لو لم أكن .. لكنني كنت الذي كان/ فرت مني سنوات كاملة من أسفار العمر وإصحاحات الأحلام / ولم يبق لدي سوى الشعر .. طريقا.. وطريقة .. وجسرا رواغا .. بين الظن والحقيقة"
كلمات للشاعر الراحل حلمي سالم الذي رحل عن عالمنا صباح اليوم عن عمر يناهز 61 عام، بعد معاناة طويلة مع سرطان الرئة قبل سفره المنتظر للعلاج على نفقة القوات المسلحة بالخارج .
وسيدفن الراحل في قريته "الراهب" بمحافظة المنوفية، ورتّب أصدقاء الشاعر مع اتحاد الكتاب إمكانية إقامة عزاء له هنا في القاهرة يوم الثلاثاء المقبل

"محيط" تحدث مع أصدقاء الراحل من الشعراء الذين خيم عليهم الحزن لرحيله، وقال الشاعر والناقد الكبير شعبان يوسف الذي كان في طريقه إلى منزل الراحل بفيصل للوقوف على تفاصيل تشييعه إلى مثواه الأخير أن الراحل هو من أبرز شعراء السبعينيات، وهو رأس حربة بالنسبة لشعراء هذا الجيل، ومن المؤثرين فيه عبر كتاباته .
أصدر ديوانه الأول "الغربة والانتظار" بالاشتراك مع الشاعر رفعت سلام عام 1972، ثم أصدر ديوانه الخاص عام 1974 بعنوان "حبيبتي مزروعة في دماء الأرض" وهو ديوان تجريبي برز فيه أثر الشاعر عفيفي مطر، كتب سالم على صفحات مجلة" الكاتب" الذي كان يرأس تحريرها الشاعر صلاح عبد الصبور عن أبرز شعراء جيله، عام 1977 أصدر مع شعراء آخرين مجلة "إضاءة" مع الشاعر حسن طلب وغيره، أثارت المجلة حراك في هذه الفترة

وفي أوائل عام 1980 ذهب الراحل حلمي سالم إلى بيروت للعمل في الهلال الأحمر الفلسطيني، وشارك بأشعاره في المقاومة اللبنانية الفلسطينية ضد العدو الإسرائيلي الذي احتل جنوب لبنان، وكتب ديوانه "سيرة بيروت" وكتب كتابه "ثقافة تحت الحصار" وهناك توطدت علاقته بعدد من المثقفين العرب، ثم عاد إلى مصر في أواخر عام 1982 واستكمل عمله في مجلة "إضاءة" الذي صدر منها 14 عدد، ثم تولى مدري تحرير مجلة "أدب ونقد" .
وعدد يوسف مآثر الراحل قائلاً أن أهم ما ميزه إنسانياً هو وده لأصدقائه واحتضانه للمواهب الجديدة، وكذلك الإشادة بالقدامى ففي كتابه "وتر العازفون" كتب عن نجيب سرور وصلاح جاهين، وتميز الراحل بعاطفة جياشة أوقعته في كثير من المشاكل فقد ذهب إلى الأردن ليرى حبيبة قديمة له فدخل إلى السجن هناك!.
الشاعر أحمد عبدالمعطي حجازي وصف رحيل حلمي سالم بأنه خسارة فادحة، لأن الراحل كما يقول كان شاعراُ حقيقياً، مثقفاً ومجرباً ومجدداً، لا يكف عن البحث عن شعره ونفسه، كان صديق وقبل الصداقة كان نموذجاً للمثقف المناضل الذي يدافع عمّا يقول في شجاعة وإخلاص، كان لا يمل ولا يقنع بحل وسط أو بالوقوف في منتصف الطريق.

حلمي سالم وعن آخر لقاء جمعه بالراحل يروي حجازي أن سالم جاء إلى بيت الشعر الأحد قبل الماضي وكانت مفاجأة سارة لأصدقائه حيث لم نكن ندري أنه قادم، وحينها لم نعرف أنه جاء ليودعنا، فقد كان مريضاً ويخضع لبرنامج دقيق فيما يتصل بالحركة والدواء، وحينما جاء بدا أنه استرد ثقته في قدرته على تجاوز الوضع الصحي الحرج الذي مر به، كان ذلك واضحاً على وجهه وفي كلامه وإقباله على استئناف نشاطه أنه متمسك بالحياة، مما دفعنا للاتفاق معه على مشاركتنا في أمسية الأحد الماضي التي خصصناها في بيت الشعر عن الشعر الصوفي، لكننا فوجئنا قبل بداية الأمسية باعتذاره، ويبدو أن المانع كان أشد مما توقعنا، وكان هذا الاعتذار كما يشير حجازي نذيراً على قرب رحيله، واختتم حجازي حديثه قائلاً في هذه الظروف العامة التي نمر بها يكون رحيل شاعر ومناضل حقيقي وصديق وفي مخلص خسارة لا نستطيع تحملها.
واعتبر الشاعر الكبير دكتور حسن طلب حلمي سالم أحد أهم شعراء جيله في مصر والعالم العربي. ووصف طلب الراحل بأنه كان متمسكاً بالحياة ويصارع المرض حتى آخر لحظة في حياته.
يواصل: جمعت بيننا حياة مشتركة وأبرز ما ميزه هو الحب لكل أصدقائه، وعلق على أزمته مع الإسلاميين حول قصيدته "شرفة ليلى مراد" أنه عرف كيف يتجاوز الأزمة واستمر في طريقه كما هو.
من جانبه وصف الشاعر الكبير محمد إبراهيم أبو سنة ، حلمي سالم ، بأنه من أنبل الشعراء وأجرأهم ، معتبرا أن شعره مثّل إضافة لجيله في مجال الحداثة الشعرية.

وروى أبوسنة عن اللقاء الأخير الذي جمعه بالشاعر في بيت الشعر قائلاً : كنت أعجب من الأمل الذي يتملكه رغم الأثر الواضح للعلة التي يعانيها وكان يقول أنه سينتصر في معركته مع المرض خاصة انه انتصر على مرض السرطان، لكن المرض الأخير وهو الكلى هزمه.
وقال الشاعر الكبير فريد أبو سعدة أن حلمي سالم ترك أصدقاءه مثل الشجرة التي تتساقط ورقاتها لتبدو جافة في مهب الريح ويسهل اقتلاعها، وأكد أبوسعدة ان رحيل سالم يعني سقوط مناضل قوي يجعل تمسكنا بالحياة أقل وعلى مقربة أكبر من مغادرتها، قائلا "حياتنا بدون حلمي أقل جمالا".
يقول الراحل في أحد حواراته عن تجربة المرض: "عشت تجربة المرض عندما أصبت بجلطة في المخ, ورصدتها في ديوان سميته "مدائح جلطة المخ" صدر عن دار الهلال في العام 2005، والواضح لي أن تجربة المرض مغرية بالكتابة, سواء كانت التجربة ذاتية مثلما حدث معي ومثلما حدث مع بدر شاكر السياب الذي صور مرضه, وأمل دنقل الذي كتب عن مرضه في ديوان أوراق الغرفة رقم8, وهناك من يكتب عن المرض من دون أن يخوض التجربة, وقد كنت من هذا النمط من الشعراء, حيث كتبت عن مرض أمي وأبي, وعن مرض ابن عمي الذي مات بالسرطان.. المرض تجربة شعرية".
ويقول أيضاً: "في المرض تسقط الأقنعة ويظهر الانسان بضعفه وربما بإنسانيته. هذا الانسان الذي يتوحش ويهدم بلدانا ويشعل حروبا ويتآمر علي الجميع, يصبح أمام المرض عاجزا كهربة بالية لا حيلة له في نفسه, وضعفه يكشفه أمام نفسه فيكشف نفسه ويتخلص من هيلمان الاستبداد".

يقول الناقد حسام عقل أن الراحل حلمي سالم يمثل اسماً شعرياً من أبرز الأسماء والرموز التي ظهرت في عقد السبعينيات وقد نجح إلى جوار عدد من الشعراء في تأسيس حالة شعرية أو مدرسة خاصة في النظم أطلق عليها آنذاك "مدرسة إضاءة" وهي مدرسة تتضمن مجموعة من السمات الفنية والأيديولوجية والسياسية التي انضم لها عدد من الشعراء، ومن أبرز سماتها التجديد في المعجم وتحديد نسق الصوة الشعرية على نحو تجريبي شامل، وكذلك إطلاق عدد من الرسائل الأيديولوحية تراوح بين مكتسبات الليبرالية واليسار.

وفي تقديري – يواصل عقل – أن القسم الغالب من محاولات حلمي سالم قد اتسم بقدر من الضعف الفني وهو ما بدا في أعماله المبكرة خصوصاً ديوانه "الأبيض المتوسط" واعتقد أنه حينما كان يحتشد لتجربته الشعرية بالأدوات الفنية اللازمة كان بمقدروه أن ينسج تعبيراً شعرياً أقرب للنضج الفني ما في ديوانه "ملامح خلطة المخ".

يواصل: حلمي سالم الذي أشدت بتجاربه القلية القوية وأدنت القسم الغالب من تجاربه الشعرية بسبب إغراقها حتى الآذان في الايديولوحيا والصدام الإعلامي مع ميراث الفكر الإسلامي إلا أنني احتفظ في هذه اللحظة بخلق الفرسان الذي لا يجعلني اجتر هذا الخلاف وأؤكد أنه يملك موهبة حقيقية ولولا سباحته المشاكسة دائماً في بحر الايديولوجيا لأنتج تجربة شعرية تفوق ما خلف من ميراث شعري فنياً لعشرات الأشواط والمراحل، ولو أنه تفرغ في تقديري للتجريب الشعري الجاد الذي كانت تؤهله أدواته له لنتج شيئاً يجاوز بكثير "شرفة ليلى مراد" وأخواتها مما اعتبره خروجاً عن الخط الشعري إلى الخط الأيديولوجي الصريح وتبديداً للأدوات الفنية ولم يبق إلا أن نترحم عليه وأن نشيد بجزء من تجربته الشعرية القليلة التي خلصت للشعر.

*******

الشاعر حلمي سالم في ذمة الله

حلمي سالم

حلمي سالم

توفي صباح اليوم الشاعر حلمي سالم عن عمر يناهز 61 عاما بعد صراع مع أمراض الفشل الكلوي وسرطان الرئة.
وكان حلمي سالم الذي يعد أحد أبرز شعراء جيل السبعينيات يتولى منصب رئيس تحرير مجلة "أدب ونقد" التي تصدر شهرية عن حزب التجمع، وحصل على جائزة التفوق في الآداب عام 2006، وتفاعل مع ثورة 25 يناير بديوان أصدره العام الماضي بعنوان "ارفع رأسك انت المصري"، كما كان يستعد لإصدار ديوان عن محنة مرضه الأخير، لكن القدر لم يمهله ووافته المنية صباح اليوم أثناء خضوعه لجلسة غسيل كلوي في مستشفى المعادي للقوات المسلحة.

واقترن اسم الشاعر الراحل حلمي سالم بجماعة "إضاءة" الشعرية التي كانت برفقة جماعة "أصوات" من أشهر الكتل الشعرية في السبعينيات، ومن شعرائها حسن طلب وجمال القصاص ورفعت سلام وأمجد ريان ومحمود نسيم.
وأصدر حلمي سالم ديوانه الأول "حبيبتي مزروعة في دماء الأرض" عام 1974، وتوالت بعده دواوينه "سكندريآ يكون الألم"، "الأبيض المتوسط"، "سيرة بيروت"، "البائية والحائي"، "دهاليزي والصيف ذو الوطء"، "فقه اللذة"، "الشغاف والمريمات"، "سراب التريكو"، "الواحد الواحدة"، "يوجد هنا عميان"، "تحيات الحجر الكريم"، "الغرام المسلح"، "عيد ميلاد سيدة النبع"، "مدائح جلطة المخ"، "حمامة على بنت جبيل"، "الثناء على الضعف". ومن مؤلفاته النثرية "الثقافة تحت الحصار"، الحداثة أخت التسامح"، "عم صباحا أيها الصقر المجنح"، "ثقافة كاتم الصوت"، "محاكمة شرفة ليلى مراد".
كما نعى اتحاد كتاب مصر برئاسة الكاتب محمد سلماوى فى بيان له اليوم ببالغ الحزن والأسى رحيل الشاعر الكبير حلمي سالم. وتقدم الاتحاد بخالص العزاء إلى كل الكتاب والأدباء والمثقفين أعضاء الاتحاد، راجين من الله سبحانه وتعالى أن يلهم أحباءه ومريديه الصبر والسلوان.

الوطن
كتب : أ ش أالسبت
28-07-2012 15:20

*******

الكفراوي: غياب حلمي سالم هو غياب للقيم الجميلة

حلمي سالم

الروائي
كتبت: راندا رشدي

أكد الروائي "سعيد الكفراوي" أن حلمي سالم أحد الذين تعرضوا للإضطهاد السياسي بسبب شعره، ومع ذلك ستظل كلمته تصل للناس ولمحبيه، ومهما كانت المصادرة فلا يبقى إلا الإبداع الجميل، والإخلاص للأوطان ومحبة الدنيا والناس وغيرها من الصفات الجميلة التي كان يحملها حلمي بقلبه.
وفي تصريحاته للدستور الإلكتروني، ذكر الكفراوي أن حلمي شاعر كبير، وموهوب، شاعر له خصوصية، وصاحب ابداع وإنتاج شعري متميز، ويضيف الكفراوي أن حلمي إنسان محب للحياة فهو معيار لكل القيم الجميلة، واتفق عليه الجميع بما يمثله من خلق طيب، محبة للناس، إخلاص للوطن، وتفاني في ثقافته، وأكد الكفراوي على أننا لا نستطيع أن ننسى مواقفه التاريخية من أجل نصرة الحقيقة، فغياب حلمي هو غياب للقيم الجميلة، وأضاف الكفراوي "بالطبع سأفتقد حلمي سالم الصديق، فرحمة الله عليه".

ومن جانبه فقد صرح الشاعر والناقد شعبان يوسف، أن حلمي سالم شخصية عطوفة، حانية على كل من حولها، فكان أخ لكل أصدقائه، وابن لأسلافه ومن سبقوه، فكتب عن فؤاد حداد، ونجيب سرور في "الوتر والعازفون"، كذلك كتب عن محمود أمين العالم وغيرهم، وأضاف يوسف أن حلمي من أبرز شعراء جيل السبعينات فأصدر ديوانه الأول "الغربة والانتظار، ويرى يوسف أن أهم ما يميز حلمي، أنه أكثر شعراء جيله تجريبا في اللغة، الصورة، المشهد، والموقف بالإضافة إلى أنه يستدعي أقنعة كثيرة مثل مواقف من حياته، أو أغاني لفيروز وعبد الحليم.

ويذكر يوسف أن هناك العديد من المحطات في حياة حلمي، منها مجلة "اضاءة 77" بالإشتراك مع مجموعة من شعراء جيل السبعينات، والتي مثلت نقطة فارقة بالنسبة لجيله والأجيال التي تبعته، بالإضافة لعمله كمدير تحرير لمجلة "أدب ونقد"، ورئاسة تحرير فريد النقاش، وكانت المجلة في تلك الفترة نافذة لمواجهة التطرف والدفاع عن العديد أمثال فرج فودة، نجيب محفوظ، ويحيى حقي، ولعل أبرز مواقفه من وجهة نظر يوسف أنه سافر لبيروت، وانضم للهلال الأحمر برفقة عدد كبير من الشعراء أثناء الحصار الذي فرض عليها في الثمانينات، وانضم للمقاومة في عام 82، وخرج من هذه التجربة بكتاب "ثقافة تحت الحصار"، وأكد يوسف على أن حلمي مرحلة مفصلية في تاريخ الشعر المصري.

رحم الله شاعرنا القدير، ويبقى شعره ليذكرنا بسيرته العطره..

ياوردة الحصار
زيني عروة المدينة المشاكسة
ولخصي علي المدي
فضيحة البيارق المنكسة
فأنت للمدائن أختصار
ياوردة الحصار
لملمي البنادق المكرسة
لسكة نسمي حريقها انتصار
ياوردة الحصار
هاهنا المدينة التي تقول للزمان
يازمان صر لنا خنادقا ومترسة
صر لنا حديقة ومريولة ومدرسة
وهاهنا الزمان صار
معطرا
بدم وردة الحصار

السبت, 28 يوليو 2012 17:02

*******

سلماوى: حلمى سالم سيظل أفضل شعراء جيله حتى بعد رحيله

الكاتب محمد سلماوى

قال الكاتب محمد سلماوى رئيس اتحاد الكتاب، إن الشاعر الراحل حلمى سالم يعد من كبار شعراء جيله كما له بصمة واضحة فى الشعر العربى الحديث ومكانته الشعرية لا ينازعه فيها أحد ذلك إلى جانب إبداعه الشعرى.

وأضاف سلماوى فى تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع" حول وفاة الشاعر الكبير حلمى سالم الذى وافته المنية ظهر اليوم أنه له إسهام كبير فى الصحافة الأدبية من خلال مجلة الأهالى ومجلة أدب ونقد، مشيرا أنه من سخرية الأقدار أن يرحل شاعر كبير مثله عن عالمنا بعد أن تولى الحكم من كانوا يناصبونه العداء بسبب النظرة الضيقة التى كانت تلاحقه بالاتهامات التى نتج عنها وقف صدور مجلة إبداع بعد أن نشرت له قصيدته "شرفة ليلى مراد"، حيث تضامنا معه جميعا فى اتحاد الكتاب فى القضية التى ضده والتى بعدها عادت المجلة إلى الصدور.

وأشار سلماوى أن شعر سالم وإسهاماته الصحفية والأدبية ستظل باقية معنا، بينما افتقدنا برحيله الإنسان صاحب الخلق الكريم والمعشر الجميل والنبل الإنسانى النادر فى عالم اليوم.

ويضيف سلماوى أن علينا جميعنا أن نحتفى بشعر سالم، فتلك وصية للتصدى لمن يريدون إخراس الشعراء وتكميم أفواه الكتاب وخنق جميع الفنون والآداب.

اليوم السابع – منذ ساعتين و 41 دقيقةً

*******

رحيل صاحب 'شرفة ليلى مراد'

التصويب على الدماغ

اقترن اسم حلمي سالم بجماعة 'إضاءة' الشعرية التي كانت برفقة جماعة 'أصوات' من أشهر الكتل الشعرية في السبعينيات.

القاهرة ـ رحل صاحب "شرفة ليلى مراد" الشاعر "حلمي سالم" بعد معاناة طويلة مع مرض سرطان الرئة .
وذكرت مصادر أن الشاعر كان ينتظر السفر للعلاج بالخارج على نفقة القوات المسلحة، وأنه توفي صباح السبت بعد غسيل كلوي خضع له بمستشفى المعادي العسكري.
حلمي سالم شاعر وناقد مصري من مواليد 1951 بمحافظة المنوفية في مصر. حصل على ليسانس الصحافة من كلية الآداب بجامعة القاهرة، وهو صحفي بجريدة الأهالي التي تصدر في القاهرة، ورئيس تحرير مجلة "أدب ونقد" الثقافية المصرية. ورئيس تحرير مجلة قوس قزح الثقافية المستقلة. حاصل على جائزة التفوق في الآداب للعام 2006 عن مجمل أعماله الأدبية.

اقترن اسم حلمي سالم بجماعة "إضاءة" الشعرية التي كانت برفقة جماعة "أصوات" من أشهر الكتل الشعرية في السبعينيات.
وكانت أزمة قد أثارتها قصيدة كتبها سالم بعنوان "شرفة ليلى مراد" ضمن ديوان "الثناء على الضعف" 2007 رأى بعض من قرأوها أنها تحمل إساءة للذات الإلهية بمن فيهم مجمع البحوث الإسلامية، ما اضطر رئيس هيئة الكتاب لسحب أعداد مجلة "إبداع" والتي يرأس تحريرها الشاعر أحمد عبدالمعطي حجازي، وتقدم الشيخ يوسف البدري بدعوى قضائية لسحب جائزة الدولة من الشاعر، غير أن قرار محكمة القضاء الإداري 2008 بعدم منحه الجائزة أوقف تنفيذه لأنه يخاطب وزارة الثقافة ولم تكن هي الجهة المانحة للجائزة .
وقد رد الشاعر على تهمة تكفيره بقوله إن قصيدته تنتقد تواكل المسلمين فقط وأنها لا تحمل إساءة .

من مؤلفاته حلمي سالم: الثقافة تحت الحصار (بيروت) 1984، الوتر والعازفون 1990، هيا إلى الاب: مقالات حول القطيعة والايصال في الشعر 1992، العائش في الحق 1998، حكمة المصريين (مشترك) 2000، الحداثة أخت التسامح: الشعر العربي المعاصر وحقوق الإنسان ، 2001، عِمْ صباحاً أيها الصَّقر المجنَّح: دراسة في شعر أمل دنقل، ثقافة كاتم الصوت 2003، صيف لبنان المشتعل 2007، التصويب على الدماغ: كلمات في الحرية و القمع، محاكمة شرفة ليلى مراد.
وللشاعر الراحل ما يزيد على 18 ديوانا شعريا منها: حبيبتي مزروعة في دماء الأرض 1974، سكندريا يكون الألم 1981، الأبيض المتوسط 1984، سيرة بيروت 1986، البائية والحائى، 198، دهاليزى والصيف ذو الوطء 1990، فقه اللذة 1992، الشغاف والمريمات 1994، سراب التريكو 1996، الواحد الواحدة 1997، يوجد هنا عميان 2001، تحيات الحجر الكريم 2003 ، الغرام المسلح 2005، عيد ميلاد سيدة النبع 2005، مدائح جلطة المخ 2006، حمامة على بنت جبيل ، 2007، الثناء على الضعف 2007.

ميدل ايست أونلاين

*******

أصدقاء سالم يصفونه بالمبدع الملتزم ويؤكدون: رحيله صدمة لنا وخسارة لمصر

الشاعر الراحل حلمى سالم

كتبت سارة عبد المحسن

وصف مجموعة من أصدقاء الشاعر الراحل حلمى سالم أنه مثال للمبدع الملتزم، والمناضل الثورى الذى هم نفسه بهموم الوطن، معتبرين رحيله فى مثل هذه اللحظات الفارقة فى تاريخ مصر خسارة كبرى، لأنه كان من أكثر المدافع عن الحريات.

الروائى والقاص فؤاد قنديل، أعرب عن حزنه الشديد عبر حسابه الشخصى على "فيس بوك"، قائلاً لطمنى بشدة نبأ رحيل الشاعر الكبير حلمى سالم أحد أبرز شعراء مصر المعاصرين، اللهم لا اعتراض، لكن الواضح أن الموت يتربص بالدرر وبالنجوم الزاهرة من أبناء مصر، ففى غضون أسابيع قليلة فقدنا عدداً من الأدباء والصحفيين المرموقين".

وأضاف قنديل أن حلمى سالم بالذات كان أيقونة متفردة ومصقولة ألقت بأشعتها على مروج البلاد وقراها ومدنها وسماواتها، كما أنه من أصحاب المواهب العالية والحضور الحى المؤثر والعطاء النبيل والإبداع الجميل، مشيراً إلى أنه بدأ التجربة اللعينة مع المرض منذ سنوات وأخفاها حينا وحاول التصرف فيها سراً، لكن الأحمال ثقلت عليه وكان لابد من العلاج الذى بدأ متأخراً نسبياً، قائلاً "لن تفلح الدموع فى أن تهدئة القلوب المكلومة والأرواح الراجفة، ولن تقدر الخطب والكلمات على أن تكفكف الدمع المراق على جبينه الحبيب ودواوينه المتألقة المتورطة مع عالمين، عالم الإبداع واللغة والجمال وعالم الحياة المتشابكة والمعقدة الغارقة فى مادياتها المقيتة، ولا نملك إلا أن نستجير بمن أصدر الأمر وبعث بقضائه المكتوب منذ الأزل، لا نملك إلا التوجه إلى الله والدعاء له كى يشمله بواسع الرحمة والمغفرة وأن يلهم آله وقبيلة الكتاب والقراء الصبر والسلوان.

وقال الكاتب والروائى أحمد صبرى أبو الفتوح، إن حلمى سالم أحد شعراء جيل السبعينات البارزين، وهو من الشعراء الذين خرجوا من عباءة أمل دنقل وحجازى والأبنودى، مشيراً إلى أنه قرن نبوغه الشعرى بنوع من الالتزام السياسى والاجتماعى يعلو عن كونه شاعراً كبيراً، لكنه مناضل أيضاً، قائلاً "خسارتنا لحلمى سالم فى مثل هذه الأيام خسارة لا تعوض".

وقالت الكاتبة والروائية سلوى بكر، أن خبر وفاة الشاعر حلمى سالم أصابنى بصدمة كبرى لم أكن أتوقعها فكنت استمد منه الأمل فى الحياة، مؤكدة أنه قدم الكثير للثقافة كما أنه هو من النماذج الحقيقة الذى يطلق عليه الأديب الملتزم، وهو من جيلى ومن المهتمين بهموم الوطن وأوجاعه وأحزانه.

البوم السابع
السبت، 28 يوليو 2012 - 18:20

*******

حجازى: حلمى سالم كان مثقفا ومناضلا ورحيله خسارة

كتب عبد الله محمود

الشاعر أحمد عبد المعطى حجازى

قال الشاعر أحمد عبد المعطى حجازى رئيس بيت الشعر، إن رحيل الشاعر الكبير حلمى سالم هو خبر مزعج بالنسبة له، أولا لأنه لم يكن مجرد شاعر حقيقى ولكن لأنه مثقف طبيعى ومناضل فى سبيل ما يؤمن به وما يعتقد أنه واجبه الأخلاقى تجاه الثقافة ومصر والمصريين.

وأضاف حجازى فى تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع" حول رحيل الشاعر حلمى سالم ظهر اليوم أنه لم يكن مجرد زميل بل كان صديقا شخصيا، وأن رحيله أتى فى وقت رحل فيه الكثير من المثقفين الذين تساقطوا فى الأيام الأخيرة من المثقفين، حيث هناك رحيل جماعى لعدد من أهم المثقفين المصريين يوم الأحد الأسبق.

وأوضح حجازى "أننا فوجئنا فى بيت الشعر بزيارة غير منتظرة لسالم حيث إنه كان خاضعا لبرنامج صحى علاجى بإشراف طبى، لم نكن نتصور أنه يستطيع فى ظروفه أن يشاركنا حيث حييناه ورحبنا به واتفقنا معه على أن يشاركنا الحضور يوم الأحد القادم وخصصناها للشعر الصوفى ، حيث اقترحنا عليه أن نلقى شعرا صوفيا ولكنه اعتذر بسبب ظروفه الصحية ".

وأضاف حجازى:" سوف يبقى سالم بشعره وسلوكه الأخلاقى سواء فى تعامله مع الشعر أو فى تعامله فى قضايا مصر".

السبت، 28 يوليو 2012 - 19:41

*******

زين العابدين فؤاد: "حلمي سالم" قفل كتب الأيام

الشاعر زين العابدين مع الكاتب حلمى سالم

كتبت: راندا رشدي

"لما الشاعر..يقفل كتب الايام..نفتح كتبه..نتهجي وياه الدنيا، والاحلام..ندخل جوه حروفه..ونشوفه ازاي بيزلزل اركان الكون..علشان يكشف جوه عيونا أسرار اللون... حلمي سالم قفل كتب الأيام من ساعات"،
كانت تلك كلمات الشاعر زين العابدين فؤاد في رثاء الكاتب الكبير حلمي سالم، الذي وافته المنية اليوم بمستشفي المعادي.
ذكريات عديدة لا تستطيع أن توصفها الكلمات، تحدث زين العابدين فؤاد، "للدستور الإلكتروني" وهو في طريقه لمنزل الفقيد عن أنه توجد ذكريات لا حصر لها تجمعه مع حلمي سالم، وأضاف زين العابدين أنه تعرف على حلمي في أول يوم له في الكلية عندما كان بسن الثامنة عشر، ومن وقتها وهو رفيقه فى كل كتاباته، معاركه، وأنهما اجتمعا أثناء حصار بيروت عام 1982، وألف حلمي حينها كتابه الرائع "الثقافة تحت الحصار"، وعلى المستوى الشخصي يذكر زين العابدين أن حلمي سالم محارب شجاع، محب للحياة، حتى لحظاته الأخيرة كان يقرأ خلالها الجرائد أثناء قيامه بغسيل الكلى.

السبت, 28 يوليو 2012 15:00

*******

رحيل الشاعر المصري الكبير حلمي سالم: كحّل عينيه بالربيع العربي ورحل!

بول شاوول
(لبنان)

حلمي سالم

رحل الشاعر المصري حلمي سالم عن عمر يناهز الحادية والستين، إثر مرض "اشتراكات معقّد"، من فشل كلوي الى سرطان رئة وقبلهما عملية قلب مفتوح، فكأنما اجتمعت على هذا الشاعر الشفاف، الشغوف بالحياة والناس والقضايا والنضال والاحتجاج شغفه بالشعر. ومن قال أن كل هذا يمكن فصله عن الشعر؛ آخر مرة رأيته في القاهرة، وكنّا قد التقينا في بيروت، وقبلها في باريس... وكانت لقاءات غامرة، مفعمة بالعفوية والصداقة... وقبل نحو شهر اتصلت به عندما تناهى إليّ أنه يعالج في المستشفى، وردّ، بصوت متفتح، حي، مليء بالأمل، وبالحياة. لم يكن صوت إنسان يعاني كل هذه الأمراض، ولا كل هذه الأوجاع، ولا كل جلسات كسل الكلى، ومعالجة السرطان... بدا صوته مشرقاً، صباحياً، برغم كل هذه المعاناة. هذا هو حلمي سالم. وأتذكر أنه بعدما أجرى عملية القلب المفتوح قبل سنوات عدة، قال لي "قلبي رجع شباب"... وصحتي "بوم" على الطريقة المصرية الجميلة. في الاتصال الهاتفي الأخير بدا متفائلاً: "سأخرج من المستشفى بعد أيام"، وأضاف "ومش حنشوفك"، فقلت "أكيد أكيد... لكن إذا ذهبت الى مصر فلن ألتقي الذي تعود صداقتي به الى أكثر من ثلاثين عاماً، ربما في الوقت الذي كانت تصدر فيه مجلة "إضاءة" الطليعية. وعندما أذهب الى مصر ولا ألتقيه، سأحس بأن شيئاً ناقص في هواء القاهرة، وأن الشعر قد افتقد كثيراً من الشعر.
حلمي سالم من أبرز الشعراء الطليعيين في السبعينات، انتفض في طليعيتين: شعرية وسياسية. في الشعرية كان مع أحداث شعرية أخرى، يجوسون في عوالم الحداثة وغوامضها، وأسرارها، وشوارعها، حداثة المدينة. من مدينة الحداثة. وفي هذه الطليعية لم يقع حلمي سالم لا في التجريد "الشعري"، أو "اللغوانية" التي يمكن أن نرثها عن بعض التراكميين ممن يسمون الروّاد، وعن الشعارات الفارغة، وعن المرجعيات الناهية، والمركزيات العقيمة. لم يكن الشعر لعبة بالنسبة إليه، من حيث الإغراق في العبث الشكلي، أو السردي، أو البهلوانية اللفظية بحياة حميمة. الحياة بكل فصولها سكنت شعره. أقصد التجربة الإنسانية، سواء تماهت بالجموع (القضايا السياسية) أو تماهت بالفردية، فهي أساس قصيدته. الفرد جماعة. العزلة مأهولة. الحياة بصيغة العالم. الأنا بمعنى كل شيء. ولهذا، نجد أن حلمي سالم وعلى امتداد نتاجه، جمع بين ذلك التدفق وتلك الحساسية اللغوية. ذلك الفضاء المتسع وهذا الهاجس بالتفاصيل. كتب عن فلسطين وكأنها منه وهدمتها (أي ليست مجرد قضية قومية أو سياسية). كتب عن الجنوب اللبناني وكأنه منه. من أنهاره. من معابره. من وعره. من آلامه. من أوجاعه... كتب عن الحب بما يليق بمحب. وكما يليق برهافة شغوف، وبلغة هي الى حرارتها وحنوها تجترح جديداً في البوح. وأكثر: في اللغة. وعندما جمع بحسه المتفتح الحداثي بين الموزون (تفعيلة وسواها) وبين قصيدة النثر أجاد في الإثنين، فما هو وقع بين قصيدة نثر عمودية أو تفعيلية (كما وقع فيه بعض مجايليه) ولا هو وقع في التفعيلة النثرية، التي تخسر في إيقاعاتها السهلة ما لم تربحه من نثريتها.

ولأنه شاعر أصيل، عرف كيف يفعّل مواقفه النضالية بالحلم، والاحتجاج، وكيف يشرع قصيدته بأدواتها كلها على ما يهدد الحرية. والفرد. والإنسان. والمدينة. والتعدد. ولهذا كان على الطرف النقيض من كل أحادية "إيديولوجية" مقلقة سواء كانت مادية أو تاريخية أو طائفية أو دينية!
أي هو انحاز الى الإنسان الحر. الحي. المنفتح. المنقشع. في مجتمع عادل، ونظام عادل. وبين سياسية ديموقراطية. وكاد يدفع حياته ثمناً لمواقفه. خصوصاً عندما نظمت حملة موجهة ضده من بعض المتعصبين السلفيين، اتهمته بالكفر وبالمس بالذات الإلهية وبالدين من خلال قصيدة "على شرفة ليلى مراد". ورفعت عليه دعاوى. وتعرض للضغط والإرهاب. لكن هذا، وبشجاعة تليق بشاعر مثله واجه كل هذه الحملات الشعواء الماضوية الجاهلية حتى في عزّ معاناته. هذا الشاعر النبيل، حلمي سالم، رأى حقول الربيع العربي تزهر في تونسو في مصر وفي ليبيا وفي اليمن وصولاً الى سوريا. كحّل عينيه بمرأى الملايين الثائرة. شارك في اعتصامات الميدان. وكتب قصائد تحية للثوار... حتى في عزّ عذاباته ومرضه، كان قلبه مع شباب الثورة في مصر... وفي العالم العربي. عاش حلمي سالم متمرداً متفتحاً، حالماً، محباً للحياة، وللناس... ومات في عزّ أحلامه. رأى المعجزة الشعبية وأغمض عينيه...
نم هنيئاً يا صديقي فأنت ما زلت بيننا في قلب الزمن العربي الجديد... بل أمامه وحوله ومن كل جهات القلب.

المستقبل- 30-7-2010

*******

الشاعر المصري حلمي سالم عابر الأجيال رحل عن 30 عاماً - صانع الدهشة

فريد أبو سعدة

أجّلت الكتابة عن حلمى سالم طويلاً، فهل كان هذا لأن شعره غامض ومحير؟ هل لأنه كثيف ومليء بالأصوات؟ هل لأنه يمتلئ بالحيل والألاعيب؟ هل لأنه سؤال مفتوح على التجريب والمغامرة؟ نعم، هو كذلك وأكثر من ذلك أيضاً. وإذاً، فمن أين تأتى الفتنة... من أين يفيض الشعر؟
سأفكر بصوت عال وأقول إن قصيدة حلمي ماكرة، ذكية، وإنها تتعمد التمويه وتتفنن في استدراج القارئ إلى مواعيد لا يجد فيها ما توقعه، أو من واعده، فيجأر «فلا تعدى مواعد كاذبات تمر بها رياح الصيف دوني». لكن هذه الجأرة بذاتها، هي ما ترهف حواسه فيرى الشكل في الفوضى ويستطيع على الأقل أن يفرز بعض «الدر من القار في هذا الغلس» إذاً، فما يبدو صنيعة الفوضى واللعب الحر يمكن قنصه بشبكة النظام.
وهذه القصيدة تبدو، في المطاردة، كأنثى ستسقط لا محالة، ولكنها تفعل ما في وسعها لتأجيل ذلك السقوط، وما في وسعها كثير في الحقيقة. أحياناً أتخيل قارئاً، مثلي، يقف في أبهاء هذه القصيدة، كما لو كان في معرض للفن التشكيلي يتأمل هذه وتلك من اللوحات والتماثيل والتكوينات، يعجب أو لا يعجب، ولكنه ما إن يقترب من الباب منصرفاً ومعذباً بحيرته حتى يشعر كأن مساً أصاب كل شيء فراحت الصور والأشخاص والكائنات والأصوات تخرج من قبضة القماش والحجر والآوان والأسطوانات، تتحرك هنا وهناك، وتكون في ما بينها علائق لم تكن، وحكايات لا تنفد. هى إذاً، قصيدة تؤجل إعطاء نفسها، وتحتاج لكي تفعل، إلى قناص دؤوب، أو مريد دنف. هي قصيدة الفسيفساء بامتياز، التشظى بنيتها الأساس، والتمويه والاستدراج حيلتها الرئيسة. قصيدة ذكية، واعية بنفسها، وكما تحدق في العالم تحدق في نفسها، وكما يكون الوجود موضوع القصيدة تكون هي أيضاً موضوع نفسها، قصيدة تمضي على السلك، من دون تعثرات فادحة، كلاعب سيرك محترف، بل وتبدو التعثرات نفسها وكأنها من باب الإثارة، أو السخرية والونس بشهقة الجمهور.
حلمي سالم شاعر قادر على قصيدة التفعيلة وقادر على قصيدة النثر، بل قادر على كتابة مقطوعات بالغة الجمال والعذوبة من الشعر الكلاسيكي، وهو - عبر دواوينه كافة - يمزج بين هذه الأشكال بمقدار هائل من السلاسة والتوفيق.

***

على شرفة القصيدة

الكاتب: عبده وازن

لم يتسنَّ للشاعر المصري حلمي سالم أن يصدر ديوانه الأخير الذي كان كتبه للتوّ على سرير المرض، وقد سماه «معجزة التنفس»، لكنه مات مطمئناً بعدما نجح في جعل مرضه مادة شعرية، على عادته في مواجهة الأحداث التي تعصف به، فهو عندما أصيب قبل أعوام بجلطة في الرأس، كتب عن هذه «التجربة» ديواناً بكامله سماه «مدائح جلطة المخ» (2006). أما هذه المرة، فلم يستطع أن ينتصر على مرض السرطان الذي التهم قطعة من رئته، ولا على مرض الكلى، فهما تآمرا عليه معاً وكانت الغلبة لهما، مع أن حلمي ترصد لهما شعرياً أو سبقهما، فكتب ديوانه الأخير قبل أن يغمض عينيه الى الأبد.
كان حلمي سالم على سباق محموم مع الأحداث الصغيرة والكبيرة، الأحداث الشخصية والعامة، لا يدعها تمر من غير أن يفيد منها شعرياً، أو أن «يشعرنها»، وكان دوماً على أهبة ليتأثر بها ويعيشها، بغية جعلها مناسبة شعرية بامتياز، مناسبة أو موضوعاً، شرط ألا يخلوَا مِن بُعد ذاتي و «دمغة» شخصية، فهذا الشاعر كان يجيد ببراعة الانتقالَ من العام الى الخاص، والعكس، حتى ليكاد يصبح الحدث العام حدثاً شخصياً، والحدث الخاص حدثاً عاماً. إنها طبيعة هذا الشاعر، بل هي خصاله وطبائعه التي جعلته يختلف عن شعراء جيله، جيل «إضاءة 77»، جيل السبعينات، الذي كان واحداً من رواده البارزين. لم يستطع حلمي أن يحصر نفسه في أسر مبدأ الأجيال، فاختار «الخضرمة»، منتمياً في الحين عينه الى الأجيال التي أعقبت جيل السبعينات، وقد وجد فيه الشعراء اللاحقون صديقاً ورفيقاً على رغم تأثرهم به، وكان هو منفتحاً على الأجيال هذه انفتاحَه على سائر المدارس والتيارات والمذاهب، قديماً وحديثاً...
كان حلمي سالم شاعر المغامرة، في الشعر، كما في الحياة، لم يكن يحسن له أن يثبت أو يستقر لا على مثال أو نموذج، ولا في حياة أو نمط عيش. كان يعيش الشعر مثلما يكتبه، وكان السأم سرعان ما يأخذ به فيخترق الحدود بحثاً عن آفاق أخرى. كان يتجدد باستمرار، ينفض ما تراكم، وينقلب على نفسه متجهاً نحو فضاء المصادفة، منتظراً ما قد يلوح أو يحصل. ومَن يقرأ دواوين حلمي سالم يدرك حال التعدد، أو التنوع الذي يهيمن على شعره وعلى مساره الشعري، فهو طالما نبذ الإقامة داخل شرنقة واحدة، شعراً ولغة، وكثيراً ما رفض تكرار نفسه ولعبته الشعرية وتقنياته اللغوية وحيله الأسلوبية، وبدا كل ديوان لديه تجربةً بذاتها، لغة واختباراً حياتياً وروحياً و «عاطفياً»... ظل حلمي رومنطيقياً مثلما استهل «حرفته» الشعرية في مطلع الفتوة، لكنه جرد هذه الرومنطيقية من لغتها وموقفها وحافظ على جوهرها، زارعاً إياه في صميم التجريب الحداثي. وحتى في أوج واقعيته الشعرية واحتفائه بالعالم والبشر والأشياء، كان رومنطيقياً. انها الذات التي تطغى في الختام مهما ارتفعت «الأنا» وغلب «الموضوع».

وقارئ هذا الشاعر، الذي هو بحق نسيج وحده، كما يقال، يحار إزاءه، وكيف كان قادراً على أن يجمع المتناقضات ويؤالف بينها، شاعر واقعي وسوريالي وصوفي ومادي وملتزم... شاعر الغناء المجروح والصراخ الأليم والألفة والطرافة والسخرية... شاعر الحب المثالي والأروسي، شاعر المغامرات العشقية التي لم يكن يهمه أن يخرج منها خاسراً.
في العام 2007، مُنعت قصيدة حلمي سالم «شرفة ليلى مراد»، واتُّهم بـ «الزندقة والإلحاد» وأحيل الى المحاكمة، وكاد يجازى عليها، لكنه بدا شرساً في دفاعه عن نفسه وعن هذه القصيدة «الملعونة»، وخاض معركته من دون مؤازرة كبيرة. وكانت مجلة «إبداع» نفسها، التي نشرت القصيدة، تبرأت منها ومنه بصلافة ووقاحة، وارتفعت أصواتٌ تدين القصيدة، آخذة عليها ضعفها وركاكتها. وجد حلمي نفسه حينذاك شبه وحيد، ما خلا بضعة أصدقاء وقفوا إلى جانبه، ولعله كان على قناعة أن هذه القصيدة ليست من أقوى صنيعه، وأنها لا تخلو من ضعف... لكنه استهجن، مثل الكثيرين، الحملة النقدية التي قامت ضدها في تلك اللحظة الحرجة. وهو أصلاً لم يوفر نفسه من النقد الشخصي، وكان يقول إن الشاعر لا بد أن يدفع «ضريبة» استجابته للحدث السياسي وتجاوبه معه. وفي رأيه أن على الشاعر أن يخرج صارخاً حيال الأحداث الجسام التي تهز الواقع. كان يسمح لنفسه في مثل هذه «المناسبات» الرهيبة أن يستغني عن جماليات الشعر كي يشارك في الحدث ويكون في صميمه، وليس على هامشه. وهكذا، لم يتورع مثلاً عن كتابة قصيدة عن «العسكر» عقب اندلاع الثورة المصرية، وكتب أيضاً قصيدة عن «الميدان»... وجمع قصائده «الثورية» كلها في ديوان سماه «ارفع رأسك عالياً»...
كان حلمي سالم، الشاعر الحديث، يؤمن برسالة «تنويرية» يمكن الشعر أن يؤديها، مثل المقالة والدراسة، وقد أصر على هذا الدور التنويري، لا سيما في مقالاته الصحافية وكتبه، ومنها على سبيل المثل «ثقافة كاتم الصوت» و «التصويب على الدماغ»... وهذه المهمة التنويرية عاشها حلمي عن كثب في مساره النضالي والحزبي اليساري، وفي انخراطه في الصحافة الطليعية، لا سيما في مجلة «أدب ونقد»، وانحيازه الدائم الى الناس البسطاء والمهمشين والفقراء.
من أين كان يأتي حلمي سالم بحبه للحياة وتفاؤله وحماسته؟ كان حتى في أوج ألمه وحزنه وفقره يبدو سعيداً، سعيداً ومتفائلاً بأن الغد سيكون أفضل. لكن مرضيه الأخيرين انتصرا عليه، انتصرا على جسده ولكن ليس على روحه المشرقة.

الإثنين ٣٠ يوليو ٢٠١٢

***

القصيدة الجانحة التي اخترقت حواجز الثبات

أحمد الصغير

حلمي سالم شاعر قطب من أقطاب جيل السبعينات في مصر، ساهم في تطوير قصيدة الحداثة العربية منذ السبعينات وحتى اللحظة الراهنة. شاعر غزير الإنتاج، كان يدفع بقصيدته إلى الجنوح واختراق حواجز القيم الفنية داخل النص الشعري. فالحال الشعرية لديه تتميز بالتدفق اللانهائي، فهو يمتلك قريحة منتجة غنية بالتفاصيل الحياتية الكثيرة والمتغيرة، ممتزجة بالخيالات والمجازات اللانهائية التي صاغ من خلالها الكثير من النصوص اللافتة والمهمة في الشعرية العربية، وكانت هذه النصوص تجعلنا أمام شاعر ومصور درامي سينمائي في الوقت نفسه. أبدع سالم أكثر من ثمانية عشر ديواناً بدءاً من أول السبعينات. وديوانه الأول «الغربة والانتظار» نشره مع ابن جيله رفعت سلام عام 1971، وبعدها انفرد كل واحد منهما بذاته، مقدماً إنتاجه الأدبي الذي يعبر عن قضاياه ومشكلاته الخاصة التي تومئ إليها أعماله الشعرية المختلفة عبر مراحلها المتغيرة عبر الزمان والمكان.
أثار حلمي سالم حوله الكثير من الجدال بسبب غزارة إنتاجه، وعدم قدرة النقد على ملاحقة تطوره الإبداعي، وتجريبه داخل الحياة الشعرية المصرية وعمله الخالص للشعر داخل هذه الحياة المملوءة بالجراح والتمرد والخروج على السائد والمألوف. في معرض القاهرة الدولي للكتاب 2012، منحته الهيئة المصرية العامة للكتاب جائزة الشعر، وكان ديوانه الفائز بعنوان «ارفع رأسك عالياً». جاء هذا الديوان في ثماني قصائد اتكأ سالم في شكل كبير في كتابها على استدعاء الثورة المصرية المقدسة، ثورة 25 يناير 2011، مستدعياً شعب مصر بكل صفاته وأنماطه وحركاته وتقلباته وغضبه وإصراره على الحياة رغم كل المآسي والفساد والضياع الذي خلّفَته الأنظمة السابقة مع علمه أنّ الفساد ما زال ينخر في جسد الشارع، وما زال المصريون يركضون خلف متاهات المدعين والمتحنجلين على أجساد شهداء الثورة لتقسيم الغنائم والجواري.
جسّــد حلمي سالم صورة الوطن في ميدان التحـــرير، هذا الميدان الذي شَهِدَ الكثير من الآلام العظيمة والأفراح والأحزان والدموع والصراخ والموت والسكون. كل شيء إذاً كان في الميدان، وكانت الحياة هي الميدان، وكان المصريون يرددون جملة بالعامية المصرية: «ارفع رأسك فوق أنت مصري»، فالتقطها سالم لتكون عنواناً لديوانه الرائع «ارفع رأسك عالياً». إن فتنة الدلالة في هذا العنوان لا تحتاج إلى تأويل مبالغ فيه، إنه دال مختلط بالرجاء والأمر والمحبة والقوة، وكأن الذات تعلن قيامتها من جديد بعد موت واحتراق داما أكثر من خمسين سنة. والرأس هو أشرف مكان في الإنسان يدل على القوة والعظمة والعزة والحرية ففي ارتفاعه نصر، وفي تنكيسه ذل وعار وقهر. وكأن المصريين جميعا انطلقوا كالرياح لإسقاط النظام. كل هذه الأحداث التي بلغت ثمانية عشر يوماً تجلت في القصيدة الأولى التي جاءت بعنوان «أغنية الميدان» ويقول حلمي فيها: ارفع رأسك عالياً أنت المصري/الضاربُ في جذر الماضي والعصري/خالق أديان المعمورة، مكتشف الهندسة، ومبتكر الري/صاحب درس التحنيط، ومبتدئ الرقص/وخلاط القدسية بالبشري».

يستدعي حلمي سالم في المقطع الفائت صورة المصري عبر التاريخ القديم منذ الفراعنة إلي العصر الراهن، المصري الذي صنع التاريخ وخلق الحضارات وأنشأ الأديان في كل مكان. ولعل استدعاء صورة الفلاح المصري في نص سالم يشي بالكثير من الصور الدلالية المتنوعة، منها السياسي والثقافي والاجتماعي والتاريخي، ويقول في مقطع آخر: «ارفع رأسك عالية أنت المصري/الصامت صبراً لا إذعاناً /بل تطويل للحبل الشانق كل بغي/لاجُرْتَ علي جار لا لوثت/مياه النيل ولا أنكرت نبي/أنتَ موحد شطرين/وواصل شطين/وجامع أشلاء فتاك/علي دلتا النهرين/ونساج الظلمة بالضي».
يتكئ حلمي سالم في المقطع الفائت على استدعاء تفاصيل تاريخية مهمة غيّرت مجرى الأحداث في التاريخ القديم والحديث، فيستدعي من خلال مفردات إشارية بعينها تلك الأحداث المهمة مثل المصري الصامت صبراً، موحد القطرين بين الشمال والجنوب علي الملك مينا نارمر قبل الميلاد، المصري نفسه الذي نسج الموت بالحياة والظلمة بالضي... تومئ كل هذه الإشارات الدلالية السابقة على مدى فتنة حلمي سالم بابتكار المجازات التوليدية أو في ما عرف بالمجاز التوليدي، أعني أن كل المجازات تصب في مصب بعينه وتهدف إلى غايات متنوعة داخل العالم الشعري الذي نسجه سالم من خلال الاتكاء على ذلك المجاز، لأنّ الإبداع الشعري المتميز يقوم على المجاز التوليدي الذي يشمل أبعاداً متكاملة، يرأسها بعدان هنا: البعد الأسطوري والبعد الترميزي.
وهذا المجاز يجعل اللسان الشعري، يقول أكثر مما كان يقوله عادة. ويمنح الشاعر طاقات عن الجوانب المستترة والجوانب الأكثر خفاء في التجربة الانسانية. وتجلى ذلك في قول حلمي سالم في قصيدة بعنوان «سالي زهران» :»لو أني كنتُ رأيتك قبل يناير/كانت أسرتني عيناك الصاحيتان/وخطفتني خصلات الشعر/المتروكة ببدائية/رسّام بوهيمي حول الوجه الصابح/أبيض كحليب مأطور بالضربات التلقائية/من أسود فحمي/فأنا تخلعني من جذري/فطريات الحس».
لا شك أن سالي زهران هذه البنت المصرية الشهيدة صاحبة المكياج البسيط والروح القوية التي ماتت فداء لوطن أكثر روعة، صارت رمزاً للفتاة العربية المثقفة التي خرجت من أجل أسمى هدف في التاريخ، وهو تحرير وطنها المصري من جبروت الفساد والظلم. يُخاطب سالم في نصه الشعري مجموعة من الأرواح الخالدة عبر الزمن، وتجلت هذه الأرواح من خلال استدعاء صورة المصري في ميدان التحرير على مر التاريخ، وصورة شهداء الثورة من شباب مصر الذين لا يملكون أيديولوجيا بعينها سوى حب مصر، ذلك الحب الخالص من أجل الخلود، وتضمن النص أيضاً تخليداً للذات الشاعرة التي ساهمت في تغيير كبير طالما حلم به المصريون جميعاً.

الإثنين ٣٠ يوليو ٢٠١٢

في «أدب ونقد»

القاهرة - «الحياة»

أدب ونقد بدا عدد تموز (يوليو) من مجلة «أدب ونقد»، وداعياً، فهو احتوى ملفاً حول رئيس تحريرها حلمي سالم، عنوانه «حلمي المتصوف». ومعروف أن حلمي سالم بذل جهداً خارقاً ليمنع قبل بضعة أشهر توقف المجلة التي يصدرها حزب التجمع اليساري المصري، لأسباب مالية. واستهل مدير تحرير المجلة عيد عبدالحليم تقديم الملف بقوله: «مثل المحاربين القدامى يبدو حلمي سالم متمرداً وصلباً تجاه كل العواصف التي تحاول تكدير صفو الحياة». وتضمن الملف شهادات لميسون صقر «شجرة حلمي سالم»، أحمد يماني «نافذة مفتوحة»، سمير درويش «حلمي سالم»، محمود خيرالله «سنأكل عشب حدائقنا ونقاتل»، ماجد يوسف «من امتى كان النص سهل»، أمينة النقاش «ما أجملك»، أمجد ريان «حلمي سالم في جيلنا»، محمود قرني «أيها النزق متى تظهر عليك عوارض الحكمة»، نوري الجراح «أيام بيروت»، عاطف عبدالعزيز «معضلة الذكاء»، محمد السيد إسماعيل «شاعر التعدد الخلاق»، فارس خضر «اسمه حلمي سالم»، إيمان مرسال «غرام الكتابة» وأسامة عرابي «الغناء في مواجهة العالم».

الحياة- الإثنين ٣٠ يوليو ٢٠١٢

******

وانتصر المرض حيث فشل المتأسلمون

حلمي سالم

أحد أبرز جيل السبعينيات، عرف عتمة السجون، وساحات النضال السياسي، وحملات التكفير، فبثّها في قصائده قبل أن يرحل يوم السبت عن 61 عاماً. غداً، يحتضن «مسجد الحامدية الشاذلي» في القاهرة مراسم العزاء بصاحب «الشاعر والشيخ» الذي ترك 21 ديواناً وعملين لم ينشرا بعد.

محمد شعير

القاهرة | نجا حلمي سالم من الموت في حصار بيروت عندما انضم إلى المقاومة الفلسطينة هناك، ومن جلطة المخ، وسرطان الرئة. لكنّه مات أول من أمس كمعظم المصريين بالمرض المعتاد (الفشل الكلوي). عرف السجن مناضلاً سياسياً من أبرز جيل حركة الطلبة المصريين في أوائل السبعينيات. كذلك نجا من سكاكين المتطرفين الذين حاربوا قصائده، وكفّروه. فضحهم في ديوانه «الشاعر والشيخ» الذي أهداه إلى ضحايا التطرف على مدى العصور من الحلاج والسهرودي وابن رشد إلى فرج فودة ونجيب محفوظ ونصر حامد أبوزيد. أصبح الديوان وثيقة يردّ بها سالم على محتكري الحقيقة المطلقة الذين يلاحقون المبدعين في كل مكان وزمان حتى أصبح هو نفسه هدفاً لهم.

حلمي سالم (1951 ـــ 2012) الذي غيّبه الموت يوم السبت دخل المستشفى قبل أسبوع لإجراء بعض التحليلات، وهناك احتجزه الأطباء. لكنّه أصرّ على الخروج؛ لأنّه كان مرتبطاً بأمسية شعرية. كتب تعهداً بتحمّله المسؤولية، وذهب إلى «حزب التجمع» اليساري، ليلقي قصائد ديوانه الأخير «معجزة التنفس». الشعر بالنسبة إلى حلمي كان «علاجاً» أفضل من «ألف جلسة كيماوي» كما قال في تلك الأمسية. وهذا ما جرى أيضاً عندما أصيب بجلطة المخ، كان نصيبها ديوانه «مديح جلطة المخ» الذي كتبه أثناء علاجه، وكان سبباً ـــ كما قال ـــ في شفائه قبل أن يكمل العلاج. صاحب «سيرة بيروت» الذي انتمى إلى جيل السبعينيات، هو أكثر أبناء جيله غزارة، ومغامرة أيضاً. كانت أشعاره «حياته» لكنّها مكتوبة في قصيدة، هكذا يمكن أن نقرأ عن رحلاته، ومرضه، وحروبه ومعاركه الفكرية، ونضالاته وأصدقائه، وتجاربه العاطفية. سيرته مبثوثة في كل القصائد: كتب عن حصار بيروت (ديوانه «سيرة بيروت») وعن رحلته الباريسية (الغرام المسلح) وعن متابعاته للانتفاضة الفلسطينية (تجليات الحجر الكريم) وعن تكفيره بعد قصيدته «شرفة ليلى مراد» والحكم بسحب «جائزة التفوق» منه بعد الدعوى التي رفعها عليه الشيخ يوسف البدري (الشاعر والشيخ). حتى تجربة الثورة المصرية كتب عنها في ديوانه الأخير «أرفع رأسك عالية». ثم أتبعه بديوانين لم ينشرا بعد هما «حديقة الحيوانات»، و«معجزة التنفس» الذي يتماس أيضاً مع تجربة مرضه الأخير.

عبر 21 ديواناً، كتب كل ما مر به. لذا قد لا نحتاج إلى معرفة الكثير عن سيرته الذاتية التي حرص قبل أشهر من رحيله على تسجيلها في نص بديع حمل عنواناً مبدئياً هو «الراهب: الأصل والفصل». والراهب هي قريته التي ولد فيها وتقع في محافظة الفيوم (شمالي القاهرة)، وقد سمّيت ذلك لأنّها تحتضن مقام الشيخ علي الراهبي، أحد معالم القرية. هناك ولد حلمي ونشأ لأب يعمل تاجر موالح، وأم ربة بيت. وكسائر أطفال القرى، التحق حلمي بكتاب الشيخة أمينة قبل دخول المدرسة الابتدائية، ليتعلم القرآن واللغة العربية. كانت الشيخة أمينة كفيفة، لكنها كانت تميّز الولد المخطئ في قراءة القرآن بحاسة السمع الاستثنائية عندها. كانت تحدد مكانه بين الأولاد الجالسين أمامها على الحصيرة، فتنقره على رأسه بقضيب خيزران طويل، أو تستدعيه لتفرك أذنه بحصوة خشنة بين أصابعها. وكانت الشيخة أمينة تأسيساً متيناً له في القرآن واللغة العربية والنطق السليم. وقد ظلت في خيال حلمي وذاكرته وشعره أيضاً!

في تلك الأيام، التقى صديق طفولته محمد ابو النور ابن ناظر المدرسة الذي كانت مكتبة والده مدخلهما إلى العالم، وكان الولع بالأدب الروسي، وتحديداً روايات: غوغول وتولوستوي ودوستويفسكي وتشيخوف وغوركي، وبعض أشعار بوشكين. وهذا الغرام كان البذور الأولى التي شكلت ميله لاحقاً إلى الفكر الاشتراكي واليساري. كانت حياة القرية التي عرف فيها الموالد الشعبية، وحضرات المتصوفة، وأغنيات العمّال مدخله إلى الشعر. وربما هي التي أكسبته لغته، إذ يكتبُ خارج المُكْتَسبات، أو يرفض أن يبقى أسير الذوق العام. اللغة التي يكتب بها تمتح من فائض اللغة، بما يعنيه من كلام عام سائد ومعروف، أي باستعمال الكلام الدَّارِج، لكن ليس بمعنى ما هو مُبْتذَل، أو «مطروح في الطريق» (بتعبير الجاحظ). عندما التحق بجامعة القاهرة، اختار دراسة الصحافة، وممارسة العمل السياسي المنظم. شارك في تظاهرات الطلبة، وانضم لاحقاً إلى «حزب التجمع» حتى رأَسَ تحرير مجلة «أدب ونقد» الثقافية التي كانت تصدر عنه. وكانت البداية ديواناً مشتركاً مع صديقه الشاعر رفعت سلام بعنوان «الغربة والانتظار» (1972)، تلاه ديوانه الأول «حبيبتي مزروعة في دماء الأرض» (1974). ولأن سنوات السبعينيات المصرية كان فترة كساد ثقافي، أسس مع عدد من أصدقائه الشعراء جماعة «إضاءة» (1977) التي ضمت حسن طلب، جمال القصاص، رفعت سلام، وأمجد ريان، وأصدروا مجلة تحمل اسم الجماعة احتوى عددها الأول على مانفيستو الحركة التي كانت أول خروج قوي على قصيدة التفعيلة التي اختط ريادتها في مصر شعراء مهمون كصلاح عبد الصبور، وعبد المعطي حجازي، إبراهيم أبو سنة. رغم هذه الثورية، إلا أنّ حلمي نفسه كان أول من خرج عليها. لم يكتب فقط قصيدة «الوردة» في مقابل «قصيدة البندقية»، فقصيدته تضمنت كل ذلك. لم تكن قصيدة مشغولة بخصوصيتها الذاتية وتفاصيلها الشخصية اليومية داخل غرفة مغلقة، بل شُغلت أيضاً بالجمهور. وربما لهذا كان صاحب «فقه اللذة» أكثر شعراء جيله تجريباً، حسب تعبير أحمد عبد المعطي حجازي في كتابه «أحفاد شوقي».

لاحقاً، راجع حلمي نفسه في كتابه «الحداثة أخت التسامح»، وكتب بحبّ عن الأجيال التي سبقته وكانت حركة «إضاءة» نقيضة لهم. رأى أنّ خلط السياسي بالشعري ليس عيباً، بل سمة أرادها؛ إذ لا يعني أن ينفصل الشعر الحداثي عن حياة مجتمعه ولا عن الخراب الذي يعيش فيه، ولا بد من المزاوجة جيداً بين الشعري والسياسي كي يعبّر الشعر عن همه السياسي والاجتماعي في إطار الفن الحداثي. حاول ألا تقتصر تجربته على الجانب الرومنطيقي ولا على الجانب الميتافيزيقي. وكان يسعى دوماً إلى التوفيق بين الفيزيقي والميتافيزيقي، بين اليومي والخالد، بين العيني والمجازي، وبين كل هذه المتناقضات جميعاً. كانت تجربته كلها خروج على ذاته قبل أن تكون خروجاً على الآخرين، حالما يكتشف أسلوباً، يسارع في البحث عن آخر معتبراً ذلك عمل الشعر. وربما لهذا لم يكن تعنيه غزارة الإنتاج لأنه قد يكتب مئة قصيدة وينشرها من أجل قصيدة واحدة. كان يقول: «أنا أكتب حياتي وعيني باستمرار على الشعر. أعتبر أنّ غزارتي ميزة وإن كان البعض يرى فيها بعض العيوب. لكن الميزة الكبرى أنني أحبّ الشعر والتجريب، وأكتب حياتي وتجاربي الكثيرة الغنية والخصبة التي بعضها شعري».

*****

ليلى والذئب (الأصولي)

محمد خير

القاهرة | «لا بدّ أنّ شجرةً هوَتْ/ وأنّ عجوزاً لم يستطع الإفلات من شظية» يقول حلمي سالم. لكنّ الرجل لم يكن عجوزاً أبداً. شعوران متناقضان رافقا خبر موته، أو بالأحرى سؤالان: الأول يندهش من عمره: «الواحدة والستين فقط»؟ والثاني يندهش من العكس: «هل كان هذا الشاب في الواحدة والستين»؟ مبعث التناقض هنا، هو سطوع اسم حلمي سالم مبكراً ولعشرات السنين، حتى بدا عمره صغيراً مقارنة برحلته الطويلة، لكن ابتسامته المرحبة وإقباله على الدنيا جعلا من ملامحه البشوشة محض سخرية من العمر الذي مر تاركاً صاحبه يضحك ويحب ويكتب. لم يكن الشاعر عجوزاً...

لكن الشجرة هوت. قابلتُه صدفة في «نقابة الصحافيين» في ذروة الأزمة التي نال فيها شرف التكفير من الشيخ يوسف البدري. حينها، تحدّث عن عمله الشعري الجديد الذي كان يفكر في تسميته بـ«الشاعر والشيخ»، وصدر في ما بعد تحت عنوان «الشاعر والشيخ» عن دار «آفاق» في القاهرة. كان سالم مستغرقاً في الضحك في ذلك اللقاء، بينما المحكمة تكفّره معلنة «إساءته إلى الذات الإلهية» في قصيدته الشهيرة «شرفة ليلى مراد» (2007). صراعات هذه القصيدة، كشفت آنذاك خطراً جديداً لم يكن المجتمع الثقافي يعرفه بعد، إذ تورط في الهجوم على سالم والتشهير به كتّاب «ديمقراطيون» لم يكفوا يوماً عن المطالبة بحرية الرأي والتعبير والإبداع. لم يعد الصراع ثلاثياً كما إبّان قضايا نجيب محفوظ وفرج فودة ونصر حامد أبوزيد، أي لم تعد أطرافه: إسلاميون، دولة، مثقفون... بل انقسم المثقفون غير الإسلاميين إلى يمين ويسار. هاجم اليمين سالم بضراوة تحت شعارات «البذاءة» و«إساءة استخدام حرية التعبير» فضلاً _ كالعادة _ عن الطعن في شعريته، في حين دافع اليسار عنه وعن آخر رجاله في «المجلس الأعلى للثقافة» الذي منح حلمي سالم «جائزة التفوق في الآداب» التي أشعلت جنون الإسلاميين. بعد سنوات على تلك الأزمة، انحاز اليمين الثقافي نفسه إلى مرشح «الإخوان المسلمين» محمد مرسي في جولة الإعادة في انتخابات الرئاسة الأخيرة، وقبْلها انحاز إلى إسلامي آخر هو عبد المنعم أبو الفتوح في الجولة الأولى. أما حلمي سالم، فلم ينحن للريح التي هبّت على قصيدته وعلى جائزته، مواصلاً خوض المعركة القضائية التي لم تحسم نهائياً حتى رحيله. بعدما وثّق تجربته مع التكفير شعرياً في ديوان «الشاعر والشيخ»، وثقها أيضاً نثرياً في كتابه المفضّل «محاكمة ليلى مراد». ربما فعل ذلك ليستخلص الشعراء العبر. «فليتحسس كل منا رأسه، وليفحص واحدنا نفسه» يقول في قصيدته «عيد ميلاد سيدة النبع» التي نُشرت قبل الأزمة بسنوات عدة. لكنه ربما فحص كتابته ولم يفحص نفسه جيداً، حتى هاجمه المرض بضراوة الموت، بينما يسنّ المتطرفون أسنانهم لالتهام ليلى مراد.

***

الرومانطيقي الثوري الذي عشق بنت جبيل

سيد محمود

القاهرة | قبل أسبوعين من وفاته، دعت الشاعرة الإماراتية المقيمة في مصر ميسون صقر مجموعة من الشعراء والنقاد لتكريم حلمي سالم. في ختام الحفلة التي قرأ فيها مقاطع من ديوانه المخطوط «حديقة الحيوان» ومن دوواينه القديمة، انتبه سالم لفكرة أن جميع الحاضرين هم أصغر منه سناً. رأى صاحب «الأبيض المتوسط» أن هذه الملاحظة لا تخلو من دلالة؛ إذ أنه الشاعر الوحيد الذي حظي بمباركة وتكريم الأجيال اللاحقة، التي رأته دائماً في صورة الشاعر المتمرد على أبناء جيله. أول من أمس، رحل «المتمرد»، وتناقل الشعراء والمثقفون المصريون خبر موته، متوقفين عند ابتسامته التي كانت هديةَ جميع من عرف سالم.
تلك الابتسامة رافقته حتى في أصعب اللحظات. قبل موته بأيام، وفي أمسية له في «حزب التجمع» ألقى فيها قصائد ديوانه المخطوط الآخر «معجزة التنفس»، قال إن أطباء المستشفى الذي كان يُعالج فيه من سرطان بالرئة وفشل كلوي حاد رفضوا السماح له بالخروج لأن حالته خطرة، غير أنه أصرّ على عدم سماع نصيحتهم، قائلاً إن «الشعر يشفي أفضل من ألف جلسة كيماوي»، ومشيراً إلى أنه سيعتبر نفسه لصاً وأنانياً لو مات على سريره الوثير في المستشفى، لأن «غيري مات مسحولاً في ميادين مصر».

يروي «معجزة التنفس» تجربة الشاعر مع المرض الذي يصفه بـ«الامتحان الملوّن» («ادخل امتحانك الملوّن كي تخرج أخاً للياسمين»)، ويوجز فيه تفاصيل حياته اليومية بأسلوب الشعري الذي يحوّل فيه اللحظات المعاشة إلى مادة شعرية يمكن تأملها أو السخرية منها.

بدأ صاحب «حبيبتي مزروعة في دماء الأرض» تجربته الشعرية بمعركة كبيرة، وأنهاها بمعركة أكبر. المعركة الأولى كانت مع الشاعر الراحل أمل دنقل، حيث كتب سالم مقالته الشهيرة «أدونيسيون ودنقليون» التي هاجم في جزء منها أمل دنقل، باعتباره «شاعر عصر محدّد». وكان جوهر الخلاف، بحسب ما توثّق الصحافية عبلة الرويني (زوجة دنقل)، ينصبّ في كون أمل يرى أن الشعر يأخذ ماهيته الأساسية من صلته بالجمهور لأن له دوراً سياسياً واجتماعياً ينبغي أن يكون ملموساً، لا أن يكون ملغزاً أو متعالياً على الجمهور. اللافت هنا، أن سالم نفسه عاد بعد عشرين عاماً من وفاة أمل دنقل إلى الاحتفاء بصاحب «لا تصالح» وإعداد مختارات من أشعاره.

لم يخجل حلمي سالم من مراجعة مقولاته حول صاحب «أوراق الغرفة 8»، ربما لأن شعر سالم نفسه لم ينجُ من تهمة التوجه إلى الجمهور، فقد كان شاعراً ملتزماً فيه سمة «الرومانطيقي الثوري»، وكان للهم الوطني مكانة في شعره. يمكن اعتبار الالتزام خطاً أساسياً في تجربة سالم، يوازي الخط الذي يمكن أن نسميه بالحداثة أو ما بعد الحداثة في تجربته، لاسيّما في «سراب التريكو» و«الثناء على الضعف». أما الخط الملتزم، فيتضح في دواوين «سيرة بيروت» و«الأبيض المتوسط» و«تحيات الحجر الكريم» (الذي تضمن قصائد عن الانتفاضة الفلسطينية)، ثم في ديوان «حمامة بنت جبيل» المكرس لتمجيد تجربة المقاومة في حرب تموز 2006. يمكن أيضاً ضمّ آخر دواوينه إلى هذا الخط، فـ «ارفع رأسك عالية» المكرس بالكامل لتجربة الثورة المصرية، هو ديوان تصحّ عليه الملاحطة التي أبداها الناقد جابر عصفور على شعر حلمي سالم بالكامل. يحكي عصفور عن تباين المستوى الابداعي في شعر سالم، حيث يهبط حيناً ويعلو أحياناً أخرى نظراً لكونه في الغالب «شعراً عفوياً» نتيجة الغزارة اللافتة في إنتاج صاحبه. لم يكن سالم يجد حرجاً أو عاراً في كتابة قصائد وطنية سياسية مباشرة في بعض الأحيان التي تقتضي ذلك إخلاصاً لما كان يسميه شعر «الضريبة العاجلة»، حتى لو كان ثمن تلك الضريبة الخروج من جنة الحداثيين، فالحداثة التي كان يؤمن بها هي حداثة التسامح، كما يشير الى ذلك صراحة عنوان أحد أبرز كتبه («الحداثة أخت التسامح»)، فهي ليست ديناً ولا شيكاً على بياض، وليست «روشيته» جامدة أبدية، كما كشف في أحد حواراته الصحافية.

المعركة الثانية التي خاضها صاحب «مدائح جلطة المخ»، كانت مع المتشددين دينياً الذين سعوا إلى تكفيره بسبب قصيدته «شرفة ليلى مراد» التي رأوا فيها «إساءة إلى الذات الإلهية». قاوم سالم الأصوليين بالشعر، ولم يتورط بكتابة بيان أو إطلاق تصريح صحفي، بل اكتفى بكتابة ديوانه «الشاعر والشيخ» الذي وضع المعركة برمتها موضع تأمل شعري. تلا الديوان كتاب توثيقي («محاكمة شرفة ليلى مراد») تضمّن كل ما نُشر عن الحادثة التي كادت أن تتسبّب في سحب «جائزة التفوق في الآداب» منه، وهي التي نالها عام 2006. في الكتاب، يتوقف الراحل أمام تجربته المريرة، محذراً من القراءات الحرفية لأي نص «لأنها تتصف بالتربص وبالبوليسية»، ومحذراً أيضاً من هيمنة التيارات الدينية على ما أسماه «دولة مدنية من حيث الشكل» فقط، حيث تحتوي هذه الدولة على محاكم تفتيش مزدوجة: سلطوية ودينية. وقد خشي حلمي في أيامه الأخيرة من زحف هذه المحاكم إلى المجال العام في مصر.

لا تختلف سيرة حلمي سالم مع لبنان عن سيرة الكثير من مجايليه من الشعراء والأدباء والسياسيين الذين أفرزتهم الحركة الطلابية المصرية في أوائل سبعينيات القرن الماضي. حين التحق بكلية الآداب في جامعة القاهرة ليدرس الصحافة، انخرط في أسرة مصر الطلابية، واندمج كلياً مع الشعارات التي كانت تندّد بتخاذل الرئيس السادات وبسياسات «اللا سلم واللا حرب». كانت القضية الفلسطينية على رأس أولويات هذا الجيل، بل في غالبية الاحيان كانت القضية الأولى. لذلك، لم يكن غريباً أن يخرج سالم للعمل في الصحافة الفلسطينيّة في بيروت. عاش في العاصمة اللبنانية التي تحتل مساحة كبيرة في وعيه الإنساني والشعري، عبر عنها في كتابه «الثقافة تحت الحصار» الذي يوثق لتجارب المثقفين المصريين والعرب الذين انخرطوا في صفوف المقاومة الفلسطينية في لبنان وعملوا معها وقاوموا الزحف الإسرائيلي على لبنان.

ويرجح الشاعر العماني سيف الرحبي في شهادة له عن حلمي سالم، أن الراحل لم يغادر بيروت إلا بعد الاجتياح الإسرائيلي لها عام 1982. هكذا، ذهب صاحب «يوجد هنا عميان» إلى عمّان في واحدة من مهامه الغراميّة المعهودة (كانت المرأة والشعر حلم خلاص جوهري في حياته). وهناك، في العاصمة الأردنية، بدل أحضان الحبيبة، تلقفته أحضان المخابرات الأردنيّة ورمته أياماً في السجن، قبل أن تقذفه لاحقاً إلى الحدود السورية. تمكن من العودة إلى القاهرة، ومنها إلى باريس حيث عمل في «دار الفكر» مع الكاتب اليساري طاهر عبد الحكيم، قبل أن يعود إلى العاصمة المصرية ليستقر هنا، ويعمل محرراً ثقافياً في صحيفة «الأهالي» ثم رئيساً لتحرير مجلة «أدب ونقد». لكن رغم هذا الترحال، لم تنقطع صلة حلمي سالم بلبنان، إذ تجلت في ديوان «سيرة بيروت» الذي ضمّ قصائدَ كتبها تحت الحصار. كما أنه تزوّج السيدة اللبنانية أمل بيضون، وهي من مدينة بنت جبيل التي كتب عنها سالم قصيدة مطوّلة تحت عنوان «حمامة على بنت جبيل» صدرت في مجموعة حملت الاسم نفسه عن «دار النهضة العربية» في بيروت. ويرى سالم أن بنت جبيل أيقونة المقاومة، لأنها مثّلت نموذجاً للمقاومة الأسطورية التي تذكر بباريس وستالينغراد تحت الحصار الألماني، وسائر المدن التي قدمت قصصاً بليغة في الصمود.

عاش حلمي سالم حياته على طريقته. حاول الجمع في شعره بين القروي والحداثي، بين الماركسية الملتزمة وشطحات الشاعر الصوفي. لم يكتب سيرته الذاتية، لكن المتأمل في شعره يجد فيه مرايا تلك السيرة التي امتزجت بكافة صور الغرام والاشتباك مع الحياة، كأنه سعى إلى أن يكتب أعماله بدم الحياة، وبلغة طفولية كانت قادرة على امتلاك العالم، بحسب بعض نقاده.

****

عن اليمني حلمي سالم

جمال جبران

صنعاء | كان حلمي سالم، (ما أقسى صيغة الماضي هذه!) مُحباً لليمن بشكل مثير لأكثر من سؤال. عندما كانت تأتيه دعوة لحضور مهرجان شعري في صنعاء وتتزامن مع دعوات أخرى في بلد خليجي آخر، كان يضع اصبعه موافقاً على السفر إلى اليمن. كانت المقارنة صعبة بين دعوات دول الخليج وبين الظروف التي سيكون فيها إن حلّ ضيفاً على اليمن.

والفارق كبير. متسع الرفاهية في فنادق الخليج حيث كل شيء حاضر في خدمتك هناك وبين السكن في فندق عادي في صنعاء، عادي جداً. هو الفارق بين كل الأشياء الحلوة التي سيمتلكها هناك وسوف يفقدها هنا، في هذا البلد الفقير. لا نحتاج هنا إلى بصيرة كبيرة كي ندرك مدى نقاوة هذا الشاعر الجميل. مدى انحيازه إلى الأماكن التي يجد فيها ذاته. الأماكن التي يشعر أنها تحبه ويشعر أنّها ملتصقة به.
هي ذاتها الأماكن التي يصنعها، ولا تصنعه. هي الثقة في الذات وفي الشعر الذي كان يفعله، وفوق ذلك: شعري سيبقى. كأنه يقول هذه العبارة من غير تبجح أو مزايدة.

كيف يمكن أن تتصرف مع شاعر يثق بذاته إلى هذا الحد! كنت أقول لنفسي قبل أن أعرفه بشكل شخصي في القاهرة. المعنى الشخصي هنا يُقصد به الحوار الشخصي. مقابلة الشخصية التي أتت كي تطلب منه شيئاً. في مكتبه الصغير. مكتب في حزب التجمع. ومنه يدير كل تلك الهالة التي تفعلها مجلة «أدب ونقد». سألته: أمن هذا المكان الصغير تفعلون «أدب ونقد»! كل هذا الأدب والنقد من هذا المكان المحاصر بالمكان؟ فقال: «نعم. من هنا».

وسألته أيضاً أو طلبت منه أن يأتي لي بعدد أنجزته «أدب ونقد» خصيصاً لـ «ثورة 25 يناير» وفيه قصيدة منشورة للشاعر اليمني عبد العزيز المقالح. كان هذا الأخير قد طلب مني جلب هذا العدد من القاهرة. وقتها كانت الصحف والمجلات المصرية محجوبة عن الوصول إلى اليمن أيام الثورة، أيام الحصار. ولهذا لم تصل المجلة الى بلادنا.

لكن أيضاً، كان العدد قد نفد من أسواق القاهرة وقت نزول العدد. نفد سريعاً لفرط ما كان يحتويه من توثيق لـ «ثورة 25 يناير»، لفرط حلاوة النصوص التي كان يحملها. ولذا كانت فقط نسخ خاصة بأرشيف المجلة. قال المشرف على هذا الأرشيف: خلصت النسخ من هذا العدد.
لكن حلمي سالم قال للمشرف على الأرشيف: هات نسخة لليمن. كأنّه يقول: هذه نسخة لليمن التي أحبها.

الاخبار- العدد ١٧٧٠ الاثنين ٣٠ تموز ٢٠١٢

عودة اليتيم

عباس بيضون

حلمي سالم

يوم أصيب حلمي سالم بجلطة في الرأس كتبت كلمة في تحيته وكان جواب حلمي كريماً بسعة قلب لم تعوزه في يوم. بعد ذلك أخذ حلمي يشاغب الجلطة. انتصر عليها وبسعة قلبه أخذ يدللها ويلاعبها. فاجأنا حلمي وهو يذيع قصته مع الجلطة ويحولها إلى فصل في حياته الشعرية.
كان حلمي هكذا يجد الشعر في أي مكان يجده في ثنايا جسده وفي تلافيق روحه وفي الخارج، الخارج أيا كان، شارعاً أم سوقاً أم مدينة أم قضية. يمكننا القول ان الرجل كان يتكلم شعراً ويتنفس شعراً ويناضل شعراً ويجادل شعراً. يمكننا القول ان الشعر لم يكن فقط على الطريق، كان سريراً ورداءً وطبقاً وآهة وغضباً وديرة ووطناً ومأوى وبلداً ومدينة وريفاً ومكتبة وكتاباً وأوراقا. كان حلمي يحمل اسمه الأنيق «حلمي سالم» معه إلى كل مكان تقريباً، ومذ يتنفس فيه ومذ يلامسه، حتى يبدأ الشعر يخامره، حتى تبدأ الأشياء تنتظم في سطور وفي كلمات وفي مقاطع وفي أبيات.

المرة لن أفرح بكرم حلمي ولا بجوابه، لن يعود لي كلامي مثقلاً بالبهجة. كنا نمتنع عن السؤال عن حلمي لئلا نفسد عليه معركته مع السرطان. لئلا نلهيه بسؤالنا عن معركته. صاح كثيرون انه سينتصر هذه المرة أيضا فهو بالنسبة لهم مقاتل وعاش مقاتلاً ولن يقدر عليه السرطان بعد أن أذل الجلطة وقهرها. كثيرون انتظر معجزة أخرى من حلمي، كثيرون قدروا ان الشعر قد يكون قوة، أن الأمل قد يكون طاقة، أن الكرم قد يصبح قدرة، أن الفرح يمكن ان يكون سلاحاً. كثيرون قدروا ان رجلاً ببسمة حلمي سالم يستطيع ان يطرد الموت، قدروا ان شخصاً في كرمه قد يكون محمياً، ان معركته مع الحياة أطول من معركته مع الموت، انه مقاتل هنا وهناك والمقاتلون لا يؤخذون بسهولة. لا بد من معركة أطول، إذ لن يأتي الصباح الذي نسمع فيه نعي حلمي الا بعد أن يكون خاضها طويلة عامرة.

كنا نعرف ان حلمي يصارع لكن أخباره التي احتجبت جعلتنا نأمل، ثم ان الأمل استحال يقيناً. قلنا هذه المرة ايضا سيسلم. لذا بدا خبره مفاجأة. في كل حال سيكون خبر حلمي مفاجأة. لن نتوقعه حتى لو كنا على قاب قوسين منه. لن ننتظره حتى لو كان أقرب إلينا من حبل الوريد. سيكون شاقاً ان نفترض ان مصر الكبيرة الواسعة، ان مصر العامرة بالثورات والمجاهدات لم تعد تحوي حلمي سالم. ان كل شيء، بما فيه حياتنا نحن ويومياتنا نحن، يجري في غيابه. سيكون شاقاً ان نفكر بأن حلمي سالم هاجر بدون أن يأخذ جيوش الشعر معه، انه ترك خلفه فلول الشعر هذه، وانه لن يكتب قصيدة عن موته. سيكون شاقاً علينا أن نفكر بأن حلمي سيكون غائبا عن آخر معاركه، انه لن يطلق اسماً آخر على السرطان. ولن يشاغبه او يعيره بهزيمته.

حلمي سالم من جيلي، الجيل الذي خرج من فلول هزيمة حزيران، خرجنا منها يتامى لكل شيء. يتامى السماء والأرض والطبيعة واللغة والكلام والرموز والشعر أيضا. ما كنا نظن ان يتماً آخر ينتظر على الطريق. جلطة الرأس والسرطان واللغة نفسها التي تستحيل جلطة وسرطانا. الشعر الذي يغدو جلطة وسرطاناً، الرموز التي تطبق كالجلطة والسرطان. اليتم الذي سيكون قدراً وسيتكرر مرات بدون ان نجد أبا في السماء ولا في الأرض. ظل الشعراء أوسع حلماً وخال بعضهم ان العالم يصنع كالقصائد، يكفي ان نجد بيتا لنبدأ، يكفي ان نجد إيقاعاً لنصل. قال بعضهم ان من عجين اللغة تصنع حجارة المستقبل، ان الثورة والبراكين والزلازل والعواصف توقد بالكلمات. لم يكن لدينا سواها وفكرنا اننا نستطيع بها ان نشعل النار في العالم. حلمي ظل يناور بالكلمات. ناور الجلطة وعلى الأرجح ناور السرطان.

الشعر ظل بيته وبلده ولم يكن أبداً غريباً في يوم. كان يجد وطناً في أي مكان. يجد بيتاً وأصدقاء في أي مكان. كثيرون سيشعرون ان قصيدة هربت أمامهم. ان خيطاً انقطع في قلوبهم، كثيرون سيشعرون ان اليتيم الشارد عاد إلى بيته، سيشعرون ان دمغة حداد أطبقت على نفوسهم. كثيرون سيعرفون ان الشعر هو ايضا صداقة وان الشعر قربى وأنه دم مشترك. حلمي ستكون أخا لكثيرين وسيكثر أخوتك بعد الآن، في معركتنا مع أنفسنا وحياتنا ستكون حاضراً وستسميها بأسماء أخرى، وسنسمع ضحكتك ولن يهزمك بعد سرطان ولا جلطة ولا شيطان.

***

صقر أبو فخر: مكافح ومناضل

بعد خروجه من بيروت في صيف 1982 أصدر حلمي سالم كتاباً عنوانه «الثقافة تحت الحصار» (1984) يروي فيه تفصيلات من الحياة الثقافية لمدينة بيروت في اثناء الحصار الإسرائيلي. وعندما وصلني الكتاب أثار فيَّ حنيناً إلى أيام الحصار، وإلى الناس المحاصرين الذين تناثروا هنا وهناك مثل أيدي سبأ، وعلمت ان حلمي ما زال يقيم في بيروت. وحين أصدر حلمي «سيرة بيروت» في سنة 1986 علمت ان هذه المدينة ما برحت تقيم فيه وتسكن في شرايينه ولا تبرحها. ومرَّ حين من الدهر لم نلتق البتة، فقد تباعدت بيننا الدروب وافترقت الخطى إلى ان التقينا، بعد نحو ربع قرن، في بيروت مجدداً. وانهمرت الذكريات كأنها البارحة. فاللقاءات في مثل هذه الحال تستدعي الذكريات بقوة، وتتسربل بأسماء من رحل ومن بقي، وأين صاروا.

التقيت حلمي سالم، أول مرة، في مجلة «بلسم» التي كان يشرف عليها الروائي والناقد الفلسطيني عبد الرحمن بسيسو، وكان يكتب فيها «أحمد المصري»، وهو الاسم المستعار لأحمد بهاء الدين شعبان أحد قادة الحركة الطالبية المصرية في أوائل سبعينيات القرن المنصرم الذي خصّه أحمد فؤاد نجم بالذكر في قصيدته المشهورة «أنا رحت القلعة وشفت ياسين». ثم جمعتنا مجلة «المصير الديموقراطي» التي كانت لنا مقهى اجتمع فيه مصريون أمثال حلمي سالم وسلوى بكر وأحمد بهاء الدين شعبان، وأردني ذو هوى مصري هو غالب هلسا، وفلسطيني امتهن الإقامة في مصر هو عبد القادر ياسين، وكنت أشرف على الباب الثقافي في هذه المجلة التي ما إن صدرت في سنة 1980 حتى كشفت سرها، فهي مجلة فلسطينية ـ لبنانية بنكهة مصرية.

كان حلمي مفتوناً بأدونيس... وأنا كذلك. وكنا بهذا الافتتان نخالف الذائقة الشعرية الفلسطينية السائدة، واللغة الشعرية الطاغية التي «تلعق زيت السلاح حين تعطش، وتأكل لحم الدبابات حين تجوع». ولما عاد إلى مصر قُيض له، بمخزونه الثقافي الذي حمله معه من بيروت، ان يكون له شأن مهم في حركة الشعر المصري الجديد، فأصبح حلقة مهمة في سلسلة طويلة ضمت إليها عدداً من الشعراء الشبان امثال حسن طلب ورفعت سلام ووليد منير، وحاولوا معاً ايجاد صوت شعري متميز. وفي هذا الميدان كان حلمي سالم محفزاً شعرياً لامعاً في مصر، ومحرِّكاً نشطاً للشعر الجديد (أي قصيدة النثر) الذي أدار ظهره، جزئياً، لصلاح عبد الصبور وأحمد عبد المعطي حجازي، واختطّ لنفسه طريقة في الشعر تنهل من جيل الريادة (عبد الصبور وحجازي وأمل دنقل ومحمد عفيفي مطر) وتسعى، في الوقت نفسه، إلى تجاوزه إبداعياً. وكان لحلمي سالم ورفاقه تأثير ظاهر في جيل الثمانينيات من شعراء مصر أمثال محمود قرني وعماد أبو صالح وايمان مرسال وأحمد الشهاوي وغيرهم.

حلمي سالم ليس مجرد شاعر من شعراء قصيدة النثر. إنه شاعر مكافح ومشاكس وتقدمي ومناضل في سبيل الديموقراطية ومناوئ للاستبداد. لهذا حاربته المؤسسة السياسية، وأرادت المؤسسة الدينية أن تنال منه، فلم يكترث. وحين نشر قصيدة «شرفة ليلى مراد» في مجلة «إبداع» في شتاء 2007 اعتقدت الجماعات التكفيرية انها اصطادته، فشنت حملة ضارية عليه، ورفع يوسف البدري دعوى ضده بتهمة الإساءة إلى الذات الإلهية... ولم يكترث. وطالب بعض أصحاب الأدمغة الجافة بسحب جائزة التفوق منه إلا إذا أعلن توبته... ولم يكترث. غير أن ما آلمه وأصابه بالخيبة هو انفراط كثير من الشعراء والنقاد والأدباء من حوله، فلم يسانده إلا النفر القليل منهم حين كان يتصدى لعسف السلطات ولعهر الجماعات الظلامية وحده تقريباً.
في تشرين الأول 2004 أصابته جلطة سببت له شللاً جزئياً. ولعل أحواله انتعشت حين لاحت بوادر الحرية في مصر. إلا أن فأله خاب مجدداً عندما تسيّدت الجماعات الإسلامية المشهد السياسي. وكانت الأمراض قد نالت منه، وتغلبت عليه، فأراح ركابه المتعب ومضى، بعدما ترك لنا صداقة لا تنتهي، وأثراً لا يُمحى، وذخيرة صنعها بأصابعه، وشكّل قوامها بحروف الأبجدية وهي سبعة عشر ديواناً شعرياً وعشرة كتب نقدية وسجالية مختلفة، وسيرة عبقت بالصداقة المديدة والذكريات المنعشة.

***

محمد علي شمس الدين:
أيها الجميل المكفف بجماله

غالباً ما تجعلني الكارثة أبكم، أنا لست فصيحاً في المناحات، كموت الحبيب أو موت الصديق مثلاً. والصديق ما أعنيه ذاتياً بالاختيار لا موضوعياً أي أن نفسي اختارته من بين الآلاف صديقاً وأليفاً ولا صلة لكل ذلك بنسبة الإبداع في شعر حلمي بل في حياته. حلمي سالم كان صديقي، كنت أعرف من هو شعرياً وإبداعياً وكتبت في ذلك، لكنني لم أكتب فيه صديقاً حتى اليوم، وها هي لحظة موته تأتي وهنا تخونني العبارة، كان الموت قد بدأ من مدة طويلة ينهش فيها رأس حلمي وكبده وكنت أحادثه بين فينة وفينة وأتحاشى سؤاله عن مرضه، كان يخبرني أحياناً فأهرب منه وقد أشرف على إصدار مختارات من قصائدي في مصر في سلسلة «آفاق عربية»، وكتب لها مقدمة وهو مريض، كان ذلك من عام تقريباً. ومات اثنان جميلان ولم انتبه إبراهيم أصلان وحلمي سالم.
يا حلمي سلّم لي على إبراهيم واعلم أن موتك بالنسبة إليّ مهيب وفاجع وحربك كموت مدينة. واعلم أيها الجميل المكفن بجماله أنك محروس إلى الأبد في قرة عين مصر وقرة عين الله.

***

جودت فخر الدين:
الغياب يكشف ولا يحجب

المودة أولاً، هي التي نشأت بيننا، وذلك قبل أن نلتقي. تعارفنا عن بعد، ثم التقينا مرتين في القاهرة، في أثناء مهرجانين شعريين. لمست لديه الحماسة إزاء التغيير في الشعر وفي غيره. ولمست لديه أيضاً الدماثة والرهافة وحضور البديهة.
وكانت لنا زمالة في النشر. فالعدد الأول من مجلة «إبداع» ضمّ قصيدتي «شظايا» وضمّ قصيدته «في شرفة ليلى مراد».
تفاجأت بخبر موته، وأنا أمسك بالجريدة صباح البارحة، رحت أشعر بأن الذي بيني وبينه هو أكبر مما ظننت. هل أقول إذن إن الغياب يكشف ولا يحجب؟ وهل أقول أيضاً إن أصفى الصداقات هو الذي يحيا في هامش الصمت أو الخفر؟

***

علي المقري:
حداثة وسطى

حلمي سالم

تبدو لي تجربة حلمي سالم الشعرية، وكذلك الحياتية، منقسمة بين جيلين، جيل التأسيس للحداثة الشعرية، والثقافية بشكل عام، المعيش في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، وجيل الثمانينيات الذي أتى بعده وبدأ يحاول فحص تجربة المنجز السابق ونقده، بل والمضي في اختبارات مغايرة تسعى لخراب النص الحداثي المؤسس بكل تمظهراته اللغوية والسياقية الجمالية التي صارت هي الأخرى في حال تكريس وتثبيت قيمي.
حلمي سالم، كمعظم أبناء جيله، السبعيني بدا متوافقاً مع الجيلين، فهو مع حداثة وسطى، رأت أن شعارات التخريب والانفجار المؤسسة لم تكن محققة بالفعل، كما أن امتدادها إلى أجيال لاحقة أخذت شكل القطيعة عن كل ما سبق.
حلمي سالم، بهذا التلاقي، قدّم نصه الملتزم بإيقاع الحداثة، بأبعادها الإنسانية والفكرية، مع اقتراب مراوغ من التجارب العاصفة للجيل الذي يليه. وبهذا تكمن أهمية هذا الصوت الشعري، الذي جاء بعد مرحلة الشعارات العربية الصاخبة، فلقي نفسه، مع مجايليه، يعيش أجواء ما بعد الانكسار، حيث صارت الخيبة حال معاش يومي.

(شاعر وروائي من اليمن)

***

شاكر لعيبي:
مرق مثل كوكب...

تعود علاقتي بالشاعر الراحل حلمي سالم إلى العام 1980 في بيروت. كانت المدينة مَرْجلاً يغلي بالأفكار والحماسة. كانت مختبراً للثقافة والتجريب والسأم من السياسة الرسمية المصابة بالعطب. كان لقائي الأول به في بيت السينمائي محمد توفيق الذي كان جاراً لي في شارع متفرع من الحمرا. كنا شباباً، ومن الوهلة الأولى نعرف بالضبط طبيعة الأمر الذي يجمعنا في هذا المكان. لقد بقي جوهر هذا الأمر علة وسبب وجود حلمي سالم وفاعليته الثقافية والشعرية والجمالية. أقول اليوم إنْ لا شيء يضاهي حلم بيروت في تلك الفترة، ولا يوازن كينونة مثل كينونة الراحل سالم المأخوذ دوماً بالجمال والحقيقة. لقد ظل وفياً لنفسه، ومخلصاً لتلك «اللحظة الاستعارية» العميقة، كما أراها اليوم بعد أكثر من ثلاثين عاماً. إذ ارتبط بشغفٍ نادر، وفي آن واحد، بالكتابة الشعرية والسجالات السياسية التي وقف فيها دوماً جوار العدالة والعقل، ولعل آخرها «معركته» بشأن قصيدته «شرفة ليلى مراد» التي أثارت ضجة كبيرة في العام 2007. لقد أعاد نشرها في مجلة (نقد) بعد أن تضمنها ديوانه الشعري «الثناء على الضعف»، رغم أن التيار الإسلامي كان قد اعتبرها مسيئة للذات الإلهية وطالب بسحب جائزة وزارة الثقافة عن مجمل أعماله منه. لم يَهُنْ حلمي سالم ولم يضعف رغم قوة التيار.
التقيت به بعدئذ في مقهى غرومبي محض مصادفة في زيارة إلى القاهرة، ربما صيف 2002 أو 2004. وهنا يمكن أن يرى المرء قوة الكرم والأريحية في شخصية الراحل. ثم سطوة العمر الذي يمر من دون أن تدري. اختفى الشاب البيروتي الوثاب، وحضر الرجل الناضج الأشيب قليلاً. العام 2006 2007 التقيت به من جديد في نقابة الصحافيين المصريين، وكان برفقة الشاعرة الصديقة فاطمة ناعوت. ليدعواني كلاهما لجلسة دردشة في المقهى الواقع أعلى النقابة، حيث تشاهد منظراً بانورامياً للقاهرة: ما زال الرجل هو نفسه منخرطاً في الثقافيّ والسياسيّ كليهما وبالروح الأريحيّ ذاته.. لقد رحل حلمي سالم في الفترة نفسها التي رحل بها إبراهيم أصلان وخيري شلبي، فرَحَاً مما يحدث أو غيظاً...

رحل حلمي سالم بعد مرض عضال في الستين من عمره. ولا أعرف، رغم التكريم الأخير له منذ بعض الوقت، فيما إذا حاز هذا الشاعر المصري الجميل على المكانة الحقيقية التي يستحقها بين مجايليه، وسط مشهد شعري، مصريّ وعربيّ، اختلطت فيها المعايير الجمالية بالقيم الهشة للميديا. وخاصة لأنه ظل قريباً إلى مزاج حزب التجمع اليساريّ وإلى تلك المفاهيم الشعرية العالمية التي لا تضحّي «بالرسائل الشعرية» لصالح الجماليّ المنقّى وحده. ومن بين قلة من مجايليه خرج الراحل من القارة الثقافية المصرية إلى الجغرافيا الثقافية العربية، فاعلاً ومنفعلاً، مساهِماً ومراقباً ومشاطِراً. وهو أمر لم يتهيأ دائماً لشاعر مصريّ معاصر، ولعله من نتائج فترته اللبنانية ووعيه الرحب وقربه من الرحم الكونيّ الأشمل.
من المنوفية حيث وُلد إلى فضاء العالم، مرق حلمي مثل كوكبٍ، مثل مذنـّبٍ. يا حلمي سالم، لترقد روحك بسلام.

(شاعر وباحث من العراق)

****

ماجد أبو غوش:
الجنوبي الجميل

ماذا بعد وجع القلب
وتساقط الجدران
من حول الجسد النحيل؟
.........................
جدار مغطى بالأغاني
وأغنية حبلى بالشموس
وشمس تشرق من صدر
الجنوبي الجميل
قهوة مرة
وعواء ذئب
في ليل طويل
كلما ناديته قال انتظر
سيأتي دورك في الرقص
والعواء الكثير
فامنح قلبك قليلا
من الحب والوجد
وانتظر أن يزهر في كفيك المستحيل!

(شاعر فلسطيني)

***

جرجس شكري:
شاعر برتبة مقاتل

في سنواته الأخيرة كان حلمي سالم مقاتلاً يخوض معارك متنوعة، يخوضها مع جسده أحياناً، وفي أحيانٍ أخرى هو وجسده الذي صار ضعيفاً مع الشعر، ثم هو وجسده وشعره ضد الجماعات الدينية المتشددة؟ هذا ما تذكرته أمس حين سمعت نبأ رحيل حلمي سالم، تذكرت سلسلة المعارك التي عاشها في سنواته الأخيرة منذ أن أصيب بالجلطة وكتب في مديحها كتاباً، كنت في ذلك الوقت عضواً في مجلس تحرير مجلة «أدب ونقد»، وكلما التقينا يبتسم مثل طفل ويطلب سيجارة، يدخنها في سعادة غامرة وبالتدريج عاد للتدخين واكتفى من المرض بالكتابة عنه، وكأنه أصيب بالجلطة ليكتب عنها... وفي مرضه الأخير زرته قبل إجراء العملية، أنا والشاعر عبد المنعم رمضان في بيته، وكانت روحه المعنوية مرتفعة لأن الطبيب أخبره بأن السرطان لم يتجاوز الرئة وبقية الجسم سليمة، كان سعيداً وقضينا معه وقتاً لم نشعر أنه مريض، وبعد العملية نصحوه بأن يبقى في المستشفى ليجدوا حلاً للفشل الكلوي ولم يفعل وقبل رحيله بأيام نصحوه بأن يبيت في المستشفى بعد غسيل الكلى لتدهور صحته، ولم يفعل وغادر. وفي اليوم التالي حضر أمسية شعرية أقيمت من أجله، كان حلمي سالم بالفعل مقاتلاً يحارب الحياة كل يوم وكان مصمماً على الانتصار، كان يكتب كثيراً يكتب عن كل شيء، ويحوّل كل شيء إلى شعر حتى المرض، وأحياناً كنت أجد ما يكتب كلاماً مباشراً، وأندهش كيف تجرأ وكتب هذا الكلام الذي كنت أنظر إليه على أنه بعيد عن الشعر، وفي قصيدته المشكلة (شرفة ليلى مراد) دافع عنه البعض، وخذله البعض الآخر من أصحابه، ولكنه لم يستسلم وظل يقاتل ولم يكف عن الضحك، يختلف الجميع حول شعره وهو يكتب ويضحك ولا يهتم، إنه حلمي سالم الذي لم يتوقف عن الكتابة أو الضحك حتى مات.

****

جوزيف عيساوي:
إشكالية الشاعر والنبي

كنا خرجنا للتو من أمسية شعرية مشتركة، ثالثنا الشاعر حسن نجمي، في معرض بيروت للكتاب قبل بضعة أعوام، حين تلقى حلمي سالم اتصالاً من القاهرة ينبئه بدعوى احتساب ضده.
جلسنا في الكافيتيريا، التوتر في ملامحه، لكن ابتسامة رائقة وعذبة لم تفارقه. كأن مقطعاً من شعره كان يمر في باله تلك اللحظات:
«ألم تشاهدي الطيبين الذين لم يريدوا أن/ يكون الله شرطياً/ يباغت النائمين في البيوت،/ ولا أن يصير مهندس البطش».

أحد شعراء السبعينيات المصريين ممن عجنوا موسيقى التفعيلة بانزياحات ما. على ان حلمي بالذات طوّر تجربته، مستفيداً من قصيدة النثر وتقنيات النص المفتوح، ليغمس قصيدة في المعيش ولحظته الراهنة («قالت: يا الخلخالين في كاحليَّ؟/ قلت: المعلّقات وقصيدة النثر»).
بين يدي الآن ديوانه «الشاعر والشيخ» الصادر العام 2008. الإشكالية التي تطعن على القصائد، علاقة الإنسان بالمقدس. من جهة، ومن اخرى برجال الدين في تحالفهم مع الديكتاتورية والمال.
اللغة الشعرية طوع خياله وفكره لصناعة قصيدة تلجأ إلى الصورة والحكاية والقرآن، لتقول معرفة نقدية في الماوراء وتجلياته. وأكثر ما يؤلمها شيوخ وفقهاء دعاة فضائيون يعيقون الإنسان على دروبه للعمل والحب ومجرد العيش.
إشكالية الشاعر والنبي تحضر أيضاً في الديوان، سلطة الشعر في مواجهة سلطة النبوة. وثمة قصيدة وشرح «شرفة ليلى مراد» بنيت على القصيدة التي سبق ان أثارت ضده رجال التكفير.
الجمال والصنيع الماهر لا يفارقان الديوان المذكور، في ملعب رحب للخيال واللغة واليد التي تلهو على الصفحة بكيمياء المفردات، معيدة صياغة (وبرذخة) شيفرات حمض اللغة النووي.
«لكن القصيدة أعلى من انكشارية الوحي المقدس» كتب سالم. ومن الموت أيضاً. وستعيش القصيدة تلك، الأعلى، ما عاش على الأرض انسان يسعى إلى الحرية، يسعفه الشعر على بلوغها، وإن مكتوباً بلسان استعاره يوماً إليه.

السفير 30 يوليو 2012

*****

وفاة الناقد والشاعر المصري حلمي سالم صاحب القصيدة الأزمة 'شرفة ليلى مراد'

حلمي سالم القاهرة ـ(د ب أ): أعلن في العاصمة المصرية القاهرة يوم السبت الماضي وفاة الناقد والشاعر المصري حلمي سالم عن عمر تجاوز الستين عاما متأثرا بمرض سرطان الرئة.
وفاجأت ألام المرض الشاعر الراحل قبل عدة أشهر ما دفع وزير الثقافة وقتها الدكتور شاكر عبد الحميد إلى العمل على نقله إلى مستشفى عسكري لمحاولة إنقاذ حياته.

ولد الراحل في محافظة المنوفية في دلتا مصر عام 1951 وحصل على ليسانس الصحافة من كلية الآداب جامعة القاهرة وعمل بعد تخرجه صحفيا في صحيفة 'الأهالي' الناطقة بلسان حزب التجمع المعارض ثم مديرا لتحرير مجلة 'أدب ونقد' المصرية ثم رئيسا لتحرير مجلة 'قوس قزح' الثقافية.
اقترن اسم حلمي سالم بجماعة 'إضاءة' الشعرية أحد أشهر الكتل الشعرية في سبعينيات القرن الماضي في مصر وحصل على جائزة التفوق في الآداب عام 2006 عن مجمل أعماله الأدبية.
وصدر للراحل 18 ديوانا شعريا أولها 'حبيبتي مزروعة في دماء الأرض' عام 1974 و'سكندريا يكون الألم' عام 1981 و'الأبيض المتوسط' عام 1984 و'سيرة بيروت' عام 1986 و'فقه اللذة' 1992 و'يوجد هنا عميان' عام 2001 و'الغرام المسلح' و'عيد ميلاد سيدة النبع' عام 2005 و'الثناء على الضعف' عام 2007 .وصدر له عدد من الكتب النقدية أولها 'الثقافة تحت الحصار' في بيروت عام 1984 و'الوتر والعازفون' عام 1990 و'هيا إلى الأب: مقالات حول القطيعة والإيصال في الشعر' عام 1992 و'الحداثة أخت التسامح: الشعر العربي المعاصر وحقوق الإنسان' عام 2001 و'عم صباحا أيها الصقر المجنح: دراسة في شعر أمل دنقل' و'التصويب على الدماغ: كلمات في الحرية والقمع' وأخر كتبه المنشورة بعنوان 'محاكمة شرفة ليلى مراد'.

وشهد عام 2007 منعطفا هاما في حياته حيث نشرت له في شتاء هذا العام في مجلة 'إبداع' قصيدة بعنوان 'شرفة ليلى مراد' كانت نشرت في ديوان شعري سابق له بعنوان 'الثناء على الضعف' لتتفجر بسببها أزمة ثقافية قضائية كبيرة.
وبدأت الأزمة بإصدار رئيس الهيئة المصرية العامة للكتاب وقتها قرارا بسحب نسخ المجلة من الأسواق باعتبار أن بعض ما ورد فى القصيدة 'يسىء إلى الذات الإلهية' وهو ما تلاه اتهام مجمع البحوث الإسلامية في مصر للشاعر بكتابة قصيدة 'تحمل إلحادا وزندقة' ليتعرض لحملة شرسة تطالب 'باستتابته' وفقا لبيان وقعه نحو 100 شخصية دينية.
في المقابل ظهرت حملة مضادة قادها عدد من كبار المثقفين المصريين والعرب الذين اعتبروا حملة 'استتابة' الشاعر الكبير نموذجا لحملات التكفير وثقافة الإرهاب.
وفي نيسان/أبريل 2008 أصدرت محكمة القضاء الإداري حكما يطالب وزارة الثقافة بعدم منح جائزة التفوق للشاعر حلمي سالم بدعوى 'إساءته للذات الإلهية' ليقيم الداعية الشيخ يوسف البدري بعدها دعوى قضائية ضد وزير الثقافة وقتها فاروق حسني والأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة وقتها علي أبو شادى مطالبا بتنفيذ القرار وسحب الجائزة.

لاحقا وفي نفس الشهر طعن المجلس الأعلى للثقافة على قرار المحكمة ووصف الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة الطعن بأنه جاء 'كدعوة للتنوير ومحاربة الظلامية التي توقف كل عمل إبداعي'.
ومن جهته نفى حلمي سالم اتهام القصيدة بأنها تسيء للذات الإلهية قائلا:'انتقدت في القصيدة تواكل المسلمين على الله وقعودهم خاملين وهذا معنى ديني ذكر في القرآن الكريم حيث قال تعالى (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) والقصيدة قالت هذا المعنى بصورة شعرية بسيطة لم يعتد عليها كل الذين يقرأون الأدب قراءة حرفية ضيقة.

القدس العربي- 2012-07-29

****

حلمي سالم: أقصى ما أريده أن أكون شاعرا فقط

حاوره
رشيد يحياوي:

حلمي سالم التقيت الشاعر الراحل عنا وعن القصيدة في نهاية سنة 2001 بالقاهرة. قبل سفري للقاهرة كان الراحل على رأس من فكرت في لقائهم، لأنه فضلا عن دوره الريادي في تجديد القصيدة المصرية، فإن اشتغاله في مجلة 'أدب ونقد' مكنه من متابعة المشهد الشعري والثقافي بمصر والوطن العربي، وبالتالي كان يمثل لي خير من يمكن أن أسترشد بهم في قاهرة ثقافية كبرى.

التقيت الراحل بعد ترتيبات تخلى في ضوئها عن بعض التزاماته في المجلس الأعلى للثقافة، وقبل بفرح تخصيص جزء من وقته لمجالستي كي نتحدث عن الشعر. لكنه كان يخفي أيضا عتابا لي لم يحطني علما به في اتصالاتنا الهاتفية. عاتبني عند جلستنا بلطف ولباقة رجل عارف بأخلاق الحوار. قال مذكرا بدراسة لي حول أجيال الشعر المصري نشرها قبل مدة في مجلة 'أدب ونقد' التي يشرف عليها، بأني لم أكن موضوعيا في حقه، وأنه كان علي أن أتصل به على الأقل كي يضعني في الصورة الصحيحة. ثم أضاف مؤكدا أنه رغم اختلافه معي في ما كتبته في تلك الدراسة، فإنه سمح بنشرها، لأنه دأب أن لا يجعل من موقعه في المجلة رقيبا، لا يسمح بمرور سوى بما يرضيه، لأنه، حسب قوله، يِؤمن بالتعدد في الرأي وبدور الإعلام الثقافي في ترسيخ قيم الحوار والاختلاف البناء.

هذا الموقف زاد من قيمة الراحل عندي، بالنظر إلى ما هو معروف عن بعض المشرفين على المنابر الإعلامية من حيث توظيفها لأغراض لا علاقة لها بالنزاهة الفكرية والمواقف المبدئية والمحتوى المستحق للنشر. لقد تقبل الراحل أيضا رأيي في تلك الجلسة وظل ثابتا على ضرورة إغناء باب الحوار بتعميق التواصل بين المبدعين في الأقطار العربية.

وفي حديثنا بدا الراحل متحمسا للدفاع عن جدوى الشعر. إنه ككثير من شعراء مصر ظل يعد الشعر جزءا من كيانه ومبررا لوجوده، ليس الثقافي فحسب بل اليومي أيضا. ليس لأجل إصلاح الكون ولكن للتصالح مع الذات. في معرض حديثي معه قال بأن أقصى ما يريده أن يكون شاعرا، شاعرا فقط. وكان رأيه هذا بداية لحوارنا التالي:

بما أنك تريد أن تكون شاعرا فقط، فهل ترى الكينونة الشعرية مازالت تعني أشياء كثيرة لك في هذا المكان والآن بالذات؟

في رأيي الشخصي هناك قيمة ومعنى كبيران لأن أكون شاعرا الآن، أمس وغدا، هنا وهناك. في أي مكان وفي اللامكان. ذلك يرضيني ويمتعني ويجعلني أشعر أني شخص لا بأس به. هذه هي القيمة الكبرى والأولى للشعر عندي. أما أثر ذلك، أو فائدته أو جدواه في بلدي أو في البلاد العربية أو في الكون كله، ففي مستوى تال من الاهتمام. أنا أسعد وأفرح حين أكتب. لأن كتابتي للشعر تصلحني وتصالحني مع نفسي. لقد صار كثير من الزملاء والمبدعين وخاصة في الأجيال الجديدة، ينزعون الهالة عن الشعر وينزعون عنه التميز ولا يرونه ضروريا. لكني مازلت للأسف 'دقة قديمة' في هذا الشأن. إذ مازلت أُجِلُّ الشعر وأراه أجلّ الفنون. ولا أحب أن أكون - إذا كان لا بد أن أكون فنانا- روائيا أو مسرحيا أو ممثلا أو موسيقيا أو تشكيليا، بل شاعرا حتى لو كنت شاعرا ضعيفا. إذ لماذا نشك في جدوى الشعر وحده؟ ألا نشك في جدوى الفلسفة اليوم، وفي جدوى الثورة والإيمان والصدق والأمانة، وفي جدوى العمل؟ لقد اضطربت الحياة وطاول اقترابها كل منشط إنساني ماعدا السرقة والكذب والقتل والاغتصاب. نحن طبعا في مجتمع يعادي الشعر، وفي زمن لم يعد فيه الشاعر درة قبيلته. لكن الشعر والفن كله يظل مع ذلك هو الأمل الذي يقلل من قبح الحياة. لقد كنت في بدايتي أهتم بالأثر المجتمعي والتغييري للشعر. لكني الآن أهتم بأثر هذا الشعر - شعري وشعر غيري - علي. أما تغيير المجتمع وإصلاح الكون فأمر مرجأ سيأتيه يوم لا ريب فيه.

أنت من الشعراء الذين حلقت بهم أحلام السبعينات عاليا، لكن التسعينات وقبلها الثمانينات حولت أحلامكم الشعرية إلى كوابيس، هل لديك هذا الإحساس؟

لا أعتقد أن أحلامنا تحولت إلى كوابيس. لم يحولها أحد كذلك، لا جيل ولا إحباطات مجتمع ولا تغير ظروف، فالأحلام الحقيقية لا تتحول إلى كوابيس أبدا. وأنا لا أنظر إلى الأمر باعتباره أدراجا أو صناديق جيلية مصفوفة فوق بعضها. ففي الفن تتداخل الأجيال دائما وتتواصل وتتقاطع ويصب بعضها في بعض. ولذلك لم أعد أحب في السنوات الأخيرة مصطلح جيل، وأفضله بمصطلح حركة. لأن الأول يؤطر الشعراء في أقفاص مغلقة أو في خيمة كبيرة زائفة يختلط فيها الحابل بالنابل والسليم بالمعطوب، بينما المصطلح الثاني يعني الاتفاق بين الشعراء في ملامح فنية ورؤى جمالية وفكرية تخترق العمر والجيل، بحيث يمكن أن تشمل شعراء من أجيال مختلفة. الجيل مفهوم أفقي ساكن بينما الحركة مفهوم عمودي.

أسألك مع ذلك عن الأحلام القديمة، هل فعلا تحققت على حد ما يوحي به كلامك؟

أزعم أن بعض أحلامنا تحقق، وبعضها لم يتحقق لأنه قيد التحقق، إذ مازلنا نعمل ولم نمت أو نعتزل. فالأحلام لا تتحقق كلها، وربما لا تتحقق أبدا. وما لم يتحقق لم يكن بسبب جيل التسعينات أو غيره، ولكنه راجع لسبب بسيط، هو أن الحلم دائما أكبر من تحققه. أما جيل التسعينات فلم يمثل بالنسبة إلينا كابوسا، بل امتدادا لنا.
هذا الامتداد الذي أشرت إليه قد يتجلى في علاقاتك الشخصية بالشعراء الجدد، إذ من المعروف عنك أنك قريب من الأجيال الجديدة، وهناك من يعتبر هذا تقربا منهم لا قربا.

أقول في البداية بأن هذا ليس عيبا بل فضيلة. أما الحقيقة فهي أن الأمر معكوس، لأني أظن أن جزءا كبيرا من عمل التسعينات تقرب من عملي. أعني أنه استكمال أو مضاهاة أو امتداد أو ترسم لبعض لا كل ما وجد في شعري من خيوط مبكرة. ومن يراجع إنتاجي المبكر يجد إرهاصات عديدة من ملامح التسعينات، ولعلي أذكر بديوان 'دهاليزي والصيف ذو الوطء'، المكتوب سنة 1977، وببعض قصائد 'الأبيض المتوسط' و'سيرة بيروت'، فضلا عن إنتاجي منذ منتصف الثمانينات. وعلى أية حال، من الطبيعي أن تتقارب التجارب المتقاربة أصلا، فلا فضل في ذلك لأحد على أحد. ومن الطبيعي أيضا أن تتواصل الخيوط المتشابهة. كما أنني وبصرف النظر عن التوافق والاختلاف، ممن يؤمنون بأن الشعر عديد وكثير ومتنوع وليس له باب واحد. ولذلك فإني لم أعتبر أبدا أن شعراء التسعينات خصومي، أو أن شعرهم خصم لي. إني أحبهم ويحبونني، وهذا من فضل الله.

تحدثت بصيغة الجمع حين أكدت أنكم مازلتم تعملون ولم تموتوا أو تعتزلوا، هل هذا ينطبق عليك وحدك أم على زملائك القدماء في الشعر أيضا، إذ أن عددا من هؤلاء يبدو أنه وإن لم يعتزل كتابة الشعر، فقد اعتزل التجديد؟

ينطبق طبعا حتى على بعض زملائي. فعدد منهم مازال يضيف ويجدد. وكنت أقصد بالعمل والاستمرار الإضافة النوعية لا مجرد الاستمرار الكمي والإضافة الكمية. فنحن نعلم أن كل جيل أو حركة يصفي كثرته في عدد محدود من المميزين الذين قد لا يتجاوزون عدد أصابع اليد الواحدة. وهذا حدث مع كل جيل ويحدث معنا. هذه المجموعة القليلة من أبناء جيلي هي التي أظن أنها ما تزال تواصل العمل بإضافات نوعية. ودعني بعد هذا أتحفظ على كلمة القدماء في سؤالك. لأن جيل الستينات في القصة العربية والمصرية مثلا مازال بعضه ينتج إنتاجا مميزا متوهجا ولم يصبح في ذمة التاريخ بعد، فما بالك وبعضنا صاح ومستيقظ. هذا لا يمنع من أن كثيرا من أبناء جيلي قد ظلوا في 'محلك سر'، أي يراوحون في مكانهم بلا تقدم، أو تقدموا ببطء شديد أو تكلسوا. لكن المقياس في نظري ليس الكثرة بل العدد المحدود من المميزين الذي يفرزه كل جيل.

انتقالك لقصيدة النثر، هل يمثل الأفق الأكثر رحابة عندك؟

بداية، ليست قصيدة النثر في ذاتها أفضل من القصيدة السابقة لها لمجرد كونها نثرا. فلا فضل لنثري على تفعيلي إلا بالتقوى المقصود بها هنا الشعر الحق. وهذا من حيث المبدأ لأن الاعتقاد بأن نثرية القصيدة في ذاتها تعطيها الشرعية اعتقاد متطرف مماثل لتطرف الاعتقاد الذي كان يرى أن مجرد الوزن يعطي للقصيدة شرعيتها، وعلى أية حال أنا لم أنتقل إلى قصيدة النثر لأني بدأتها منذ عام 1974 في قصيدة 'منديل مريم' في أول دواويني 'حبيبتي مزروعة في دماء الأرض'.

هل كانت تلك قصيدة نثر بالفعل أم قصيدة سبعينية بلا تفعيلة؟
ما معنى قصيدة سبعينية مكتوبة بلا وزن؟ وهل كان هناك في سنة 1974 ما يمكن تسميته قصيدة سبعينية أصلا؟

نسميها سبعينية منذ الثمانينيات على الأقل، وعلى كل حال، لا أقصد في مصر تحديدا، في الوطن العربي مثلا.
على أية حال، لم تكن هذه القصيدة آنذاك مجرد خلو من الوزن، لأنها في زعمي، وفضلا عن اللاوزن، احتوت على بعض الهموم البسيطة لا الكبيرة، كما ابتعدت عن الإيديولوجيا السياسية الساخنة التي كانت في ذلك الوقت تملأ القلب والعين والسماء، كما احتوت على محاولة أولية طبعا لتهشيم الكتلة الشعرية، وابتعدت أخيرا عن مفهوم اللفظ الشعري بذاته، أي وجود لفظ شعري بذاته ولفظ غير شعري بذاته. كل هذا الملامح كانت في صورتها البدائية الأولية لأنني أنا نفسي كنت في بداية تجربتي الشعرية. وهذه البدائية ربما تكون قد تطورت بعد ذلك، مع أنني دائما لا أفضل استبداد شكل بعينه أو انفراده بالشعرية. إذ يقيني هو أن الشعرية يمكن أن تلتمس من مليون باب لا من باب واحد ووحيد. لأن الواحدية نَفْيٌ عانينا منه كثيرا.

تقصد واحدية الشعراء الذين سبقوكم؟

نعم أقصد هؤلاء، وأقصد أيضا النقاد السابقين واللاحقين، كما أقصد الذائقة السابقة، أي أقصد كل من رأوا أن للشعر وصفة واحدة لا ينبغي أن نحيد عنها. فهذا الفهم النقدي الشعري يشير إلى مغزى سياسي يكرس الاستبداد ونفي الآخر.
ربما كان لهذا ما يبرره في وقت سابق، في النصف الأخير من السبعينات مثلا، أما الآن فيبدو لي أن الشعر في خلاء وأنكم وحدكم في مواجهته، فلا أرى وجود سلط نقدية كما في السابق .
لا شك أن الأوضاع تغيرت قليلا عن ذي قبل حتى صار البعض يتهمنا بأننا غدونا متنا لا هامشا. ولا شك أن هناك قدرا من الرحابة هي ما وصفتَه بالخلاء النقدي. لكن الحقيقة أيضا، هي أن فلولا من تلك الرؤى الواحدية ما تزال سارية، وأن الذائقة العمومية ما تزال متمترسة عند لحظات ومفاهيم سابقة. صحيح أن الفوضى الراهنة والخلاء الراهن يفيداننا ويفيدان الشعر كثيرا، لكنني أحذر من نشوء سلط جديدة وأشفق من أن تكون قصيدة النثر إحدى هذه السلط الجديدة. ولذلك فإن دعوتي إلى التعدد موجهة إلى الجميع، التقليديين وأصحاب قصيدة النثر.

إلى جانب المجلات التي أسهمت إلى جانب أبناء جيلك في إصدارها، بادرتم أيضا مبكرا للكتابة عن أشعار بعضكم وعن مشهدكم الشعري عموما، ما كتبتموه في هذا الإطار هل تراه نقدا بالمعنى الدقيق، أو كيف تقيم الحركة النقدية التي خلقتموها أنتم الشعراء حول شعركم؟

لا شك أن أحد دوافع كتابتنا النقدية كان محاولة سد الفراغ النقدي. قمنا بما كان ينبغي أن يقوم به الآخرون من النقاد على الأقل في الفترات الأولى من تجربتنا. حاولنا توصيل رؤانا النقدية والشعرية التي كان من العسير في البداية أن يتفهمها بعض النقاد. وأظن أن من سمات كل دعوة حتى لو كانت إبداعية أن يقدم أصحابها مبادئها وشعاراتها وأسسها الفنية والفكرية والجمالية. لكن بعد ذلك تدخلت أسباب أخرى لتوجهنا إلى النقد، خاصة بعد أن صار بعض النقاد يقومون بعملهم تجاه تجربتنا الشعرية. وعموما نحن لا نعتبر ما نكتبه في النقد نقدا بالمعنى الدقيق، أي بالمعنى المنهجي والأكاديمي. بل هو إيضاحات وتذوقات وإشارات ومفاتيح للعمل. إنه في الأخير كتابة شعراء عن الشعر لا نقاد. ولذا فكتاباتنا النقدية لا تخلو من ذاتية وتبشيرية ووجهات نظر شخصية. أنا على سبيل المثال لا أعتبر نفسي ناقدا ولا أريد أن أكون كذلك. أريد فقط أن أكون شاعرا إن استطعت. ما قدمته من جهد نقدي يدخل في هذا الإطار. لكن بعض زملائي يكتبون بالفعل نقدا منهجيا وأكاديميا وخاصة الدكاترة منهم.

أصدرت أنت وزملاؤك الشعراء دواوين كثيرة، فخلقتم بذلك حركة شعرية مازالت تستأثر بالنقاش، كما أسهمتم في توسيع الحركة النقدية حول شعركم في الصحف والمجلات، ومع ذلك، أظن أن شعراء الستينات مازالت قصائدهم تحتكر التدريس والتحليل في الجامعات، فإلى أي حد زمني ستنتظرون ليتم الالتـفات الجامعي إليكم؟

أولا نحن لا ننتظر شيئا. نحن نكتب وحسب، أي نقوم بعملنا فقط. أما الآخرون فينبغي أن يقوموا بعملهم أولا يقوموا به. نحن نكتب ونرضي أنفسنا وأشواقنا الحلمية والجمالية والفكرية بغض النظر عن أي شيء. ومع ذلك فربما يكون ما رصدته أنت عائدا إلى ضعف شعرنا، ليست لدي في ذلك مشكلة، أو عائدا إلى عدم سيولة التواصل الثقافي العربي العربي، أو عائدا إلى موقف من الشعر النثري، أو عائدا إلى تخلف الجامعات العربية. فمنذ متى كانت الجامعات العربية معيارا ودليلا على شيء. تلك الجامعات التي لم تدرس ابن الروندي أو الحلاج، وطردت طه حسين ونصر حامد أبوزيد وقس على ذلك. أريد أن أقول إن تقرير أو عدم تقرير نصوص أدبية في مناهجنا التعليمية العربية الثانوية والجامعية ليس دليلا على شيء. ومع ذلك فأظن أن ملاحظتك غير دقيقة في ما يخص الجامعات المصرية على الأقل. ففي السنوات الأخيرة ثمة دراسات كثيرة للماجستير والدكتوراة عن شعر السبعينات في الجامعات المصرية. كما أن هناك بعض النصوص المقررة في مناهج كليات الآداب. والفكرة الجوهرية هنا، هي أن هناك موقفا سياسيا في الجامعات العربية من الأدب الجديد والمعارض والخادش للاستبداد والعقلية الجمعية وسائر الطابوهات. وربما هناك استثناءات لبعض الشعراء والمبدعين الكبار الذين لسنا منهم.

القدس العربي- 2012-07-30

****

حلمي سالم.. الغناء في مواجهة العالم

اسامة عرابي

عاش حلمي سالم للشعر وبالشعر.. بإدراك عميق للطبيعة التاريخية لوجوده ولذاته.. متخذًا من الموت الذي واجهه معيار تعامله مع العالم تعامل الند للند.. وكأننا حيال شكل من أشكال الواقعية الجديدة لديها إيمان بإمكانية الوصول إلى الحقيقة وما يرتبط بها من الاعتبارات السياسية والإنسانية.
لذلك كثيرًا ما يذكرني حلمي سالم بشاعرنا الكبير بشار بن برد حين طلب من رسَّام بالبصرة يدعى حمدان الخرَّاط أن يرسُم له على جامٍ صور طير تطير، فرسمه وجاءه به، فسأله بشار: ماذا في هذه الجام؟ فقال: صور طير تطير؟ فقال له: ينبغي أن تتخذ فوق هذه الطير طيرًا من الجوارح كأنه يريد صيدها، فإنه كان أحسن.

وعلى هذا النحو، أدرك أن المعنى يعيش بمنطق الحفاظ على الوعد، وأن القيم المتضمنة في الأعمال الفنية وطرائق الحياة المختلفة غير متكافئة، وهي في صراع دائم يستند إلى الإحساس بالتاريخ، والحضور الدائم الذي تلاشت فيه ذاكرة التقاليد.
من هنا، زاوج حلمي سالم في رحلته الشعرية بين الوزن والإيقاع.. بين الغناء والنثر.. بين تخيله الإبداعي والواقع الاجتماعي الثقافي المعيش تاريخيًّا.. فجمع في إهابه بين الزمني واللازمني.. بين الثوري الرومانسي الحالم.. والشاعر المهموم بخلخلة لغته والتماعها بضوء غير منظور، مستقصيًا شعاب النفس الإنسانية والذات الكونية، متمردًا على الانسجام والنظام والتوافق والاتزان الشعري، وفي أعماقه أزمة الضمير الحديث. ولم يكن حلمي سالم ليعبر في ذلك عن حيرة وجودية، ولا عن لا إرادة ضاغطة، بل ظل يبحث طوال الوقت عن موقع تتقاطع فيه خطى الحياة. عندئذ يصبح حضورنا الجماعي الواعي في التاريخ، اكتشافًا لعالم يكون فيه الشيء بقدر ما لا يكون، عالم هو قلب للصورة الأفلاطونية عن الوجود المعقول الذي يتجاوز المظاهر الخارجية الخادعة؛ فيمسي بذلك المرء وثيق الصلة بأعماقه عند مواجهته لنفسه، وقادرًا على أن يرى علاقة اللامعنى بالمعنى.

سافر حلمي سالم إلى بيروت في مطلع الثمانينيات لمساندة أشقائنا الفلسطينيين الذين يتعرضون لمخاطر التصفية جرَّاء التسويات السياسية المفروضة عنوة واقتدارًا على المنطقة العربية من قِبل أعدائنا التاريخيين، فحمل معه سؤال المصير العربي الذي جعل من الواقع وتعقيداته بنية دينامية متعددة الرقائق والطبقات، ألهم به شِعرية تمرد واحتجاج، فكتب «سيرة بيروت» و«حمامة على بنت جبيل» و«صيف لبنان المشتعل» و«حمامة على الجنوب» ثم «تحيات الحجر الكريم» عن الانتفاضة الفلسطينية التي قامت في وجه التخاذل الرسمي العربي، وانسداد الآفاق، وفشل نهج اللاعنف والمفاوضات والحلول الدبلوماسية. لذلك ثمَّن حلمي سالم انتصار حزب الله في حرب يوليو «تموز» 2006، ورأى في السيد حسن نصرالله ورفاقه يد الله التي تبطش، وتدمر أسطورة إسرائيل. وأدى انفتاحه (حلمي) على التجارب التاريخية والإنسانية العالمية في حقلي الأدب والسياسة إلى أن يوحد في منظوره العام بين الوطني والأممي.
وهذا الفهم ذاته هو الذي قاده إلى إصدار مجلة «قزح قزح» ذات يوم؛ ليحقق حلمه بالتجذر في منبر ديموقراطي؛ يؤمن بالتعدد والتنوع والتمايز؛ إذ داخل الوجود الفردي، يتحقق الوجود الإنساني العام. وهو، لعمري، فهم صحيح لماهية الثقافة، يعكس توجهًا طليعيًّا لمقاربة قضاياها وإشكالياتها ومستويات التفاعل معها، مستعيدًا قلق السؤال صوب سيرورة للحداثة والتطور، تؤنسن العالم، وتعقلن علاقاته السياسية والفكرية، وتغني حياتنا بزخم أدبي جديد.

من أجل ذلك؛ كتب حلمي سالم «الغرام المسلح» ليجيب عن سؤالين اثنين؛ أحدهما من الداخل، من صميم تاريخه، والآخر من التطور التاريخي العالمي وعلاقات القوة الآنية والبعيدة، فواجه بونابرت، وحاور هوجو، وطه حسين، وابن رشد، وأبا نؤاس، وشيخ العارفين، والسُّهروردي، والحلاج، والمتنبي، والتوحيدي، والمعري، والطهطاوي، وحجازي؛ بعد أن اكتشف أن هوياتنا وتواريخنا مؤسسة إلى حد بعيد على الأساطير؛ فأدرك حيوية التنقيب عن الإمكانات الإبداعية وأسسها الثقافية المتنوعة؛ إذ إن ديناميات استكشاف العالم، هي في الوقت ذاته ديناميات استكشاف الجسد والكيان الإنسانييْن، ومن ثم دعانا إلى أن نكون أكثر وعيًا بتشكك، وأشد نسبية بإطلاق. ولم ينِ يواجه «ثقافة كاتم الصوت» و«التصويب على الدماغ» بـ«الحداثة أخت التسامح»؛ بوصفها موقف الروح من قضية المعرفة، وموقف العقل النقدي المتحرر من مواضعات عالمنا الجائرة، في ظل مجتمع مدني تنتظم علاقاته صيغة تعاقدية تنهض على المواطنة والاعتراف المتبادل، بمنأى عن القسر والاستتباع.

من هنا جاء التزام حلمي سالم اختبارًا لإنسانية الإنسان والحياة، فشاعت في شعره غنائية داخلية عميقة، مضفورة بنظر صافٍ؛ يحرِّر المرء من السجن الداخلي المفروض عليه؛ فيشتعل بخمر الرغبات، مغتسلا بماء طفولته. ألست القائل يا سيدي في قصيدة «شيخ العارفين»:«سأفتح صندوقًا، وأستف مقتنياتي،/ دير للرهبان، وأمم من دمع، بيت للأوثان،/ النظَّام، ومصحف قرآن، قبر دمشق، السبَّاحون،/سأقفز من حلب إلى طلاب 68؛/لأرى صوري فوق صدور الشابات،/ وفوق رؤوس الهيبيين،/وفي أيدي أنصار تروتسكي،/ فيما الصف الأول: شهداء الوقفة، الشكَّاكون...

السفير

****

من على شرفة الشاعر الفارس المختلف الدمث المقاتل حلمي سالم

إبرهيم فرغلي

رحل الشاعر الجميل النبيل حلمي سالم (1951-2012)، وهو الخبر الذي تلقيته بدهشة وأسى على رغم مرضه الذي كنت أتابعه من بعيد على أمل يشبه اليقين بأنه سينجو منه يوما. لكني لن أرثيه، على رغبته، هو النافر أبداً من المراثي، وأكتفي باستدعاء ما يخصني منه شاعرا وإنسانا نبيلا وصديقا حنونا، بتعبير الشاعرة الصديقة إيمان مرسال. نعم لن أرثيه بالتأكيد، وهو صاحب الوجه المنحوت الجميل الذي يغبطني ويطربني أن يرى البعض في ملامح وجهي ما يشبهه.

بدأتُ التعرف إلى شعر حلمي سالم من مجلة "أدب ونقد" التي كان يدير تحريرها في نهاية الثمانينات من القرن الماضي، ووقعتُ على الكثير من مقالاته التي كتبها آنذاك، ففتحت لي الباب للتعرف إلى القصيدة الحديثة التي كان جيل السبعينات الذي كان أحد رموزه يمثل تيارا كاملا لافتا لجماليات هذه القصيدة الجديدة. وكنت وعودة الى أيام الجامعة القريبة آنذاك، قد تعرفت إلى كل من صلاح عبد الصبور وأمل دنقل وقصائد الأخير، تحديداً التي رأيتُ فيها شعرا مختلفا وروحا شعرية تتمتع بالفرادة. لكنني بمرور الوقت وقراءة أساطين الحداثة الشعرية العرب، والغربيين لاحقا، تغيرت ذائقتي. صحيح أنني لم استسغ الكثير من قصائد كنت أرى فيها الصناعة والذهنية تغلبان الشعر، لكن ذلك لم ينسحب على ثالوث حلمي سالم وعبد المنعم رمضان وحسن طلب الذين رأيت في قصائدهم جماليات شعرية مختلفة، ولكل منهم بصمة خاصة تميز القصيدة التي يكتبون، وتسبغ عليها روحا خاصة أينما قُرأت أو سُمعت، من دون أن يدوّن عليها اسم كاتبها.
في مطلع التسعينات حين انتقلتُ الى القاهرة وقررت أن أرسل أولى قصصي للنشر إلى "أدب ونقد"، أذكر أنها ظلّت حبيسة الأدراج لأكثر من عام، فقررتُ الذهاب الى المقر القديم لجريدة "الأهالي" ومجلة "أدب ونقد" في شارع عبد الخالق ثروت بوسط القاهرة، فوجدت هناك كلاًّ من حلمي سالم وفريدة النقاش والشاعر الراحل عفيفي مطر، وفوجئت حين ذكرت اسم القصة بحماسة كل من حلمي وفريدة للقصة وتأكيدهما أنها ستنشر قريباً.

كانت تلك الزيارة منطلقاً لزيارات تكررت عديدا ولاحقا، وغالبا ما كنت ألتقي فيها حلمي الذي يستقبلني بالود نفسه، وبالروح الودود المشجعة والإنسانية.
استمرت زياراتي لحلمي، التي كنت عادة ما أنصت له فيها غالبا بعد أن يسألني أسئلة عدة في كل لقاء عن أحوالي وعملي والكتابة.
حين قتلني اليأس أو كاد في العام 1994 وقررت السفر إلى مسقط في عمان، بدون أي خطط مسبقة، ذهبتُ إلى حلمي وفريدة النقاش في المجلة، عقب انتقالها إلى موقعها الراهن خلف ميدان طلعت حرب، لأودعهما، فتلقيتُ من فريدة النقاش احتضانا اموميا ورهافة إحساس بالغين، وإعلانا لحرصها التأكيد أن تكون رحلة مسقط سريعة، كما تلقيتُ من حلمي إضافة إلى تشجيعه، جانبه الحنون الذي سيصبح لاحقا سمة تميزه في علاقته بكل صديق. إذ أعطاني رسالة كتبها إلى صديقه سيف الرحبي الذي لم أكن أعرفه آنذاك، كانت بمثابة كلمة السر التي فتحت قلب الشاعر العماني لي تماما، وجعلت سيرة حلمي مشتركا بيننا للقاءات جمعت بيننا في بداية تعارفنا في مسقط، بينها قصيدة كان كتبها حلمي عن سيف لا أزال أذكر من بين أبياتها: "جسد في جسد على أرواح مسكونة بغضب الصحراء/ أغلق ابن المحار منازل الخطوة الاولى/ وراح يجوب نفسه قارة وراء قارة وهو يهتف: دمرونا يا أخي".
في مسقط، كما في سنوات التسعينات كلها، كانت دواوين حلمي سالم في صحبتي، اقرأها وأعيد قراءتها متيّما على نحو ما. خصوصا "البائية" و"الحائي و"فقه اللذة"، ولاحقا أحببتُ أيضا "سراب التريكو"، و"يوجد هنا عميان". كنت أحب في تجربة حلمي، قدرته على تطويع التفاصيل واليومي والعادي أحيانا للشعر، مفجرا لغة خاصة ومفردات خلقت لقصيدته صوتا خاصا، وإصراراً على طرق ابواب التجريب والحداثة من دون كلل.

هو لم يكن أحد فرسان القصيدة الحديثة لكونه، فقط، أحد ابرز شعراء جيله ممن أسسوا لجمالية شعرية جديدة ثارت على التفعيلة وسواها من التقاليد الأسلوبية مما استقر في شعر الجيل السابق عليهم، أو لكونه المجرّب الذي حاول أن يؤسس لقصيدة تخرج شعريتها من معناها الداخلي، بعيدا من الجرس والقافية، وأن تخلق موسيقاها وإيقاعها الداخليين من شعريتها الباطنية، بل ولأنه استخدم النقد والفكر والتنظير الأدبي أيضا لتأكيد هذه الشعرية الجديدة في مناسبات ومقالات عديدة، لعلها استهلكت زمنه الخلاّق، خصوصا في فترات التوقف الشعري نهاية التسعينات.
اعتبر حلمي سالم الشعر وسيلة لمقاومة الفاشية الفكرية في اشكالها كافة، وهذا ما أُخذ عليه بوصفه استخداما ايديولوجيا للشعر، خصوصا في القصيدة التي أثارت جدلا واسعا، "شرفة ليلى مراد"، وتسببت في حكم قضائي بغلق مجلة "ابداع" القاهرية في سابقة أولى من نوعها.
كتب حلمي سالم مقالا بديعا في "الحياة" عنوانه "يتبرأون من القصيدة ويمرون فوق جثة الشاعر"، في إشارة إلى موقف مجلة "إبداع" التي تخاذلت في إصدارها الأول بعد توقف في العام 2007 حين سارعت لتصادر بنفسها العدد بدلا من الدفاع عن القصيدة والشاعر وحرية الإبداع. لكنه وفي نبله المعهود، أكد رفضه الكامل غلق أي منبر إبداعي، مشددا على أن الجهة التي يخول لها السؤال عن الشعر والأدب هي أهل الذكر الأدبي، أي أهل التخصص، لا الشيوخ ولا فقهاء الدين.

الحقيقة أن موقف حلمي سالم من حرية التعبير كان صلبا باستمرار، وأشهد اني خضت معه عبر مشاركتي في ملفات المصادرات في "أدب ونقد"، عددا من المعارك التي تعلمتُ منها كيفية الإصرار على الدفاع عن حرية الرأي والتعبير إلى النهاية ورفض وصاية الفاشيين اياً كانوا.
لم يكن حلمي سالم مجرد خلاّق كبير مختلف، بل ومثقف صاحب موقف ورؤية، ينتصر للحرية غير منقوصة، يراجع نفسه باستمرار كاشفاً عن سماحة المفكرين الذين يعيدون تأمل أفكارهم ومراجعتها بين الفينة والأخرى، وهذا ما تجلى في مراجعته الموقف من جيل الشعراء الذين سبقوا جيله، وكذلك في تأبينه لأمل دنقل قائلا: "ذلك أنني في سنوات السبعينات كنت، مع كثير من أبناء جيلي، أري أن شعر دنقل شعر مباشر زاعق لا يعيش، ومع اتساع رؤيتنا الشعرية في سنوات الثمانينات تعدل هذا الرأي المجحف، إذ تكشف لنا ان الشعر الواضح ذا الموقف السياسي الجلي ليس شرا في كل حال، وان شعر دنقل لم يكن كله مباشرا، وأنه يقيم تضافرا مركبا بين الموقف الفكري والتشكيل الجمالي، وان قصائده في سنواته الأخيرة (ديوان: أوراق الغرفة رقم8) بلغت من الصفاء الفني والإنساني مبلغا رفيعا، وأن الشعر عديد وكثير وليس له نبع واحد وحيد أوحد".
آثر حلمي سلمي ألا يرثي امل دنقل شعرا لخوفه من انتشار مرض السرطان، وذكر ذلك في قصيدة من قصائده، ومع ذلك فلا ينجو حذر من قدر، وقد أصاب المرض رئتيه وانتصر على رغم مقاومة حلمي التي جعلته يظهر لأصدقائه حتى قبل أيام من رحيله، ولكنه مع الأسف كان وداعا لهم وليس قتالا للمرض.
سيظل حلمي سالم عندي، وربما عند كثر آخرين، الشاعر الكبير، والصديق الحنون، المتواضع بدماثة، المبتسم تلك الابتسامة التي لن تزول من على وجهه أبدا، والمثقف المقاتل كل أعداء الحرية والفكر والوعي البشري الحر. رحمه الله.

النهار
2012-07-31

****

رحيل السبعيني الثائر.. «حلمي سالم» الذي كان يعلن شفاءه شعرًا

رحل ظهر أمس الشاعر العاشق البسيط الجدلي «حلمي سالم»، بمستشفى القوات المسلحة في القاهرة

عزة حسين

حلمي سالم

رحل ظهر أمس الشاعر العاشق البسيط الجدلي «حلمي سالم»، بمستشفى القوات المسلحة في القاهرة، بعد إصابته بهبوط في الدورة الدموية وهو يستعد لتغيير خراطيم الغسيل الكلوي، ودفن بعدها بساعات، بمسقط رأسه بالمنوفية عن عمرٍ يناهز الـ61 عاماً، تاركًا خلفه عشرات الدواوين والمؤلفات النقدية اشتركت فيما بينها في تمجيد المحبة والثورة والحياة.

وفور الوفاة؛ نقلت أسرة الشاعر جثمانه للمنزل ليجد بانتظاره نخبة من شعراء وكتاب جيل السبعينيات الذي ينتمي إليه، والذين قلما يجمعهم مكان واحد هم: جمال القصاص، وزين العابدين فؤاد، وشعبان يوسف، وعبد المنعم رمضان، وصلاح السروي، ومحمد سليمان، فضلاً عن الشاعرة الإماراتية ميسون صقر.
وكان آخر نشاطات حلمي سالم؛ أن احتفى قبيل وفاته في أمسية جمعت أحباءه في ندوة بحزب التجمع، بديوانه الأخير "معجزة التنفس" حصيلة رحلة المرض والشفاء من السرطان، هذا الذي غازله الشاعر قبل سنواتٍ من إصابته به قائلاً: يبدو أن خوفي من 'السرطان' الذي انتشر في الهواء، والذي أخذ مني مجموعة من أعز الناس جعلني أجفل من رثاء دنقل، حتى لا أكون في مواجهة مباشرة مع السرطان، وكأن سالم كان يعرف أن -ديوان "معجزة التنفس"- الخرزة الأخيرة في عقده الشعري، الخرزة التي آثر هذا الفنان الثائر أن يشاهدها تشيد اكتمال تجربته المتفردة، لاذعة القسوة، رغم حفاوتها بالحياة.
وتلك عادة حلمي سالم، الذي تواترت عليه أقسى الأمراض فكتبها شعراً لتذهب ويبقى الشعر، فالآن لن نذكر عن إصابته بجلطة المخ إلا ديوانه البديع "مدائح جلطة المخ" الذي قدم له الناقد الكبير الدكتور جابر عصفور مرسياً عبره مصطلح "شعرية المرض"، وسنذكر بأسى ديوان "معجزة التنفس" عندما نتذكر غول سرطان الرئة الذي هزمه حلمي وسرق منه الديوان، أما الأزمة القلبية التي أودت بحلمي، وهو - للمفارقة - يعالج من الفشل الكلوي، فقد شكلها بدقة، قبلها بكثير في قصيدته البديعة "قلب مفتوح".

ومعروف أن حلمي سالم كان أبرز شعراء السبعينيات، وأكثرهم إنتاجاً، وهو فضلاً عن كونه رئيس تحرير شهرية "أدب ونقد" التي يصدرها حزب التجمع، كان رئيس تحرير مجلة "قوس قزح" الثقافية المستقلة، كما كان ضمن مؤسسي جماعة "إضاءة 77" المرتبطة بجماعة "أصوات" الأدبية.
وهو بالإضافة إلى ذلك أحد أهم عشاق الحياة، المحتفين بالثورات أينما كانت منذ "حبيبتي مزروعة في دماء الأرض 1974، و"سيرة بيروت" وصولاً إلى "ارفع راسك عاليةً" الذي أرخ عبره لثورة مصر 25 يناير.
كما عرف عنه وعن شعره احتفاءه الشديد بالمرأة والحب، فضلاً عن تفانيه سعياً للحرية اللا محدودة، تلك التي تلبسته شعراً وسلوكاً، وتربص له عبرها خفافيش الظلام، إذ اشتعلت عام 2007 أزمة بنفس عنوان قصيدته الشهيرة "شرفة ليلي مراد" التي نشرت بمجلة "إبداع"، وهاجمها بعض المتشددين بدعوى إساءتها للذات الإلهية فأصدر رئيس الهيئة المصرية العامة للكتاب حينها قرارًا بسحب نسخ العدد من الأسواق ليتهمه مجمع البحوث الإسلامية بكتابة قصيدة "تحمل إلحاداً وزندقة"، أعقبها مطالبات باستتابته، ثم مطالبات قضائية بعدم منحه جائزة التفوق، إلا أن القرار "استبعد" لأن القرار جاء من لجنة مختصة بالمجلس الأعلى للثقافة وبناء على عملية تصويت بين أعضاء المجلس.

لكن الأزمات التي سيثيرها شعر حلمي سالم لن تنتهي فعندما يشفى النقد الذي عجز عن ملاحقة الهرم الشعري لحلمي سالم، سيبين كم كان هذا الشاعر مجدداً في شعره، ومثيرًا للأزمات تماماً كالصعقات الكهربية في مخ وجسد الشعر والذائقة والوعي العربي.

الشروق- الأحد 29 يوليو 2012 - 6:15 ص

********

محمد إبراهيم: رحيل الشاعر حلمي سالم خسارة كبرى

القاهرة- أ ش أ

حلمي سالم

نعى محمد إبراهيم، وزير الآثار والمكلف بالإشراف على وزارة الثقافة، رحيل الشاعر حلمي سالم، مؤكدا أنه برحيل الشاعر الكبير يفقد الشعب المصري ومعه الأمتان العربية والإسلامية قامة شعرية وأدبية شاهقة، وواحدا من فحول الشعراء الذين أسهموا بما قدموه من ثراء فكري ومعرفي وشعري في استنهاض الأمة وبعث الحياة في وجدانها.
ووصف حلمي سالم أنه مثال للمبدع الملتزم، الذي هم نفسه بهموم الوطن، له من مساهمات غنية ومتميزة ليست فى الشعر فقط، ولكن في السياسة والأدب والثقافة، وأثرى الحياة الثقافية بأفكاره ومشاركاته النيرة.
وأشار إلى أن شعر سالم وإسهاماته الصحفية والأدبية ستظل باقية معنا، لأنه لم يكن مجرد شاعر، ولكن لأنه مثقف ومناضل في سبيل ما يؤمن به، وما يعتقد أنه واجبه الأخلاقي تجاه مصر والمصريين جميعا".
وكان الشاعر حلمى سالم قد وافته المنية، أمس السبت، عن عمر يناهز 61 عاما بعد صراع مع المرض، ودفن أمس بمسقط راسه بمدينة شبين الكوم.

آخر تحديث :الأحد 29 يوليو 2012 - 10:55 ص

****

جبهة النضال تنعى الشاعر المصري حلمي سالم

نعت جبهة النضال الشعبي الفلسطيني ودائرة الثقافة والإعلام التابعة لها في بيان لها وصلت نسخة عنه لموقع بانيت وصحيفة بانوراما، "نعت الشاعر والمناضل المصري الكبير الشاعر حلمي سالم،

الذي توفي أمس في مستشفى القوات المسلحة المصرية بالقاهرة بعد صراع مع المرض، واستذكرت الجبهة مناقب الفقيد ونضالاته وإبداعاته، حيث عمل كاتبا ومحررا في مجلة (نضال الشعب) المجلة المركزية لجبهة النضال الشعبي لسنوات طويلة وخاصة في بيروت. وقد عمل بعد محررا في العديد من الصحف والمجلات العربية وأهمها مجلة (أدب ونقد) التي يصدرها حزب التجمع المصري اليساري، حيث تولى رئاسة تحرير هذه المجلة العريقة منذ عام 2006.
وتقدمت الجبهة بتعازيها الحارة من عائلة الشاعر والمناضل حلمي سالم ومن أصدقائه ومحبيه في مصر وفي فلسطين وفي عموم العالم العربي، مؤكدة أن أمثال حلمي سالم ستبقى أعمالهم ونضالاتهم وسجاياهم شاهدة على مكانتهم الرفيعة وإبداعاتهم الرصينة الملتزمة، وان المناضلين والمثقفين الثوريين لا يموتون أبدا فهم أحياء بالقيم والمبادئ والإبداعات التي تركوها للأجيال القادمة.

ومن أبرز الأعمال الشعرية للراحل : حبيبتي مزروعة في دماء الأرض 1974، سكندرياً يكون الألم 1981، الأبيض المتوسط 1984، سيرة بيروت 1986، البائية والحائي 1990، دهاليزي والصيف ذو الوطء 1990، فقه اللذة 1993، الشغاف والمريمات 1994، يوجد هنا عميان 2001، مدائح من جلطة المخ 2006، ارفع رأسك عالية 2012.
مؤلفاته: (الثقافة تحت الحصار، الوتر والعازفون، الحداثة أخت التسامح). حصل في عام 2007 على جائزة الدولة للتفوق في الشعر وحصل على جائزة أفضل ديوان شعر فصحى لعام 2011 عن (ارفع رأسك عالية) في مسابقة معرض القاهرة الدولي للكتاب".

موقع بانيت وصحيفة بانوراما
29/07/2012 15:12:29

*****

حمدين صباحى: مصر فقدت قامة أدبية ووطنية برحيل حلمى سالم

كتبت سارة عبد المحسن

حمدين صباحى

نعى المرشح السابق لرئاسة الجمهورية حمدين صباحى أسرة الشاعر حلمى سالم، قائلا عبر حسابه الشخصى على تويتر ‏"خالص عزائى لأسرة ومحبى الصديق والأخ الشاعر المثقف المبدع حلمى سالم الذى برحيله تفقد مصر قامة أدبية وثقافية ووطنية رفيعة".

الجدير بالذكر أن الشاعر حلمى سالم رحل عن عالمنا ظهر أمس عن عمر يناهز الـ61 عاما، وذلك بعد صراع طويل مع مرض سرطان الرئة الذى ألم به منذ ثلاثة شهور ووافق الفريق سامى عنان على علاجه على نفقة القوات المسلحة بعد تدخل وزير الثقافة السابق الدكتور شاكر عبد الحميد.

الأحد، 29 يوليو 2012 - 17:52

****

شرفة حلمي سالم

ربت على كتفي في قاعة مسجد الشرطة في القاهرة، فأنكرته، حلمي سالم هذا غير الذي أعرفه، بعدما انطفأ أو استسلم. قال أنه يغسل كليتيه ثلاث مرات في الأسبوع ورأيت شبح ابتسامة كانت تملأ لقاءاتنا في بيروت والقاهرة.

هل كان يودعني حين كنا مع آخرين نودع ابراهيم أصلان في مسجد الشرطة؟

بدا جسد حلمي سالم مستسلماً في السنوات الأخيرة، لكن كتاباته احتفظت بجرأتها، وقد أتاح له العمر الكتابة عن ثورة 25 يناير بحس نقدي لا يخلو من أمل وثقة.
شاعر عينه على مجتمعه، لذلك واكبت قصائده إيقاعات هذا المجتمع فتفاوتت أساليبها بتفاوت المراحل.
قصائده في «شرفة ليلى مراد» أراها الأكثر نضوجاً لأنها لا تحفل بهيكلة كبيرة للعمل الشعري، تكتفي بإضاءات تأسر القارئ ليبني منها عوالمه الخاصة.

أنقول أن ليلى مراد حلمي سالم انحياز للصوت والإيقاع المعبّرين عن الحياة الحديثة في مصر؟ أو انهما مادة التاريخ الوجداني للمصريين، ولكثير من العرب، تاريخ يعادل الوقائع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية؟

لاحظ حلمي سالم في مسجد الشرطة ان المقرئ يركز على سورة يوسف من دون غيرها من السور، وقال أنه سمع السورة نفسها في تعازٍ أخرى لأقرباء وأصدقاء في القاهرة. لم أجب على ملاحظته وانتقلنا الى حديث آخر.
ابنتا الشاعر، قصيدتاه الأثيرتان، إحداهما تزوجت من لبناني مقيم في الولايات المتحدة. كان حلمي سالم تزوج من لبنانية أثناء إقامته في بيروت في النصف الثاني من سبعينات القرن الماضي، حيث أتيح له التفاعل مع شعراء عرب جمعتهم المدينة على رغم شروخها وحروبها. انه المصري المتلبنن في وجه من وجوه إبداعه، كما كان في مصر كتّاب لبنانيون متمصرون في أواخر القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين.

أقرأ له في عنوان «أسمهان»:
صادفوها/ وهي تحمي بأسوَدها/ أبيضَها/ الذي يجرّ عليها قذى الشوارع:/ مأزقها/ ان الانطباعات الأولى تدوم/ كيف إذاً ستغني/ أسقيه بيدي قهوة».
وفي عنوان «رومانسية»:
نقاوم الشجن بعصر ما بعد الصناعة/ لكن مشهد عبدالحليم وأخيه/ في حكاية حب/ ينتقم للقتلى.

الحياة – 5 اغسطس 2012

****

حلمي سالم‮ .. ‬المغامر المتميز‮..‬ كماً‮ ‬وكيفاً

د.جابر عصفور

حلمي سالم‮ يكاد‮ ‬يكون حلمي سالم أبرز شعراء السبعينيات كما وكيفا،‮ ‬أما ما‮ ‬يتصل بالكم فخير دليل علي ذلك‮ ‬غزارة إنتاجه‮ ‬النقدي والإبداعي،‮ ‬فلم‮ ‬يكن واحدا من شعراء الحداثة في جيل السبعينيات،‮ ‬إنما كان في الصدارة منهم،‮ ‬وهو أكثر أبناء جيله تنظيرا وكتابة،‮ ‬وكتاباته بالغة الأهمية في التأسيس النظري لأغلب شعراء السبعينيات،‮ ‬خصوصا جماعة إضاءة،‮ ‬وكان لنشاطه الفعال داخل الحركة الطلابية أكبر الأثر في انتماءاته الشعرية،‮ ‬وهذه الفعالية والنشاط الدؤوب في الحركة اليسارية،‮ ‬هي التي دفعته للذهاب للبنان والاشتراك في المقاومة الفلسطينية واستمراره إلي أن خرج منها مع المقاومة من بيروت في عام‮ ‬1982،‮ ‬وظل حلمي بعد ذلك شاعرا‮ ‬يؤمن بالجمع بين الحداثة والالتزام،‮ ‬فكما رأي هما جناح الأصالة الذي‮ ‬يجب أن‮ ‬يتميز به بين شعراء جيله‮.. ‬استطاع أن‮ ‬يحقق ذلك بنوع فريد،‮ ‬ويكفيه في هذه الميزة ما كان‮ ‬يتصدي له من المسكوت عنه إبداعيا،‮ ‬وهو الذي أوضعه أمام مشايخ التكفير‮.‬
حلمي سالم له العديد من الدواوين ذات النبرة الخاصة به،‮ ‬خصوصا ديوانه الذي كتبه أثناء مرضه‮ «‬مدائح جلطة المخ‮»‬،‮ ‬وقد حدث عندما جاءته جلطة المخ ودخل المستشفي،‮ ‬كتب عددا من القصائد الجميلة والمؤثرة،‮ ‬لذا نستطيع القول أن حلمي تفرد بعدد من القصائد والدواوين،‮ ‬التي‮ ‬يجب أن‮ ‬يتوقف عندها النقد طويلا وتفصيليا،‮ ‬ومن ذلك ديوانه عن الثورة،‮ ‬الذي حصل به علي جائزة‮ ‬الإبداع‮.‬
لم أر في حياتي من الشعراء من‮ ‬يتمتع بهذا القدر من الإنسانية مثل حلمي سالم،‮ ‬الذي أعرفه منذ سنوات طويلة،‮ ‬عندما درست له في السنة الثانية في قسم الصحافة بآداب القاهرة،‮ ‬ومن‮ ‬يومها عرفته عن قرب وعرفت سماته وثقافته الرفيعة،‮ ‬التي انعكست علي دواوينه وإبداعاته وكتاباته عبر مسيرته،‮ ‬ولا ننسي ديوانه الفريد من نوعه عن‮ «‬الشعر والشيخ‮»‬،‮ ‬وأعتقد أننا خسرنا شخصية متواضعة ومتسامحة إلي أبعد حدود التسامح،‮ ‬لكن‮ ‬يبقي إبداعه الذي‮ ‬يجب أن‮ ‬يتدارسه النقاد طويلا‮. ‬

****

الأكثر محبة للحياة والشعر

محمد سليمان

التقيت به عام‮ ‬٧٢‮ ‬في دار الأدباء،‮ ‬وكان ظهوره عاصفة،‮ ‬حيث ألقي قصيدة له،‮ ‬كما ألقي زميله الشاعر رفعت سلام قصيدة‮. ‬استنكر معظم الحضور في تلك الليلة قصيدتيهما بسبب الخروج عن المألوف والتمرد البالغ‮ ‬والشطح والعبارات والمفردات الجديدة علي الأذن والخروج علي الكتابة الشعرية في ذلك الوقت،‮ ‬وقد تصدي في تلك الليلة أمل دنقل للدفاع عنهما معلناً‮ ‬أن من حقهما التمرد والتجريب والبحث عن لغة جديدة‮. ‬
بعد ذلك وفي نفس العام صدر العدد الأول والأخير من مجلة‮ "‬الشعر‮"‬،‮ ‬التي رأس تحريرها صلاح عبدالصبور،‮ ‬وفي هذا العدد أعلن عبدالصبور عن الشعراء الجدد الذين تقدّمهم المجلة وكان من بينهم الشاعر حلمي عبدالغني سالم،‮ ‬وفي نفس العام أصدر حلمي سالم مع رفعت سلّام المجموعة الشعرية الأولي،‮ ‬وكانت علي ما أظن بعنوان‮ "‬الغربة والانتظار‮"‬،‮ ‬ثم بعد عامين أي في‮ ‬74‮ ‬أصدر ديوانه الثاني ونشر معنا في مجلة‮ "‬الكاتب‮" ‬حينما رأس تحريرها صلاح عبدالصبور،‮ ‬وقدّمَنا في منتصف السبعينيات رجاء النقاش في مجلة‮ "‬الهلال‮" ‬حينما أعد ملفاً،‮ ‬هو الأول عن شعراء السبعينيات،‮ ‬بعنوان‮ "‬عشرة شعراء وعشر قصائد‮"‬،‮ ‬وكان من بينهم حلمي سالم،‮ ‬ثم حدث ذلك الانهيار الذين نعرفه جميعاً،‮ ‬وهو إغلاق المجلات وسفر عبدالصبور إلي الهند وحجازي إلي باريس وعفيفي إلي العراق،‮ ‬ولم تعد هناك مجلات أو نقاد،‮ ‬وربما كان هذا الغياب للأدباء والنقاد سبباً‮ ‬أساسياً‮ ‬في تشكيل الجماعات الشعرية،‮ ‬حيث تشكلت‮ "‬إضاءة‮" ‬في‮ ‬77‮ ‬و"أصوات‮" ‬في‮ ‬79،‮ ‬وكان سالم هو المحرك الأساسي لمجلة‮ "‬إضاءة‮"‬،‮ ‬فهو الذي‮ ‬يسعي لجلب المادة ويذهب إلي المطابع‮. ‬كانت لديه قدرة ودأب وعشق للشعر ولإبراز وجود الشعراء الجدد،‮ ‬خاصة بعد أن سافر صديقه حسن طلب إلي الدوحة‮. ‬ثم أصدر ديوانه الثالث في أوائل الثمانينيات ثم سافر إلي بيروت،‮ ‬وحضر الغزو الإسرائيلي للبنان،‮ ‬وعاش لمدة عام علي الأقل هناك،‮ ‬وأصدر ديوانه‮ "‬الأبيض المتوسط‮" ‬في‮ ‬85‮ ‬و"سيرة بيروت‮" ‬وهو الديوان الخامس في‮ ‬86،‮ ‬وكان معظم زملائه في ذلك الوقت بلا دواوين منشورة نشراً‮ ‬حقيقياً‮. ‬كان الأغزر إنتاجاً‮ ‬والأكثر حرصاً‮ ‬علي النشر،‮ ‬وأذكر أنني في سنة‮ ‬90‮ ‬كنت أحاول نشر ديواني الثالث‮ "‬سليمان الملك‮" ‬وكان هو نشر ديوانه السابع‮ "‬دهاليزي والصيف ذو الوطء‮".‬

أريد القول إن حلمي كان‮ ‬يعيش للشعر ويري كل شيء تقريباً‮ ‬في الحياة شعراً،‮ ‬كان‮ ‬يري أنه من الممكن توظيف الأحداث العامة والتفاصيل اليومية في الشعر‮. ‬ولا بد هنا من الإشارة إلي تجربته الحياتية المتميزة،‮ ‬حيث كان الأكثر التصاقاً‮ ‬بالعمل السياسي،‮ ‬بسبب وجوده في جريدة‮ "‬الأهالي‮" ‬وحزب‮ "‬التجمع‮"‬،‮ ‬ومن ثم علي مدي أربعين سنة نشر العديد من الدواوين‮. ‬كان أكثرنا نشراً‮ ‬وأغزرنا كتابة وأظنه كان‮ ‬يقاوم بالشعر،‮ ‬يقاوم القبح والفساد والجمود والمرض والضعف‮. ‬نعم‮.. ‬فهناك ديوان له بعنوان‮ "‬الثناء علي الضعف‮"‬،‮ ‬وآخر بعنوان‮ "‬مدائح جلطة المخ‮"‬،‮ ‬وقبل وفاته بيوم واحد كان‮ ‬يحدثني عن ديوانه الجديد،‮ ‬الذي‮ ‬يتناول فيه أزمته الصحية الأخيرة،‮ ‬وكان قد قرأ قصائده في‮ "‬التجمع‮" ‬في أمسية شعرية قبل أيام‮. ‬كما فاجأنا أيضاً‮ ‬بالحضور إلي بيت الشعر قادماً‮ ‬من المستشفي وهو مرهق للغاية وأظنه كان‮ ‬يتقوّي بزملائه الشعراء وبالشعر ويحاول باستمرار أن‮ ‬يتّخذ من الشعر سلاحاً‮ ‬يواجه به الضعف والموت‮. ‬في الشهور الأخيرة كنت دائماً‮ ‬في حالة صراع معه لأنه كان‮ ‬يفرّ‮ ‬من المستشفيات قبل أن‮ ‬يستكمل علاجه‮. ‬بعد الجراحة الأولي منذ‮ ‬6‮ ‬شهور فر من المستشفي‮. ‬الأطباء كانوا‮ ‬يريدونه أن‮ ‬يمكث لمدة عشرة أيام وهو كان‮ ‬يريد أن‮ ‬يهرب،‮ ‬كانت المستشفيات بالنسبة إليه هي الأماكن العقابية كما قال ميشيل فوكو‮. ‬في كل مرة دخل المستشفي كان‮ ‬يخطط للفرار وأذكر قبل أيام حينما ذهب للغسيل في المعادي ارتفع ضغطه بشكل مخيف فقرروا حجزه ليلة،‮ ‬لتضبيط الضغط والاطمئنان عليه،‮ ‬ولكنه رفض وكتب إقراراً‮ ‬يتحمل فيه المسئولية‮. ‬المستشفي بالنسبة له كان سجناً‮ ‬مخيفاً‮ ‬ومفزعاً‮ ‬وكان‮ ‬يري الحياة في الشوارع والمقاهي وبين الأصدقاء،‮ ‬ويري المستشفيات مخازن تعد الناس للموت،‮ ‬والبقاء فيها إعداد للوفاة‮.‬
هذا الشاعر الذي أنتج كل هذه الأعمال أظنه بحاجة إلي نقاد‮. ‬لم‮ ‬يلتفت النقد كما‮ ‬ينبغي لشعراء السبعينيات‮. ‬لا أزعم أننا كن متفقين فنياً‮. ‬كنا نتبادل الصراع أحياناً‮ ‬حول قصائدنا ودواويننا‮. ‬كنت ضد الثرثرة وغواية السرد والتسرع في النشر وكان هو‮ ‬يتهمني بالالتصاق بالتقاليد والمحافظة،‮ ‬لكن كل هذه الخلافات لم تُحدِث بيننا شرخاً‮ ‬أبداً،‮ ‬فكل شاعر له انحيازاته التي تصنع وجهه الشعري المتميز،‮ ‬ومن ثم علينا أن نعترف بحق كل شاعر في اختيار تقنياته وتشكيل تجربته كما‮ ‬يهوي‮. ‬

03/08/2012 10:34:53 ص

****

غواية الشاعر‮ ‬

الشعر هو لذتك الخالصة،‮ ‬لكنه مع ذلك‮ ‬يبدو شيئا عاديا كالأكل والشرب،‮ ‬كالنوم واليقظة،‮ ‬كالحب والكره،

‮ ‬جمال القصاص‮ ‬

تبدأ‮ ‬غواية حلمي‮ ‬سالم بالنسبة لي،‮ ‬من نقطة أساسية في‮ ‬دفتر الشعر‮ ‬،‮ ‬تتقاطع وتتشابك بطفولة وحميمية مع نقطة أساسية أخري في‮ ‬دفتر الحياة والوجود‮.‬في‮ ‬دفتر الشعر‮ ‬يتراءي حلمي‮ ‬سالم كفاتح سكك وطرق،‮ ‬ومجترح أشكال وصيغ‮ ‬شعرية بامتياز‮. ‬وفي‮ ‬كل هذا لا‮ ‬يكف عن اللعب والمناوأة والمناورة فوق سطح القصيدة،‮ ‬ويغامر بالغوص في‮ ‬الأعماق،‮ ‬وينسي أنه عمليا لا‮ ‬يجيد السباحة،‮ ‬لكنه‮ ‬يغوص ويطفو بقوة الفن وقلق الوجود،‮ ‬مسكونا برغبة عارمة في‮ ‬أن تتحول القصيدة إلي فخ‮ ‬لاصطياد الأمل والحلم،‮ ‬اصطياد اللذة والحرية،‮ ‬اصطياد الزمن والوطن،‮ ‬وقبل كل شيء اصطياد الذات،‮ ‬ثم كيف بمحبة الشعر،‮ ‬بمحبة الجسد تتحمل القصيدة صدمة الروح في‮ ‬المرآة‮. ‬
في‮ ‬هذه المغامرة من الصعب أن ندلف إلي نص حلمي‮ ‬سالم من باب واحد،‮ ‬أو‮ ‬نأخذه رهينة لدلالات ورموز ومضامين معينة،‮ ‬قد تخدعنا بوميضها الخاطف فوق السطح،‮ ‬أو‮ ‬يغرينا بريق الإيقاع وكثافة التراكيب والصور المباغتة المشطوفة بمهارة الصانع والعراف معا،‮ ‬وكأنها قدت للتو من صخرة اللغة والحياة‮. ‬ففي‮ ‬ظني‮ ‬أن نص حلمي‮ ‬سالم حين‮ ‬يتسع لنفسه،‮ ‬يتسع في‮ ‬الوقت نفسه للآخر،‮ ‬يفيض عليه ويغمره في‮ ‬مائه الخاص،‮ ‬لذلك من الصعب أن نتمثل الآخر علي تنوع أقنعته ومحمولاته الإنسانية وأزمنته الحياتية والتراثية كحقيقة واقعية مكتفية بذاتها،‮ ‬وإنما كإمكانية لوجود‮ ‬يظل معلقا بمدي فعاليته في‮ ‬النص،‮ ‬وبقدرته علي اكتشاف ذاته‮ ‬من جديد في‮ ‬فضائه الخاص‮.‬
هذه المغايرة في‮ ‬التعامل مع الآخر،‮ ‬لا تبحث عن نقطة توازن أو اتزان في‮ ‬نص حلمي‮ ‬سالم،‮ ‬بقدر ما تظل مسكونة بمغامرة الهتك والاجتراع والتخطي،‮ ‬وهي‮ ‬مغامرة مفتوحة علي احتمالات شتي،‮ ‬تكره الإقامة في‮ ‬عباءة شكل أو مضمون معين،‮ ‬وتكرس دوما لفكرة السفر والإبحار،‮ ‬بين شطوط اللغة،‮ ‬ومرافئ المعرفة والذات والتاريخ‮.‬

‮ ‬من بين كل هذا‮ ‬يبقي القلق المسكون بجرأة طرح الأسئلة،‮ ‬واكتشاف طزاجتها وحيويتها من زوايا ومساقط مهمشة ومنسية في‮ ‬مدار الرؤية ودهاليز الواقع والحياة،‮ ‬هو محور الجذب لغواية حلمي‮ ‬سالم منذ‮ ‬لحظة تعرفنا قبل أكثر من أربعين عاما‮.‬
في‮ ‬البداية اتسم هذا القلق بنزق وجودي‮ ‬مشرَّب أحيانا بمسحة تمرد‮ ‬مستقاة من عباءة الايدولوجيا الماركسية،‮ ‬وقد انعكس هذا آنذاك علي شعر حلمي‮ ‬سالم‮ ‬في‮ ‬الانشغال باللعب علي وتر الثنائيات المتضادة،‮ ‬مما حد من فعالية الصراع وأصبحت مهمة النص هي‮ ‬احتواؤه والتعبير عنه بأي‮ ‬شكل،‮ ‬وأيضا إبراز طبقاته‮ ‬المتنوعة،‮ ‬في‮ ‬معادلات ضدية ساكنة،‮ ‬ومفارقات خارجية كثيرا ما تبدو مقحمة علي النص‮. ‬هذا القلق كان‮ ‬يشع في‮ ‬ومضات شعرية خاطفة،‮ ‬لكنها سرعان ما تنكمش تحت وطأة الايدولوجيا،‮ ‬وتتوه في‮ ‬المسافة بين الشعر وبين الشعار‮ ‬خاصة في‮ ‬مظانه الطبقية والسياسية‮.‬
‮ ‬لكن حلمي‮ ‬سالم بقوة القلق نفسه سرعان ما تمرد علي لعبة الثنائيات الجامدة،‮ ‬بلعبة أخري أكثر رحابة،‮ ‬تتميز بتنوع الأقنعة،‮ ‬وتتيح للذات تبادل المواقف والأدوار مع الآخر،‮ ‬وامتلاك حيوية تشكيل مناطق الثقل والخفة في‮ ‬النص‮.. ‬ومن ثم كانت مغامرة الكولاج الشعري،‮ ‬بمثابة خيط الوصل بين مفارقات أزمنة بعضها مشدود إلي الماضي،‮ ‬ويشكل نوعا من النوستالجيا الخاصة،‮ ‬وبعضها مفتوح علي الحاضر والقادم،‮ ‬وفي‮ ‬الوقت نفسه،‮ ‬مسكون بانبثاقات وتدفقات روحية وجسدية،‮ ‬تتنوع طرق اكتشافها من قصيدة لأخري،‮ ‬وفي‮ ‬ظل طاقة فنية قادرة علي أن تخلق الشعر من عثرات الحياة واحباطاتها التي‮ ‬لا تكف عن المباغتة‮. ‬
‮ ‬لقد وسًّع الكولاج الشعري‮ ‬من مشهدية نص حلمي‮ ‬سالم،‮ ‬ومنح الإيقاع مساحة أرحب من التوتر الدرامي،‮ ‬وأصبح صوت الشاعر ممتلئا بالخلفية‮ ‬يتماهي،‮ ‬ويتوحد،‮ ‬يئن ويصرخ،‮ ‬يزهو ويلعب،‮ ‬في‮ ‬فانتازيا صاعدة وهابطة من الأسفل إلي الأعلي،‮ ‬تعيد ترتيب الحلم في‮ ‬فراغات الشخوص والأشكال والعناصر والأشياء‮.. ‬فهكذا،‮ ‬لم تعد القصيدة تبحث عن موضوع،‮ ‬لقد أصبحت هي‮ ‬الموضوع ذاته،‮ ‬هي‮ ‬الشكل ذاته،‮ ‬هي‮ ‬الشاعر في‮ ‬أقصي لحظات التجلي‮ ‬الحميم‮.‬
‮ ‬تحت مظلة هذا الكولاج الذي‮ ‬أصبح رافدا أساسيا في‮ ‬شعر حلمي‮ ‬سالم،‮ ‬أذكر أنني‮ ‬كثيرا ما كنت أشاكسه،‮ ‬وأقول له بحس أبيقوري‮ ‬محض،‮ ‬أنت شاعر‮ ‬غريزي‮ ‬بامتياز‮. ‬الشعر هو لذتك الخالصة،‮ ‬لكنه مع ذلك‮ ‬يبدو شيئا عاديا كالأكل والشرب،‮ ‬كالنوم واليقظة،‮ ‬كالحب والكره،‮ ‬كالجنس والعشق‮. ‬لا فواصل بين قصيدتك وهذه الحيوات التي‮ ‬تظل محض سلوك‮ ‬يحقق فسيولوجياً‮ ‬فعل الشبع والارتواء،‮ ‬فيبتسم ويقول‮:" ‬نعم‮ ‬،‮ ‬أنا أمارس كل هذه الحيوات لكن ليس فقط لأحقق فعل الارتواء أو الشبع وإنما لأستخلص من كل هذا ما أشرت أنت إليه،‮ ‬وهو متعة اللذة الخالصة،‮ ‬لذة الكتابة،‮ ‬لذلك أنا أجل كل هذه الحيوات وأقدسها‮. ‬فأنا كائن‮ ‬غريزي‮ ‬بقوة الشعر،‮ ‬وإنسان عادي‮ ‬بقوة الحياة‮ ".‬
لكن،‮ ‬الآن‮ ‬يا صديق عمري،‮ ‬وفي‮ ‬هذه الشهادة المرتعشة اسمح لي‮ ‬بتعديل بسيط في‮ ‬حوارنا الخاطف هذا،‮ ‬ربما تغافلت عنه من فرط سماحتك ونبلك‮..‬اسمح لي‮ ‬أن أقول أنك بمحبة الحياة التي‮ ‬كنت كل‮ ‬يوم تشدها من أذنيها وتضحك،‮ ‬عشت بيننا وستظل شاعرا خلاقا وإنسانا نادرا،‮ ‬وأنك كنت توزع هذه المحبة علينا،‮ ‬وتربت علي أكتافنا كطفل‮.. ‬وتهمس‮" ‬الحداثة أخت التسامح‮ ". ‬

03/08/2012 10:37:42 ص

****

المقاتل

محمد أبو زيد

حلمي سالم‮ ‮"‬لماذا لم أكتب شعرا عن أمل دنقل؟‮"‬،‮ ‬يطرح الشاعر الراحل حلمي‮ ‬سالم هذا السؤال علي نفسه،‮ ‬أثناء تحضيره كتاب‮ "‬عم صباحا أيها الصقر المجنح‮" ‬الذي‮ ‬صدر عن المجلس الأعلي للثقافة محتويا علي‮ ‬القصائد التي‮ ‬كتبها الشعراء في‮ ‬رثاء أمل دنقل بعد رحيله الأليم في‮ ‬مايو‮ ‬1983،‮ ‬ثم‮ ‬يجيب بأن السبب هو خوفه من‮ "‬السرطان‮" ‬الذي‮ ‬انتشر في‮ ‬الهواء،‮ ‬والذي‮ ‬أخذ منه مجموعة من أعز الناس جعله‮ ‬يجفل من رثاء دنقل،‮ ‬حتي لا‮ ‬يكون في‮ ‬مواجهة مباشرة مع السرطان‮.‬
ما خاف منه سالم تحقق،‮ ‬فالحذر لا‮ ‬يمنع القدر،‮ ‬حيث رحل مريضا بالسرطان أيضا،‮ ‬سرطان الرئة‮. ‬لكن ما‮ ‬يجمع دنقل وسالم ليس المرض فقط،‮ ‬ولا أن كليهما كتب ديوانا عن تلك التجربة،‮ ‬حيث كتب دنقل‮ "‬أوراق الغرفة‮ ‬8‮"‬،‮ ‬وكتب سالم‮ "‬معجزة التنفس‮"‬،‮ ‬بل أن كلايهما‮ ‬يدخلان في‮ ‬جوقة الشعراء الخوارج،‮ ‬والمقاتلين،‮ ‬وأصحاب القضية‮.‬
يرفض الكثيرون من النقاد وجود الأيديولوجيا في‮ ‬الأدب،‮ ‬ويري آخرون أن الانخراط في‮ ‬العمل السياسي‮ ‬التنظيمي‮ ‬قد‮ ‬يضر المبدع،‮ ‬غير أن حلمي‮ ‬سالم،‮ ‬استطاع أن‮ ‬يحطم هذه التابوهات التي‮ ‬وضعها النقاد،‮ ‬ليكتب قصيدته،‮ ‬التي‮ ‬تعبر عن موقفه الأيديولوجي،‮ ‬التي‮ ‬يتخلي فيها عن خطابه السياسي،‮ ‬ويتمسك فقط بموقف المبدع الذي‮ ‬يري العالم‮ ‬يتعرض للتشويه،‮ ‬فيحاول تجميله بقصيدة‮.‬
بالنسبة لي،‮ ‬أؤمن أنه لا فن بلا أيديولوجيا،‮ ‬وأعتقد أن حلمي‮ ‬سالم واحد من أولئك الذين‮ ‬يعبرون عن سلامة هذا الاعتقاد عندي،‮ ‬حيث استطاع الحفاظ علي ذلك الخط الرفيع ما بين الاثنين،‮ ‬وهو‮ ‬يتنقل ما بين حصار بيروت أوائل الثمانينيات حين انضم إلي المقاومة الفلسطينية هناك،‮ ‬أو في‮ ‬غرفته الزجاجية في‮ ‬حزب التجمع،‮ ‬مدافعا عن‮ ‬يساريته،‮ ‬ليحافظ في‮ ‬هذا كله،‮ ‬علي شاعرية طازجة مختلفة،‮ ‬وموقف سياسي‮ ‬واضح،‮ ‬من ديوان إلي الآخر،‮ ‬بل فعل ما وصف به دنقل في‮ ‬مقال له من أنه‮ ‬يقيم تضافرا مركبا بين الموقف الفكري‮ ‬والتشكيل الجمالي‮.‬
حلمي‮ ‬سالم هو شاعر التفاصيل الصغيرة،‮ ‬شاعر الاحتفاء بالحياة،‮ ‬وتدوينها،‮ ‬في‮ ‬فقه اللذة،‮ ‬والواحد الواحدة،‮ ‬ومدائح جلطة المخ،‮ ‬والشاعر والشيخ،‮ ‬وسيرة بيروت،‮ ‬وهو في‮ ‬كل هذا‮ ‬يجمع بين الأيديولوجي‮ ‬والشاعر،‮ ‬يلتقط الفن من كل تفاصيل الحياة،‮ ‬من الحب والسجن والمرض،‮ ‬ويصوغه شعرا هو المدهش،‮ ‬الذي‮ ‬يحافظ علي صوره طازجة حتي السطر الأخير،‮ ‬سواء كان‮ ‬يكتب قصيدته التفعيلية أو النثرية‮.‬
حلمي‮ ‬سالم واحد ممن صنعوا شعرية جيل السبعينيات المختلفة عما قبلها وما بعدها،‮ ‬مع رفاق دربه جمال القصاص،‮ ‬وعبد المنعم رمضان ومحمد سليمان،‮ ‬وحسن طلب،‮ ‬وغيرهم،‮ ‬ليظل هذا الجيل محصورا طوال سنوات بين دورين‮ "‬الظالم والمظلوم‮". ‬البعض‮ ‬يراه ظالما لأنه نقل الشعرية بعيدا عن المتلقي‮ ‬العادي،‮ ‬مع أن المتلقي‮ ‬العادي‮ ‬لا‮ ‬يقرأ الشعر منذ عقود طويلة،‮ ‬ومظلوما لأنه ابن النكسة التي‮ ‬حاصرته،‮ ‬وابن عصر السادات الذي‮ ‬همش الثقافة،‮ ‬وابن عصر الانفتاح الاقتصادي‮ ‬الذي‮ ‬أعلي آليات السوق علي الاهتمام بالصورة الشعرية،‮ ‬والقصيدة التي‮ ‬تصارع التشوه المجتمعي‮.‬
لكن حلمي‮ ‬سالم ورفاق دربه،‮ ‬استطاعوا الصمود في‮ ‬وجه هذا،‮ ‬وحافظوا علي فرادة قصيدتهم،‮ ‬وتميز نصوصهم،‮ ‬ليصنعوا،‮ ‬ما‮ ‬يعتبره البعض جيلا شعريا،‮ ‬وما أعتبره مدرسة شعرية،‮ ‬تقوم علي الاهتمام بالتجريب والمغامرة،‮ ‬وتكثيف الصورة،‮ ‬والمغايرة‮.‬
كان حلمي‮ ‬سالم شاعرا مقاتلا،‮ ‬ليس لأنه ذو موقف أيديولوجي،‮ ‬بل لأنه كان‮ ‬يحب الاشتباك مع الحياة،‮ ‬وينتصر في‮ ‬النهاية بقصيدة أو ديوان جديد،‮ ‬كما فعل في‮ ‬أزمة‮ "‬شرفة ليلي مراد‮"‬،‮ ‬وحاول الانتصار علي المرض بديوانين‮ "‬مدائح جلطة المخ‮"‬،‮ ‬وديوانه الأخير‮ "‬معجزة التنفس‮".‬
كان حلمي‮ ‬سالم شاعرا‮ ‬غزير الإنتاج،‮ ‬ربما لأنه كان‮ ‬يري كل ما حوله شعرا،‮ ‬ويري أن‮ ‬الحل في‮ ‬القصيدة،‮ ‬والقصيدة واحدة،‮ ‬فكان‮ ‬يصوغ‮ ‬كل ما‮ ‬يمر به شعرا،‮ ‬ورغم رحيله،‮ ‬إلا أنه سيظل أيقونة خاصة تدل علي سلامة ارتباط الشعر بالأيديولوجيا،‮ ‬علي أهمية ما قدمته جماعة‮ "‬إضاءة‮" ‬للشعرية العربية،‮ ‬علي أن الشاعر لا‮ ‬يموت،‮ ‬ومن قال أن الشاعر‮ ‬يموت‮.‬

03/08/2012 10:40:06 ص

****

سيرة التراب

جاهدت لقراءة أكثر صفاء،‮ ‬كي‮ ‬ألتقط الألم المخبأ خلف أدغال حلمي‮ ‬سالم التي‮ ‬تفتت الدلالات الجاهزة بقسوة،‮ ‬علي نثارات‮ ‬متناهية الصغر

طارق إمام

حلمي سالم‮ مربوطاً‮ ‬إلي السّرير الحديدي‮ ‬دفعَه النوبتجي‮ ‬إلي قفصٍ‮ ‬مظلمٍ،‮ ‬النوبتجي‮ ‬الذي‮ ‬صوّبَ‮ ‬العدساتِ‮ ‬علي مؤخرةِ‮ ‬يسارِ‮ ‬الجمجمة،‮ ‬وضغطَ‮ ‬علي الزِّر‮:‬
جاءت حدوتة مصرية،‮ ‬والراهب،‮ ‬ويوسف شاهين،‮ ‬وتجار الموالح،‮ ‬وكل هذا الجاز،‮ ‬ومدرسة عبد المنعم رياض،‮ ‬وسجن العبدلي،‮ ‬وصنع الطائرات الورقية،‮ ‬ونشأ وترعرع،‮ ‬والقنابلُ‮ ‬المضيئة،‮ ‬وسُرّةُ‮ ‬سيدة النبع،‮ ‬ونزيفُ‮ ‬زاهية،‮ ‬وعبس وتوّلي،‮ ‬ومسلسلُ‮ ‬الأيام،‮ ‬وقوارب الزناتي‮ ‬للصيّد في‮ ‬السحر،‮ ‬ونسوة‮ ‬يرتجلن عدودة حول ناعورةٍ،‮ ‬وجثة سامي‮ ‬المليجي‮ ‬في‮ ‬الرَّياح المنوفي،‮ ‬ومعتقلُ‮ ‬القلعة،‮ ‬وساهمُ‮ ‬الطرف كأحلام المساء،‮ ‬وإضاءة‮ ‬77،‮ ‬وبقراتٌ‮ ‬طائراتٌ‮ ‬علي أطراف الكازوارينا،‮ ‬ورعبُ‮ ‬المترجمات من المسحراتي،‮ ‬وكتاب النبي،‮ ‬ودفنُ‮ ‬عبد الغني‮ ‬سالم‮.‬
‮‬لا أعرف لماذا التقطت،‮ ‬بعد ساعات من موت حلمي‮ ‬سالم،‮ "‬مدائح جلطة المخ‮"‬،‮ ‬بالذات‮. ‬إنها عادتي،‮ ‬كلما مات كاتب أحبه،‮ ‬أن أستدعي‮ ‬علي الفور كتاباً‮ ‬له وأبدأ قراءته بصوت عالٍ،‮ ‬لنفسي‮ ‬وله،‮ ‬كأنني‮ ‬أقرأه علي روحه‮. ‬وبالنسبة لي،‮ ‬كان حلمي‮ ‬سالم أكثر من شاعر أحبه،‮ ‬كان مناخاً،‮ ‬يتجاوز شعره نفسه،‮ ‬وسماته الشخصية‮.. ‬حلمي‮ ‬سالم وجه تحتفظ له ذاكرة أعوامي‮ ‬الخمسة والثلاثين بأكثر من عشرين عاماً‮ ‬من الصداقة،‮ ‬منذ صافحته لأول مرة في‮ ‬صيف عام‮ ‬1991‭.‬
‬الآن،‮ ‬بينما أفشل في‮ ‬كتابة مرثية،‮ ‬لأنها لن تليق به،‮ ‬ولأن الموت أكبر من المجازات،‮ ‬ولأن موته عبارة‮ ‬يستحيل العثور فيها علي جمال،‮ ‬أجدني‮ ‬أختار هذا الديوان،‮ ‬ربما لأنه ديوانه الفاصل،‮ ‬المكرس كلية لانفجار أولي محنه الكبيرة مع المرض،‮ ‬وتجربته البكر في‮ ‬رؤية الموت وجهاً‮ ‬لوجه بسبب‮ ‬غدر الجسد به،‮ ‬وليس الحروب أو حتي الأصدقاء ـ للأسف لم أقرأ ديوانه الأخير المخطوط الذي‮ ‬عرفت أنه أغلق قوس تجربة المرض‮ (‬والحياة معاً‮ ‬هذه المرة‮) ‬لكنه في‮ ‬المرة الأولي نجا،‮ ‬كان ذلك قبل سبع سنوات من توجهه إلي مقبرته‮ ( ‬كتب مدائح جلطة المخ في‮ ‬العام‮ ‬2005‮) .‬
‮‬لكنني،‮ ‬في‮ ‬القراءة الجديدة التي‮ ‬جاءت علي خلفية موته الطازج،‮ ‬رأيت سيرته المنثورة بمهارة علي وجه القصائد،‮ ‬تعود فتلتم،‮ ‬تتضح بعد أن قرأتها في‮ ‬المرة الأولي‮ ‬غائمة،‮ ‬مستحية خلف وهج اللعب،‮ ‬الذي‮ ‬أدمنه حلمي‮ ‬سالم،‮ ‬وكأنه‮ ‬ينكر علي الشعر حياة متماسكة،‮ ‬أو‮ ‬يستكثره علي سيرة رآها،‮ ‬ربما،‮ ‬عابرة‮.‬
‬في‮ ‬هذا الديوان كان حلمي‮ ‬سالم‮ ‬يصل بكل ولع‮ ‬يسمه إلي أقصاه،‮ ‬هو من أكبر دواوينه حجماً‮ ‬وغزارة بالقصائد،‮ ‬وهو أكثرها تسامحاً‮ ‬في‮ ‬مؤاخاة قصيدة النثر بالتفعيلة بل وبالشعر العمودي،‮ ‬وهو أشدها انفتاحاً‮ ‬علي فضاء السيرة الشخصية منذ الميلاد وحتي سرير المرض،‮ ‬وهو أيضاً‮ ‬أكثرها متحاً‮ ‬من التناصات،‮ ‬من كل حدب وصوب‮( ‬يحوي‮ ‬تناصات مع شعر عربي‮ ‬قديم،‮ ‬وشعر حسن طلب ومحمود الشاذلي‮ ‬وأحمد شوقي‮ ‬وأحمد عبد المعطي‮ ‬حجازي‮ ‬وعبد المنعم رمضان والسيّاب وشعري‮ ‬وآخرين‮). ‬لم أتخيل أن‮ ‬يلجأ سالم في‮ ‬ديوان مرضه لبعض ممن كرس قطيعته معهم جمالياً،‮ ‬كالتقليدي‮ ‬أحمد شوقي‮ ‬أو صاحب الحساسية المختلفة تماماً‮ ‬مع رؤيته للشعر أحمد عبدالمعطي‮ ‬حجازي‮.‬
جاهدت لقراءة أكثر صفاء،‮ ‬كي‮ ‬ألتقط الألم المخبأ خلف أدغال حلمي‮ ‬سالم التي‮ ‬تفتت الدلالات الجاهزة بقسوة،‮ ‬علي نثارات متناهية الصغر،‮ ‬تجعل الخبرة الشعرية في‮ ‬صدارة المشهد،‮ ‬وما نسميه الخبرة المباشرة محض فسيفساء منثورة الشتات‮. ‬
‬الآن،‮ ‬تنصع الرؤيا للعالم النائم بين القصائد،‮ ‬تلم ما قبلها وتؤسس لما سيأتي‮.. ‬ويتجلي ألم حلمي‮ ‬سالم صافياً‮.‬
‮ ‬أيضاً،‮ ‬في‮ "‬مدائح جلطة المخ‮"‬،‮ ‬ينتهي‮ ‬سالم من حيث بدأ،‮ ‬بالقصيدة نفسها التي‮ ‬اسمها‮ "‬مبتدأ‮"‬،‮ ‬مبتدأ في‮ ‬الحياة ومبتدأ في‮ ‬الموت،‮ ‬في‮ ‬أول الديوان وآخره،‮ ‬في‮ ‬رعونة اللحم والدم وفي‮ ‬نعومة التراب‮.‬

‮"‬إنها الرقيقةُ‮ ‬التي‮ ‬مبدؤها الإيماءُ،
تطوف‮ ‬بالعمر
من أجل أن‮ ‬يجدّدَ‮ ‬العمرُ
اسمَه الحركي‮.‬
إنها الناعمةُ‮ ‬التي‮ ‬مُتكؤها الشعيراتُ،
حيث تسري‮ ‬تذكرةُ‮ ‬داود،
من أجل أن تستيقظَ‮ ‬الفواكه
لكي‮ ‬يدركَ‮ ‬العشّاقُ
أن الدَّم خوّانٌ،
وأن الرحابةَ
خدعةُ‮ ‬العافينَ‮ ‬عن الناس‮.‬

03/08/2012 10:43:21 ص

****

الكواعب الأبكار‮ ‬

كريم عبد السلام

أكره كلمات الرثاء،‮ ‬وأكره أن أتناول أحبائي وخصوصا الشعراء منهم بالحديث باعتبارهم جزءا من الماضي،‮ ‬وأكره الموت القادر القاهر المتكبر علينا بمخالبه،‮ ‬يختطف من‮ ‬يشاء وقت‮ ‬يشاء ويتركنا حائرين نقلب الأسئلة الأولي،‮ ‬أسئلة المصير والمرارات،‮ ‬ونحن نتحسس أحلامنا المؤجلة،‮ ‬وهل تبقي لنا من الوقت لنفرح بإنجازها بعيدا عن مخالب الموت ؟
تسمعني طبعا‮ ‬ياحلمي سالم،‮ ‬وتبتسم كعادتك ثم تضبط نظارتيك وتتأهب للرد علي بلغة بين الحكمة واللاجدوي والسخرية،‮"‬لا تعاند الحياة،‮ ‬واركب علي مويجاتها وشلالاتها كأنك لا تبالي‮ " . ‬أنت العارف كل شيئ والمتطامن مع العقبات في طريقك كأنها جزء لا‮ ‬يجب أن‮ ‬يغيب عن الطريق،والمتأهب دائما للتعامل معها باعتبارها الضرورة التي لابد للشعر وللحياة أن‮ ‬يجاهدا لتجاوزها‮.‬
أذكر المرة الأخيرة التي تحدثنا فيها عبر الهاتف،‮ ‬وكالعادة لم أسأل عن صحتك أو قفزاتك العبقرية من مرض عضال إلي آخر أشد فتكا وكأنك تتجول بين شوارع بولاق،‮ ‬لم أكن أطمئن عليك،‮ ‬وإنما كنت أطمئن علي نفسي،‮ ‬من خلال الإنصات إلي روحك العالية وتفاؤلك الدائم بعيدا عن ترف الاكتئابات،‮ ‬أما زلت علي ولعك بالثيبات؟ وترد ضاحكا متهما إياي بأنني‮ ‬لا أعلم عن المرأة إلا خفتها،‮ ‬ولو أنصفت لاستمعت إلي خبرة العالمين بالبواطن،‮ ‬وأشاكسك بأفضلية الكواعب والناهدات وصاحبات الصبوات من الصغيرات الدائمات العذرية علي الخبيرات اللاتي تفضلهن،‮ ‬وأستشهد بآيات القرآن الكريم عن نساء الجنة هل هن من الكواعب الأبكار أم من الثيبات،‮ ‬فتجيبني مشاكسا بأنك الأعلم بجنة الدنيا،‮ ‬بشوارعها وحواريها وأنهار عسلها وخمرها،‮ ‬في مواجهة زعمي بمعرفة جنة الآخرة التي لا أضمن أن أشم ريحها من علي بعد‮ ‬70‮ ‬فرسخا‮ .‬
للحق‮ ‬يا حلمي سالم،‮ ‬وكما قلت لك من قبل،‮ ‬أحسدك علي المعادلة التي وضعتها لنفسك وتشبثت بها مثل قشة الغريق،‮ ‬أن تحيا الحياة شعرا كأنك تموت أبدا،‮ ‬كل التفاصيل والأحداث والعقبات والمكائد واخفاقات العمل والغرام وخيانات الأصدقاء بقدر ما تترك ندوبا في القلب،‮ ‬تتحول إلي دم الشعر ومداده،‮ ‬عمود الخيمة والعنصر الأبقي‮ ‬في مشروع الحياة القصير،‮ ‬هذا الوعي الحاد بالأولويات القصوي دفعك‮ ‬يا حلمي أن تري جوهر الشعر في التراب‮ ‬وجدران بيوت‮ " ‬الراهب‮"‬،‮ ‬وإعلانات النيون الضخمة فوق العمارات الشاهقة وفي‮ ‬غابة السيارات في شوارع القاهرة وفي العمل التظيمي وفي كل ما‮ ‬يرفد ثورة الشعوب علي الاحتلال والظلم والطغيان
للحق‮ ‬يا حلمي سالم‮ ‬،‮ ‬وكما قلت لك أيضا،‮ ‬أنت من القلائل في جيلك الذين استطاعوا ترشيد طاقاتهم لما هو أبقي،‮ ‬وجهت أحلامك ووعيك و تأملاتك واختباراتك،‮ ‬باتجاه معجمك الشعري وتكويناتك الجمالية التي تمزج فيها بين الأنواع الشعرية‮ ‬دون تعسف أو مبالغة،‮ ‬وبين مستويات اللغة من الفصحي القرآنية إلي العامية الفصيحة مرورا بأوعية التفكير المصري الخلاق متمثلا في المنحوتات الشعبية والأمثال والحكم الفطرية التي‮ ‬يتناقلها العامة وهم لا‮ ‬يدركون أي كنز‮ ‬يحملون،‮ ‬حتي استطعت أن تصنع لنفسك طريقا له علاماته البلاغية واللغوية والجمالية‮ ‬يبدأ من ديوانك الأول‮ "‬حبيبتي مزروعة في دماء الأرض‮ " ‬وحتي آخر أعمالك‮ "‬معجزة التنفس‮" .‬

أنت محظوظ‮ ‬يا حلمي سالم،‮ ‬نعم أنت محظوظ بنفسك،‮ ‬بروحك الجميلة وقدرتك المصرية الباهرة وإيمانك الجمالي الراسخ الذي سأكتب عنه بالتفصيل ذات‮ ‬يوم،‮ ‬وذات‮ ‬يوم أيضا سنلتقي وسنتحدث باستفاضة،‮ ‬فإلي اللقاء‮.‬

03/08/2012 10:44:45 ص

****

فاتح السكـك‮!‬

اختصار حلمي سالم في هذه القصيدة‮ ‬يكاد‮ ‬يكون جريمة نقدية وسياسية وفكرية كاملة الأركان
‮ ‬ثم تفسيرها لأغراض النيل من الشاعر فهذا‮ ‬يستكمل الجريمة

شعبان‮ ‬يوسف

حلمي سالم‮ أي محاولة لرثاء حلمي سالم لن تليق به،‮ ‬ليس لأنه محب كبير للحياة حتي اللحظات الأخيرة التي كان‮ ‬ينشد فيها الشعر والغناء،‮ ‬ولكن لأن حلمي كائن‮ ‬يستعصي علي أن ترثيه كلمات شفافة ورقيقة وناعمة،‮ ‬حلمي السهل والصعب في آن واحد،‮ ‬واللين والخشن أيضا،‮ ‬والبسيط فعلا والمركب،‮ ‬وهو الذي قاد سفينة شعراء السبعينيات منذ إبحارها في أمواج الحركة الثقافية المصرية والعربية،‮ ‬وبذل مجهودات مضنية من أجل التعريف بها،‮ ‬والتنظير لهل،‮ ‬رضي الشعراء بذلك أم لم‮ ‬يرضوا،‮ ‬فهذه حقيقة لا‮ ‬يختلف عليها اثنان ممن‮ ‬يعرفون الحركة جيدا منذ خشونة أظفارها،‮ ‬حتي أصبحت عجوزا بلا أظافر،‮ ‬تنتظر‮ ‬كلمات المديح الكاذب،‮ ‬أو الرثاء العاطفي الرقيق،‮ ‬فمنذ أن انتظم سالم في صفوف التنظيم الطليعي في أواخر الستينيات،‮ ‬ثم تردده علي ندوة الشباب التي كان‮ ‬يرعاها الشاعر الطليعي سيد حجاب في الاتحاد الاشتراكي العربي في أوائل السبعينيات،‮ ‬كان حلمي سالم الفنان والمجذوب والشاعر مثيرا للعقليات التقليدية،‮ ‬فهو الذي كان‮ ‬يغامر باللغة والصورة والمعني،‮ ‬وكان‮ ‬يرافقه الشاعر الذي اختطفه طائر الموت الكئيب مبكرا،‮ ‬وهو الشاعر علي قنديل،‮ ‬وبرحيل هذا الأخير انفتحت الطاقة السحرية المغلقة لهذا الجيل،‮ ‬وانطلق حلمي سالم‮ ‬يكتب ويكتب معرفا بقنديل وبالحركة الشعرية الجديدة،‮ ‬واحتضن الشعراء الجدد الشاعر الكبير صلاح عبدالصبور علي صفحات مجلة الكاتب،‮ ‬حتي ضاقت مساحتها علي الشعراء الجدد،‮ ‬وصار سقفها واطئا أمام شطحاتهم الفنية،‮ ‬فكانت مجلة إضاءة‮ ‬77،‮ ‬وكانت تتم اجتماعات المجلة في منزل الشاعر حسن طلب تارة،‮ ‬وعلي مقهي باراداي تارة أخري،‮ ‬وكان الشعراء‮ ‬يطرحون رؤاهم بكل وضوح وجسارة،‮ ‬وأتذكر أن الاجتماعات كانت تشهد مناقشات حادة وغنية بكل ماهو فكري وفني،‮ ‬وتشكلت هيئة التحرير الأولي من الشعراء حسن طلب وجمال القصاص ورفعت سلام وحلمي سالم،‮ ‬وكان مطروحا أيضا الباحث صلاح أبو نار،‮ ‬ولكي لا تشوب الإصدار أي شبهة سياسية تم استبعاد‮ (‬أبو نار‮) ‬وكان المشرف الفني الفنان عمر جيهان،‮ ‬الذي قدم إخراجا متميزا علي كافة المستويات،‮ ‬وكان حلمي سالم نشطا شعريا ونقديا ووصل إلي حدود قصوي فيما‮ ‬يطرحه من أفكار،‮ ‬وأظنه هو الذي كتب مقدمة العدد الأول،‮ ‬والتي جاءت وكأنها مانيفاستو،‮ ‬وأصدرت المجلة مطبوعات شعرية أيضا فصدر ديوان جمال القصاص الأول وديوان محمود نسيم الأول وديوان حلمي سالم الثالث‮ (‬الأبيض المتوسط‮) ‬وكان قد أصدر من قبل ديوان‮ (‬الغربة والانتظار‮) ‬بالاشتراك مع رفعت سلام،‮ ‬ثم ديوان‮ (‬حبيبتي مزروعة في دماء الأرض‮) ‬والذي كان‮ ‬يتابع حلمي في ذلك الوقت سيلمح أثرا خفيفا من الشاعر محمد عفيفي مطر،‮ ‬سرعان ما تخلص منه في ديوانيه اللذين صدرا بعد ذلك وهما‮ (‬دهاليزي‮) ‬و(سكندريا‮ ‬يكون الألم‮) ‬وصارت لحلمي سالم طريقته وتقنياته ومغامراته اللغوية الكبيرة،‮ ‬والتي كانت تشبه الفتوحات،‮ ‬ولذلك كان‮ ‬يطلق علي نفسه في بعض الأحيان مصطلح‮ (‬أنا فتاح سكك‮) ‬ولذلك أيضا كان حلمي مثيرا للنعرات الرجعية والتقليدية والمحافظة،‮ ‬ونال تقريعا وهجوما من اليمين المحافظ واليسار المحافظ كذلك،‮ ‬مرة تحت شعارات الغموض وعدم الفهم،‮ ‬وهاجمه الشاعر الراحل كمال نشأت بضراوة ضمن هجومه علي شعراء آخرين،‮ ‬كذلك فعل الناقد حلمي القاعود في كتاب آخر هاجم فيه كافة شعراء الحداثة المصرية،‮ ‬ورغم كل ذلك كان حلمي سالم لا‮ ‬يمل ولا‮ ‬يكل‮ (‬كما‮ ‬يقولون‮) ‬في طرح الجديد علي المستويات الشعرية والنقدية والفكرية،‮ ‬فظل‮ ‬يصدر دواوينه واحدا تلو الآخر،‮ ‬ثم جاءت كتاباته النقدية مثل‮ (‬الوتر والعازفون‮) ‬و‮ (‬هيا إلي الأب‮) ‬وغير ذلك من كتب،‮ ‬ثم كتاباته المتعددة في مواجهة التطرف الديني،‮ ‬فأعد ملفات في مجلة‮ (‬أدب ونقد‮) ‬عن الراحل فرج فودة بعد اغتياله،‮ ‬وعن الراحل محمد عبدالسلام العمري بعد محاولات تكفيره عن قصته‮ (‬بعد صلاة الجمعة‮) ‬وعن رواية‮ (‬أولاد حارتنا‮) ‬لنجيب محفوظ بعد محاولة اغتياله عام‮ ‬1994،‮ ‬ثم عن نصر حامد أبوزيد وعلي الراعي ويوسف إدريس،‮ ‬وكان‮ ‬يبذل جهودا فكريا ملحوظة مع الناقدة فريدة النقاش‮ (‬عندما كانت تتولي رئاسة تحرير المجلة‮) ‬لذلك كان حلمي سالم محل هجوم دائم من المتطرفين الجدد،‮ ‬حتي انتهزوا فرصة نشر قصيدته‮ ( ‬شرفة ليلي مراد‮) ‬وحاولوا تجريده تماما من تاريخه النضالي والفعال،‮ ‬وانهال عليه الكثيرون،‮ ‬حتي بعض رفاقه،‮ ‬وكلما جاء حديث بذكر حلمي سالم،‮ ‬كانت هذه القصيدة تلاحقه وتطارده،‮ ‬وعندما حصل علي جائزة التفوق وجد من احترفوا رفع القضايا لمحاولة اصطياده وسحبها منه،‮ ‬وحتي بعد رحيله الفاجع نجد من‮ ‬يلوح بهذه القصيدة،‮ ‬ورغم أننا لا نريد الخوض في مناقشة القصيدة وفك اشتباك رموزها،‮ ‬فاختصار حلمي سالم في هذه القصيدة‮ ‬يكاد‮ ‬يكون جريمة نقدية وسياسية وفكرية كاملة الأركان،‮ ‬ثم تفسيرها لأغراض النيل من الشاعر فهذا‮ ‬يستكمل الجريمة،‮ ‬ولن‮ ‬يجدي النصح لهؤلاء المتطرفين الجدد بإثناء عزمهم الرخيص عن هذه المهمة الكريهة،‮ ‬لكنني أناشد الآخرين‮: ‬لا تعطوا فرصة لهؤلاء للاصطياد في المياه الملتبسة،‮ ‬إنهم‮ ‬يفسرون الشعر بالنصوص،‮ ‬ويريدون قتل الإبداع بحرفية التفاسير،‮ ‬بينما تجربة حلمي سالم أغني بكثير من اختصارها في قصيدة أو موقف أو مقال‮.‬

03/08/2012 10:48:02 ص

****

واثقُ‮ ‬الخطوةِ‮ ‬يمشي مَلَكًا

فاطمة ناعوت

كلما اتسع‮ "‬المكتوبُ‮ ‬عنه‮"‬،‮ ‬ضاقتِ‮ ‬العبارة‮. ‬كما قال الِّنفّري،‮ ‬بتصرّف‮. ‬وحلمي‮ ‬سالم‮ "‬واسعٌ‮". ‬علي المستوي الشعريّ،‮ ‬والإنساني‮ ‬كذلك‮. ‬لهذا تضيقُ‮ ‬العبارةُ‮ ‬حالَ‮ ‬الكتابة عنه‮. ‬فكرتُ‮ ‬أن أكتب عن تجربته الشعرية الثرية التي‮ ‬لا تهدأ ولا تركنُ‮ ‬إلي أرضٍ،‮ ‬إلا لتبرحها إلي أرض جديدة‮. ‬لكنني‮ ‬كتبتُ‮ ‬تقريبًا عن معظم دواوينه،‮ ‬خصوصًا تلك التي‮ ‬صدرت مع الألفية الجديدة‮. ‬فكرتُ‮ ‬أن أكتب عن‮ "‬نور‮"‬،‮ ‬الصبية الجميلة التي‮ ‬أحبها دون أن‮ ‬يخبرها،‮ ‬وهو بعد صبيٌّ‮ ‬في‮ ‬قرية‮ "‬الراهب‮"‬،‮ ‬وهو‮ ‬يظن أن ناجي‮ ‬كان‮ ‬يقصدها حين كتب‮: "‬واثقُ‮ ‬الخطوةِ‮ ‬يمشي‮ ‬مَلَكًا‮". ‬فكرتُ‮ ‬ان أكتب عن‮ "‬مَلَك‮"‬،‮ ‬شقيقته الكبري التي‮ ‬شجّت رأسه‮ "‬ببلطة‮"‬،‮ ‬حين كان وأشقاؤه أطفالاً‮ ‬يلعبون‮. ‬وكيف أخفي الأمر عن أبويه،‮ ‬كيلا تُعاقَب أخته،‮ ‬تلك التي‮ ‬ستتحول مع الوقت إلي مُلهمةٍ‮ ‬وأمٍّ‮ ‬روحية لشاعرنا الكبير‮.‬
لهذا سألتقطُ‮ ‬تلك القيمة الأخيرة‮: "‬الأبوة الروحية‮"‬،‮ ‬لأحكي‮ ‬عن شاعر احتضن جيلنا،‮ ‬الألفيني،‮ ‬وضمّنا تحت جناحيه،‮ ‬وقتَ‮ ‬حاربَنا‮ "‬الأشاوسُ‮"‬،‮ ‬من حرّاس الشعر الكلاسيكي،‮ ‬بكل سلاح،‮ ‬نبيلاً‮ ‬كان،‮ ‬أو‮ ‬غير نبيل‮. ‬تجربتي‮ ‬المبتسرةُ‮ ‬في‮ ‬العمل معه مديرة تحرير لمجلة‮ "‬قوس قزح‮"‬،‮ ‬التي‮ ‬لم‮ ‬يصدر منها إلا عددان،‮ ‬تحكي‮ ‬بجلاء عن حبّه الغامر للناس بوجه عام،‮ ‬وللشعراء الجدد بخاصة‮. ‬يأتي‮ ‬شابٌّ‮ ‬ليخبر حلمي‮ ‬سالم أنه‮ "‬شاعر‮". ‬فيبتسم في‮ ‬وجهه قائلا‮: "‬طيب ما تكرمنا بقصيدة للمجلة‮." ‬وطبعًا‮ ‬يُكرمنا‮. ‬وعند تنسيق المجلة،‮ ‬يبتسم شاعرنا الكبير وهو‮ ‬يقرأ‮ "‬القصيدة‮" ‬قائلا‮: "‬يا ضَيعةَ‮ ‬الشعر‮!"‬،‮ ‬ويلقي‮ ‬بها في‮ ‬المهملات‮. ‬فأُذكّره بأن تلك تخصُّ‮ ‬الشابَّ‮ ‬الذي‮ ‬طالبه‮ "‬بإكرامنا‮"‬،‮

03/08/2012 10:48:42 ص

****

وردة حمراء في عروة الجاكيت

حسن خضر

حلمي سالم‮ حين احتدم صراع الجديد مع القديم في‮ ‬الشعر المصري‮ ‬أواخر التسعينيات الماضية،‮ ‬كانت لحلمي‮ ‬رحمه الله،‮ ‬مقولة شهيرة،‮ ‬تبدو بسيطة في‮ ‬مبناها،‮ ‬لكنها دالة قوية في‮ ‬معناها،‮ ‬وهي‮ "‬الشعرُ‮ ‬عَديدٌ‮".. ‬أي‮ ‬لا احتكار في‮ ‬الشعر،‮ ‬ولا حقيقة مطلقة تكمن وراءه
تعرفت إلي الشاعر العزيز الراحل حلمي‮ ‬سالم في‮ ‬منتصف الثمانينيات‮. ‬كانت تيارات اليسار قد فازت في‮ ‬انتخابات اتحاد الطلاب جامعة القاهرة ببعض الكليات‮. ‬أتذكر علي وجه الدقة كان من بين هذه الكليات‮ "‬دار العلوم‮" ‬التي‮ ‬كنت أدرس فيها آنذاك،‮ ‬وكلية الإعلام وكلية الآداب وكلية الحقوق‮. ‬وهو ما سمح لنا في‮ ‬جماعات النشاط والأُسر بأن نستضيف شعراء السبعينيات،‮ ‬وكنا علي علاقة جيدة بهم جميعًا‮.. ‬هم أنفسهم آنذاك كانوا علي علاقة جيدة بأنفسهم‮. ‬فاستضافت دار العلوم ندوة لشعراء السبعينيات بفضل أريحية الدكتور الشاعر شعبان صلاح مقرر جماعة الشعر بالكلية آنذاك،‮ ‬علي الرغم من استنكار بعض الأكاديميين تلك الاستضافة‮. ‬وكان من بين من استضفناهم،‮ ‬إلي جانب شعراء الكلية،‮ ‬الشاعران حلمي‮ ‬سالم ورفعت سلام،‮ ‬فيما استضافت كلية الآداب الشاعر محمد فريد أبو سعده ومعه الصديق الراحل الشاعر محمد الحسيني،‮ ‬حيث رفضت‮ "‬دار العلوم‮" ‬حكاية شعر العامية تلك‮.. ‬ولسان حالهم‮ ‬يقول‮ "‬احمدوا ربنا أننا ارتضينا بشعراء السبعينيات‮".. ‬واستضافت كلية الحقوق الشاعر حسن طلب‮.. ‬واستضافت كلية الإعلام‮ ‬يوسف شاهين ومحسنة توفيق متعها الله بالصحة والعافية،‮ ‬وأسبوعًا كاملاً‮ ‬لأفلام‮ "‬جو‮" ‬رحمه الله‮..‬
في‮ ‬تلك الآونة تعرفت إلي الشاعر حلمي‮ ‬سالم،‮ ‬وهو ممن تسهل صداقتهم لبساطته وخفة ظله،‮ ‬ولما فيه من صفات تجسد ما تقوله عن شخص أنه‮ "‬حلو المعَشْر‮"‬،‮ ‬ليس فيه ذرة من تكلُّف‮. ‬فهو مثلاًلم‮ ‬يكن معنيًا بفكرة المعلِّم القدوة التي‮ ‬كانت تحدو علاقتنا بالشاعر حسن طلب،‮ ‬واستفدنا منها كثيرًا‮.. ‬وليس معنيًا برومانسية المُلهَم،‮ ‬ذات السمت الكنَسي‮ ‬المحبَّب عند عبد المنعم رمضان،‮ ‬ولا فيه صرامة رفعت سلام،‮ ‬ومساره الكاتدرائي‮ ‬في‮ ‬الشعر وفي‮ ‬دقائق الحياة‮.. ‬علي العكس من ذلك،‮ ‬كان حلمي‮ ‬أكثر ميلاً‮ ‬للمغامرة منه إلي التقليد،‮ ‬وإلي الفوضي منه إلي الرتابة ودقة التظيم؛ لذلك تراه‮ ‬يتحرك مثل قصيدة متهيئة للكتابة‮.. ‬لأنه ببساطة عاش عاشقًا للحياة ومحبًّا للناس،‮ ‬وما أكثر ما ذَكَر من أسماء الناس في‮ ‬شعره‮.‬
اعتادت قدماي‮ ‬علي مجلة‮ "‬أدب ونقد‮" ‬في‮ ‬عبد الخالق ثروت وكريم الدولة‮.. ‬كنا نلتقي‮ ‬لديه أصدقاء،‮ ‬ونتعرف إلي أصدقاء،‮ ‬من الشعراء والمبدعين والمبدعات‮.. ‬كانت جلسات عفوية لكنها مثمرة في‮ ‬العقل،‮ ‬ومهذِّبة للنفس‮.. ‬قال لي‮ ‬يومًا‮: ‬عايزين قصيدة للمجلة‮. ‬وكنت أكتب قصائد تفعيلية مصابة بالزكام أو الرشح،‮ ‬علي حد تعبير عبد المنعم رمضان،‮ ‬فيها من الهم السياسي‮ ‬ما هو أكثر طغيانًا علي جماليات الشعر‮.. ‬كنت آنذاك في‮ ‬سبيلي‮ ‬إلي اكتشاف صوت شعري‮ ‬يخص أحبال حنجرتي‮ ‬الموصولة بالقلب،‮ ‬ولم أكن وقتها قد نشرت سوي عدة قصائد،‮ ‬وكلها في‮ ‬مجلات خارج مصر،‮ ‬أذكر منها مجلة‮ "‬لوتس‮" ‬وكان‮ ‬يترأس تحريرها الشاعر العزيز أحمد دحبور‮.. ‬ومجلة‮ "‬شئون أدبية‮" ‬التي‮ ‬تصدر من دولة الإمارات‮. ‬فكان من نتيجة طلبه هذا صدورُ‮ ‬عدد‮ "‬أدب ونقد‮" ‬الذي‮ ‬ينيره بيده فنانُ‮ ‬الخط العربي‮ ‬الراحل حامد العويضي،‮ ‬وعلي‮ ‬غلافه‮ "‬نون والقلم وما‮ ‬يسطرون‮"‬،‮ ‬وفيه ملف لعدد من الشعراء والشواعر،‮ ‬الجدد‮. ‬وهكذا كان نشر أول قصيدة لي‮ ‬في‮ ‬مصر بفضل الشاعر حلمي‮ ‬سالم‮.. ‬ومن رقة طبعه وكرم أخلاقه،‮ ‬أنني‮ ‬حين ذكرت له ذلك الفضل مرة بمحبة،‮ ‬بين جمع من الأصدقاء،‮ ‬رد بسخريته التي‮ ‬لم تكن جارحة أبدًا في‮ ‬يوم من الأيام،‮ ‬سخرية الخجل من الشكر،‮ ‬وقال‮:" ‬أهي‮ ‬دي‮ ‬بقي أسوأ حاجة أنا عملتها وضحك‮.."‬،‮ ‬فضحكنا‮.‬
حلمي‮ ‬كان‮ ‬يتحرك كقصيدة فعلاً،‮ ‬فيه من الرقة والهيام الروحي‮ ‬والخفة الشيء الكثير،‮ ‬إنسان مهيأ للغرام دومًا وللتورط في‮ ‬المحبة،‮ ‬يمكنك أن تقابله خارجًا من‮ "‬جروبي‮" ‬وسط البلد،‮ ‬وثمة وردة في‮ ‬مكان ما،‮ ‬في‮ ‬يده ربما،‮ ‬وقد وقف أمامك بعد السلام،‮ ‬يأخذ منها أنفاسًا عذبة وأنتما تتحدثان حديثًا لا‮ ‬يود أن‮ ‬يكون عابرًا‮.. ‬أو تجدها في‮ ‬عروة الجاكيت،‮ ‬أو طالة من جيب سترته الأعلي منتبهة الأوراق،‮ ‬تنسدل إلي جوارها كوفية مميزة الألوان‮.. ‬ثمة لمسات أو خطوط نارية ما،‮ ‬أو خضراء ما،‮ ‬كانت هناك دومًا في‮ ‬ملابس حلمي‮ ‬سالم‮.. ‬لا تقابله مقطب الجبين قط،‮ ‬بالرغم من عذاباته الاجتماعية التي‮ ‬لازمته زمنًا،‮ ‬والصحية في‮ ‬السنوات الأخيرة‮. ‬وقد عاش معنا أيامًا ونحن عزّابًا في‮ ‬شقة العمرانية خلف مسرح سيد درويش،‮ ‬قربتني‮ ‬منه أكثر،‮ ‬وكانت من أجمل ما قضيتُ‮ ‬من أيام‮.. ‬أعجبتني‮ ‬فيها عاداته البيتية،‮ ‬وقفشاته وميله للانبساط،‮ ‬ومخزون ثقافته الذي‮ ‬يعرض منه المفيد ببساطة واسترسال محبب إلي النفس،‮ ‬مثل ذلك الاسترسال وتلك البساطة الحيوية في‮ ‬طريقته لإلقاء الشعر‮.. ‬تعجبني‮ ‬طريقة إلقاء حلمي‮ ‬للشعر‮.‬
لم‮ ‬يرتبط اسم حلمي‮ ‬سالم أبدًا،‮ ‬بنزاع أو معركة شخصية‮. ‬وقليلُ‮ ‬ما ارتبط باسمه من معارك كان تجسيدًا لموقف مبدئي،‮ ‬أو دفاعًا عن فكرة،‮ ‬أو مناصرة لآخرين في‮ ‬مبدأ هو‮ ‬يتوافق معه فكريًا‮.. ‬وحين احتدم صراع الجديد مع القديم في‮ ‬الشعر المصري‮ ‬أواخر التسعينيات الماضية،‮ ‬كانت لحلمي‮ ‬رحمه الله،‮ ‬مقولة شهيرة،‮ ‬تبدو بسيطة في‮ ‬مبناها،‮ ‬لكنها دالة قوية في‮ ‬معناها،‮ ‬وهي‮ "‬الشعرُ‮ ‬عَديدٌ‮".. ‬أي‮ ‬لا احتكار في‮ ‬الشعر،‮ ‬ولا حقيقة مطلقة تكمن وراءه،‮ ‬فهو متعدد المصدر ومتنوع الشكل‮.. ‬ولا‮ ‬يصح نفي‮ ‬طريقة لأخري،‮ ‬ولا استظهار طرف علي آخر تحت أية مبررات‮.‬
لم أكن أتوقع موتك بهذه السرعة حقًا‮ ‬يا حلمي‮. ‬وأي‮ ‬حق في‮ ‬توقعي‮ ‬هذا،‮ ‬والموت هو الحق الوحيد؟‮!.. ‬ولا أريد أن أبدأ سلسلة التنبيهات إلي أهمية صدور أعماله الكاملة،‮ ‬وضرورة الاهتمام بمنجزه وباسمه الاهتمام اللائق،‮ ‬فهذه تنبيهات أصبحت معيبة في‮ ‬حق القائمين علي شأن الثقافة في‮ ‬أوروبا وفي‮ ‬دول عربية عديدة الآن،‮ ‬لكنها لا تزال ضرورية هنا‮.. ‬خاصة أنني‮ ‬في‮ ‬اليومين الأخيرين حين أحصيت ما‮ ‬ينقصني‮ ‬من كتبه ودواوينه في‮ ‬قائمة وذهبت لأشتريه،‮ ‬اكتشفت أن عناوين كثيرة منها‮ ‬غير متوافرة بالفعل‮... ‬رحمك الله‮ ‬يا أستاذ‮. ‬يا شاعر‮. ‬يا إنسان‮.‬

03/08/2012 10:51:32 ص

****

لاشيء‮ ‬يستعصي علي القصيدة

بقلم : ‬عبلة الروىنى

عبلة الروىنى ضحك وهو‮ ‬يدعوني لحضور أمسيته الشعرية الأخيرة،‮ ‬قبل وفاته بأيام قليلة‮ (‬سأغيظكم وأعيش‮)!!..‬
ومثلك لا‮ ‬يموت بسهولة،‮ ‬مثلك لا‮ ‬يموت أبداً،‮ ‬بعد أن ضاعف الحياة‮.. ‬حكايات ومودات وقصائد‮..‬
حلمي سالم‮ ‬يُشبه قصيدته تماماً‮.. ‬مغامر ومتسامح‮.. ‬تسامحه‮ ‬يثير الاستفزاز والأسئلة‮.. ‬كيف هو المقاتل والمناضل الماركسي،‮ ‬كيف له أن‮ ‬يفكك الصراع،‮ ‬ويقلم‮ ‬أظافره،‮ ‬ويرفع شعارات التسامح في وجه خصومه بكل تلك البساطة؟‮ (‬الحداثة أخت التسامح‮) ‬عنوان كتاب حلمي،‮ ‬الذي احتججتُ‮ ‬عليه‮ ‬يوماً،‮ ‬رأيته تبديداً‮ ‬للمعيار‮.. ‬وكان‮ ‬يزعجه عدم الفهم‮ (‬كيف لا‮ ‬يكون هناك معيار‮ ‬،‮ ‬احترام الآخر معيار،‮ ‬عدم امتلاك الحقيقة معيار‮.. ‬من‮ ‬يستفزه تسامحي،‮ ‬ويعتبرني‮ ‬غير مصارع،‮ ‬هو‮ ‬يطالبني بالعنف في اللغة والسلوك،‮ ‬ولن أكون،‮ ‬أنا لا أشتم ولا أسب‮.. ‬أنا مصارع،‮ ‬أراعي أصول الصراع وتقاليد الخلاف والحروب والمعارك‮.. ‬مشكلتي أني منصف،‮ ‬لا أغضّ‮ ‬الطرف عن الطيّبات في خصمي،‮ ‬أقول السيئ والطيب،‮ ‬وذلك هو السجال الرفيع‮)..‬
يتسامح حلمي سالم مع خصومه،‮ ‬يتسامح أكثر مع‮ ‬محبيه،‮ ‬يتسامح مع قلبه‮.. ‬ما هذا‮ ‬يا حلمي‮ (‬أن تحب الناس جميعاً،‮ ‬معناه أنك لا تحب أحداً‮ ‬علي الإطلاق‮) ‬يضحك‮ (‬علي العكس،‮ ‬أن تحب الناس جميعاً،‮ ‬معناه ببساطة أنك تحب الناس جميعاً‮)..‬
وكنت أصدقه،‮ ‬تماما كما أصدق أشعاره،‮ ‬تتابع التفاصيل وتلاحق الأحداث والكوارث‮.. ‬وصف البعض قصائده‮ (‬أشبه بعناوين الصحف‮) ‬وتلك حقيقة مع تعديل بسيط،‮ ‬أن عناوين الصحف هي الأشبه بالقصائد‮..‬
أستعيد صلاح جاهين،‮ ‬الذي‮ ‬غني للميثاق،‮ ‬والاجتماع السياسي،‮ ‬والاشتراكية،‮ ‬والتصنيع الثقيل،‮ ‬فأورقت المفردات موسيقي‮.. ‬قصائد حلمي سالم أيضاً‮ ‬تنطوي علي تلك الكثافة الشعرية،‮ ‬تمنح المفردة دلالات متعددة‮.. ‬كل شيء‮ ‬يتحول بين‮ ‬يديه إلي
مشكلتي أني منصف،‮
‬لا أغضّ‮ ‬الطرف عن الطيّبات في خصمي،‮
‬أقول السيئ والطيب،‮ ‬وذلك هو السجال الرفيع‮..‬
قصيدة‮.. ‬شاعر متورط بواقعه،‮ ‬مشروط بوعيه التاريخي،‮ ‬ورغبته المحمومة في التمرد والتغيير والخروج علي ذاته،‮ ‬هو أكثر الشعراء تجريباً،‮ ‬وانتقالاً‮ ‬من جملة جمالية إلي أخري،‮ ‬ومن قصيدة التفعيلة إلي قصيدة النثر،‮ ‬لم‮ ‬يحب أن‮ ‬يبقي في مكان شعري واحد لأمد طويل‮..‬هذا الغرام بالانتقال والتجريب هو المغامرة التي عاشها جمالياً‮ ‬علي امتداد‮ ‬21‮ ‬ديواناً‮.. ‬يكتب في كل شيء حوله‮.. ‬حبيباته،‮ ‬رئيس الوزراء والوزراء،‮ ‬وعامل المقهي،‮ ‬وحقنة البنج والأطباء،‮ ‬يكتب مدائح لجلطة المخ‮ ‬والسرطان،‮ ‬وغسيل الكلي،‮ ‬لا شيء‮ ‬يستعصي علي القصيدة،‮ ‬لا شيء‮ ‬يستعصي علي الحياة‮..‬
سعدي‮ ‬يوسف‮ ‬يكتب مائة قصيدة وينشرها جميعاً،‮ ‬من أجل الوصول إلي قصيدة واحدة،‮ ‬حلمي أيضاً‮ ‬كان‮ ‬يكتب مائة قصيدة وينشرها جميعاً،‮ ‬لامن أجل قصيدة واحدة ولكن من أجل الوصول إلي المائة قصيدة كاملة‮ .. ‬القصيدة هدف في ذاتها وطريق،‮ ‬والكتابة هي المتعة التي لا تعادلها متعة،‮ ‬هي الحياة‮.‬

اخبار الأدب- 03/08/2012