طلال سلمان (لبنان)

محمود درويش.. قراءة ثاني

هو في المستقبل، بقدر ما هو في الحاضر بغير أن يغادر الماضي،
الشعر مثل الحياة: يؤرخ به لا يؤرخ له إلا من قبيل تحديد منازل الشمس في الأفق. يحمل الزمن اسم الشاعر. نقول: في زمن زهير بن ابي سلمى، في زمن الخطيئة، في زمن امرئ القيس، في زمن ابن الرومي، في زمن الفرزدق، في زمن ابي نواس، في زمن جرير.
نسي الناس أسماء الحكام في عصر المتنبي إلا من «خلدهم» المتنبي بشعره، مدحاً كسيف الدولة، او هجاء مثل كافور.. او استمدوا قيمتهم من منافسته شعراً أو احتراقاً في الحب.
عاش ملوك في عصر احمد شوقي وخليل مطران وحافظ إبراهيم، لكن أسماءهم ذهبت مع الريح إلا حيث ذكروهم في قصائدهم.

لا يذكر من الرؤساء مع بشارة الخوري إلا من يأتي ذكره من خلال التشابه في الأسماء، فيتم التصحيح بالاستدراك فوراً من خلال التوكيد باللقب السامي، الأخطل الصغير... حتى التصغير هنا يدل على الرفعة: لا، لا، ليس الرئيس الذي خلعه غضب الناس، بل الشاعر الباقي في وجدان الناس.
ليس الشاعر بحاجة إلى ألقاب مفخمة وصفات معظمة. اسمه هو أداة التعريف بالعصر، والحكام يتباهون بأنهم عرفوه واستمعوا إلى شعره وانهم يحفظون قصائد له أو أبياتاً ويعتزون بأنهم قد عاصروه.

تقول محمود درويش في الجزائر فتمتلئ القاعة، بل المبنى جميعاً والطرقات المؤدية إليه، ويخلي الجنود مواقعهم ليستمعوا إليه وهم بالكاد يعرفون اللغة العربية، ويستعيدون ابياته ويترنمون بكلماته التي يفهمونها بقلوبهم ووجدانهم الذي حولهم إلى ثوار يقاتلون من هَجَّنَ لغتهم واجبرهم على التنكر والاغتراب عن الذات فحفظتهم أرضهم التي استعصت على مغتصبيها من أصحاب «الأقدام السوداء».
تقول محمود درويش في دمشق فيمتلئ الميدان حيث الفندق الصغير، وينبعث من يحمل الحقيبة إلى الفندق الأفخم، وهو غائب، ثم يزاحم الوزراء وأصحاب الألقاب الجمهور الطبيعي، نساء ورجالاً، شبانا وشيبا، مثقفين وأميين إلا في وجدانهم الذي يحفظ محمود مع آية الكرسي ويرى من خلاله كنيسة القيامة والمسجد الأقصى وجثامين الشهداء ممددة على درب الآلام.

تقول محمود درويش فيجتمع الوجدان الذي بعثرته الثورات الناقصة والانقلابات العسكرية والغربة الثقافية والتهجين مدفوع الثمن، ويستعيد «المواطن» صورته الأولى: صاحب القضية، المقاتل بإيمانه بأمه الأرض وبحقه فيها.
ومحمود درويش البهي، الذكي، المتكبر، المتجبر، العارف بالغيب، قارئ المقادير والمصائر، المقاتل بإيمانه، المجاهد بيأسه من الأنظمة والقيادات ذات الألقاب التي تذهب بقداسة الشهداء والأرض، المقاوم بآخر ما تبقى له، صحته، حتى النفس الأخير، خاطب الآتين غداً، وترك وصيته في أرحام النساء اللواتي جعلن من شعره تعاويذ ووصايا أرضعوها أطفالهم الآتين في غيابه ليستحضروه مرة أخرى.

أفزعني في هاتفه الأخير إحساسه بأننا لن نلتقي بعده. كان يعرف، هذا الذي يعرف ملايين النساء والرجال والصبايا ذوات الجدايل والنظرات التي أذبلها العشق، اننا لن نلتقي مرة أخرى، وجها لوجه، أو قلبا، يلتقط الصوت البعيد، أو اذنا تلتقط النظرات المشوقة التي تغلف الهمس الحميم. كان يعرف الآتي الذي يأخذ إلى الغياب. كان يسمع الخطوات المتقدمة إليه بإنذار الرحيل. كان يسمع النبضات الأخيرة لقلبه وهي تتخافت تدريجيا ثم تذوب في الفضاء الذي يبتعد به عمن أحب قليلاً وأحبوه كثيراً كثيراً حتى اسكنوه مهجهم والذاكرة ووعد التحرير، الذي كان يعرف انه أبعد من ان يطاله بعينيه فجعله بشارة غد لا بد سيأتي، بعد جيل أو أكثر قليلاً، بعد جيلين أو أقل قليلاً، ولكنه قطعاً سيأتي وسوف يستعيده ليكون حاديه.
وكانت ابنتي التي لم تعد طفلة مشاغبة بل كبرت وظلت مشاغبة، تحفظ قصائده لتبكي قبل ان تقرِّعه: من أين تأتي بلغتك التي تتجاوزنا فنعجز عن اللحاق بك؟ ألا ترحم جهلنا، ولو قليلاً؟! ألا تتنازل أيها العاتي، المتجبر، المتعاظم، المتعالي، المصر على ان نرتفع إليك ونحن نحاول فنتعثر ونعجز بينما أنت تتسامى مبتعداً متجاوزاً الغيم والكواكب السبعة ونجمة الصبح التي طالما جعلتها أرجوحة لأحزانك ثم خلفتها تاركاً لها كمشة تراب لها موسيقى خافتة الرنين مثل آية الكرسي في قداس سرياني في دير معلولا.

محمود درويش: لن أقول لك ما قاله ذلك المجند في «الكفاح المسلح»، عند البوابة الفاصلة بين القضية وأهلها... ولكنني لا أجد ما يليق بالعتاب أكثر من تلك الجملة التي صعقتك وكسرت كبرياءك وحاصرتك في قفص الاتهام:
ـ نحن نموت لندخلها، وأنت تخرج منها؟
... ولقد كنت بعض طريقنا إليها، ولسوف تبقى، ولكننا لن نبقى كما كنا معك. لقد غدونا أقلية نفتقد الدليل الذي لا يضل الطريق.
يا فلسطين التي سارت بك وسارت معك في المدينة الرياضية في بيروت، وماجدة الرومي تزفكما بينما الجمهور يطير بأرواحه عبر كلماتك إليها وأنت الدليل والحادي والعنوان المحفور في قلب الصخرة التي استحالت مع عمر بن الخطاب إلى مسجد.
لن نفقد عنوانك بعد اليوم، كلما رفعنا رؤوسنا نحو السماء سيهمي علينا شعرك غيثاً مموسقاً باسم المباركة التي ولدتك فأحيت فينا الأمل الذي لن يسقط منا إلا إلى أبنائنا لكي يتقدموا به نحوك.
عليك السلام في عليائك، يا من كنت ترفض السقوط والانحناء إلا لمن يقاسمك الأمل الذي كنت ترفض ان يتحول إلى حلم.
ولأنت من الأمل بابه المحفور فوقه شعرك طريقاً ودليلاً.

النموذج الدرويش

عباس بيضون

هل نعيد قراءة محمود درويش أم يتراءى لنا أننا قرأناه بما فيه الكفاية. قرأناه من دون أن نقرأه. قرأناه كما نسمع نشيداً وطنياً. لا عدد للمرات التي نسمعه فيها، ترانا سمعناه فعلاً، أم كان ذلك جزءاً من ركام تمتلئ به حياتنا بعدد الأيام التي عشناها لكن بدون أن ننتبه لها. على الأقل بدون أن نشارك فيها. إنها الحياة تعيش نفسها لكن من دوننا. يبقى السؤال نفسه، هل قرأنا محمود درويش فعلاً، أم أن ذلك كان ترتيلاً وتجويداً فحسب، لقد امتحنا أصواتنا، امتحنا ملكاتنا، أمتحنا تعاطفنا وحنيننا وقدرتنا على التغني من غير غناء، قدرتنا على الغناء خارج أنفسنا. هل كان شعر محمود درويش أكبر من أن يقرأ. هل كان محمود درويش أكثر من أن يقرأ، هل كان فقط يقرأ وسط الجمهور وبنزعات الجمهور ولا إمكان لأن نقرأه منفردين، هل استحق محمود درويش بعد وفاته أن يكون أكبر من شعره، وأن يكون بشخصه قضية فحسب، قضية تستخدم الشعر وتوظفه فحسب وأثناء ذلك تلينه وتطريه وتجعله سلسلاً سائغاً، تجعله قابلاً للتغني والإنشاد، تجعله فقط قابلاً للتداول والتبادل والجمع، وتجعله قابلاً لأن نشتاق معه إلى شيئنا المفقود، ونحنّ إلى ما ينقصا، إلى النقصان الدائم والكينوني.

علينا أن نبدأ من الألف أو من الصفر. أن نقول إن محمود درويش شاعر أولاً وليس مديحاً له أن نقول إنه أكثر من شاعر ولا أن نعتبره شاعراً قبل أن يُقرأ، وبدون أن يقرأ، لنعد إلى الألف أو لنقل إن محمود درويش شاعر ليس مؤسساً فنحن لا نستطيع بسهولة أن ندرجه بين الرواد، رواد القصيدة الحديثة، بل لا نجده حتى مجايلاً لهؤلاء الرواد فرغم ان الفارق العمري ليس واسعاً، إلا ان محمود درويش من الجيل الثاني في قصيدة التفعيلة، نستطيع أن نقول إنه لم ينشغل بها ولم تشغله مسائلها النظرية. لقد وجدها أمامه كما وجد أمامه تجارب فيها، وبدأ ليس من أكثر مناحيها ابتكاراً وليس من أكثرها جدة، وليس من أضيق أبوابها ولا أشدها صعوبة وتمكناً، الأرجح أن محمود درويش إذا أمكن رده إلى شاعر حدث فلن يكون الأكثر حداثة، ولن يكون الأكثر انشغالاً نظرياً ولن يكون الأشد تجريبية، لن نجد السيَّاب ولا أدونيس ولا عبد الصبور ولا حتى سعدي يوسف في شعر درويش. سنجد انه بدأ من مكان أكثر تبسيطيه وأكثر إسلاساً وأكثر تواصلاً مع التقاليد، أكثر هامشية بل لا نبتعد إذا قلنا إنه الأكثر شعبية بمعنى أنه الأكثر قرباً من المشافهة وأكثر اتصالاً بالموضوع أو انصباباً على موضوع، بمعنى ان التداعي الدرويشي يبقى في بؤرة واحدة ويتناول مع قدر من التشتت موضوعاً، إنها قصيدة / موضوع إذا صح القول. يكفينا أن نضرب مثلاً على ذلك هو جدارية محمود درويش، الجدارية قصيدة تسترجع تجربة كان فيها محمود درويش بين يدي الموت، وخرج منها بحوار مع موته. النص الذي يستغرق كتاباً كاملاً هو بكامله في هذه البؤرة وهو يتوسع ويتشتت فيها وحولها. قد نجد شبهاً لذلك في قصائد العراقيين السيَّاب وسعدي وقد نجده في قصائد الشعراء الذين لم يبتوا تماماً صلتهم بالتقليد الشعري، لكن شعر محمود درويش الأول لم يلتق بالقصيدة الحديثة في أشعار القصيدة الشاملة التي تستدعي اللغة كلها، القاموس كله والرؤيا كلها والكلام كله في نوع من الانتشار الفلكي والواحدية الإيقاعية. لم يلتق محمود درويش بالقصيدة الحديثة على هذا الطريق. لقد وجدها في أكثرها سردية وتبسيطاً ومباشرة ولنقل وشعبية. الأرجح أن محمود درويش لم ينف تأثره بنزار قباني. ولنقل تأثراً بقدر ما يمكننا أن نتكلم هنا عن النموذج القباني.

هذا النموذج الذي لم يقلده درويش بقدر ما بدأ منه، كان يتيح للشعر تعاطفاً مع الشفاهي والتجربة المباشرة وقرب المأخذ والانشغال بالتفاصيل والمادية المتكتلة. لا نقول إن محمود درويش قلّد أو تأثر بنزار قباني. لا بد أنه وعى باكراً ضحالة النموذج القباني وشعبويته المفرطة ولم يكن هذا مراده من الشعر. لقد تأمل هذا النموذج واشتغل عليه بحيث أخرجه من جموده ومن ركاميته ومن خطابيته ومباشرته المفرطتين. أخرجه بالطبع من شعبويته الأيديولوجية ومن صنميته الفكرية وشعاراتياته ودارجه السياسي. محمود درويش كان بالتأكيد أنبه وأكثر موهبة من أن يقع في صنمية وخطابية وشعاراتية نزار قباني. كل ما في الأمر ان محمود درويش عثر في نزار قباني على النموذج الذي يشتغل عليه، ويعيد صياغته وصناعته ويقوم بتحويله وإزاحته وبنائه على نحو آخر ومن جديد. النموذج الدرويشي لذلك وإن وشى بالمنبت القباني إلا انه نموذج درويشي بكل معنى الكلمة، يمكننا القول إن درويش وقع على أقل النماذج الحداثية هماً حداثياً فقام، وهنا السر الدرويشي، قام بتحديثها. لم تكن النماذج الحداثية الخالصة ملائمة للنمط الدرويشي فشعر درويش يقيم وزناً للموضوع والحياة الشخصية والكلام الشفوي وتفاصيل الواقع، وهذه لم تكن موفورة في معظم النماذج الحداثية، كان على محمود درويش ان يبدأ من خارجها، ان يبني نموذجه على اكثرها طواعية وأكثرها قابلية للتحويل. هكذا أنبنى النموذج الدرويشي من إزاحات شتى لملاحظات وأفكار وتفاصيل ووقائع وسرديات. على ان موهبة درويش هي في تلك القدرة على البناء من كل ذلك وعلى صب ذلك كله في نموذج تتعدد مستوياته لكنها أيضاً تندرج وتتسلسل وتلتحم في بعضها بعضاً.

لقراءة شعر درويش.. من دونه

نصري الصايغ

كيف تقرأ محمود درويش، قراءة ثانية ومختلفة؟ الجواب: أن تقرأ شعره من دونه. أن يستقل شعره عن مصدره، أن ينأى عن التاريخ المتسلسل والصاخب والمأساوي، أن يفقد الصلة بالواقع والوقائع، أن يصفّى من المشهد الخارجي، وأن تتقلص فيه الضرورات الحميمية للحياة... أن تقرأ محمود درويش، مراراً أخرى، يعني ألا تنظر إلى ما هو خارج القصيدة، وأن لا يشغلك غير النص، المفارق، برمزيته ولفته عن كل ما يفترض أنه وعاؤه الخارجي.

القراءات السابقة، منذ دخوله المشهد الأدبي، أي من البدايات، قدمت نماذج جدية وعميقة لنتاج الشاعر. تابعته في «طبقات» قصائده، صنّفت إبداعاته، أفاضت بنسج الوشائج المتوترة دائماً، بين نصه والقضية. كانت البدايات ممهورة بحضور فلسطين، حيث تقدمت فلسطين على الشعر، فيما الشعر لم يكن كذلك. فلا يعقل أن يكون الأدب صورة عصره وبيئته وتعبيراً أميناً للتجربة. الشعر، صورة لذاته. مكتف بلغته، ليس بحاجة إلى تفسير من خارجه وإلى جمال يقتبسه من الخارج... القراءات السابقة رأت الشاعر أكثر من شعره، وأفاضت بموضوعه أكثر من القصيدة.

أن تقرأ درويش اليوم، يعني أن تغيّبه عن نصه. فهو بات شخصية شعرية، ولا ينظر إليه إلا كذلك، فيما هو ليس كذلك، الشاعر ليس شعره. الشعر من الشاعر ولكن ليس هو. النص، حتى في وصفه للواقع، لا ينقله. اللغة ليست كاميرا أبداً ولم يعط لها ذلك، لأنها لغة، واللغة رموز مفارقة، تخلق تصوّراً عن الواقع لا يشبه الواقع، ولكن يدل عليه.

القراءة الجديدة، إن كتب لها ان تتقدم من قصائد محمود درويش، سيلزمها أن تتجرّد من المخزون السابق من المعارف. أن تدخل النص عارياً ومكتشفاً، محافظاً على الدهشة، كفعل بتول، وعلى ما بعد الدهشة، كاكتشاف غير مسبوق... النص الشعري، ينبئ بذاته عن نفسه، ويكشف عن جماليته من خلال لفته وطرق الرقص بين الأفكار والموسيقى والحياة. التجربة لا تنبئ بجمالية النص. التجربة تفضي إلى مساءلة النص عن أساليب التعبير والتأليف ونظام العلاقات وسياقات المفاجآت.

يصعب التقيد بذلك. ليس سهلاً أن يرى إلى النص الشعري، كما تقرأ النوطة الموسيقية في سلّمها وإشاراتها ووحدات القياس الزمنية وتعرجات الصوت بدرجاته كافة. للغة قراءة أخرى، أفضلها أن تقرأها في القصيدة، بـ «العقل الشعري»، لاكتشاف الخاص والتدقيق فيه وسحر انفصاله عن سواه، ولإحاطة مجموعات الخاص، في نسق معنوي جمالي فني، تخرج بعده مثقلاً بالمعرفة ومتشبعاً بالذوق. من يقرأ القصائد، التي فاضت لها تجربة الشاعر، إنسانياً ولغوياً، يلزم ألا يخرج كما دخل. وإن لم يخرج سليماً معافى، فمعنى ذلك، أنه تغيّر، ولو لوقت، كما تغير الموسيقى، كما تبدل الفلسفة، كما يدهش الجديد. كل ما عدا ذلك يبقيك ملتئماً. الشعر، في حالة قراءته، يمنحك فرصة الذهاب الجاد إلى الحقيقة كي لا تجدها. أجمل الشعر، انه يجعلك تصدق السراب. تظنه واقعاً، ولكنه ليس كذلك، أما الالتصاق بالشعر وتفسيره عبر إيجاد صلاته بالشاعر والتجربة والواقع والمأساة، فسيؤدي إلى تفسير القول أكثر من الاشتغال بفنيته. الرغبة في الوضوح والإيضاح عبر القراءة النقدية ليست ضرورية، إذ إن وظيفة الشعر، ليست الإقناع، بل التشويش. لا تشويش بلا تجديد وابتكار. والابتكار كلما كان غريباً، زادت لا مألوفيته، وخلق تشويشاً جميلاً. الشعر لا يخاطب القناعات، لا يقيّد بالأحاسيس، لا يقاس بالعقل، لأنه فلسفة من نوع آخر، فلسفة التمتع بالمبهم الجميل. كل وضوح فناء.

قراءة أخرى
شعر محمود درويش، يصعب فصله عنه وعن التراجيديا الإنسانية، المتمثلة بفلسطين. حاول درويش أن يلغي العلاقة المباشرة بين الحالة والتعبير عنها. جهد في التعبير عن الكابوس بالرمز والحس والصورة والسياق والتفلت وسؤال الجدوى. ألغى المسافة ولم يلغ الحالة. ظل لصيقاً بفنية مشغولة باكتشاف الجديد. وسّع قاموسه الشعري. انخرط في فلسفة الوجود والحياة والمصير. صار صوته أصواتاً مختلفة، وظل الصوت صوته، وأصوات كائنات أخرى فيه.
الجمالية الشعرية تقاس بأدوات الجمال. مراميه، عالم يُبحث عنه وأشياء لا نملكها، هي لنا. الحواس الخمس، تشتغل في صناعة عقلية. الخيالات الذاتية تمتزج بالميتافيزيقا، الفلسفة تولد مختلفة ورخوة. في القصائد بانوراما الحياة والموت وما بينهما. فلسفة من نوع آخر. لا تفسر، بل تصارع. لغة درويش تفيض فلسفة، نوع من ميتافيزيقا الشك واليقين معا. في حواراته الشعرية، دراما تتصارع فيها الأفكار والأحاسيس والصور والهواجس والأخيلة وشبق الرغبة في إيصال الإبداع إلى النشوة. كأن ما تنتجه فلسفة الحياة في قصائد درويش، منها يولد الشعر، ولا يكون الشعر لغيره، بل لنفسه.

أختم هذه الصعوبة، بتفسير مبهم عن سقراط. فهو يقول: «ان الفلسفة تحضير للموت». بعدها تهجر الفلسفة وتبدأ الخطوة الأولى بإنشاء الشعر. يتراجــع الفكــر ويمــيل إلى الحالة الجنــينية، حالة لا يمكن تنزيلها من رحمها، إلا بالجماليــة الشعرية، «حقيــقة لا يمكن برهنتها، وإنما الإبحار بها بواسطة السر الخــفي للجمال الخارج من العقل».
في دواوين محمود درويش، فلسفة يقتضي البحث عنها، خارج الأفكار، بل في سر الجمال الشعري الذي أضفاه على القصيدة العربية.

البذرة الفريدة

جعفر العلوني

p> > ليست قراءة الشعر، في العموم، أحد نشاطاتي المعتادة، ولا أظن أنّها يمكن أن تكون من نشاطات أحد ما، ذلك أننا من أجل أن نقرأ الشعر أو نسمعه، فإن هذا يتطلب منا رزانة معينة. لا أقصد هنا رزانة خارجية فاخرة، وإنما أتحدث عن ذلك الهواء الصميمي المدهش الذي يغزو القلب في اللحظات الجوهرية، ويثير القشعريرة الجلدية، ليحس المرء أخيراً أن على هذه الأرض ما يستحق الحياة فعلاً: شعر محمود درويش.

لم أكن حتى العام 2002م قد قرأت محمود درويش أو استمعت إليه بعمقٍ، ولكنني قررت أن أكون واحداً من المستمعين لشعره على مدرجات المدينة الرياضية في بيروت. أخيراً، اطلَّ علينا محمود. كان المكان مكتظاً إلى درجة كبيرة، وكان الحضور سعيداً بكل أطيافه. لم يسبق لي أن رأيت بيروت - المدينة متحدة بهذا الشكل. لقد استطاع محمود درويش في مكانٍ، ليس بالكبير، أن يجمع اللبنانيين في مكانٍ واحد وعلى شيءٍ واحد، أو بالأحرى، استطاع شعره أن يجمعهم.

ضروريٌّ هو الشعر في أيام السلم، ولكنه ضروريٌّ أكثر في أيام الحرب، في هذه اللحظات الصعبة التي يمرُّ بها عالمنا العربي اليوم ثقافياً وسياسياً واجتماعياً. كم نحن بحاجة إلى الشعر، ليس كبلسمٍ لجراحاتنا الكثيرة فحسب، وإنما كإكسيرٍ، كشيء جميل يجعلنا نهرب من واقعنا العربي.

كم نحن اليوم بحاجة إلى شعر محمود درويش المثقل بالجمال الأدبي، والحمل التاريخي، وبالذاكرة، لكي نستطيع أن نستوعب الماضي، وأن نعيش الحاضر، ونواجه المستقبل.
سرعان ما هبت عليَّ، وعلى الحضور جميعهم، في صمت، تلك النسمات العليلة التي تغزو القلب في اللحظات الجوهرية عند سماع صوته وهو يقرأ قصيدته الأولى: «على هذه الأرض ما يستحق الحياة، تردد أبريل، رائحة الخبز في الفجر، تعويذة امرأة للرجال؛ كتابات أسخيلوس، أول الحب».

سرعان ما مُدت الجسور وفتحت الأبواب والآفاق للدخول. إنها قوة الصوت والكلمة. عندها أدركت السحر الذي يتركه درويش على مستمعيه وقرائه، عندها أدركت سبب كل قشعريرة شعرية.

جسور الصوت الموسيقي
لطالما كان الإيقاع بالنسبة لمحمود درويش مهماً في عملية الإبداع الشعري. فقد أعطى صاحب «الجدارية» لموسيقى القصيدة بعداً حاسماً في عملية الخلق الشعري، وكانت موسيقى القصيدة بالنسبة له هي العلامة التي تفصل بين الشعر والنثر. لم يكن الشاعر الفلسطيني الكبير يكتب على الطريقة الكلاسيكية التي تقوم على فكرة البيت المقفى والأوزان التقليدية، ولكنه أصرَّ على خلق توليفة خاصة به تجمع بين موسيقا الصوت وروح المعنى.

درويش كما يقول «كتابة قصيدة من دون إيقاع شبيه بعزف موسيقا نشاز». وأعتقد في هذا الصدد أن جزءاً كبيراً من جماهيرية الشاعر الفلسطيني يعود إلى طريقة قراءة الشعر، وهذا ما دفع العديد من مستمعيه عند الإلقاء إلى الانجذاب إلى شعره، وإلى عبور الجسور التي تصل بين اللغات، وبهذا الصدد عبَّر الكاتب الفرنسي (بيير أسولين) عن ذلك عند سماع محمود درويش وهو يقرأ بالعربية على الجمهور الفرنسي قائلاً: «في النهاية هذا هو الشعر، محمود درويش أحد أكبر شعراء اللغة العربية، يقرأ قصائده بالعربية في فرنسا أمام جمهور فرنسي، حيث أن عدداً كبيراً منهم لم يفهموا أية كلمة من لغته، مع ذلك استمعوا إليه لساعات مندهشين من هذه الموسيقا، مأسورين بما كانت تقوله، بحميمية، كلماته، التي كانوا يتلقونها بعمق، مع أنهم غرباء من حيث المبدأ. هذا السحر هو ما يسمى الشعر. مع رحيل الشاعر الفلسطيني، ثمة شيء سيختفي بالتأكيد، غير أنَّ كتبه ستبقى حاضرة بدون شك، وستتبعه قصائده لفترة طويلة جداً. سيبقى اسمه لامعاً في الثقافة العالمية، بيد أن ما سنفقده جميعاً وإلى الأبد هو صوته، هذه البذرة الفريدة».

العبير
بعد أن انتهت أمسية محمود درويش الشعرية، قررتُ بعدها أن أقرأ الإنتاج الإبداعي لهذا الشاعر الألمعي. في الحقيقة ذهلت جداً من تطور المسيرة الإبداعية، فقلقه الدائم في تجديد نفسه كان واضحاً. لقد استطاع درويش أن يشق، من خلال تجربته الشعرية، طريقاً عبر فيه مراحل شعرية عديدة: من شاعر المقاومة والالتزام، وصولاً إلى الكلمة النقية والشعر النقي. غير أنني ومن خلال قراءتي المتواضعة للشعر وكما قلت سابقاً - قراءة الشعر ليست أحد نشاطاتي المعتادة - وجدت في كتبه الشعرية جميعها من بين العديد من الخصائص الواقعية، حيث الرمزية عادةً ترغب في إعطاء طابع جديدٍ للأشياء، وجدتُ من بين هذه الخصائص العضوية واحدة غير واقعية: إنها العبير. أعتقد أننا من أجل أن ندرك هذه الخاصية في شعر درويش علينا أن نبحث عن ذاتية خاصة بنا؛ نشعر أنه يجب علينا عند قراءة درويش - تماماً مثل سماعه - أن ننعزل عن المحيط الخارجي الذي يمسكنا ويقيدنا في النسق النفعي للواقع، ومن أجل أن نصل إلى ذلك العبير علينا أن نغلق أعيننا ونأخذ نفساً عميقاً بهدف أن نبقى للحظة وحيدين مع هذا العبير.

يوسّع الواقع
في كل لحظة يمتلئ الهواء بأصوات شعرية يكون الكثير منها متكاملاً ومتناغماً، أو على الأقل صحيحاً، ولكن قليلا منها ما يكون صرخات شعرية أصلية. لا أريد هنا أن أتحدث عن مسألة الأصالة الشعرية، أريد فقط أن أحافظ على حبي في قراءة الشعراء الحقيقيين، أي أولئك الذين يبدعون أسلوباً جديداً، أولئك الذين هم أسلوبٌ بذاتهم. إن هؤلاء الشعراء يغنون العالم، يوسّعون الواقع. أعتقد أن محمود درويش هو من هؤلاء الشعراء الحقيقيين الذين يغنون العالم ويوسعون الواقع. المادة كما قيل سابقاً، لا تزيد ولا تنقص، أما الآن فيقول الفيزيائيون بأنها تنقص، حتى الآن لا يزال صحيحاً بأنها لا تزداد. إن هذا معناه أن الأشياء هي دائماً نفسها، أي لا يمكن الخروج من مادتها إلى مساحات أوسع. أعتقد أن مع محمود درويش الأمر مختلف، لأن هذا الشاعر جعل الأشياء تدخل في دوامات مضطربة وكأنها تتراقص بشكل عفوي. وبخضوع هذه الأشياء إلى هذه القوة الديناميكية التي يفرضها محمود درويش على شعره، تأخذ معنى جديداً، تتحول إلى أشياء جديدة.

هناك أساليب لغوية غنية يمكنها أن تخرج من حجرٍ مجهول أعداداً لا تحصى من الأسرار، وهناك أساليب تحتوي على ثلاث أو أربع كلمات ولكن بفضلها وصل إلينا جزء من الجمال لم يولد بعد. وبهذا المعنى فإن كل شاعر حقيقي، ذي أسلوب شحيح أو غني لا يمكن تبديله لهذا السبب. العالم قد يتخطاه عالم يليه، ولكن درويش لا يمكن تخطيه أبداً.
لهذا السبب أشعر دائماً عند قراءة درويش بانفعالٍ دينيٍّ مفاجئ، بشيء ما وراء فضائل الكمال والتناغم، بأمل كبير على أن العالم سوف يزداد غنىً، وأن الواقع سيصبح أكثر سعةً.

(كاتب ومترجم سوري)

بين الأمكنة

رضا عطية

ثمة علاقة بين الذات، أي ذات، بما فيها الذات الشاعرة، والمكان. إذ يغدو المكان مرآة تنعكس فيها تمظهرات الذات، بل إن علاقة الذات بزمانها - في الأغلب - تتمرأى عبر المكان. إن خبرة الذات بالمكان، مكان ما، وإحساسها به، لا تنضج إلا بمعاينة أماكن عدة، أكثر من مكان آخر، ومعاينة المكان نفسه عبر أزمان ممتدة ومختلفة. وبالمثل، فإن تمثل الذات للمكان الآخر، أو لأي مكان جديد عليها إنما يكون بفعل ذاكراتي مقارن، تستعيد فيه مكانها الأول أو أماكنها السابقة.

في شعر محمود درويش نجد كثيرًا من العلاقات المتشابكة بين الذات والمكان، فثمة مكان مفقود، وطن مستلب، وثمة أماكن أخرى، ترتحل إليها الذات، تمثل عتبات للمنفى مع كونها تمثِّل المكان القومي العروبي الذي تنتمي الذات إليه، كدمشق والقاهرة وبيروت، وهناك المكان الآخر المختلف ثقافيًّا وجغرافيًّا عن المكان الأول، وهو منافيه الأوروبية كتجربته في باريس وقبرص وروما وغيرها من المدن الغربية. غير أن المنفى بالنسبة لدرويش لم يقتصر على وجوده في المكان الآخر، فالشاعر يحس باغتراب روحي في مكانه الأوَّل: (طاردتْ روحي/ فصارتْ كلُّ أرضِ الشام منفى). صحيح أن درويش كان يتلبس قناع المتنبي بهذه القصيدة «رحلة المتنبي إلى مصر» لكنه يعبر عن إحساس المثقف بالاغتراب في فضائه القومي الأوسع بعد أن صار مكانه الأول منفى: (يا أرض! لم أسألك: هل رحلَ المكانُ من المكان؟) فقد فَقَدَ المكان مكانيته، تبددت هويته، ولم تعد تشعر الذات به.

يبدو في شعر درويش وعي بارز بالمكان بحضوراته التاريخية وانعكاساته على الوجدان، حتى إنه يعرِّف هذا المكان: (المكان المرض الأوَّلُ.../أمٌّ تعصُرُ الغيمة كي تغسل ثوبًا. والمكانْ/ هو ما كان وما يمنعني الآن من اللهو./ المكان الفاتحةْ،/ المكان السَّنَةُ الأولى. ضجيج الدمعة الأُولى./ التفاتُ الماء نحو الفتيات. الوجع الجنسي في أوَّلِهِ، والعسل/ المُرُّ./ هبوب الريح من أغنية. صخرة أجدادي. وأمي الواضحةْ/ المكان الشيء في رحلته مني إليَّ/ المكان الأرض والتاريخ فيَّ/ المكان الشيء إن دَلَّ عليَّ./ آهِ، لا شيء يضيءُ الإِسم في هذا المكانِ). يبدو المكان عند درويش، هو مكان أوَّل، مرتبط ببدايات التكوُّن الذاتي، ومرتبط كذلك بالجذور والأجداد. لذا، فالمكان هو مثال لديه - وما دونه هو نسخ وصوَر- أكثر من كونه تعيينًا جغرافيًّا، أو حيزًا ماديًّا. كما أن المكان - لدى درويش - هو تَمثُّل ذاتي وإدراك وارتباط فردي عالق بوعي الذات بالتاريخ، ربما للتحولات التاريخية وتَبَدُّلاتها الهوياتية الكبرى التي لحقت بأماكن محمود درويش. وتبدو علاقة الذات بمكانها - في شعر درويش - كارتباط أيروسي يجمع لذة الشبق بآلامه ضمن رؤية أكبر للعالم على نحو حسي يَقْرِن الذوات بأشياء العالم وموجوداته بعلاقة «لذة».

ولكن، لِمَ تلجأ الذات إلى داخلها لتُقيم مكانها؟ هل لفقدها أمكنة الخارج؟ يقول درويش في قصيدته «آن للشاعر أن يقتل نفسه»: (من ثلاثين سَنَهْ/ يكتب الشعر وينساني. وقعنا عن جميع الأَحصنهْ/ ووجدنا الملح في حبة قمحٍ، وهو ينساني. خسرنا الأمكنهْ/ وهو ينساني. أنا الآخر فيه./ (...)/ من ثلاثين شتاءْ/ يكتب الشعر ويبني عالمًا ينهار حولهْ/ يجمع الأشلاء كي يرسم عصفورًا وبابًا للفضاءْ/ كلما انهار جدارٌ حولنا شاد بيوتًا في اللغهْ/ كلما ضاق بِنا البرُّ بنى الجنة، وامتدَّ بجُمله/ من ثلاثينَ شتاء، وهو يحيا خارجي). تبدو الذات منشطرة على نفسها، يُدَاخلها صراع حميم بين صوتين: ذات الشاعر وهي الذات الحالمة التي تتمسك بمنشوداتها رغم خسارة رهاناتها، في مقابل الذات التي تتسم بالموضوعية، وهي ذات مُحبَطة، تعاين فقدًا بعد فقد، وتنال هزيمة تلو أخرى، بعد أن تسقط الذات من فوق أحصنة الحلم. الحصان - ميثولوجيًّا - رمز للخصوبة والحياة الممتدة والجنوح الطامح، وهو - أسطوريًّا - مطية للشعراء كحصان «بيجاسوس» الذي يبلغ بهم عنان السماء، فالشاعر الذي يضيق العالم به ويخسر أمكنته يحاول أن يبني مكانه، فردوسه المفقود، جنته المرجوة، في اللغة، بواسطة فعل الإبداع الشعري.

ورغم لواذ الشاعر باللغة إلا إنه أحيانًا ما يشعر باغتراب في اللغة ذاتها: (أهذي، ربما أبدو غريبًا عن بني قومي/ فقد يفر نقعُ الشعراء عن لغتي قليلاً/ كي أُنظِّفها من الماضي ومنهم../ لم أجد جدوى من الكلمات إلا رغبة الكلمات/ في تغيير صاحبها..). بعدما صارت اللغة مكانًا بالنسبة إلى الشاعر، بعد أن فقد المكان، واغترب فيه، ها هو يعيش اغترابًا ثقافيًا في اللغة، هذيانًا بما يليق بالشعر، باعتباره نظامًا جماليًّا يقوم على اللانظام، ويستند على المجاز ومراوغات الكلمات وانحرافية الصور، ورغم إعلان الصوت الشعري عن رغبته الثورية في الخروج بلغته الشعرية عن موروثات الماضي والارتباط بأسلافه من الشعراء غير أن شاعرنا الذي ظل معظم الوقت وفيًا لارتباطه الغالب بشعرية غنائية كلاسيكية يبدو واقعًا في تناقض مع دعواه هذه، حينما يعود ليعلن عن أن قيمة الكلمات في رغبتها في تغيير صاحبها، ليبقى الشاعر خاضعًا للغته، لا ثائرًا عليها ومجددًا فيها.

المكان الآخر
أما تجربة درويش في المكان الآخر لا سيما بفرنسا من منتصف الثمانينيات حتى منتصف التسعينيات من القرن الماضي، فتحمل امتدادًا لاغتراب الشاعر في المكان الأول واستئنافًا لمنفاه بأوطانه: (نحن ما نترك في المنفى وفينا من أثَرْ!/ نحن أزهار الإناء المنكسِرْ/
نحن ما نحن ومَنْ نحنُ، فما جدوى المكان؟). لقد فقدت الذات تحققها واتساقها مع نفسها بفقدها القدرة على التأثير في المكان الآخر، فتغترب الذات عن نفسها وتفقد إحساسها بالمكان عمومًا، وبجدواه. وتبدو - في السطرين الأولين - عناية لدرويش بموسيقاه وقوافيه لدرجة إشباع عالية سواء في أصواته الصاخبة أو الخافتة بما يناسب مقتضيات الدلالة، فيختتم درويش هذين السطرين بحرف الراء الساكنة روايًّا مسبوقًا بحرف من حروف الصفير الهامسة ] (الثاء) في أثر/ (السين) في المنكسر] مما يضاعف من خفوت الصوت في الحرفين الأخيرين تجسيدًا لحالة الوهن والانخذال المادي والنفسي وانسحاق الذات إزاء خيبتها في منافيها بعد منفاها في مكانها الأول، فثمة شعور بالتضاؤل يساور الذات في مكانها الآخر: (.. وعابر في بلاد الناس، لا ذكرى/ تركت فيها، ولا ذكرى حملت لها/ كأنني لم أكن فيها ولم أرها).

تبدأ الصياغة الشعرية المقطع بنقطتين و(واو) استئنافية، هل هذا تعبير عن سابق فقد وانعدام وجود في المكان الأول تمامًا كحال الذات وحظها في مكانها الآخر، إذ تعلن افتقادها التأثير والتأثر في ذلك المكان الآخر، كأنها لم تدخل هذا المكان. وبالفعل، ربما يكون محمود درويش من أقل الشعراء العرب تأثرًا واستفادة من تجربته بالمكان الآخر، لأنه ظل أسيرًا لثقافته الأولى، لم يكن معنيًا كثيرًا بفعل تثاقفي بالمكان الآخر، لارتباطه الكبير بالجاليات العربية في مكانه الآخر.

وكما أن الذات قد سُلبت حقها في الاستمتاع بمكانها الأول، تُحرَم من نيل حقوقها بالمكان الآخر: (تُرى، هل يحقُّ لمثلك أن يتأمل لوحهْ؟/ وأن يتساءل عن مصدر اللهِ/ أو يجد الفَرْقَ بين الحمام ومنديل أمٍّ تودّعْ؟/ هل نستطيع التجوُّل في السان جرمَان كالغرباء الذين يشمون/ أرض فرنسا من الجوِّ؟/ هل نستطيع الذهاب إلى البرج واللُّوفْرِ؟/ هل نستطيع مشاهدة المسرحية دون تقمُصِ أبطالها المتعبينْ؟/ لماذا نكونُ كما لا نكونْ؟). تشعر الذات الدرويشية التي تبدو باعتمادها المُسرِف على ضمير المتكلم الجمعي، النحن، أنها مثقلة بكينونة جمعية - بالاستلاب الذي يمثل التطوُّر المتفاقم للاغتراب، في مكانها الآخر. فالذات التي يتساوى وجودها والعدم - تفقد الحق في التساؤل، تداهمها أسئلة الفقد، تفقد حتى أدنى ما يتمتع به الغرباء في المكان الآخر، ففقد الذات فاعلية التثاقف المكاني كفقد الذات التقمص الذي هو قرين فعل التطهر في انفعالها بالعالم. ثمة شعور يائس يدفع الذات لرد فعل عدمي إزاء المكان/ العالم الذي انبتت أواصر انتمائها له.

وفي حالة تحصيل الذات في منفاها أية متعة، فإنها تكون وقتية زائلة، كما في قصيدة «غرفة في فندق»: (كيف كُنَّا نُصَدِّقُ أجسادَنا في الفنادقِ؟ كيف نُصَدِّقُ أَسرارنَا في الفنادق؟ يأتي سوانا، يُتابع صرختنا في الظلام الذي وَحَّدَ الجسدينْ ] إلخ.. إلخ..] ولسنا سوى رَقمين ينامان فوقَ السرير المشاع المشاع، يقولان ما قاله عابرانِ على الحبِّ قبل قليلٍ. ويأتي الوداعُ سريعًا سريعًا. أما كان هذا اللقاء سريعًا لننسى الذين يحبوننا في فنادق أخرى؟ أما قلتِ هذا الكلام الإباحيَّ يومًا لغيري؟ أما قلتُ هذا الكلام الإباحيَّ يومًا لغيرك في فندقٍ آخر أو هنا فوق هذا السريرِ؟ سنمشي الخطى ذاتها كي يجيءَ سوانا ويمشي الخطى ذاتها.. ] إلخ.. إلخ..]).
يتحول الإنسان في مكانه الآخر حتى في ممارسة أقصى ما يُنشد من متعة ولذة إلى مجرد آلة بعد أن يُبتَذل الحب، نتيجة افتقاد الذوات خصوصيتها، وبالتالي حرمانها من الشعور بوجودها لافتقادها حياة «البيتية» والإقامة بالفنادق، ليمسي الإنسان محض حضور رقمي مجرد يفتقد كينونته الخاصة وتمايزه الهوياتي، كما تبدو الذوات نسخًا من غيرها والكل محكوم بمصير آلي وقدر حتمي.

(ناقد أدبي من مصر)

خادم الغيب

XXXXXXXXXX

اسم الكاتب علاء خالد

رسخ محمود درويش لمفهوم الشاعر «النجم»، ومن قبله نزار قباني. منح الإثنان دور الشاعر توهجاً وتألقاً، في حضور جماهير، كما يشير درويش لوظيفة الشعر والشاعر بداية من أول دوواينه في الستينيات، حتى بعد انحسار المد القومي والحس الجماهيري اللذين سيطرا على المشهد الثقافي؛ استمر محمود درويش يملأ حدود هذا المفهوم بقوة، وبتزايد أعداد معجبيه من الأجيال الجديدة.

ربما ظاهرة شعرية كمحمود درويش لا بد أن تصنعها أجواء مشاريع قومية، ولكن الاستمرار يدل على إمساكه بأحد، أو ببعض، أو بأغلب، المعاني الأساسية داخل هذه الثقافة التي يكتب بلغتها، مثله مثل نزار قباني، وإمكانيته على تطوير هذا الرابط بينه وبين الثقافة، في غياب الحس الجماهيري. كأنه حمل، مع آخرين، مهمة الحفاظ لغوياً على بعض الأفكار الأساسية والمختلفة للثقافة: كالحب الأنيق، وحرية المنفي، والسمو، والتحدث مع الموت بندية، ونزاهة السفر والرحيل، أصالة الغياب والغائب في حكاياتنا، المنفي كمطهر، الصلب والتضحية، ومراثي العودة للديار وليس الوقوف على أطلالها. وأيضاً الحفاظ على الحس الفلسفي للغة بعد موتها وانحسارها في مزالق الحياة اليومية.

في تلك الفترة التي تأكد فيها تألق درويش، في السبعينيات والثمانينيات وما بعدهما، بدأ حضور موجة الحداثة في الشعر، وما فرضته من تغيير لدور الشاعر بوصفه أحد الرهبان أو الفلاسفة، ليعلي من وظيفة التأمل الفردي النبيل عن المشاركة في الحس الجمعي. تم إدخال الشاعر إلى مكان معزول كالمعبد ليمارس طقساً اعترافياً ذاتياً وبدون أي حضور.
كان أدونيس، أيضاً، هو «نجم» تلك المرحلة كصورة للشاعر المفكر والفيلسوف الإشكالي، بمعناهما الفكري وليس الشعري. ربما ما أنقذ درويش، غيابه عن وطن محدد، وتنقله بين أكثر من مكان، جعل هذه الثقافة المأزومة طافية معه، أو بمعنى أدق منفية معه، يتحرك معها، يختار منها، ولا تضغط عليه. هي وطنه بشكل ما، بعيداً عن الأزمات الوجودية لكل شعب على حدة.

وربما هذه الثقافة المنفية معه رشَّحت، منها، هذا الجانب المقاوِم، وانحيازه لأنماط ونماذج تقدمية فيها. وأيضاً انفتاحه على نموذج كوني لإنسان لا يحده وطن. كأنه بهذا السفر والمنفى أعاد ترتيب الثقافة، بداخله، بدون حذف أو بتر. وربما هو السبب الذي جعل جملته الشعرية، ورؤاه، متعددة ومتسعة الهدف والمرمى، وبها مس فلسفي ورؤيوي ناتج من هذا التعدد، وتصور حال إنسان متسائل يعتبر ممثلا لهذه الثقافة، وليس ناقداً ومتعالياً عليها كما حدث مع أدونيس.

الآخر الذي كان يضعه نصب عينيه أثناء الكتابة، وفي الثقافة، ليس فقط «ما هو ضدها» كأدونيس، وليس المتماهي معها ومع حال استقرارها، في مكان ما بينهما. أقام بناءه الشعري والفكري على التجاوز وليس الحذف. هجرته من بلده واحتلالها جعله يكتشف مكاناً جديداً للتغيير، وللتحول، وليس بالضرورة أن يكون هذا المكان ضد الغنائية، بوصفها أحد حالات تردي الثقافة أو تكرارها الممل؛ وإنما يكتشف غنائية جديدة ليست ترجيعاً لمعنى سابق وثابت. برحلته يكتشف بناءً لغوياً وفكرياً بداخلها يمزج فيه الماضي بالحاضر، الحديث بالقديم، بالإنساني المشترك، ليصنع مركَّبه الخاص. ومَرْكَبه أيضا الذي سيبحر به مثل عوليس.
كان يعتمد على موهبة عميقة ووعي مستقل تماما يتجاوز الجذرية. الوعي الذي يرمم بناء البيت ولا يهدمه. جذريته كانت تظهر في اختياره لأنواع منتقاة من الحب، أو تمجيده كالصعاليك لفكرة الرحيل وعدم تثبيت مكان محدد للإقامة، أو استقدام الموت كما في «جدارية» والائتناس به كما عند الإنسان المصري القديم، أو سعيه لملاقاة إنسان أعلى في نهاية الطريق، بتلمس خطى نيتشوية ولكن بمناطحة الغياب وليس الله. كلها أشكال حوارية ضد الاستقرار والتواطؤ مع أزمة ثقافته، وأي ثقافة، بل تفسح مكاناً بداخلها لتضخ فيها نموذجاً جديداً.

غنائية درويش ليست مجانية من أجل تكرار لجملة، معنى، أو إيقاع؛ ولكنها أداة معرفة. أي تكرار به إضافة معرفية. نصه يقع بين النص الفلسفي والنص الجمالي الذي يعتمد على الحدس والغموض كأحد أدواته. ولكن غموضه ليس معتماً، بل شفافاً، لا يوقف تطور المعنى. عنده تفلسف شعري يخرج من ارتطام الكلمات داخل جدران الجملة والمعنى، لتخلق استعارات وتشبيهات جديدة ومفارقة تمسك بتلابيب هذا الحس المعرفي الذي أصبح أساسياً في الوعي الحديث.

ليس اليومي أو المتاح من انشغالاته إنما يتحدث من داخل متن زمن شعري له علاقة وامتداد بالماضي وبالمستقبل، له علاقة ما بالخلود، بكل ما هو «خالد» أمام ما هو «فان». مما منح شعره نغمة جديدة كونية هي هذا التلفسف الشعري، الذي يحفر داخل لحظات ميتة، ويضخ فيها شيئاً حسياً يبعث فيها الحياة.

الذات المنقسمة عبر المنفي
هناك انقسام ما حدث في ذات الشاعر المتكلم كأنهما اثنان. يخاطب ذاتاً أخرى بداخله وتنتمي إليه. ربما مسافة المنفي هي التي باعدت بين الذاتين، وهي السبب في نشوئهما، ليبدأ حوار الخلق الجديد.
دائماً هناك خطاب/ حوار مع «آخر»، قد يكون أحياناً ذاته الأخرى التي وجُدت بعد الخروج من الوطن. وأحياناً يكون «آخره الشخصي»، وأحياناً يكون الآخر هو الاسم الملتصق به والذي لا يفارقه كأنه آخر غيره. كل ما يمس ذات الشاعر المتكلم يصبح هناك غيرة منه أو ضدية له، كأنه سيسلب جزءاً من نقاء وجوهر هذه الذات.

مفهوم «الثنائيات» يحكم رؤيته للحياة ولنفسه. وهي إحدى الأفكار الجوهرية في الثقافة العربية التي حرص على تأكيدها درويش. يقول: «فاخرج أناك من سواك»، تتسم هذه الثنائية بالحس الصوفي الساكن، ذلك الانقسام الذي يتبعه اتحاد كأن الآخر الموجود بداخلك هو الله. وأحيانا تطمح لإقامة جدل يُنتج ثالثاً بين الشيء ونقيضه، أو الشيء وضده، أو كما يقول: «الداخل والخارج» أو «بينه وبينه». يقول في نهاية «جدارية» «وأنا لست لي وأنا لست لي».
هناك صورة شعرية تحمل في داخلها نقيضاً لها، كالوجه في المرآة.
الكلام من البداية عن دورين مختلفين لهذه الذات، والمسافة بين الاثنين أوجدها المنفي. أقصى درجة للتفاعل بين الذاتين عندما يكون الموت هو الثالث، التيار الذي يسري ويولد لحظة تفاعل تتجاوز حدود الذاتين كما في «جدارية». طبيعة جدلية أو حوارية تضم عناصر استمرارها وتفاعلها الأبدي.

هناك مباعدة بين الذاتين، كمباعدة المنفي عن الوطن، اللذين يعيشان في عدم تجانس وضدية. والجدل، الذي هو حياة، لا يأتي إلا من خلال مرور الموت بين الذاتين، بين الداخل والخارج. وهو لا يحدث إلا لمرة واحدة، كأن الموت هو عنصر اكتمال وتجميع لهذه الذات المنقسمة.
الموت هنا كما يسميه «خادم الغيب» والذي يسعى إليه من البداية.

السفر والغياب
هناك دائما مُخاطب غائب في أشعاره سواء كان الله، الأب، أو أنثى تأخذ تكوين الوطن وحسيَّته واشتهائه لها، أو أسطورة ترتبط بالسفر، أو الموت، أو القصيدة نفسها. فالقصيدة، هذا البناء اللغوي والمفهومي، هو أحد طموحات خطابه، أن تصل العلاقة بينهما لنقطة مثلى.
أغلب الاختيارات تدور في فلك الغياب. أما الحاضر فهو غير موجود، أو حضوره مؤقت: «هاهنا حاضر عابر». «لو كان لي حاضر آخر/ لامتلكت مفاتيح نفسي/ ولو كان أمسى معي/ لامتلكت غدي كله» قصيدة أمشاط عاجية - لماذا تركت الحصان وحيداً. الحاضر مؤجل دائماً متحرك، ويباعد بينه وبين الماضي، ينساه، ولكنه يصطدم سريعاً بالمستقبل الساعي إليه، يصطدم بالغياب بالعدم، الذي يلف هذه الرؤية برغم غنائيتها.

ربما الآخر هو «الغياب» نفسه، وليس المكان المنفي منه. يقول «الغياب هو الدليل.. هو الدليل». إنه لا يستعيد وطناً بالكتابة، ولكنه يستعيد غياباً حلَّ مكان الوطن. وهي حقيقة، في حال محمود درويش، تفعل فعل الحنين، ولكنه بدون تزلف أو فضح مجاني لهذا المكان السري، فالغياب وطن بعد أن استحالت إمكانية استعادته.
أحياناً تجد عنده إحساساً عدمياً لا «آخر» له، ويقيناً بألا هناك عودة من المنفى والسفر بلا نهاية. هذا الإحساس يولد حسيَّة في صوره الشعرية، لأنه ينظر «هناك»، لفراغ في الناحية الأخرى، فترتد الكلمات أو «الصدى» الذي هو صوت الغياب، تتجمد عند هذه التخوم العدمية من الرؤية واللغة.

هناك تكرار لصفة «الغريب» في قصائده. «الغربة» إحدى التدرجات اللونية في باليتة الغياب، انسحاب الأرض، أو الوجود داخل المنفي. منذ البداية، بعد الخروج من الأرض والوجود الأصلي، يقيس درويش درجات انسحاب الوجود بعدة صفات: الغائب، الغريب، أو المنفي.
منذ البداية والقصيدة تتجه نحو النهاية، نحو الغياب، الموت، المنفي، وكل ما ينحسر عنه الوجود. ولم يبق أمامه إلا إقامة الشاعر في الشعر أو النص. تحول الشاعر إلى «كائن زمني» يمكنه أن يتنقل بين الأزمنة بهذه الغربة والمنفي الذي يحملهما.

هذا «الغريب» يتجول بحرية في قصائده ويمنحه حرية أن يتحدث باسمه. وسيأخذ دور «عوليس أو «نوح» كأحد أركان رحلة الغربة والسفر والتيه للإنسان.
خرج درويش في عصر يمجد التيه والسفر والمسافرين والبدو الرحل ولا يمجد «الجذري». يمجد الخارج عن الوطن، والمفتت لهذه الوحدة الأزلية في تكوين الإنسان، وليس المؤسس له أو الهادم له. فكــان هناك لقاء خاص بعصر ينتظره.
الموت فقط هو القادر على أن ينقل الشاعر إلى طفولة أخرى غير طفولته المرتبطة بالأرض التي غادرها. طفولة بلا مســتقبل، بلا أرض مفــقودة، كأن في هذا الموت اكتمال ما. الموت هنا كأقصى شكل للغياب، بعد المنفى، أو الدرجة الأصفى منه.

(شاعر مصري)

نثر القصيدة

زيد قطريب

الانطلاق من فرضية أن تكون قصائد محمود درويش الشهيرة نثراً، يغري من ناحيتين؛ الأولى تتعلق بردة فعل ذائقة المتلقي وكيف يمكن أن يتواصل مع تجربة شاعرٍ كانت الغنائية عنصراً مهمّاً في بنية القصيدة لديه؟ أما الثانية فترتبط باحتمالات الخط البياني الذي كان من الممكن أن يَسِمَ نصوص الشاعر إذا ما جرّدناها من الغنائية المناسبة للتعبير عن شعر القضية الفلسطينية؛ حيث إن تجربة درويش مرتبطة بشكل وثيق بهذه القضية؟

هل بالإمكان القول إن رحيل صاحب «سرير الغريبة» المفاجئ عطّل الكثير من احتمالات تطور مزاجه الشعري الذي كان قد حسم أمره باتجاه النثر؛ لكنه كان ينتظر الوقت المناسب لبلورة ذلك وإعلانه في كتب لاحقة؟

ألا يمكن القول إن الوجدانيات والإبحار في أعماق الذات؛ ستجد المساحات الرحبة باتجاه النثر على عكس قصيدة التفعيلة الغنائية والمشغولة بالوزن، والتي ارتبطت بقضايا الأرض والمقاومة ومجمل القضايا الحماسية التي لبستها قصيدة التفعيلة كأنها مفصّلة لها مسبقاً، ونحن هنا نتحدث عن تجربة درويش بالتحديد وليس عن حال التفعيلة بشكل عام؟

ربما من المسلّمات النقدية التي تُستنتج من تجربة صاحب «الجدارية»، احتمال إعلانه طلاقاً نهائياً مع قصيدة التفعيلة لو امتدّ العمر قليلاً من الزمن! وذلك بناء حتمية التفرغ لجوانياته الذاتية التي أُهملت خلال فترة طويلة، ولم تطلّ إلا قليلاً، وأيضاً استناداً إلى ما آلت إليه القضية الفلسطينية والمسائل المتصلة بها على الأرض، فالشاعر الذي أصيب بالكثير من الخذلان بعد اتفاق أوسلو وترك على إثره منظمة التحرير، كان يعني قراره هذا من الناحية العملية مغادرةً للنمطية التي سادت التجربة الشعرية فترة طويلة من الزمن، لكنه ربما كان مضطراً لإشهار تلك المغادرة رويداً وبهدوء على دفعات، وهذا أمر واضح من الكتب الشعرية التي أصدرت منذ تلك المرحلة وصولاً إلى لحظة الرحيل.

قصيدة النثر
هذا الطلاق الأدبي هو طلاق سياسي في الوقت نفسه؛ لأنه يرتبط بالقضايا الجوهرية التي صاغت عناوين تجربته الشعرية؛ من دون أن يعني شقاقاً كاملاً مع تلك القضايا سوى من الوجهة السياسية، ويمكن أن نسمي ذلك إعادة اتصال وتواصل مع فلسطين بشكل مختلف ركّز على الجوانيّات والانفعالات الذاتية التي لم يتفرغ لها درويش كما يجب، وهي عملياً متصلة بمفهوم بالأرض وما احتضنته من حب ومعاناة وحنين. تلك المواضيع التي لم تكن القصيدة الغنائية قادرة على مواكبة التعبير عنها بشكل جديد ومختلف، كانت ستترك صدمةً في ذائقة المتلقي المعتادة على الحماسيات الخطابية، التي كانت تدفع بالجمهور في كل المنابر التي زارها درويش أن يطلب قراءة قصيدة (أحمد العربي) وسواها من قصائد لها مكانتها الأثيرة في الذاكرة لديه. لكن هل يمكن للجمهور الحماسي الذي صفّق للإيقاع العالي على المنابر أيام الثمانينيات ووجد نفسه فيه، أن يبني تواصلاً جديداً وجيداً مع هذا النوع من الكتابة النثرية إن حدثت بشكل حاسم فعلاً؟ وهل الذائقة العربية المبنية في جانب مهم منها على الانفعالات من دون المحاكمات الموضوعية؛ قادرة على الميل للتأملات والعبور إلى داخل القضايا بشكل مختلف؟

الأسئلة تبدو متعدّدة ومتشعبة في هذا الإطار لكن ملامحها تظهر في العديد من كتب درويش الماضية؛ حيث ليس من الصعب اقتفاء ملامح النثر لديه بدءاً من ديوان «أحبك أو لا أحبك» وخاصة قصائد (المزامير) رغم رأي البعض أن هذه النصوص ليست قصائد نثر تماماً؛ إنما يمكن تسميتها بالشعر الحر بناء على تفلّتها من الشكل المعروف لقصيدة النثر، مروراً أيضاً بديوان «كزهر اللوز أو أبعد» الذي افتتحه باقتباس من «التوحيدي» حين قال فيه: «أحسن الكلام ما قامت صورته بين نظم كأنه نثر، ونثر كأنه نظم»! ألم تكن تلك الملامح تحمل جملة من الانعطافات الكبيرة التي كانت ستشهدها تجربة درويش لو امتدّ به العمر قليلاً، مع التذكير بأن هذه التجربة شهدت الانعطافات من حيث الموضوع ولم يبق سوى إعلان القطيعة مع الشكل الوزني فقط؟

من الوجهة النقدية، لا شك أن درويش أدرك في قرارة نفسه كل تشعبات النص الشعري واحتمالاته وتلمّس حتمية الانعطاف التي تبلورت من وجهة المضمون والتفرغ للذات؛ وهذا أمر واضح في «لا أريد لهذه القصيدة أن تنتهي» النص الأخير الذي كتبه الشاعر بتصرف أصدقائه الذين جمعوا وحرروا هذا الكتاب.

بغض النظر يمكن تلمس أن درويش في كتابه الوصية كأنه كان يحاول عقد اتفاق مع الموت؛ كي لا يسرع بتنفيذ مهمته قبل أن يقول كل ما يريد على صعيد أسلوبية شعرية كانت تتحفز عملياً كي تبحر بعيداً عن قصيدة التفعيلة وبعيداً عن القضية الفلسطينية بشكلها الكلاسيكي، وكأن هذين التوأمين اللذين ارتبطا بشكل وثيق في السابق كان عليهما أن يموتا معاً ليشهدا ولادة جديدة ومقاربات مختلفة تؤكد الأولى ذهاب النص الشعري باتجاه قصيدة النثر، أما القضية فلها مقاربات ومواقف سياسية لا يمكن تكهنها لكنها انعطافية وكبيرة بالتأكيد.

ألم نكن نستشعر في نصوص درويش الأخيرة أن هناك هزة كبيرة ينتظر أن تحدث على صعيد الشكل والمضمون والرؤى الفكرية؟ ما يحفز نقدياً على ترجيح اتخاذ قرار النثر في نصوص درويش المحتملة لو عقد هدنة مع الموت واستمرت تجربته حتى تنضج تلك الحالة من الانعطافات، هو وجود ملامح النثر في مفاصل النص لديه، وليست عودته إلى جملة التوحيدي في «كزهر اللوز أو أبعد» إلا محاولة لربط النثر بالتراث وإلغاء صفة الوافد الغربي المترجم عنه، رغم أنه لم يمارس النثر في هذا الديوان.

(كاتب سوري)

حكمة الشاعر وسلطة الحاكم

XXXXXXXXXX

لؤي ماجد سليمان

«الالتزام في الثقافة سياسي وأخلاقي، وغاية ما يُطلب من المثقف هو أن لا يخلع نفسه، أي أن لا يتنازل عن سلطته للحاكم، وأنت يا محمود درويش تنازلتَ عن سلطتك، ليس لحاكم وإنما لبلطجي، وذهبتَ في هذا إلى مدى بعيد حتى لقيت مجرماً عادياً من جهاز الأمن وزيراً للشعراء، وحضرتَ إلى مدينة منكوبة بكثرة أراملها وقلة رجالها، ووقفت أنت فوق أكوام الجثث لتمجد بلطجياً يعيش على دماء البشر. مهلاً أيّها الشقيق عن شتم أخوانك الأحرار، صُن حكمتكَ، إن الشاعر الكبير قد يغفل عن حساسيته في لحظة ما لكن يستحيل أن يفقدها، عد إلى مكانك أيّها الشاعر الكبير فقد غرروا بك».

هذا المقتطف من رسالة العتب التي وجهها المفكر العراقي هادي العلوي إلى الشاعر محمود درويش في مجلة «البديل» الصادرة عن رابطة الكتاب والصحافيين والفنانين الديموقراطيين العراقيين «عدد حزيران - العام 1986» جاء وقتها تحت عنوان «إلى محمود درويش» بسبب قبوله دعوة صدام حسين حين أعلنت بغداد مقراً للأمانة العامة ومحجة للأدباء؛ أما مناسبة إعادة التذكير بهذه الرسالة؛ فيعيدنا إلى خروج الشاعر من فلسطين إلى الاتحاد السوفياتي؛ التي لم يطُب له فيه العيش فعاد إلى الجمهورية العربية المتحدة وهذا ما أثار حفيظة بعض المثقفين والأدباء على (شاعر المقاومة) والذي لم يعد إلى أرض المعركة فاعتبره الجمهور هروباً، أما طبقة المثقفين فاعترضت على هذا الخيار بحجة «تأثير الموقع على الموقف» وانتقاله من موقع الحدث والفعل إلى موقع التنظير.

غير أن انضمام درويش للحزب الشيوعي الإسرائيلي «راكاح» وعشقه لفتاة يهودية «ريتا والبندقية» ومواقفه السياسية ونشاطه مع مثقفي (المابام) و(الماباي) من اليسار الصهيوني في نهاية الثمانينيات في أوروبا الشرقية، وكتابته لـ «إعلان الاستقلال» في المجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر العام 1988 الذي اعترف بالكيان الصهيوني على أرض فلسطين المحتلة، جعل البعض يقاطعه ويشن حرباً عليه؛ خاصة الفنان الراحل ناجي العلي الذي أشار إليه في الرسم الكاريكاتوري الشهير «محمود خيبتنا الأخيرة».

بعد ما سردته من شواهد لا بدّ من مسائلة بحجم المثقف النخبوي في ما جرى ومسؤوليته فيه، فالمثقف ضمير الأمة والشعب، ولا يجوز أن ينحاز إلى فريق على حساب الآخر؛ لأن هذا الانحياز تحويل لمعنى المعرفة والثقافة، كيف إن كان هذا الانحياز مع القاتل ضد القتيل ومع المُغتصِب، مع أنه كان بإمكانه أن يكون حراً من الولاء السياسي حتى يحفظ مكانته ويصون رصيده ويحمي صورته التي باتت رهينة الصراعات السياسية.

من المؤكد ليس بإمكاننا تنحية درويش المثقف النخبوي والطليعي عن مسؤوليته في الوقوف في وجه المستبدّ، ولم يأت بعد الزمان الذي ينتهي فيه دور المثقف وحاجة الشعوب إليه حتى نستطيع غض النظر عن تحزبه، فالتحزب بحد ذاته اعتبره البعض خيانة نظراً للدور المنوط بالمثقف والذي من المفترض أن يقوم فيه دون انحياز: «مَن تحزّب خان» خاصة إن كان المثقف يمثل ضمير الجماعة، ولا بد من استقلالية المثقف عن أي ولاء سياسي حتى يحافظ على مكانته.

مثقف السلطة
لكن إن افترضنا حسن النية فيمكن اعتبار محمود درويش فقد الجرأة أو ضعُفَ أمام السلطة حين جند نتاجه الشعري والمعرفي في صراعات سياسية، ربما أراد أن يتحاشى المواجهة، فقبِل بتأجير لسانه وعقله. البعض اعتبر أن الصمت ليس المقصود فيه الموالاة لنظام حكم، بل صمت المثقف عن سلطته المعرفية الرمزية التي لم يدافع عنها الشاعر مقابل السلطان المادي السياسي، وفي كلتا الحالتين يؤخذ عليه إحجامه عن إبداء الشجاعة والموقف في وجه السلطة بأنواعها وإحجامها عن القضية المصيرية وقضايا المجتمع الفلسطيني، لأنه بدأ يبحث عن حلول لمشاكل اليهود من دون الشعب الفلسطيني في أحسن الأحوال بالتوازي معه ولا يُخفى على أحد أن درويش تحوّل إلى مثقف سلطة وكان فتى ياسر عرفات المدلل، حتى أنه كان يقوم بكتابة معظم خطاباته.

بعد تدريس شعره في المدارس العبرية؛ هل علينا أن نصدّق أن تل أبيب تدرس شعر صاحب «لماذا تركت الحصان وحيداً» دون غيره لما يحمله من قيم فنية وإنسانية عربية؟
طبعاً لا يمكن إنكار القيمة الفنية لنتاج محمود درويش الشعري - لكن أين ذهب الشعر الجاهلي والعباسي والأموي وغيره من أمهات الكتب وعيون الشعر العربي؟ هل ضاقت الدنيا بما رحبت من الشعر على وزير التربية والتعليم الإسرائيلي الأسبق يوسي سريد حتى يختار شعر درويش، أو كان على المتنبي والحطيئة والطائي وغيرهم من أعلام الأدب والشعر العربي؛ أن يحجّوا إلى أوسلو وجنيف حتى يتبين العدو الإسرائيلي القيمة الأدبية لنتاجهم في إطار الشعر؟

ثم لماذا لم تدرّس قصائد شعراء فلسطينيين آخرين؟ للأسف هي ذاتها القصائد التي حفظتها الشعوب العربية واعتبرتها أدب مقاومة درست وتدرس في اللغة العبرية، وأن غناء مارسيل خليفة عن خبز وحنطة درويش لا يعني أنه منحه صك براءة، نحن لسنا بصدد إدانة مارسيل خليفة الذي خلع الكوفية ولبس علم الانتداب الفرنسي أثناء تضامنه مع ما أطلق عليه الربيع العربي، ولا يعنينا أن نذكره بالحافلتين المكتظتين بالشباب السوري الذين تحملوا عناء السفر ليتضامنوا معه ورفض حتى أن يخرج ويلوّح لهم بيده، لكن ما يعنينا بالأمر أن الشعوب تتبع ثقافة القطيع، في الصباح يستمعون للسيدة فيروز، وفي المساء للسيدة أم كلثوم، ويلبسون الكوفية ويستمعون إلى مارسيل والشيخ إمام من دون أن يعرفوا أين تقع فلسطين!

لكن انتبه أنهم أصحاب قضايا كبيرة ولا يخلعون الكوفية ويعلقون صور محمود درويش وغيفارا على جدران غرفهم؛ من دون أن يعرفوا سميح القاسم أو فدوى طوقان، وعز الدين مناصرة وغسان زقطان؛ ربما كان على طوقان أو خالد أبو خالد أن يسجلوا أشعارهم كملفات (أوديو) أو أشرطة كاسيت ويستبدلوا الصور الشعرية ورؤية الحرف بالصوت والنغم الخطابي لتعرفهم الجماهير التي تدّعي تبني المقاومة وقضايا الأمة العربية.

قادسية صدام
يصدمنا الإشكال الحقيقي في المنحى الأخلاقي للالتزام ونحن نناقش تجربة محمود درويش؛ فالمثقف لا يُعفى من أخلاقيات العلاقات الفردية أيضاً؛ خاصة إن كانت مع مثقف العدو الذي يغتصب الأرض، ولا يجوز التكلم بشكل فردي عن شعب بأكمله، الكل تناقل ما صرّح به في «يديعوت أحرونوت» أثناء مقابلة مع حاييم هنجفي: «بأن الفلسطينيين جاهزون للاعتراف بالكيان» هنا شطب درويش خيارات الشعب الفلسطيني بأكمله وكان «الظل العالي» لهم الذي يمنع ويسمح، كما شطب دواوين البدايات من حياته واعتبرها غير موجودة، لكن لو بقي حياً يقيناً لشطب الكثير من دواوينه خاصة بعد الربيع العربي وربما كان غيّر رأيه.

أما بخصوص الرسالة التي وجّهها (العلوي) فنعم كان يتوجب على درويش أن يقف مع الأسير ضد الأسر ومع الضحية ضد الجلاد؛ ويدعم سلطة الثقافة ضد سلطة السياسة، لا أن يدعم السلطات السياسية ضد البسطاء، لقد احتج الكاتب «اليكسي بيشكوف» المعروف باسم «مكسيم غوركي» ضد إعدام جنرالات كانوا يقومون بثورة مضادة ولو نجحت لكانوا أعدموا غوركي نفسه، لكنه مع ذلك اعترض على لينين وعارض الأساليب القمعية التي كانت تتخذ تجاه المثقفين؛ بينما هو مجّد عام الانتصار الثقافي 1986 ومجّد مَن شرّد المثقف العراقي، مساهماً في إخضاع الثقافة للعسكرة، نعم نشهد أنه لعن الجلد والسياط، لكنه صافح الجلاد، ووزع حصص القمع بالتساوي واعتبره قدراً، شارك بعرس القادسية الثقافي حتى لا يسمع أحد أصوات ما يفوق الأربعين كاتباً وفناناً ومثقفاً في الأرض المحررة أرض المهرجانات، كيف لبلد عربي أن يتحول إلى عاصمة ومحج للمثقفين العرب وأبناؤه المثقفون مشردون أمثال محمد مهدي الجواهري، هادي العلوي، مظفر النواب، غالب طعمة فرمان، وسعدي يوسف ومحمود صبري وغيرهم؟

للأسف لقد شارك درويش في تشريد هؤلاء وغيرهم بدعمه لقادسية صدام، متناسياً توقيعه على مذكرة الاحتجاج ضد القمع الثقافي في العراق؛ بينما كان بإمكانه أن يستنكف كما استنكف عدد كبير من المثقفين عن الحضور؛ وكان أبرزهم الشاعر أدونيس الذي ألقى بالدعوة في سلّة المهملات.

من الممكن أن يخاف المثقف ولا يشير جهراً إلى القاتل، لكن على الأقل يجب أن يقف على الحياد بين القاتل والقتيل، بين المستعمِر وصاحب الحق، بين سلطة القمع والضحية.
يقولون الشاعر هو الشخص الوحيد الذي لا يختلف ورثته بعد رحيله، ومع ذلك تقاسم الورثة إرث الشاعر الدرويش؛ واختلفوا عليه عبر مؤسسة باسمه حملت اسم مؤسسة محمود درويش، وعمل درامي يحمل اسمه، ومحل لبيع القهوة العربية في العاصمة عمان، وأخيراً استثمار محمود درويش في فيلم يهودي «الأرض تورّث كاللغة» للمخرجة الإسرائيلية سيمون بيتون.

هكذا استثمروك الورثة يا درويش، هكذا تقاسموك مثلما قاسمتهم عواصمهم، تسللت إلى القلوب، تسللت إلى العواصم، تسللت من الحياة، هاجرت بحثاً عن دفء لا تفوح منه رائحة البارود.

(كاتب سوري)

الظاهرة الصوتية الأكثر شيوعاً

ياسر اسكيف

منذ دراسة غسان كنفاني، ذائعة الصيت عن شعراء الأرض المحتلة، واسم محمود درويش (1941 ـ 2008) ترسّخ بقوّة كصاحب تجربة ٍشعريّة كان لها حضورها وخصوصيتها، وتعدى الأمر هذا إلى مرحلة ٍ صار فيها شاعراً/ ظاهرة، واقتطع من المشهد الشعري العربي مساحة سيبدو غائماً بدونها.

من الغنائية، التي لم يخنها الشاعر يوماً، تبدأ كل المداخل لقراءة التجربة الدرويشيّة، جزئيّاً، أو كليّاً. إذا كانت قراءة تتوخى الموضوعيّة، ويسكنها الهمّ الجمالي والمعرفي. تلك الغنائية التي جعلت من الكل المتنوّع، ثقافياً، وعمرياً، أو أغلبه، يقرأ محمود درويش ويُحبّه، وبها تسيّد المدرّجات كشاعر أول، لدرجة أسمح بها لنفسي أن أضع مناسباته الشعرية على خط التقابل مع مباريات كرة القدم. ليس لأن بعضها تم في ذات الملاعب، أو في صالات الألعاب الأخرى، بل لأن تفاعل الجمهور يعود في الحالتين إلى بواعث ومسببات متقاربة، فالتوحد الذي يصيب الحشد لا يمكن إرجاعه إلى سبب جمالي يحدث في اللحظة أبداً، إذ أن للحشد أذواق جمالية مختلفة، إنما يعود إلى نزوع احتفالي أراد درويش دوماً إثارته وتوجيهه بالموسيقى الشعرية أولاً، وبالتقطيع الذكي للنصوص، بين جمل قصيرة، وأخرى طويلة، ثانياً، وثالثاً بالمناخ الملحمي الذي لم تخرج عنه أغلبيّة النصوص في تجربته الشعرية، خاصّة مرحلتها البيروتية.

هذه الملحميّة التي لا تغيب حتى في حالة صوت الفرد الواحد، إذ تزدحم بين السطور وفي الهوامش روح الجماعة التي يتحسسها مكوّناً مكوّناً؛ هذا يعيدنا إلى الإيقاع ودوره في توحيد الخطوة، كما الشعور، والذي ظلّ صاحب « ورد أقل» أميناً له، ويقظاً في منع غيابه، ومثابراً عليه؛ ذلك أن الإيقاع هو واحد من أبرز تركات الجماعة في الذات الفردية، به يدعوها ويستعيدها، بل يعيشها، وبهذا الإيقاع يخفف من إحساسه بالوحشة والوحدة. وهذا ما يولّد شعوراً عارماً بالتآزر بين أفراد الحشد يغيّب عنهم مطلبهم الجمالي من القول مقابل متعة الاستقواء.

لقد عزّز هذه الحالة، وأكد بُعدها الصوتي، تحوّل الكثير من نصوص درويش إلى أغنيات وأناشيد عبر بعض المغنين كان أشهرهم بالطبع مارسيل خليفة، وهنا قد يقول البعض بأن هذا القول يصح على كل شعر التفعيلة، وليس على تجربة درويش وحدها، ولهذا البعض يمكن القول بأنه ما من تجربة أخرى، وهذا عائد لخصوصية التجربة الفلسطينية برمّتها، سياسياً، واجتماعيّاً، وثقافيّاً، والتي قد أسكنت روح الحشد في نصوصها كما فعل صاحب « لماذا تركت الحصان وحيداً». إذ استطاع بخبرته وبشاعريته أن يشحن المفردة بطاقة أيديولوجيّة تحوّلها إلى أيقونة ٍ، أو كيان رمزي، ولا يغيب هذا حتى عن نصوصه التي تكون المرأة حاضرة فيها بقوّة (بين ريتا وعيوني بندقيّة/ والذي يعرف ريتا ينحني/ ويصلي لإلهٍ في العيون العسليّة) وهذا ما يجعلنا نفتقد، حتى في حمّى الحميمية، للمرأة ككائن خالص الأنوثة أو النسوية، وربما شكّل هذا الاشتباه الدائم واحدة من سمات النص الدرويشي، الذي لا يخص المرأة وحدها، بقدر ما يخص اللحظة الفلسطينية، بكل منعرجاتها، والتباسها، منذ قيام ما يسمى بدولة إسرائيل.

الجوهر الفلسطيني
في العودة إلى التماهي الذي يمارسه الجمهور مع فريقهم المُفضّل، أو مع لاعب بعينه من الفريق، والذي يكسبهم الشعور بالانتصار، أو بالهزيمة التي لن تحدث لهم بهذا الإجماع في حالة أخرى، فسوف نجد في تجسده في العلاقة الجماهيرية مع النص الدرويشي الذي لطالما عاشت الحشود نصرها الزائف بصوت محمود المُستفز والمُرتعش؛ ولأنه النص الذي يشكّل الوحدة الجزئية في بناء المُقابل البلاغي المُقاوم للهزيمة، فقد اكتملت التجربة كمحاولة ٍ بلاغيّة ٍ لمنع الانهيار؛ وهذا ما حدث دوماً بالتوازي مع كل انهيار لنمط سياسي، أو اجتماعي على مرّ التاريخ.

هذا النص شأن مُقابله، وشأن أي مسير ٍ طويل؛ مُشبع باختلاف السويات وبتباينها، ولا يكفّ عن التأرجح والتذبذب بين الذرى والمنخفضات، جماليّاً وشعوريّاً؛ ولهذا السبب، دون أن يكون الوحيد، نجد بأن نص درويش لا يصمد طويلاً أمام الدراسة النقديّة الموضوعيّة التي تستنطق جمالياته بعيداًعن مرجعيّاته الوجدانية المُستمدة من سِفر الوجع الفلسطيني، فسرعان ما سيــتكشّف عن عاديته التي يمكن الاســتدلال عليها من انعدام دوره في إحداث الإضافة الجمالــية كمؤثر على الاشتغال الشعري العربي، وذلك لناحية إقلاق السائد الجمالي وتهديد طمأنينته، كما فعل نص محمد الماغوط مثلاً، ونصوص كل من أدونيس وأنسي الحاج إلى حد ما. لكن هذا النص، وبالتالي التجربة؛ يكشف/ تكشف مساحات واسعــة لاشتــغال الدراسات النقدية الوجدانية المتحــيّزة، والتي تهتم بموضوع النص ومقولته، أكثر من اهتمامها بمسألة الإضافة التي يقدّمها هذا النص/ التجربة، ودرجة القلق التي تحدثها للسائد المُطمئن، لدرجة أشعرُ معها بأن سؤالاً من نمط ما الذي سيبقى من تجربة محمود درويش بعد سنوات على رحيله.

سؤالاً مشروعاً وله أسبابه وبواعثه الكثيرة؛ وهو الذي دعي دوماً، واستمرأ هذه الدعوة، بشاعر القضية الفلسطينيّة.
أن تقرأ تجــربة محمــود درويــش بعيداً عن جوهرها الفلسطيني، وهذا ما لم يجرّب أحد أن يقوم به، يبدو أمراً مُستحيلاً؛ وأن تقرأها بطريقة جــديدة ومخــتلفة، هذا يعني إعادة قراءة السِــفر الفلســطيني، بكل أبعاده وتفاصيله، كوقــائع، وسيرورات، وليس كأوهام، شــكّلت هــذه التجــربة الكثير منها.

إن السِفر الفلسطيني المُرتبك والمضطرب والمتأرجح وجد صورته البلاغية في تجربة درويش؛ ولأنها صورة بلاغيّة، أي معمار وبناء يخصّان الجانب الفني الجمالي، فقد ابتعد درويش في مسار تجربته، ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، أقول ابتــعد عن الذهــنيّة التأمــليّة، التي تناسب القراءة، أكثر مما يناسبــها الإلقاء، واعتمد في معماره على اللغة التي تحيل إلى المحسوس، تلك اللغة التي لــم تنجــح، في أكثر من موقع، بإخفاء صوت العويل الذهني.
لغة من الســهولة بمكان أن تتحول سريعاً إلى مجموعــة ٍ من الرموز والشيفرات التي باتت تشكّل العــلامة الممــيزة للظاهرة الدرويشيّة، والماركــة المُسجلة لمحمود درويش.

شاعر القضية
هل كان محمود درويش شاعراً مؤسساً، أي شاعراً مُدمّراً لأنماط ٍ سابقة ٍ، أحلَّ نموذجه محلّها؟ أم أنه بقي الظاهرة التي لها من الخصوصيّة (شاعر القضية) ما يجعلها عصيّة على المقارنة، أو حتى المجاورة، التي لا تخص الفن بحد ذاته؟ وهل كان التحشيد الذي يُحدثه محمود درويش هو من النوع الذي يقوم على أسباب جمالية، أم أنها كانت الظاهرة الصوتيّة التي كرّسها، الظاهرة الأكثر شيوعاً في الشعر العربي، والتي كان لها دوماً ما تفعله طبول الحرب؟!
أسئلة برسم الدراسات والأبحاث التي ستتصدى في المستقبل لدراسة تجربة محمود درويش الشعرية. هذه التجربة التي لم تترك الكثير من ثقل الإرث الإشكالي على الاشتغال النقدي. إذ إنها باتت تجربة مكتملة ومنتهية، ليس بموت صاحبها، بل باستنزافها لكل الطاقة الإيحائية التي توفرت في موضوعها لتنشئ نموذجها البلاغي المُقابل. وربّما لم تكن مصادفة أن عنوان المجموعة الأخيرة لمحمود درويش (لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي 2009) ويقصد حياته ـ تجربته الشعرية ـ السِفر الفلسطيني الذي يعرف بأنه وضع الحجر الأخير في معماره.

(كاتب سوري)

أيقونة الشاعر أو «مديح الوجه العالي»

XXXXXXXXXX
لوحة لعلي سلمان

بوجمعة العوفي

1 ـ
لم أسعد حتى بأن تصافحني يوما ما يده العميقة والعليمة بضوء الشعر ومداه. ذلك كان مطمحي منذ أن ارتطمت شغاف القلب والحواس الطرية للقراءة بظل هذا الرجل وصوته البهي: أن أزرع ــ وفي حضرته أو حياته ــ بعض الضوء في المدارات الشاهقة لشاعر ظل يمجد الأرض والحب وحقه في الحياة. صوتي موجود هنا بسطوة الغياب كذلك. والموت السيد وحده من أذن لهذه اللحظة أو الشهادة بأن تنوجد.

قطعا، ليست تجربة درويش الحياتية، ومساراته المضنية والفرحانة أيضا ــ في ليل الكتابة ــ أمرا مستحيلا أو مستعصيا على القبض. إذ تعمل العديد من الرؤى والمقاربات ــ في ارتباكات النقد العربي خصوصا أو قصوره ــ على تشهيق ظل الرجل عمدا كي تسقط وجهه الطفولي في الاستحالة والعدم. ومن المؤكد أيضا أن كل القراءات التي أنجزت حول درويش ــ هنا وهناك ــ لم ولن تستنفذ أبدا ممكنها التعبيري والجمالي في تجربة هذا الشاعر. ولم تتبين بعد لممكن هذه القراءات بما يكفي من القرب والضوء والعمق الكثير من الملامح الخاصة لوجه درويش العالق والمتألق في الغياب كذلك. مازالت تجربته الكبرى في الكتابة والحياة في أمس الحاجة إلى أشكال وصيغ أخرى من الحفر والتقصي والمحاورة. ليس بمبضع النقد المهووس بالمعنى، والباحث أيضا عن وجه الالتزام والقضية لدرويش فقط. بل بالممكن الإنساني والجمالي لو يصح القول؟ هذا الممكن الذي يتماهى أيضا ــ جماليا ــ بوجه الشاعر وصورته الماثلة للعين وللضوء. مطمح هذه التحويمة الخفيفة مهووس بالدلالة أكثر من هوسه بالمعنى. لكن ليس بصوت درويش المقروء والمسموع ومحموله، بل بالدليل أو السند البصري للوجه الذي جعل الصوت والقصيدة الدرويشية تنوجد.

غايتي هنا أن أقترب قليلاً من صورة الشاعر، وأحدق بالكثير من الأسئلة والدهشة والاحتمال كذلك ــ مادام درويش نفسه رجل الاحتمالات بامتياز ــ في وجه درويش الممنوح للبصر، للفن وللفوتوغرافيا تحديداً. هذا الوجه الذي أصبح (خصوصاً في الغياب) مثل صاحبه ــ في الصورة الضوئية ــ أيقونة وعلامة فارقة تشير بالكثير من الدهشة إلى الشبيه. ولو أن ما يمكن التأشير به لوجه درويش وصورته الفوتوغرافية كعلامة أيقونية: هو ما يُسعف به التعريف السائد لهذه العلامة، من حيث إنها «تمتلك ــ على حد طرح «امبرتو إيكو» أو «شارل موريس»: «بعض مظاهر الموضوع الذي تمثله»، فإن في هذا التعريف ــ بالنسبة لي ولهذه التحويمة على الأقل ما «يرضي القراءة ولا يرضي السيميولوجيا». ليست هذه المحاولة تطبيقاً صارماً لدرس السيميولوجيا في تقعيد الدلالة أو إثباتها في المنطوق البصري لوجه الشاعر، بقدر ما هي استقصاء لما يمكن أن يعنيه حضور الشاعر في الصورة. خصوصاً أن درويش رجل الصورة بامتياز: الذهني منها والمرئي. رجل بحضور فيزيقي خاص وجاذبية تزيد من تضعيف أشكال حضوره الأخرى: في النص، في القراءة وفي لحظة ارتطام جسد الشاعر ووجه بمتلقيه. الصورة هنا (صورة الشاعر) إبدال آخر لتجربته الغنية والمُفعَمة بالوسامة والفرح والشرود والتقاسيم التي عمّق الألم أخاديدها في المرحلة الناضجة من العمر. إذ يؤسس الوجه الباذخ لدرويش في الصورة ــ كما جسده الذي يشبه قشة في مهب الريح ــ لجمالية خاصة تستحق التوقف والقراءة.

ـ 2 ـ
لا نسعى هنا إلى تنزيه الوجه البشري لدرويش، ولا إلى أسطرة صورته وحصر ملامحها المتعبة في صور أو أيقونات القديسين. إذ «لم يعُد القديسون أنفسهم ــ مثلما هو معروف في إنجازات الفن المسيحي ــ يتألمون ويذرفون الدموع». يتألم درويش ويبكي. يستنشق المتعة والحزن ملء رئتيه. إن ما تدعو إليه قراءة كهذه ــ أو بالأحرى تقترحه ــ هو الاحتفاء بوجه الشاعر في القراءة بالعين. قراءة تكون فيها للصورة (صورة درويش) ــ باعتبارها أثراً جمالياً ــ كما للعين (عين المصور الفوتوغرافي والقراءة)، ذاكرتان: ذاكرة قبلية، تحتفظ بها العين والأثر معاً في لحمتهما، في زمنيتهما الخالصة، وذاكرة يؤسسها إيحائياً كل منهما (العين والأثر) لحظة اقتطاع الصورة من الزمن. نفس الإيحاء يواصل هذا الأثر إحالته على عين أخرى قارئة، تبسط دلالته أو تكثف من رمزيتها، تحرّكها في الثابت والمعتم والمنسي، تغلقها أو تفتحها أيضاً على المدهش واللامتوقع واللامفكر فيه. من ثم، تستيقظ ذاكرة العين والأثر فقط، حين تباشرهما القراءة. ومن ثم تنهض أسئلة الشاعر ووجهه في الصورة، ومسألة التلاقحات الدلالية كذلك، باعتبار الصورة الفوتوغرافية نصاً تصويرياً Texte Pictural أو نصاً فوتوغرافياً Photographique Texte بامتياز. بين عيون ثلاثة مقترحة، متنازعة القصدية في توصيف وجه درويش وقراءته. بين عين ناسخة، عين قاطعة، وعين متعالية، يكمن رهان الأثر والقراءة معاً، يتراوح تدليلهما الجمالي والشعري أساساً. فبأي العيون الثلاث سنقرأ صورة درويش؟ بها كلها، أم بعين أخرى قد تقلب صيغة هذه القراءة رأساً على عقب.

في هذه التحويمة ما يشبه نصاً موازياً أو مصاحباً لصورة درويش ووجهه، أو هويته البصرية تحديداً. ولو أن الوجه وحده ليس بالضرورة كافياً للتأشير إلى هوية ما. للجسد أيضاً (جسد الشاعر) دوره في صنع هويته. والهوية «إبداع صاحبها، لا وراثة ماضٍ» على حد قول درويش نفسه في آخر المطاف. ووجه درويش في حد ذاته قصيدة بصرية. ضاجة بالمعاني والانزياحات. عمل الشاعر بالكثير من الذوق والوعي والعشق والمكابدة على نحت ملامحه وظلاله اليانعة، ليصبح دالاً ومدلولاً، علامة ومؤشراً في الوقت نفسه. رمزاً لقضية ولشعب بأكمله. شامخ مثل سروة وجميل مثل زهرة غاردينيا. هذه التحويمة حاشية تحاول أن تستقصي أو تشيد باللغة ما ليس منجزاً باللغة. إنها نوع من «الترسيخ» أو «الإيحاء» البارطي (نسبة إلى رولان بارت) للعلامة والأيقونة والدليل البصري. ولو أن الصورة الفوتوغرافية ــ بشكل عام ــ «قد ترغب أشد الرغبة في تضخيم نفسها، وأن تكون راسخة أكثر، ونبيلة مثل دليل: الأمر الذي يسمح بكرامة ككرامة اللغة» بتعبير رولان بارت نفسه.

ـ 3 ـ
لنشغل عين الأسئلة قليلاً. علّها تُسعفنا ببعض التأملات، وليس ببعض الأجوبة. باعتبار السؤال هو «رغبة الفكر» أيضا ًعلى حد تعبير «موريس بلانشو». لا يقيم درويش الآن ــ بصرياً ــ سوى في صورته التي أصبحت يانعة وأكثر قوة بعد الموت. تلك هي لعبة الموت أو معجزته كذلك. تجعل من رحلوا أو سقطوا في بؤرة العدم أشد حضوراً ربما في الصورة أكثر من حضورهم الواقعي؟ وتجعل ما يوجد في النسخة أو في الصورة أكثر قوة مما يوجد في الأصل. فقط لكون «الصورة هي الكائن الحي في أجود حالاته». ولكون «الصورة تحافظ على نفسها طويلاً» أكثر من الأصل: فإن «الأجسام تسقط دائماً، فيما تصعد النظائر إلى السماء». وحتما إن كانت الصورة لا تقود إلى الخلود، فإنها تضاعف من إعجابنا وحنيننا إلى الموضوع المصور أو الممثل وتزيد من إعجابنا به.

ماذا يصنع الموت بصورتنا، بوجوهنا وبأشكالنا «المجيدة» في آخر المطاف؟ ربما لا شيء سوى أنه يتلف أجسادنا العابرة والمؤقتة ليعيد خلقها وترسيخها في الصور والتماثيل والنصب، ويجعلها أكثر تجسيداً للحقيقة (ليست حقيقة الحضور، بل حقيقة الغياب) وربما أكثر بقاء أيضاً؟ ربما لا يقوم الموت ــ هنا ــ سوى بتجديد قيمتنا في الغياب، وجعل هذه القيمة أكثر جاذبية وأشدّ قابلية للحنين من غيرها في الحضور الواقعي. باعتبار «الصورة سليلاً للحنين» كذلك. وطالما نموت، فثمة أمل في أن نعود ونحيا في الصور. وربما يكون المغزى أو الحكمة في ذلك هو: أن نقبل بهذا القانون الصارم لحقيقة الموت ويقينه الذي يترجمه شرط الغياب أو المراهنة التالية: علينا أن نموت، أن نستبدل دليلنا الصوتي بدليل بصري؟ لكون الصورة ــ بشكل أو بآخر ــ هي «مدخل لأبدية ممكنة». و «مثلما اللغة تمجّد اللغة» ضمن نوع من تمركز الخطاب، فالصورة هنا أيضاً (صورة درويش) «تمجّد نفسها» وتستغيث بالفوتوغرافيا وبتقنيات التصوير كلها كي تحيا وتصبح أيقونة مقدسة في نظر معجبيه على الأقل. ثم: ألا تكون صورة درويش بهذا المعنى قلباً للمعادلة كلها ونوعاً من تأكيد لحقيقة أو إمكانية انتصار الحياة؟

بذلك أيضاً، تكون صور أو تماثيل أو النصب التذكارية لمن رحلوا هي أول ما نشيده أو نلجأ إليه لكي نحفظ أشباههم من التلف. نسجن صورة الغائب في الأيقونة كي تكون عودته بيننا دائمة ومتكرّرة. ولا حاجة للتذكير ــ هنا ــ بالعديد من الشواهد والتأملات العميقة التي ذهبت بعيداً في إضاءة بعض دلالات الصورة وربط علاقتها بالموت. الفن نفسه «يولد جنائزياً، ويبعث بعد موته بحافز من الموت». إذ «يقترح التاريخ المعيش للنوع الإنساني هذا النوع من القناعة: «في البدء كانت الصورة»، وتزكي العديد من المعتقدات والطقوس والعادات والتأملات والحضارات هذا الطرح الذي يجعل من الصورة ومما هو مرئي تمركزاً حقيقياً حول الدليل البصري. لكن دائماً بحافز من الفناء ومن الغياب. باشلار نفسه يؤكد ذلك من خلال قولته الشهيرة: «الموت أولاً وقبل كل شيء صورة، وسيظل كذلك صورة». إذ تنسجم هذه الرؤى أيضاً ــ إلى حد بعيد ــ من خلال رغبتنا الملحة في تمجيد الغياب ــ مع العديد من الأفكار التي ذهب إليها «ريجيس دوبري» في كتابه التدشيني «حياة الصورة وموتها» (ترجمة: فريد الزاهي).

ما علاقة كل هذا بدرويش ووجهه الذي أصبح ممكناً ومقيماً في الصورة فقط؟ ما معنى أن يكون للصورة ــ كدليل وكإنجاز بصري ــ هذا الدور الخاص في تعميق حضور الشاعر في الحياة حين تضاعف من درجة أيقنته في الغياب وفي الفقد؟ وما معنى أن يتحوّل وجه الشاعر في الصورة إلى دليل بصري يقود إليه؟ بمعنى أن الأمر يختلف بالنسبة لمآتي الشعراء القدامى الذين تواروا عن العين ولم يتركوا صوراً تدل عليهم، أو حتى شعراء محدثين ومعاصرين نقرأ لهم ونسمع أصواتهم، لكن لم نبصر أبداً ــ لسبب أو لآخر ــ صورهم من قبل. الصورة ــ سواء كدليل أو كعلامة ــ إن ترسخت بما يكفي في العين وفي ذاكرة البصر قد تساعد صاحبها أو مرجعها على الاحتفاظ باستمرار حياة وحضور رمزيين على الأقل في ذاكرة التلقي والمشاهدة أساساً. قد يبدو في هذا الطرح الكثير من التناقض في ما يخصّ شعراء من عيار أو قامة المتنبي مثلاً. إذ يواصل هذا الشاعر العملاق حضوره، وتتضاعف بل تتأكّد قيمته التعبيرية والجمالية من يوم لآخر في القراءة والمنجز الشعري العربي والإنساني بشكل عام، من دون حاجتنا كقراء إلى صورة المتنبي ووجهه في الدليل البصري. لكن ثمة فرق في ما ينبئ به المستقبل والحضارات المقبلة من حيث تشييدها لقداسة وجهها في الهيكل البصري وارتهانها الكلي بالصور. إذ في ظل تلاشي أو بالأحرى تراجع الدليل الصوتي وطغيان الصورة وتحوّلها إلى طوطم معاصر، قد يكون من الصعب استحضار أو تذكّر الأشياء من دون صور. وهذا ينطبق من دون شك حتى على الحضارات الراهنة أو المعاصرة. فالمتنبي نفسه أو غيره من الفاعلين في التاريخ البشري (بما في ذلك الأنبياء) ــ ولم يخضعوا لشرط الصورة واختراعها ــ وضعت لهم هذه الحضارة صوراً ووجوهاً متخيّلة، فقط لكي تؤكد صورتهم صوتهم، وتظل وجوههم حاضرة في الغياب.

ـ 4 ـ
ما الفرق إذن ــ أو ما العلاقة بالأحرى ــ بين صورة درويش وقصيدته؟ وما معنى أن يتحوّل وجه درويش إلى دليل بصري يقود إليه؟ كيف يحضر درويش ــ أو بالأحرى ــ كيف يرتّب حضور وجهه وجسده في الصورة وفي العين؟ ماذا استطاعت عين الفوتوغرافي أو الكاميرا التقاطه والقبض عليه في وجه هذا الشاعر الذي يكفي أن ترى صورته لتتذكّر قصائده وملحمة أو تراجيديا شعب بأكمله؟ ثم ألا يكون درويش ــ بهذا المعنى ــ هو الشاعر العربي الوحيد الذي تسمع قصائده بالعين؟ هذه أيضاً واحدة من فضائل الصورة أو معجزاتها. إذ استطاع هذا الشاعر أن يجعل صوته وصورته غير منفصلين بتاتاً. أي بمعنى أنك حتى حين تسمعه ــ ولو من غير مشاهدة ــ فلا مناص لك من استحضار وجهه وصورته ذات الدلالات أو الرسائل القوية: جاذبيته، وسامته، أناقته، ابتسامته، حزنه، نخوته، شروده، ذكاؤه، دلاله الخاص، نرجسيته، بساطته، تعاليه أو استعلاؤه الجميل الذي يشبه نشوة العظماء، سهوه، قسماته، أساريره، عينه الصقرية ونظرته المسهبة، الساهية، الثاقبة، المتشهّية، العاشقة، المشرعة على الحب والأرض والمتعة والألم والنشيد خلف النظارات التي لم تغيّر تقليعات الحداثة والموضة من شكلها سوى بشكل طفيف. كيف يحضر درويش في وجهه؟ وليس في صورته إن صحّ القول؟ هل هو الذي صنع بمكره الجميل وبوعي مسبق منه هذه الصورة كي نمجدها بعد رحيله، أم نحن الذين نتوهّم أو نُصرّ على أن يكون وجه درويش في الصورة أثراً فنياً وإنسانياً بهذه القيمة، وفقط داخل تبجيل العين والقصيدة التي شيِّدت لهذا الوجه ــ كما التراجيديا المعاصرة لأرض فلسطين العزيزة والسليبة ــ دلالته الباذخة ورسخت سطوته في النظر؟

هناك المزيد من الأسئلة التي لا يسمح المقام ببسطها هنا. ولا أملك الآن أجوبة جاهزة لها قطعاً. هذا مطمح قراءات أخرى متأنية، مكابدة وصبورة أيضاً قد تسعف الأيام المقبلة باستجلاء مغالقها بالمزيد من الأسئلة كذلك. فقط يحلو لي ــ في نهاية هذه التحويمة المستعجلة لشكلها وغايتها ــ أن أعيد استحضار تأمل أو توصيف جميل للمفكر الفرنسي «ريجيس دوبري» في ما يخص الحضارات والثقافات المولَعة أو الشغوفة بالبصر. لم يكتب «دوبري» الفيلسوف عن درويش ولا عن صورته في ما أعلم. لكن لذلك علاقة بما أتحدّث عنه. باعتبار درويش كشاعر عربي محبّ للحياة ينتمي أيضاً إلى حضارة عريقة أفردت لمباهج العين ودلالتها الكثير من الوقت والعشق والمباحث والتدوينات. بالرغم مما فرضته أو سيّدته المتعاليات وأشكال التمركز حول الدليل الصوتي (وهذه إشكالية أو معضلة الحضارة الغربية نفسها أيضاً ــ يكفي الرجوع إلى تأملات «دريدا» بهذا الخصوص وغيرها من الإبداعات والتأملات المطمورة أو المضمرة في المتن النقدي العربي). كان درويش يعشق الشمس والبحر والجمال وصورة الحياة والسفر ــ باعتباره تمظهراً حقيقياً لبهجة العين ومتعتها ــ حد الهوس أو الجنون. فهو ــ وإن كان عربي الأصل والمولد ــ فثقافته وإبداعه لم يغفلا أبداً هذا البعد الكوني، وعشقه الخاص لكل الحضارات والثقافات. خصوصاً الثقافة الإغريقية في بعدها الفني والعقدي المفتون بتجليات العين ومباهج البصر. هي الثقافة التي يتأملها «ريجيس دوبري» كفرنسي بالكثير من الحفر ومتعة الفكر. تأكيداً فقط لقوة الدليل البصري وارتباطه بالحياة وبالموت. «تلك الثقافة المشمسة ــ كما يقول «دوبري» ــ العاشقة للحياة وللرؤية. والحياة بالنسبة للإغريقي القديم ليست كما هي لدى الفرنسي مثلاً مرتبطة بالنفس، بل بالرؤية والموت وفقدان البصر. يقول الفرنسيون عن الميت: «لفظ نفَسَه الأخير». أما الإغريقي فيقول «أطلق نظرته الأخيرة».

هذه أيضاً كانت رؤية درويش المشبعة عينه وروحه بضوء الحضارات المشمسة والفارهة. وقبل أن يغادر أو «يطلق نظرته الأخيرة» على الأصح. كان قد قال في ما يشبه التأكيد لصورته ولوجه نرسيس الجميل في الماء وفي القصيدة:
ـ «كن نرجسياً إذا لزم الأمر».
وقال:
ـ «أنا ما أنا/ وأنا آخريّ/ في ثنائية/ تناغم بين الكلام وبين الإشارة».
وقال:
ـ «أنا حبّة القمح التي ماتت/ لكي تخضرّ ثانية/ وفي موتي حياة ما».
(شاعر وناقد فني من المغرب)

غنائيةٌ متقدِّمة وقلَقٌ متأخِّر

جودت فخر الدين

عندما أقبلَ محمود درويش على الشعر، بدتْ خياراتُهُ حاضرةً أو محسومة. هكذا بدتْ في مجموعاته الأولى. موضوع القصيدة جاهز، وعناصرُ تأليفها مستمَدَّةٌ من تأثيرات ٍواضحة. وبعدما أصبح درويش شاعرَ المقاومة الفلسطينية، أو أحدَ شعرائها، راح يقاومُ لإطلاق شعره في آفاق ٍ رحبة، لا تظلُّ أسيرةَ الموضوع الواحد، ولا أسيرةَ الخيارات الفنية المحدودة. وفي المراحل الأخيرة من تجربته الحافلة، عبّرَ في كتاباته عن قلَق ٍ إزاءَ كلِّ شيء، وخصوصاً إزاء الكتابة الشعرية وتقنياتها وآفاقها.

بعد أكثر من عشر سنوات على انطلاقة الشعر العربي الحديث، أخذتْ دواوين محمود درويش تتوالى في الصدور. وقد نمّتْ بداياتُهُ عن نفحة ٍرومانسية، وعن إعجاب ٍ ببعض الشعراء العرب الكلاسيكيين من القدامى أو المعاصرين. لغةُ درويش في بداياته نحَتْ نحْو لغة نزار قباني من جهة، واحتفتْ بإيقاعات ٍ وصُوَر ٍتُحيلُ على لغة بدر شاكر السيّاب من جهة ٍثانية. لقد نمّتْ بداياتُ درويش عن تردُّد ٍحيال مشروع الحداثة الشعرية: هل يوازيه كما وازاهُ قباني، أم ينخرط فيه انخراطَ السياب؟ وفي هذا التردُّد، تكمنُ بذورُ المشروع الخاصّ لدرويش، الذي تبلورَ لاحقاً.
«خائفٌ من القمر» هي إحدى قصائد درويش في بداياته، وفيها ما يشبهُ الإحالةَ على مطلع قصيدة السيّاب «أنشودة المطر»، وفيه: «فتستفيقُ ملْءَ روحي رعشةُ البكاءْ / ونشوةٌ وحشيةٌ تعانقُ السماءْ / كنشوة الطفل إذا خاف من القمرْ». تأثيراتٌ متنوِّعةٌ كوّنتْ بدايات درويش الشعرية، وساهمتْ في تكوين صوته الخاص الذي فرضَ حضورَه القويّ، ابتداءً من أوائل السبعينيات من القرن الماضي. كان محمود درويش شاعراً غزيراً. أصدر أكثر من عشرين ديواناً.
واجتهدَ في التنويع أو التفنُّن أو التجريب في بناء قصائده، الطويلة منها والقصيرة. وأنا هنا لن أقوم باستعراض مؤلفات ٍأو مراحلَ شكَّلتْ تجربة درويش الشعرية، التي ظلَّ حتى النهاية يبذلُ جهوداً لتطويرها. وإنما سأتوقف عند التحوّل الأبرز في هذه التجربة، والذي يتمثَّلُ ـــ في نظري ـــ بالمجموعات الأربع أو الخمس الأخيرة.
توسُّعٌ في الموضوعات
من هذه المجموعات «لا تعتذر عما فعلت»، الصادرة في العام 2003، أي قبل وفاة الشاعر بخمس سنوات. وأوّل ما يطالعُنا فيها هو الرغبة في البحث عن موضوع ٍجديد، أو موضوعات ٍجديدة. والجِدّةُ هنا تُقاسُ على ما عُرِفَ به درويش من التزامه بالقضية الفلسطينية، واضطلاعه منذ بداياته بالتعبير عن معاناة الشعب الفلسطيني بمختلف جوانبها، حتى غدتْ شخصيته الشعرية جزءاً من القضية، التي حدَّدتْ لقصيدته موضوعَها.
من الواضح في هذه المجموعة، كما في غيرها من المجموعات الأخيرة، أن درويش أصبح يريد لشعره ألا يبقى مقتصِراً على موضوع ٍ واحد. وقد وجدَ في مخاطبة نفسه موضوعَه المفضَّلَ في كتابه «لا تعتذر عما فعلت».
«الآخَرُ» الذي أحبَّ درويش محاورتَه في هذا الكتاب هو «الأنا» أو «الذات». ولعلّه في ذلك قد أخذ بقول رامبو «أنا هو آخَر moi est un autre ». وإذا كان هذا التوجُّه إلى الداخل يرمي إلى مزيد ٍ من التعرُّف بالذات، فإنه من جهة ٍتعبيرٌ عن مستوىً عال ٍمن القلق، وهو من جهة ٍثانية ٍيرمي إلى مزيد ٍمن التعرُّف بالخارج (أو الآخَر).
«لا تعتذر عما فعلتَ / أقول في سرّي / أقول لآخَري الشخصيِّ: ها هي ذكرياتك كلُّها مرئيّةٌ...». ينحو محمود درويش نحو ذاته، نحو آخَره الشخصيّ، في بحثه عن موضوع ٍجديد. إلا أن الذات «الشخصية» لا يمكنُها أنْ تنفصلَ عن الذات «الجماعية». ولهذا، لا يستطيع درويش، وهو يحاورُ آخَره الشخصيّ، أن ينأى بنفسه عن هموم شعبه، فإذا بهذه الهموم تحضرُهُ تلقائياً، وإنْ كان ذلك بكيفيّة ٍ، أو بمفردات ٍ، أو بصِيَغ ٍتختلفُ بنسبة ٍ أو بأخرى عما جرى عليه في كتاباته السابقة.
«وحياتُنا هي أن نكون كما نريد / نريد أن نحيا قليلاً / لا لشيءٍ... / بل لنحترمَ القيامةَ بعد هذا الموت». أيمكن لدرويش أنْ يتأملَ في شؤون الحياة والموت بعيداً عن تفاصيل المعاناة الفلسطينية وطقوسها الفاجعة؟ إنها لعبةُ الشاعر ومغامرتُهُ في المزج بين الخاص والعام من جهة، وفي محاولته تجاوزَ الخاص إلى العام إلى الأعمّ من جهة ٍثانية.
قلقُ درويش إزاء موضوعه اقترنَ بتغييراتٍ في بنى التعبير، الصغيرة منها والكبيرة، في مستوى السطر أو الفقرة، وكذلك في مستوى القطعة أو القصيدة.
ميْلٌ إلى النثر
معظم قصائد درويش في مجموعاته الأخيرة قصيرة، لا تتعدّى الواحدةُ منها الصفحتيْن. والقِصَرُ في هذه القصائد سِمةٌ «بنيويةٌ» أو «بنائية». فالقصيدة هي عبارةٌ عن جملة ٍإيقاعية ٍواحدة، بمعنى أن القصيدة بأكملها ينبغي أنْ تُقرَأ على نحو ٍمتواصل. فالعبارات «الموزونة» لا يستقيمُ وزنُها إلا بالقراءة المتّصلة، التي لا تحفل كثيراً بالفواصل أو النقاط أو أواخر السطور. وأنا لا أدعو هنا إلى قراءة ٍ واحدة ٍ، فلكلِّ قارئ طريقتُهُ ومزاجُه. ولكنني أحسبُ أنّ هذه القصائد لا يُحْسِنُ قراءتها إلا الخبير بالأوزان الخليلية، فهو القادر على تقدير مواضع التوقّف خلال القراءة. لهذا السبب، قلتُ إن القصيدة هي جملةٌ «إيقاعيةٌ» واحدة، لكي أوحيَ بالفرْق بين «الوزن» و «الإيقاع» من جهة، ولكي أوحيَ بإمكانية التعدُّد في القراءات من جهة ٍثانية (أنظرْ على سبيل المثال قصيدة «السروةُ انكسرتْ» في «لا تعتذر عما فعلت»).
القوافي قليلةٌ في قصائد درويش التي أعنيها. وهذا أمرٌ ناتجٌ، في نظري، عن السمة البنائية التي أشرْتُ إليها. فالقصيدة المبنية، لكي تُقْرَأ قراءةً متّصلةً تنحو نحو التخلي عن محطّات الوقْف أو التوقّف. الفواصل والنقاط لا يبقى لها سوى وظيفة الفصْل المعنوي، أي وظيفة تحديد أواخر العبارات، من دون أن يكون في ذلك دعوةٌ إلى التوقّف أثناء القراءة. ولما كانت القوافي أشدَّ محطات الوقْف وقْعاً، فقد غابت جزئياً أو كلّياً، وذلك انسجاماً مع السمة البنائية لمعظم قصائد درويش في مجموعاته الأخيرة.
إنه ميْلٌ إلى النثر. ولكنْ، من دون تخلّ ٍعن الوزن. (في مجموعة «أثر الفراشة» توجدُ مقطوعاتٌ موزونة إلى جانب مقطوعات ٍأخرى بلا وزن). وما أقصدُهُ بميل درويش إلى النثر يشبهُ الرغبة في خفْض النبرة، وفي جعْل العبارة أكثر هدوءاً، والرؤية أكثر تبصُّراً. ويبلغُ الأمرُ أحياناً حدودَ البوح العادي، أو بالأحرى حدود القول المباشر، فيتساءل القارئ: ماذا لو كان الشاعر قد تخلّى عن الوزن؟ ماذا كان سيخسر؟ من ذلك مثلاً: «لبلادنا وهي السبيّهْ / حريّةُ الموت اشتياقاً واحتراقا / وبلادنا في ليلها الدمويّ جوهرةٌ / تشعُّ على البعيد على البعيد / تُضيء خارجَها / وأما نحن، داخلَها، فنزدادُ اختناقا».
في هذا المقطع، كما في مقاطعَ أخرى، يبدو الشعر وكأنه نثرٌ مقنّعٌ بالوزن. إذْ لا يضطلعُ الوزن ولا بعض القوافي بوظيفة ٍ جوهرية. والقارئ الذي لا خبرة له بالوزن قد يحسبُ أنّ الكلام نثريٌّ أو منثور، بل قد لا ينتبهُ إلى هذه الظاهرة «العروضية» كلِّها.
سؤال الشعر والنثر
الوزن ليس هو الفارق الحاسم بين الشعر والنثر. فالكلام الموزون قد يكون نثراً، والكلام غير الموزون قد يكون شعراً. والشعرُ كما يقولُ بعضُ المنظرين الغربيين ليس نثراً يُضافُ إليه الوزن، وإنما هو نقيضُ النثر. بكلمة ٍثانية، الشعر والنثر لهما طبيعتان متناقضتان أو متباينتان. ولكنْ يمكنُ للشعر أنْ يحتضنَ النثر، كما يمكن للنثر أن يحتضن الشعر. وقد عبّرَ عن ذلك بعضُ النقّاد العرب القدامى عندما أوضحوا أنّ القصيدة (العمودية طبعاً) لا بدَّ أنْ تحتوي على فترات ٍأو فسحات ٍنثرية (أو خطابية).
إنّ الانتقال من الكتابة الشعرية الموزونة إلى الكتابة الشعرية غير الموزونة ليس أمراً حتمياً أو تطوّراً طبيعياً، بل هما خياران فنيّان مختلفان، وكلُّ خيارٍ منهما ينبني على مزاج الكاتب وإمكاناته وثقافته. ولا أظنُّ أنّ درويش في ميْلهِ إلى النثر قد أحبَّ التخلّي عن الوزن، بل أراد استعمال الوزن على نحْو ٍيقرِّبُ كتابتَه من النثر، أو يجعلُها تحتضنُ عناصرَ أو ظواهرَ نثرية. من هذه الظواهر مثلاً اللجوءُ إلى بعض تقنيات القَصّ أو الإخبار، الإكثارُ من ضروب الحوار أو المحاورة، التدويرُ الشاملُ الذي لا تكسرُهُ علاماتُ الوقْف، الخوضُ في
التفاصيل أو اليوميّات... الخ.
خاتمة
لقد أظهرَ درويش ميْلاً إلى النثر في قصائد كثيرة من مجموعاته الأخيرة، من دون أن يتبنّى خيارَ التخلّي عن الوزن. وقد نمّتْ هذه القصائد عن مزيد ٍمن النضج والخبرة... والقلَق، وذلك على حساب الغنائية العالية التي عُرِف بها في مراحلَ سابقة. وأبرزُ ما في هذه القصائد أنها تطرحُ أسئلةً جوهريةً على الكتابة الشعرية، الموزونة منها وغير الموزونة. والطريف أنّ درويش أنجزَ ذلك من دون أنْ ينخرطَ في التنظير للشعر. لم يكنْ من المنظِّرين للحداثة الشعرية العربية، على الرغم من حضوره القويّ فيها.

السفير- 21-08-2015

عامان على رحيل محمود درويش من سيكتب سيرته بعد اكتمالها!

ابراهيم درويش

محمود درويشفي مثل هذا اليوم 9 آب (اغسطس) 2008 اسلم الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش الروح في مركز تكساس الطبي في هيوستن منهيا رحلة نصف قرن من الشعر والرحلة في الكلمات والرموز. وعندما تحضر ذكرى وفاة شاعر كبير كدرويش يعود القارئ الى اشعاره يعيد قراءتها ويبحث فيها عن معاني الوطن الذي كرس الشاعر اشعاره وحياته له، وينظر حوله كيف تتحول المشاهد والاحجار ويغيب الحضور في الغياب. كتب محمود درويش الشعر الكثير عن فلسطين واودع روحه ونفسه فيها، وبحث في الحجر والتراب والفراشة والسماء وكل ما يمت الى الوطن. ولكن درويش الذي كان حاضرا بيننا ويشغل الناس بشعره ورموزه وقدرته على مفاجأة اللغة وادهاشها لم يزل غائبا فلا يعثر الباحث في حياته الا على قراءات ومقابلات وتحليلات كتبت عنه وعن الشعر الفلسطيني المقاوم، فيما حفظ الناس اشعاره وغناها المغنون ورقص على ايقاعها الراقصون وتمثلها الطلاب في حفلاتهم السنوية واظهروا بحفظها قدرة ذاكرتهم على الاستيعاب امام اساتذتهم. لكن درويش الانسان لا نعرف عنه الا ما قاله هو درويش عن نفسه في شعره ومقابلاته وحواراته الطويلة ولا يمكن ان يقدم لنا صورة كاملة او سيرة مكتملة عن حياة شاعر قضى معنا وتعودنا على وجوده بينا لدرجة اننا لم نسأله عن خصوصياته لسبب بسيط لانه لم يبخل بالحديث الينا عن نفسه في شعره وربما لانه كان شخصا لا يحب ان يتدخل الاخرون في حياته ولا يفتح قلبه الا لمن يعرفهم. وبعيدا عن النقد والكتابة عن الشعر المقاوم وتقييم الشعراء له فليس بين ايدينا الا بعض السير القليلة التي تقدم صورة عن محمود درويش وحياته وعصره، فيما تغيب السيرة الجامعة لآراء من عاصروه وتبحث في البدايات فنحن نعرف الكثير ولا نعرف التفاصيل وهذه مهمة كاتب السيرة له ولغيره ان يجمع التفاصيل وينسج منها حكاية الشاعر وحكاية وطنه.

فرحي لا علاقة له بالفرح

اتذكر هذا في يوم وفاته وبمناسبة قراءتي لكتاب صدر العام الماضي، اشتريته واخرت قراءته مدة طويلة وبدأت بقراءته قبل فترة وهو عن الشاعر الفلسطيني المعاصر وصاحب بيع محل التذكارات في الناصرة طه محمد علي (ولد عام 1931)، وهو شاعر له حضوره في الساحة الشعرية داخل الارض المحتلة وتعنون الكاتبة للدراسة 'فرحي لا علاقة له بالفرح: حياة شاعر في القرن الفلسطيني' وهو عنوان غريب لكن له دلالاته، ان عرفنا ان الكاتبة هي ادينا هوفمان، صحافية وناقدة نشرت اعمالها في جيروزاليم بوست وواشنطن بوست وتايمز ونيشين الامريكية. والدلالة الاخرى ان الكاتبة تتساءل عن سر اختيارها لطه الذي يصف نفسه بانه 'فلاح ابن فلاح' على شعراء خرجوا عن طوق الساحة الشعرية المحلية وصاروا شعراء الوطن كله ' الذي لم يبق منه شيء' بل وشعراء معروفين في الحركة الشعرية العربية وفي حالة محمود درويش اصبح رمزا شعريا عالميا معروفا، وتجيب ان السؤال مشروع عن ضرورة كتابة قصة كاملة عن محمود درويش او سميح القاسم او توفيق زياد، ولكن طه وغيره من الشعراء موجودون على الساحة احيانا يتوافقون ويختلفون ويتعايشيون ويتنافسون ويرتبط وجودهم بوجود الاخر، وترى انها لا تفعل شيئا سوى القيام باعادة صياغة قصته وقصة قريته صفورية وضياعها ومعها ضياع فلسطين، فقصة طه محمد علي الذي سافر للندن نهاية القرن الماضي، وهو في عمر التاسعة والخمسين لحضور مؤتمر للشعر العربي والتقى فيه مع نزار قباني وبلند الحيدري وزكريا تامر، وكانت رحلته للندن بمثابة اكتشاف العرب لصوت شعري منسي كان يعمل في دكانه القريب من التاسعة صباحا حتى التاسعة. ولا يهمنا هنا ما كتب عن السيرة التي اعدتها هوفمان وهي زوجة بيتر كول الذي ترجم بعض دواوينه منها 'ليس الا' لكن ما يهم هو ان قصة طه في طرف منها تشبه قصة درويش حيث يشتركان بان عائلتيهما خرجتا الى جنوب لبنان اثناء حرب عام 1948 وعادتا 'تسربا' لان هناك حبا لدى الشاعرين لقريتهما 'البروة ' بلد درويش و'صفورية' بلد طه محمد علي. بعيدا عن الطبيعة الاحتفائية للكتاب وما كتب على غلافه الخارجي من تقريظات ومراجعات، فاللافت ان طه هو عمرا اكبر من درويش وجيله وان نشر درويش شعره في الخمسسينات من القرن الماضي فطه محمد علي لم ينشر مجموعته الاولى الا عام 1983 ثم تتابعت كتبه، وجاء انتشار وصدور اعمال طه محمد علي في وقت صار فيه درويش نجما وصوت فلسطين في العالم، وشعره مظهرا من تحولات صورتها ومصير ابنائها.

صورة الشاعر شابا

ولكن ما حفزني للعودة وذكر هذا الكتاب تحديدا في سياق الذكرى الثانية لوفاة محمود درويش، ليس ما ورد في الكتاب من اشارات كثيرة له ولاشعاره واهميته للمشهد الشعري المحلي وعلاقته بالشعر المقاوم او المعارض الرافض وكتاب الشهيد 'غسان كنفاني' عن ادب المقاومة في الارض المحتلة عام 1966، بل صورة وضعتها الكاتبة في صفحة 215 للشاعر درويش 'في شبابه' لمصور غير معروف. ويبدو فيها درويش نحيف الوجه، الوجه الذي لم تتغير ملامحه الا بقدر ما تشير اليه حالته الصحية من العافية والقلق الاتساع والنحافة- وتصفيفة شعره تشير الى زمن ثورة الشباب، فهو هو لم يتغير منذ صباه، والصورة تعود كما يبدو الى سنوات الستينات حيث لا تاريخ لها ولا اسم لمصورها. وجاءت في اطار صغير، وذكرتني بالرسم الذي رافق اول كتاب كرس لحياته وشعره وبالضرورة شعر الارض المحتلة كتبه الناقد المصري رجاء النقاش (توفي عام 2009) ويبدو ان الفنان جمال قطب، اقام صورة الغلاف على الصورة نفسها او انها جاءت تماما كما هي صورة الشاعر في حينه بعد ان قرر الاقامة في مصر عام 1971. واعلن عن عدم عودته الى الارض المحتلة، القرار الذي كان له تداعياته في الداخل والخارج، وانتقاد ودفاع وهي القصة المعروفة.

محمود درويش شاعر الارض المحتلة

وقد حفزتني الصورة للعودة للكتاب لفهم ملامح الشاعر كما وردت في كتاب النقاش. ويعترف الاخير ان لقاءه الاول مع شعر المقاومة لم يحصل الا عام 1966 عندما كان على متن طائرة في زيارة للجزائر ضمن وفد الجمهورية العربية المتحدة، وقرأ اثناء رحلة للمناطق البترولية في الطائرة قصيدة نشرت في ركن من اركان الجريدة قصيدة 'منسوبة' لشاعر من ارض فلسطين المحتلة، ويعلق ان القصيدة هزته لما فيها من صدق وجمال فني وحرارة ثورية. واشرت هنا الى شعور الناقد بالنسبة للقصيدة لانه اعتقد ان القصيدة كتبها مناضل ثوري عربي تحت اسم مستعار 'محمود درويش' يعيش متخفيا في الارض المحتلة. وبدت القصيدة له كبيان ثوري عربي هدفها 'رفع الروح المعنوية لعرب الارض المحتلة ولم يكن يتخيل النقاش في حينه وجود حركة شعرية ثورية قوية كهذه، ولعل سبب هذا الشعور هو قلة المعلومات المتوفرة عن عرب الارض المحتلة لانهم كانوا يعيشون داخل ستار حديدي، انكسر عندما احتلت اسرائيل بقية فلسطين وعندها بدا الشعراء الفلسطينيون من الجانب الاخر قادرين على مواجهة اخوانهم داخل الستار الحديدي، وعندها تعرف العالم العربي على طبيعة واصالة هذه الحركة الشعرية ورموزها القوية التي واصلت الكتابة والمقاومة داخل الارض المحتلة واختار البعض منهم مثل محمود درويش وراشد حسين الخروج ومواصلة المقاومة الشعرية كل بطريقته واسلوبه. يبدو النقاش هنا في اعتماده على الطبعة الثانية من كتابه حريصا على التأكيد على اصالة وجوهرية الحركة الشعرية فالحكم هذا ليس نابعا من تعاطفنا تعاطفه مع الشعراء الفلسطينيين هناك لكونهم تحت الحصار، ولكن لان الحركة الشعرية فاعلة وواعية واصيلة و'ناضجة' و'رائعة' كما يقول. واهمية الحركة الشعرية داخل الارض المحتلة انها تقاد من شباب موهوبين لو برزوا في مكان اخر لكان لهم شأن اخر. وكان مشروع النقاش في البداية مشروعا لالقاء الضوء على ادب الارض المحتلة بداية بمحمود درويش تتبعه محاولات اخرى عن سميح القاسم واصدقائهما في الحركة الشعرية هناك. كتاب النقاش كان رياديا من ناحية تركيزه على شخصية محورية في ادب الارض المحتلة تماما مثلما فعل الناقد احسان عباس بتجليته حركة الشعر العربية بقراءته لشعر البياتي، واهمية محاولة النقاش تنبع من انه حاول تقديم واحد من شباب الحركة الشعرية، ولم يكن الاول فقد سبقه غسان كنفاني الذي حلل وقدم ابعاد الحركة الشعرية المقاومة في كتابه الذي لا يزال مرجعا في ادب هذه الحركة على الرغم من مضي 34 عاما على صدوره. وتفترض دراسة النقاش مثل غيرها من الدراسات عن هذا الادب ان درويش ورفاقه لم يولدوا من فراغ وانهم ورثة لحركة شعرية وادبية فلسطينية ثرية ومناضلة وهم وان كانوا منعزلين ثقافيا عن العالم العربي الا انهم استطاعوا التواصل معه عبر الاثير والتعرف على اسماء الشعر الكبيرة. ودرويش لم يكن وحيدا في الحركة بل جزءا من حركة ولهذا حرص النقاش على ربطه برفاقه في النضال من الشعراء الشباب مع التأكيد على ان صورة درويش في الطبعة الاولى تختلف قليلا عنها في الطبعة الثانية. فالاولى كانت نتاج فكرة ان درويش اسم مستعار وفي الثانية جاءت بعد ان تأكدت حقيقة وجوده بل وصوله القاهرة ليعلن للعالم كل ما يعرفه عن آلام اهل الارض المحتلة وهنا التقاه النقاش صوتا وصورة. وينشغل النقاش بقراءة ظروف اهل العرب في اسرائيل وسياسات الاخيرة القمعية، وسياساتها الدائمة لتغيير الهوية، واستبعاد العرب من السياق الاجتماعي، واللعب على تفرقة العرب بين مسلم ومسيحي ودرزي وقضايا التعليم. وتبدو المعلومات هذه ضرورية نظرا لقلتها.

كفر قاسم المدينة المقدسة

ويشير النقاش الى 'كفر قاسم' (1956) المجزرة التي يقول ان الشعراء العرب في اسرائيل حولوها الى مدينة مقدسة للكفاح والنضال ولا يكاد يوجد شاعر بينهم الا وكتب عنها قصيدة، ولم يكن درويش استثناء فقد كتب 'ازهار الدم' والتي تحولت فيها خضرة غابات الزيتون مع الغروب الى بحيرة دم بعد ان سقط بين اشجارها 'خمسون ضحية'. كفر قاسم كان الحدث الاهم في تاريخ عرب اسرائيل في الفترة ما بين النكبة والنكسة. ولكن الدفقة الشعرية التي رافقت المجزرة كانت طبيعية من شعراء الوطن المحتل فالشعراء كانوا هم نبض الثورات الفلسطينية منذ بداية القرن العشرين، وعليه لا يرى النقاش انفصالا بين حركة الشعر في سنوات الغياب وحركة الشعر النضالي الفلسطيني وقدمت شعرا كان ممتلئا بامل النصر ثم جاءت النكبة لكي تقدم شعرا يائسا مليئا بالمرارة، وهو ان قدم العذر لجيل اللجوء من الشعراء الا انه لم يشر في ظني الى ان شعراء جيل اللجوء عبروا عن مرارتهم اولا وعن صدمتهم بما حدث لهم ثانيا فهم لم يفكروا ابدا بهذا السيناريو الذي عبر عنه هارون هاشم رشيد 'لماذا.. نحن يا ابتي لماذا.. نحن اغراب؟'.

الشعر الجديد والامل

ومن بين الانقاض والنوستالجيا ومرارة اللجوء ولد الشعر الجديد او كما قال درويش نفسه 'انني ابحث في الانقاض عن ضوء وعن شعر جديد' الذي جاء كما يقول محاولة لاسترداد الذات والخروج من نفق الهزيمة مشفوعا بتطورات امل مثل الثورة المصرية وعودة الشاعر العربي الفلسطيني للتلاحم مع قضايا امته ومشاركته ادبيا في الرد على العدوان الثلاثي وهو يقول ان 1956 وان شهدت مجزرة كفر قاسم الا انه كان عام انتصار مصر على الامبريالية ومن بين الردم ولد شاعر جديد على ارض المأساة الفلسطينية شاعر لم يعد يحس انه معزول ووحيد، مشتت ومنفي بل اضحى شاعرا ينتمي الى امة استيقظت من سباتها واخذت تتبصر طريقها من داخل اليأس والهوان. لقد ولد الشعر الجديد كما يرى النقاش عام 1948 وبدأ يترك وراءه ذكريات النكبة باحثا عن امل وانتصار، واللافت انه لم يولد في مخيمات اللاجئين ولكن في قلب فلسطين النازف. وهو جيل محمود درويش وتوفيق زياد وحنا ابو حنا وسميح القاسم وهي روح لم تخمد على الاقل في زمن كتابة الكتاب على الرغم من فجيعة الانفصال عام 1961 ونكسة النكسات عام 1967. والنقاش يقول انه منذ ان ارتفع صوت محمود درويش وهو يحلق في عالم الامل والتفاؤل الثوري ولا يتردى الى قاع الهزيمة لانه بقلبه الكبير يرى عظم الالم وحقيقة المأساة، وان الظلم على الفلسطيني لا بد ان يزول. ويتساءل النقاش ان الامل الذي علا على كل الانتكاسات لا يفسره الا قانون واحد وهو تاريخي للمؤرخ توينبي 'التحدي والاستجابة'. وقصة محمود درويش دليل عملي على هذا القانون، لقد هدم اليهود بيته وقريته وسجنوه مرارا وتكرارا وهددوه بلقمة العيش عندما قال له رجل الامن انه ان استمر بكتابة الشعر فسيمنع والده سليم درويش من العمل في مقلع الحجارة، وفرضت عليه، اي محمود الاقامة الجبرية وحرم من التنقل وزيارة القدس، لكنه مثل زياد والقاسم رفضوا الاستجابة لحس اليأس والتشاؤم لان التشاؤم يقتل روح الثائر. ومن هنا يفهم الناقد النقاش عزم الشعراء وقوة الشعر المتمسك بالامل الذي ولد على انقاض النكبة مقارنة مع الهوامش اليائسة التي كتبها شعراء العرب عن نفس النكسة 'لا بد لا بد للشاعر من نخب جديد واناشيد جديدة'.

التخلص من لعنة اللاجئ والجبن الاصفر

دراسة النقاش المهمة في تطور وحياة الشاعر محمود درويش على الرغم من انها قامت على مصادر ثانوية لقاءات الشاعر بعد خروجه من فلسطين، خاصة مع مجلة الطريق محمد دكروب، واخر مع صحيفة اسرائيلية، شفع لها انها اعتمدت على شعر درويش كمصدر لتحليل رؤيته الشعرية وكتابات كنفاني ويوسف الخطيب 'ديوان الوطن المحتل' ومقالات للشاعر نفسه، وملامح درويش الشخصية اعتمدت في معظمها على مقابلتيه هاتين تحديدا: قصة تسلله من لبنان مع عمه هاربا من لعنة 'اللاجئ' والجبن الاصفر وعائدا الى فلسطين واقامته في دير الاسد وعمله في مجلة 'الجديد'، وهروبه وانضمامه للحزب الشيوعي وبداية مشواره الادبي واصداراته الاولى وسجنه الدائم، ورحلته الى موسكو للدراسة وقراره البقاء في المنفى عام 1971. ولان الكاتب يعتمد على روايات ومقابلات للشاعر وهي المقابلات التي جاءت وليدة اللحظة ونتاجا لحالة الشاعر فهناك تنوع ان لم يكن تناقضا في الروايات فهو يقول في مقابلة ان الفلسطينيين يجبرون على التعلم عن تيودور هيرتزل اكثر من تعلمهم عن محمد، والنماذج المدرسة من الاشعار هي من اشعار حاييم نحمان بياليك واكثر من اشعار المتنبي ويدرسون التوراة اكثر من دراستهم للقرآن. وفي مقابلة اخرى ينقل عنه انه تعرف على اشعار بياليك بتشجيع من المعلمة اليهودية شوشنة. مع انه لا تناقض بين ما فرضته السلطة التعليمية على العرب في فلسطين واعجاب الشاعر باشعار بياليك الذي يعتبر الشاعر القومي الاسرائيلي. الا ان هناك حاجة لتصفية المعلومات وقراءتها في ظرفها وفهمها في مرحلتها المعينة من حياة الشاعر. ويعترف النقاش في الطبعة الثانية بوجود هذا التردد في المعلومات حول مولد الشاعر فقد ذكر انه ولد عام 1941 ثم عاد وصححه الى عام 1942 وذكر ان والده سليم درويش قد استشهد اثناء الثورة وحرب عام 1948 ولكن هذا الخبر لم يكن صحيحا حيث اعتمد الكاتب على رواية نقلها عن شاب فلسطيني بعد 1967 .

تصحيح اخطاء

وحرص النقاش في الطبعة الثانية على تصحيح هذه الاغلاط، والتأكيد على لقائه بدرويش في القاهرة ووصف ملامحه النحيفة والعصبية البادية على طريقة مشيه وحبه للسهر وخجله ووفائه لاصدقائه وبساطته وحبه العميق للحياة واهتمامه باعراس بلاده وتقاليد اهله الفولكورية. دراسة النقاش جاءت شاملة ووافية لوقتها حيث حاولت قراءة شعر الشاعر في شبابه (كان درويش في الثلاثين من العمر) وملامحه الصوفية والنضالية ورموزه الدينية واحتفائه بالطبيعة وقراره الخروج للمنفى وتقييمه وضيقه وهو في الداخل بما اسماه 'الحب القاسي'. ومع فهم النقاش ان تقييم تجربة درويش في هذا العمر ستظل قاصرة ولها عيوبها الا ان نتائج الدراسة تقدم شاعرا ناضجا ومناضلا يحيا مع الجماهير. وكما تنبأ النقاش فما حققه درويش كان بداية الثمار وليس نهايتها. وهو ما حدث. ولا بد في النهاية من النظر الى ان السيرة كانت بنت ظرفها الايديولوجي وبنت اللحظة وكل هذا يدعونا للبحث عن سيرة الشاعر المكتملة والكاملة لان عام 1971 كان بداية رحلة اخرى، وان عرفنا تفاصيلها وكتبت بعض ملامحها في الشعر والمقابلة الا انها تحتاج للجمع والدراسة والحاجة اليها اكثر من الحاجة الى الجدل حول تحويل بيته في عمان او رام الله لمتحف او متحفين. نعرف ان طوقان كتبت روايته اخته 'اخي ابراهيم' فدوى طوقان ولكن من سيكتب الرواية القادمة عن الشاعر 'القومي' الفلسطيني!

8/10/2010

***

دفع نصف فواتير منزله قبل رحلته الاخيرة وأجل الباقي الى حين يعود!
نهاد الحاج محمد سائق محمود درويش لاثنتي عشرة سنة في حوار مع 'القدس العربي':

أجرى الحوار: زياد خداش

نهاد الحاج محمدبالنسبة لي من الصعب فصل ملامح وجه نهاد الحاج محمد عن ملامح محمود درويش. لم يكن نهاد مجرد سائق للشاعر العظيم، كان عنوانا من عناوينه واشارة من اشارات وجوده وتحركاته في رام الله. بلطف شديد، كان نهاد يرفع هاتفه الخلوي مجيبا على سؤال يتكرر باستمرار في نهاراته ولياليه: كيف ممكن انشوف محمود درويش؟ على مدار مراحل الحوار كان نهاد يأتي الى بيتي أنيقا معطرا تماما بشكل مبالغ فيه، وحين سألته: ما سر هذه الاناقة الزائدة؟ أجابني: ألسنا في حضرة الأستاذ؟ هو نهاد الخجول والوسيم وحافظ أسرار شخصية محمود درويش، والمصلح لكل أعطال بيته، الذكي ( كما وصفه محمود) القارىء لشعر محمود، وشعر غيره، والمتوقع لكل كلمة أو غضبة أو بسمة أو حيرة أو نأمة إحساس تصدر عن الشاعر الراحل في مواقف كثيرة، نهاد الذي وجد نفسه في منتصف ليلة 1-1-2009 بعد شهور قليلة على رحيل الشاعر، يقف بسيارته أمام بيت أحد أصدقاء محمود الذين سهر محمود في بيتهم في ليلة رأس السنة الفائتة، ( انتظرته حتى يخرج، كما أفعل تماما، لكنه لم يخرج، لأول مرة لم يكن الأستاذ دقيقا في مواعيده). بعد رحيل الاستاذ، كما يخاطبه دائما نهاد، انقلبت حياته رأسا على عقب، ما زال يعيش سؤالا كبيرا: هذا المقعد الفارغ بجانبي، هل معقول أن يبقى فارغا من الاستاذ؟ ومنذ رحيل الاستاذ توقف عن قراءة الجرائد، كل تصرفاته ما زالت محكومة برغبات الشاعر الكبير. الحوار كان متوترا جدا، كنت أعيد صياغة السؤال أكثر من مرة، وكان نهاد يجيب بشكل متدفق، ولم يكن يعرف من أين يبدأ وكيف ينتهي.ان الكلام عن محمود ليس سهلا، في رأس نهاد تلال من الذكريات والأسرار والمواقف مع الشاعر العظيم وستحتاج منا شهورا طويلة لكتابتها. نهاد وافق اخيرا على هذا الحوار وهو الأول بعد رحيل الاستاذ، وذلك وفاء ونوعا من رد بعض الجميل للاستاذ، ( انه واجبي أن أوضح لكل محبيه انسانية وطيبة وشفافية وذكاء شخصية الأستاذ). هنا حوار صاخب وعاطفي وانساني مع سائق محمود درويش فلنتابعه:

* عامان على رحيل محمود درويش. ماذا تقول في ذلك كسائق لمحمود درويش لازمه طيلة اثنتي عشرة سنة تقريباً؟

- الحديث عن الأستاذ محمود ليس سهلا، وليس في استطاعتي لملمة الكلام عند الحديث عنه، وأنت تعرف كم ترددت في الموافقة على إجراء هذا الحوار عن الأستاذ وأنا اعترف لك أني خائف الآن وينتابني شعور بخوف شديد من نسياني أصغر المواقف التي منحني إياها الأستاذ، خائف جدا من ان أبدو وكأنني أركب موجة الحزن العام على الأستاذ. حتى هذه اللحظة لا اعترف برحيله لأسباب عديدة منها: أنني تعودت على غياب الاستاذ، حيث كان دائم التنقل بين رام الله وعمان وخارجهما وأنا حتى هذه اللحظة أنتظر عودته. لا استطيع أن أسلم بواقع رحيله، يلاحقني الاستاذ محمود في المنام واليقظة، ولن أنسى لحظة مهاتفتي لأكرم هنية في المشفى بأمريكا وأخبرني أن أدعو الله معهم ليحفظ صحة الأستاذ. لحظتها تيقنت من أن الأستاذ لن يعود. في أول شهور رحيله، لم أعرف للنوم طعما، كان الخبر فظيعاً ،هل معقول أن لا أرى الأستاذ مرة أخرى؟؟ لن اعترف برحيل الاستاذ رغم أنني اعرف أنها سنة الحياة ، لكني لن اعترف أبداً، وسوف أظل في انتظاره إلى الأبد.

* حدثنا عن قصة عملك كسائق لمحمود درويش.

- كان ذلك في عام 1996 حين قرر الأستاذ محمود أن يعود إلى بلاده. كنت أعمل في مكتب وزير الثقافة آنذاك الأخ ياسر عبد ربه وقد اختارني السيد الوزير لأكون سائقاً للأستاذ محمود. وقد أبلغني الأستاذ، أن الرئيس الراحل قد صرف له سيارة مع سائق من الأمن لكن الأستاذ محمود رفض سائق الأمن، وعرض عليّ العمل لأكون سائقاً له. في البداية صعقت من هذا الاختيار، كنت فرحاً جداً وفخوراً إلى حد الذهول. سألني محمود: هل ترغب في أن تكون سائقي؟ فأجبته: لقد كنت قارئاً لشعرك وقد قرأت قصائدك في السجن وكنت أقف كلما رأيتك تلقي قصائدك في الأمسيات، وتسألني الآن: هل ترغب أن تكون سائقي؟؟. فضحك الأستاذ، وقال لي ( كمان بتعرف تحكي؟) فكانت هذه بداية العلاقة. كنت محظوظاً بالعمل معه، حدثت بعض الأخطاء في البداية بسبب عدم معرفتي بشخصيته ولأني اعمل أول مرة سائقاً بشكل عام. كان الناس يسألونني عن عملي فأجيبهم: أنا سائق الشاعر الكبير محمود درويش وهذا قمة طموحي.

* كيف كان يعاملك؟ إحك ِ لنا عن مواقف معينة.

- في آخر خمس سنوات، توطدت علاقتي مع الأستاذ محمود. كنت أشعر أن اهتمامه بي بشكل شخصي قد زاد. كان يسألني دائماً ماذا قرأت البارحة ولمن؟ وكان يسألني عن رأيي بقصائده، وكنت أجيبه. كانت هناك ثقة ومداعبات وطرائف وأسئلة شخصية. كنت دائماً أخاف من اقتحام عالم الأستاذ الشخصي، لكن دائماً كان يفتح لي الأبواب. كان مهذباً جداً معي، كنت أحياناً أخطئ في عملي ( كأن أتأخر في الحضور إليه). لم يكن يعنفني أبداً ولم يكن يرفع صوته عليّ أبداً. مرة من المرات تأخرت عليه لعدة مرات مصادفة، فقال لي بعد عدة أيام مداعبا: هناك رسالة ما تريد أن توصلها إليّ عبر تأخيراتك أليس كذلك؟ فنفيت ذلك، لكنه أصر على رأيه: هناك مطالب معينة لك تريد أن توصلها بتأخيراتك، أليس كذلك يا نهاد؟. بكل تواضع ومن دون عصبية كان يناقشني وبأسلوب فيه من الدعابة الكثير. كان كريما جدا معي، بكل النواحي، كان يصعقني بكرمه واهتمامه بوضعي المادي، أظن أن سر انسجامي مع الأستاذ محمود هو أنني استطعت حفظ أسرار شخصيته، بمعنى، كنت أعرف ما كان يحب وما كان يكره، وكنت حريصا أكثرعلى أن أكون دائما محافظا وبدقة على سلوكي وحضاريتي وعلاقتي الطيبة مع الناس وذلك خوفا من ان أسيء لمكانة وسمعة الأستاذ.

* قل لنا موقفا دافئاً لن تنساه مع محمود درويش؟

- كانت الدنيا ثلجاً في رام الله. رنّ هاتفي فإذا به الأستاذ محمود من بيته في عمان. سألني أسئلة كثيرة، وتحدثنا طويلا حول قضايا كثيرة. اكتشفت لاحقاً بعد حديث طويل أن الهدف من المكالمة كان هو أن يطمئن على أحوالي. هل لديك مدفأة؟ هل بيتك على ما يرام؟ كان يسألني بحنان غريب.
موقف آخر: حين تزوجت وكلمته بالهاتف، كان في عمان، فطلب الحديث إلى زوجتي وقال لها: ( ديري بالك على نهاد). وحين أنجبت ابنتي ياسمين كان هو في عمان. أرسل لي ( نقوطها) عبر الأستاذ ياسر عبد ربه. وحين عاد بعد عدة أسابيع لم ينس ياسمين، زرناه في بيته أنا وزوجتي وياسمين، وأهديناه علبة شوكلاته. ما زالت حتى الآن في براده. ويوم زواجي ساعدني في تكاليف العرس، وكان يفكر دائماً كيف سوف يساعدني في دفع أقساط الشقة، كنت داخليا أشعر أن الأستاذ محمود يعتبرني ابناً له.
موقف آخر لن أنساه: كان في أحد المساءات يجهز عشاءً له، فاتصل به أصدقاء ' وعزموه' على العشاء، فاضطر إلى أن يلبي الدعوة. اتصل بي، وحين وصلت، طلب مني أن أدخل. أخبرني أنه مضطر للمغادرة، ( وعزمني) على عشائه الذي كان يجهزه، كان موقفا لن أنساه.
كان الأستاذ محمود من أرق الناس في معاملته لي. حتى حين كان يريد أن يتحرك إلى مكان ما ليلاً، كان يتصل بي ويبادرني بالسؤال التالي: هل لديك مشاوير خاصة؟ هل أنت مشغول؟ هل أنت متعب؟ وذلك قبل أن يطلب مني أن أحضر وأقله إلى مكان ما. هذا الشعور الصادق استمر معي عشر سنوات.

* كيف ترى نفسك قبل محمود درويش وبعده؟

- سأكون صريحاً معك. قبل الاستاذ محمود لم أكن قارئا كما أنا الآن. لم أكن اهتم بأي شيء ثقافي. مع الأستاذ محمود، كنت اقرأ وأهتم بالحياة الثقافية. كنت أخاف من سؤال الأستاذ محمود: لمن قرأت؟ وماذا قرأت الليلة؟ كنت أحب أن أكون جديراً به، أن أنال إعجابه، أن اقترب من عالمه. في البداية كنت أقرأ كواجب، لاحقاً تعودت وصرت أقرأ كعادة واستمتاع وفهم، واكتشفت أنني أمتلك حب القراءة، وكان يسألني وأراه سعيداً بأجوبتي.

* أعطني مثالا على أسئلة محمود لك؟

- في أمسية حيفا مثلاً التي أثارت جدلاً واسعاً، سألني قبل الأمسية ما رأيك بما يحدث؟
قلت أن حيفا ستتحرر لمدة ساعتين أستاذ محمود، وسيلقى الشعر الوطني هناك، في حيفا، وكان الأستاذ محمود سعيداً جداً بإجابتي. رأيت ذلك على ملامح وجهه. بعد الأمسية حين عاد إلى رام الله بصحبة سهام داوود، منظمة الأمسية، أصر على معرفة رأيي بالأمسية. وقال لسهام: أريد أن أعرف رأي الناقد نهاد في الأمسية. فأجبته: إنها أجمل أمسية عملتها وستعملها في حياتك.

* حدثني عن آخر لحظة رأيت فيها محمود درويش قبل مغادرته رام الله إلى أمريكا؟

- قبل سفره إلى أمريكا بخمسة أشهر ( أريد أن أعود قليلا إلى الوراء) أصاب الأستاذ محمود تعب مفاجئ. كان هناك مغص شديد وإرهاق. كان الشريان قد بدأ يتوسع، فسافر إلى عمان وقابل طبيبه وعلى اثر هذه الواقعة قرر الاستاذ محمود أن يجري فحوصات لقلبه وصحته. فاتصل بطبيبه في باريس، فلم ينصحه بعمل عملية القلب، وكنت سألت الأستاذ عن صحته فأجاب: هي مجرد فحوصات وأنا لم أقرر بعد عمل العملية. أريد أن اعرف نسبة النجاح والفشل وبناء على هذه المعايير سأقرر. وكان الأستاذ محمود يخاف من مضاعفات العملية فيما لو أجراها، مثل إصابته بالغيبوبة أو الشلل. لم يكن الأستاذ يخاف الموت وقد وُصف له طبيب عراقي شهير جدا، حيث سافر إليه في هيوستن، في ولاية تكساس. آخر لحظات رأيته فيها، كانت حين أوصلته من البيت إلى المكتب بانتظار تكسي الجسر. أتذكر صوته وهو يغادر قائلا (ردا على سؤالي: عن وسيلة الاتصال به في أمريكا)، جوالي مفتوح وبإمكانك الاتصال بي.

* ماذا عن آخر أيامه في رام الله؟

- في شهر حزيران ( يونيو) 2008، كان الأستاذ محمود قد تقدم بطلب فيزا للسفر إلى أمريكا، وقد تأخرت الفيزا، كثيرا، وكان قد زار أهله لمدة يومين في قرية الجديدة، ثم سافر إلى فرنسا، حيث آخر أمسياته كانت هناك، وكانت ناجحة جداً وكان الأستاذ سعيداً بها للغاية. ثم عاد إلى رام الله حيث كانت الفيزا جاهزة. كان الأستاذ محمود يحب الفواكه الصيفية كالمشمش والعنب الخليلي، والتوت والتين. قلت له: سأحضر لك مشمشاً بلدياً وتيناً وتوتاً أبيض. كان يحب التين الناضج الحلو. وحين سافر لم يكن هناك أي هاجس لموت قادم. أعطاني نقوداً لأسدد فواتير ما، وقال لي: سنسدد باقي الفواتير بعد عودتي من أمريكا. وهذا دليل على تمسك الاستاذ بالحياة وعدم توقعه وفاته، كما قال بعض الأصدقاء. كان الأستاذ متمسكاً بالحياة حتى آخر لحظاته.

* هل كان محمود خائفاً من الموت؟

- كان الأستاذ خائفاً من الشلل، لا الموت. كان يفضل الموت على الشلل والإعاقة. المخاوف التي حسب حسابها الأستاذ محمود هي التي أدت إلى وفاته. وهي خوفه من انتشار الكوليسترول في جسمه. تواصلت معه قبل العملية بساعات عن طريق أصدقائه الأستاذ أكرم هنية والأستاذ علي حليلة، وآخر مكالمة كانت حين رد عليّ الأخ علي حليلة حيث طمأنني على نجاح عملية الأستاذ محمود. فوجئت بمكالمة ليلة الجمعة من الشاعرة سهام داوود تقول لي فيها أن الوضع خطير جداً، وكنت دائم الاتصال بجوالات المحيطين بالأستاذ. ويوم الجمعة مساء عرفت أن الوضع غاية في الخطورة. ذهبت إلى الأستاذ ياسر عبد ربه ورأيت في وجهه علامات رحيل الأستاذ. لم انتظر طويلا هناك، لم أستطع تحمل ملامح الفجيعة في وجه أبي بشار.

* صف لنا يوم محمود درويش في رام الله؟

- كان صباح الأستاذ محمود بطيئاً، كان يصحو عند التاسعة، أشتري له الجرائد وأذهب لإحضاره إلى مكتبه في مركز خليل السكاكيني، تقريباً عند الحادية عشرة صباحاً. طبيعة أيامه زمن مجلة ' الكرمل'، تختلف عمّـا بعدها. أيام ' الكرمل' كان على نحو ٍ شبه يوميّ ٍ يأتي إلى العمل وكان غداؤه شبه اليومي مع صديقه ياسر عبد ربه ( أبي بشار) ومع بعض الأصدقاء المشتركين للاثنين. وفي بعض المساءات كان الأستاذ يمارس رياضة المشي مع بعض الأصدقاء، في حي الطيرة الذي يسكنه. وكان مولعا بلعب النرد مع عدد من الأصدقاء. وكانت تمر على الأستاذ أحيانا أيام عديدة لا يخرج فيها من البيت، وحين سألته: لماذا تعتكف في البيت لأيام؟ أجابني بأنه بيتوتي، وأخبرني أنه كانت تمر عليه أسابيع في بيته في عمان لا يخرج فيها من البيت. كان يقرأ بنهم ويكتب أحيانا.

* محمود درويش كان عاشقا للقهوة كيف كنت تتعامل مع هذا العشق؟

- كنت حريصا على أن تكون القهوة دائما في بيته وبمواصفاته التي أحفظها وهي، نصف شقراء ونصف سوداء مع ( هال) ظاهر. كان الأستاذ يعشق رائحة القهوة وكان يشمها باستمتاع في السيارة وأنا أحملها، وسأروي طرفة: مرة من المرات اشتريت له القهوة، كعادتي. في اليوم الثاني سألني: هل غيرت المحل الذي تشتري منه القهوة؟ فاستغربت سؤاله وسألته لماذا؟ فأجاب أن طعم الهال قد تغير. فذهبت من فوري إلى صحاب المحل وسألته: ' هل غيرتم نوعية الهال؟' فاستغرب من سؤالي، وقال لي: لم سؤالك؟ فأجبته إن القهوة هذه هي للشاعر محمود درويش، فقال لي مصعوقا: صحيح لقد غيرنا نوع الهال البارحة.

* علاقته مع الحاسوب كيف كانت؟

- لم يكن يجيد استخدام الحاسوب، وقد أهداه مرة الأستاذ ياسر عبد ربه ( لاب توب،) وحاول الكاتب حسن خضر تعليمه لكنه لم يتكيف مع هذه الوسائل. أحيانا كنت أستخرج له من الحاسوب مواد ثقافية من مجلات أو مواقع وصحف عالمية، وكنت أيضا أحضر له ما يكتب عن شعره من مقالات وتحليلات.

* حدثنا عن ملامح الأستاذ قبل الأمسيات الشعرية بساعات؟

- في آخر أمسية له في رام الله 9/7/2008 وبينما نحن متجهون إلى قصر الثقافة - مكان الأمسية كان برفقة صديقه الراحل سهيل جدعون، وحين وصلنا قصر الثقافة كانت هناك مئات السيارات. سمعت الأستاذ محمود يقول لصديقه سهيل وكان التوتر بادياً على صوته: كل هؤلاء الناس جاؤوا لأمسيتي؟؟ فقلت له: أستاذ، هذه بداية قدوم الناس. فأجابني مداعبا: ( الله يعينهم على هاسّاعتين). وقد سألته مرة: لماذا تشرب الماء بكثرة خلال الأمسية الشعرية؟ هل هو العطش،؟ فأجابني: لا أعرف حقاً.

* ماذا تقول لأدونيس الذي قال في محمود درويش ما قال؟

- لست ناقداً ولا شاعراً ولا كاتباً ولكني مواطن عادي شاهدت إساءة الشاعر ادونيس للأستاذ، فاستغربت طروحاته، التي يقول فيها أن قضية فلسطين ساعدت محمود درويش، فأنا أدعو الشاعر ادونيس إلى أن يكتب عن فلسطين لترفع مكانته كما رفعت مكانة محمود درويش كما يدعي، ثم سنطلب من النقاد المقارنة بين قصائد الشاعرين. أظن انه يغار من الأستاذ محمود درويش بسبب أن جماهير الاستاذ محمود في كل عواصم العالم تتجاوز مئات أضعاف أهم شعراء تلك العواصم،
وأقول لأدونيس: فلنفحص هل تتفق معك جماهير الشعر في كل أنحاء العالم؟؟ أم هو رأيك وحدك، وهذا ما أظنه، فلندعُ إلى أمسيتين، واحدة لك وواحدة لصوت الأستاذ في أية مدينة تريدها، وسنرى حكم الجماهير على الأمسيتين، وأنا أرشح قصيدة واحدة تقرأ بصوت الأستاذ أمام قصائد ادونيس. القصيدة التي أرشحها هي ' السروة انكسرت'.

* علاقة الأستاذ مع المعجبين كيف كانت؟

- كان الأستاذ يكره الفضوليين جداً. كان منظماً ودقيقاً في مواعيده، ويتضايق من الذين يأتون اليه دون موعد. ويصرون على الدخول في نفس لحظة وصولهم. في الأماكن العامة، كالمطعم مثلاً، كان الناس يأتون إليه ويسلمون عليه وهو يأكل مثلاً، ويطلبون منه صوراً معه. كان يترك الأكل ويلبي طلبهم ثم يعود ثانية إلى الطعام، وكان الأستاذ مهذباً جداً وحضارياً في تعامله مع الناس. كان يمنعني من استخدام الزامور لأنبه سائقاً آخر أغلق الشارع، رغم أن الأستاذ قد يكون على عجل.

* ما قصة محمود درويش مع قيادة السيارات؟

- كان الأستاذ يخاف من سرعة السيارات، ويمتعض من السائق المتهور، ويحب السائق الهادئ والنظيف. لم يمتلك رخصة في حياته أبدا. كان شديد الانتقاد لسائقي العمومي في كل أنحاء العالم، وكان يقول لي أن سائق العمومي هو هو في كل أنحاء العالم، وأنهم يتمتعون بنفس الصفات.

* يقال أن محمود درويش كان يطهو بعض الأكلات بشكل متقن، حدثنا عن علاقته مع الطهي والطعام.

- كان الأستاذ يحب الأكل البيتي، حتى عندما كان أصدقاؤه يدعونه إلى الغداء في المطاعم كان يفضل أن يكون الغداء في البيت. غداؤه اليومي كان يتكرر على نحو شبه يوميّ ٍ وهو( ستيك العجل) مع صحن السلطة العربية أو قلاية بندورة بلحم رأس العصفور من لحم الضان. كان مولعا بالسمك، وكان يتقن أكلة الفاصولياء البيضاء، ( ويعزم) أصدقاؤه عليها باعتزاز. وكان يحب أكلة الكوارع التي كان يعدها بإتقان شديد صديقه الأخ ياسر عبد ربه، الذي كان الأستاذ يحب جدا الأكلات التي يعدها ( أبو بشار). وهناك قصة سأرويها عن السمك والأستاذ: كنت أحضر له سمك يافا الطازج من بائع سمك في رام الله، فسأل أحد الأصدقاء البائع: لماذا سمكنا يختلف عن سمك محمود درويش؟: فأجابهم: كونوا محمود درويش لأعطيكم سمك محمود درويش.

* احك ِ لنا عن أصدقاء محمود درويش؟

- ماذا تقصد بسؤالك؟ لم أفهم؟ هل تقصد الأصدقاء قبل رحيل الأستاذ أم بعد الرحيل؟ قبل الرحيل كانوا كثيرين، بعد الرحيل الأوفياء فقط بقوا أصدقاء الأستاذ، وهم يعرفون أنفسهم، وهم من رتبوا بيته حين دخل إلى رام الله للاستقرار، وهم من اهتموا بضريحه، وكل من ساهم ويساهم في إنشاء صرح الأستاذ محمود، ومن رفع الإساءة عن الأستاذ التي لحقت به عبر فاجعة نشر ديوانه الأخير، هؤلاء هم أصدقاؤه حسب وجهة نظري.
قبل رحيله كانت للأستاذ شبكة صداقات واسعة، على مستوى عربي وعالمي، من المثقفين والسياسيين ورجال الأعمال، ومنهم أصدقاء شخصيون جدا. أعطيك مثالا: في آخر سنتين، تقريبا، كان يسهر بشكل يومي عند صديقه رجل الأعمال الفلسطيني الراحل، سهيل جدعون.

* عند أي ساعة كان محمود يخلد إلى النوم؟ وما علاقته مع التلفاز؟

- لم يكن يتجاوز الثانية عشرة والنصف. كان يحب الدراما التاريخية السورية، ومباريات كرة القدم، ويشاهد بعض الأفلام الأجنبية. لم يكن الأستاذ يحب أن يرى نفسه على الشاشة. وسألته مرة: هل رأيت فيلمك الذي أخرجته معك سيمون بيطون، حيث عرض على القنوات المحلية؟ فقال لي: لا أحب مشاهدة نفسي على التلفاز.

* هل كنت تستنتج من خلال هيئة محمود درويش انه مقبل على كتابة ما ؟هل كنت تلاحظ أمارات المخاض الإبداعي في جسده وسلوكه؟

- كنت اكتشف علامات قدوم عمل شعري جديد للأستاذ من خلال أسئلته لي، إلحاحه على سؤال مثلا: هل نوّر اللوز في البلد؟ فسألته: هل من عمل جديد؟ فأجابني أنه يعمل على عمل جديد، فكان عمله الرائع ' كزهر اللوز أو ابعد'. وكان دائم السؤال عن سر اختفاء عصافير الدوري حول أشجار مكتبه في السكاكيني. كنت اعرف أن ثمة أشعارا تتكون من خلال أسئلته عن أشياء معينة. كنت اعرف انه بصدد كتابة ما. سأروي هنا حادثة طريفة: كانت مرافق بيت الأستاذ في رام الله تعاني من أعطال متزامنة في الماء والكهرباء والتدفئة والتلفاز وبعد أن أمضيت وقتاً طويلا في إصلاحها طلب مني الأستاذ محمود أن أرافقه إلى مكتبه في البيت، وهناك طلب مني أن أقوم بكتابة الشعر نيابة عنه. كان الأستاذ يضحك وهو يقول لي أنت تقوم بكل شيء نيابة عني فلم يبق سوى الشعر هيا اكتب عني ( وخلصني).

* ماذا عن مسودات قصائد محمود درويش؟ كيف كنت تتعامل معها كشخص قريب جداً من محمود؟

- كنت أرى المخطوطة الأخيرة التي تذهب لرياض الريس، مثل مخطوطة ( حالة حصار) و( في حضرة الغياب) و( أثر الفراشة)، وكان الأستاذ يطلب مني أن أصور هذه المخطوطات وكنت أرسلها أنا عبر ( ارامكس) لرياض الريس. وكان الأستاذ يحتفظ بنسخة عن المخطوطة لديه، وأتوقع انه كان يرسل معي الصورة ويبقي الأصلية لديه. لم يكن أحد على الإطلاق يرى مخطوطته الشعرية قبل أن تصبح كتاباً. وبعد صدور الكتاب كان محمود يهدي عشر نسخ تقريبا لأصحابه، وأريد هنا أن اكشف أن الأستاذ كان يكتب ثلاث نسخ من المخطوطات بمعنى ثلاث مراحل، وهذه معلومات منه، حيث وصف نفسه في حديث مع أحد أصحابه في السيارة، مرة بأنه ( نكد) في الكتابة، بمعنى انه كان يكتب مخطوطة ما، ثم يلقي بها جانباً ويبدأ في عمل آخر ثم يعود لاحقاً إلى الأولى وهكذا، ثلاث مراحل من كتابة المخطوطة: يكتب المسودة الأولى ثم يعدل عليها ثم يعدل على المعدل عليها. وهكذا تمر المخطوطة بثلاث مراحل من التعديل. في ( أثر الفراشة) كانت هناك مسودة سابقة في بيته في رام الله بعناوين مختلفة ونصوص مشطوبة، وتبين لنا أنه لم يتلف المخطوطة الثانية، هذه المسودات موجودة وتم التحفظ عليها.

* ما رأيك وموقفك من طباعة ديوان محمود درويش الأخير بعد وفاته؟

- لو كان أعضاء لجنة الأصدقاء الذين أشرفوا على طباعة عمل الأستاذ الأخير يعرفون كيف كان الأستاذ يكتب شعره لما أقدموا على خطوتهم التي أدت إلى هذا السجال. لقد أساءت طباعة هذا الديوان إلى الأستاذ بكل المعايير. صار هناك نقاد يقيمون شعر الأستاذ وهم لا علاقة لهم بالنقد. ألم يكونوا يعرفون أن هذه المخطوطة لم تكن جاهزة؟؟ لا أريد أن اشكك في نواياهم، اعتقد أنهم تصرفوا بحسن نية، لكنهم اخطأوا خطأ كبيرا، فلو كلف أحد النقاد الذين كان الأستاذ يثق بهم مثل الأستاذ صبحي حديدي، لما حدث ما حدث. فالمخطوطة الأصلية لم تصل لرياض الريس، بالمناسبة أنا الذي كنت أرسل مخطوطات الأستاذ إلى رياض الريس، وما زلت احتفظ بفواتير بريد ( ارامكس). الذي حدث على ما أظن أنهم اخطأوا، فقد فرغوا المخطوطة على الحاسوب ثم أرسلوها. لم يرسلوا الأصلية كما كان الأستاذ يفعل. تخيل كارثة أن يقوم أي شخص بتفريغ أشعار الأستاذ على الحاسوب؟؟ من يقوم بذلك عليه أن يكون شاعراً وإنساناً مؤتمناً وذكياً وحريصاً.

* هل تستطيع أن تتخيل غضب محمود لو قدر له أن يعرف ماذا حصل لأشعاره الأخيرة؟

- لم يكن الأستاذ ليسمح لأحد بأن يتدخل في عمله الشعري أبداً أبداً، كان يفصل بين عمله وحياته الاجتماعية.

* بعد رحيل الأستاذ أين أنت الآن مهنيا، وألاحظ أنك ما زلت تحتفظ بسيارة الشاعر الكبير؟

- أعمل الآن في مؤسسة محمود درويش التي تأسست بعد رحيله، وما زلت احتفظ بالسيارة، وكل شيء كان يؤمنني عليه الأستاذ ما زال معي، لأثبت لكم مجددا أن محمود درويش لم يرحل كما تعتقدون. بعد أشهر من رحيل الأستاذ انتبهت إلى أني لم أغسل السيارة، علما بأنني كنت أغسلها بشكل يومي حين يكون الأستاذ في رام الله. وقد بقيت السيارة معي بطلب من الأخ ياسر عبد ربه، حيث كنت رافضا أن أركب السيارة بعد رحيل الأستاذ، وقد أصر الأخ ياسر عبد ربه على ترك كل شيء لمحمود على حاله، حفاظا على طقوس محمود ووفاء منه إلى صديقه الأقرب إلى قلبه وبيته.

* لماذا تأخر باعتقادك بدء العمل بصرح محمود درويش حتى الآن؟

- حسب معلوماتي، واطلاعي، لكوني أعمل في المؤسسة، هناك بعض رجال الأعمال الفلسطينيين الذين تم التوجه إليهم بطلب المساهمة في إنشاء هذا الصرح الوطني الكبير، وعدوا في البدايات بمبلغ ضئيل، مقارنة برأسمالهم، وذكرت أسماؤهم في المؤتمر الصحافي، ولم يوفوا بوعودهم حتى اللحظة، وفوجئت أيضا بأن رجال أعمال فلسطينيين، لم يجلسوا في حياتهم على الإطلاق مع الأستاذ محمود قد تبرعوا من أول لحظة. إنني أغار، كمواطن فلسطيني، من رجال الأعمال اليهود في أوروبا الذين يساهمون ويتبرعون لإنشاء شارع او جامعة في إسرائيل.

* كيف كانت علاقة محمود مع الأطفال؟

- كان يحب الأطفال. في آخر سنواته كنت ألاحظ ميله لمداعبة الأطفال. الأستاذ إنساني للغاية، رقيق إلى أبعد الحدود، وحين هاتفته في أمريكا قبل العملية بساعات، قال لي: قبل أن تطمئن على صحتي، أخبرني هل ( حكت) ابنتك ياسمين أم ليس بعد؟ هل صارت تحب أن ترى نفسها في المرآة؟.

* ماذا عن مواقفه الوطنية هل كنت تناقشه فيها؟

- كان وطنياً جداً جداً وكان يتألم لسقوط الشهداء. كنت ادخل عليه في المكتب وكنت ألاحظ الألم على وجهه وهو يتصفح الجرائد. كان يقول لي: ( تصور اليوم عشر شهداء!)، وأتذكر بوضوح مقدار ألمه وحسرته على مأساة هدى غالية. وكنت اعرف انه سيكتب عنها وكتب. أسبوع كامل وهو يتحدث معي في السيارة عن هدى، وعائلتها الشهيدة كان مسكوناً بفاجعتها إلى أبعد الحدود. ومحمد الدرة أيضا، كنت اعرف انه سيكتب عن مأساته وكتب.

* كيف كانت علاقته مع أمه؟

- كان يحبها جداً لكنه كان يخجل جداً منها. كنت ألاحظ ملامحه حين يحدثني عنها حين أسأله عنها. ثمة حب واحترام ومحبة في علاقته معها. تعرفت على والدة الأستاذ في أوائل سنوات عملي. كانت تزوره في رام الله اسبوعياً مع أبنائها وأحفادها. يحضرون السمك ويتغدون معه. وأحياناً كان هو يزورهم عبر مدينة جنين. في آخر سنواته حين كان يزورها، كنت أسأله عندما يعود عن صحتها، فكان يجيبني أنها بصحة ممتازة وهي تسألني عنك لحظة وصولي إليها، وأسأله: هل ما زالت تتذكرني؟ ويجيبني أنها لا تنسى شيئا وذاكرتها حديدية، وقد زرتها بعد رحيل الاستاذ، واستقبلتني بحفاوة وطلبت مني الجلوس بجانبها، وكانت تقول لي راح راح راح الحبيب.

* هل أنت راض عن وجود ضريح محمود درويش في رام الله؟

- وجود الضريح في رام الله يسهل على الفلسطينيين الوصول إليه. محمود رمز من رموز فلسطين وفلسطين كلها تحب أن تراه وتزوره، وقد شاهدنا جنازته الضخمة التي شارك فيها الآلاف، الأمر الذي شكل حالة استثنائية لشاعر يتم الاحتفاء به شعبياً قبل رسمياً. كنت التقي بعمال تركوا أعمالهم ليشاركوا في الجنازة. التقيت بسيدة مسنة كانت تبكي على ضريحه سألتها: هل تعرفين محمود درويش شخصياً؟
أجابت أن ابنها الشهيد كان يحبه، " ألا يكفي هذا لأبكيه"؟؟

8/10/2010

***

'جماليات الموت في شعر محمود درويش' لعبدالسلام المساوي: بين الشخصيّ والعام

عبداللّطيف الوراري

شرْط أرض: لم يكُنْ محمود درويش شاعراً تحت هذه اليافطة، تبعاً لسيرورة عمله الشعري وتاريخيّته، أو كان هو نفسه يقبل بذلك بسبب التأويل السياسي المفرط لذلك العمل، إنّما هو، بالأحرى وفي نهاية التحليل، شاعرٌ إنْسانيٌّ شرط قصيدتَه ببلوغ المعنى الأرضي وممكناته المعيوشة والمتخيَّلة، وذلك عندما وتّرها بقوس المأساة الفلسطينية ومتتالياتها، ليس لأنّه عايشها من الداخل، ودفع ضريبةً باهظة ـ وإن كانت مستحَقّة حقّاً ـ من روحه وحياته، بل لأنّ تلك المأساة لم يكن لها مثيلٌ في الأرض، وبمرأى الشُّهود، من حيث الجراحات التي نزفتها، والآثار المدمِّرة التي تكبّدتْها، حتّى صارت عنواناً بازغاً لعصْـرٍ قياميٍّ أكثر ظلماً ووحشيّة.
وبسببٍ من ذلك، كانت قصيدة محمود درويش، منذ بداياتها، منصرفةً إلى شرطها الأرضي بالغ الجهامة والمفعم بالتّباريح؛ فارْتَفعت بمفردات تجربة العذاب الفلسطيني إلى مستوىً من الرمز والملحمة فادحٍ تشفُّ عنه غنائيّةٌ آسرة لذاتٍ تتخلّلها أصوات شعبٍ أُجْبر على أن يعيش الموت يوميّاً من أجل ألا تُهْدر مع الدم المسفوح كرامته وحقّه في استرداد هويّته وأرضه المغتصبة. كانت القصيدة الدّرويشية في المحكّ الصعب، تكتب شهادتها المخفورة بالاستعارات الحيّة، وتفجِّر نشيدها المتصاعد الّذي يلتقط تلك اللحظات الدمويّة ليختبر بها إمكان إنتاج حياةٍ جديدةٍ تنهض على الأبعاد الخصبة لموْتٍ حيويّ، لا هو ميتافزيقي ولا هو إيديولوجي. في مذبحةٍ، أو في منفىً، أو في عملٍ فدائيٍّ بطوليٍّ، أو في لحظة مرضٍ تشارف العدم، لم يتوانَ محمود درويش عن أن يواجه الموت بقوّةٍ وسخريّةٍ، عاملاً على الدمج الخلاّق بين ذاته ورمزيّة الأرضٍ في سياق الرؤية الفردية المدعومة بوطنيّتها وثقافتها ومعرفتها الشعرية بالمصائر والأحوال، من دون أن ينجرف وراء الخطابية والمباشرة في التعبير بدعوى الالتزام.

جماليّات موْتٍ لا يتكرّر:

لقد أحسن الناقد المغربي عبدالسلام المساوي صنيعاً عندما خصّ دراسته اللمّاحة للحديث عن ' جماليّات الموت في شعر محمود درويش' ( دار الساقي، بيروت، ط.1، 2009)، وذلك لمّا لاحظ ما ألمحنا إليه، منطلقاً من فرضيّة ' أنّ الموت الذي تردّد في معظم أعمال درويش الشعرية بأنساق وصيغ مختلفة، إفراداً وتركيباً، سيتخذ بعداً مناقضاً لمفهومه العادي باعتباره نهاية الحياة ودخول عالم الأبدية. إنّه، بعبارة أخرى، معبر ضروري في المشروع الحيوي لشعب يرفض أن يعيش مهاناً فاقداً هويّته التاريخية. وتأسيساً على ذلك، فإن الموت سيغدو استراتيجية أساسية لاسترجاع الكيان الروحي والمادي الذي تستحق به الحياة ان تُعاش'( ص.6). وقد تتبّع الناقد، بكثيرٍ من التروّي، تردُّدات ثيمة الموت وأبعادها داخل النصوص الشعرية في بنياتها النصيّة، أو في عتباتها الموازية ( العناوين، التصديرات، الإهداءات)، بدءاً من ديوانه ' أوراق الزيتون' 1964م إلى ديوانه اللافت ' حصار لمدائح البحر' 1984م، قبل أن ينشغل، أساساً، بـ ' جدارية محمود درويش' 2000 م، لما فيها من انحرافٍ ثيماتيٍّ وجماليّ وتخييليّ داخل تصوُّر الشاعر لفكرة الموت وأبعاده برُمّتها. وهو ما عزّز لدى الناقد فرضيّة القول بتأرْجُح الشاعر بين مفهومين للموت عبر مساره الإبداعي الطويل:

أ-تمجيد الموت باعتباره عرساً للشهيد، ومدخلاً لاسترجاع الأرض والهوية، فاتّخذ الموت نتيجةً لذلك مفهوماً جماعيّاً تنظر إليه الذات بوصفها جزءاً ملتحماً بالكلّ.
ب- تذويت الموت وتأمّله في سياق الرؤية الفردية المدعومة بتجربة المرض التي قرّبت الذات من مصيرها، وأتاحت لها أن تتأمل هذه اللحظة بكثيرٍ من الحكمة والتفلسف الخاص.

منذ تجاربه الشعرية الأولى، نذر الشاعر محمود درويش قصيدته للجمعيّ، مُصغياً إلى عذاباته داخل حياة المأساة التي فُرِضت عليه، وهو ما جعل طائر الموت يبسط جناحيه الثقيلين عليها. وكانت تلك التجارب تُوازي، زمنيّاً، التوجُّه الثوري في شعره، وهو ما جعل علاقة الشاعر بالموت لا تخرج عن المعاني التالية التي تفيد معنى ' القتل'، أي كفعل عنيف يُمارَس، وليس كمفهوم ميتافيزيقي سُلط على البشر من السماء، على اعتبار أنّ الإيمان العميق بأن الإقدام على الموت استشهاداً وفداءً هو الخطوة العملية التي بإمكانها أن تعيد الحق المسلوب، وبأن لا سبيل للردّ على الظالمين والمغتصبين إلا بهذه الأعمال البطولية التي يصنعها الشهداء. ومن ثمّة، قرّ في وعي الشاعر أنّ الكلمة الشعرية الوجه الثاني للسلاح الفعلي، فهي التي يمكن أن تقوم بوظيفة التنوير وتحميس الشعب على بذل النفس من أجل استرجاع أرضه وكرامته. ( ص.16 ـ 17).
و بقدرما عمل الشاعر، هنا، على النأي بنفسه عن الخوض في التأمُّلات الفلسفية للموت نظير ارتباط قصيدته بالواقع الاجتماعي والسياسي، من غير أن ترتهن به، بالقدر الذي كان ينسف فيه هيبة الموت وسلطته الميتافزيقية. وفي هذا الصدد، تحضر الأرض بصفتها رمزاً للأمومة المانحة للهويّة، التي لا يملك الأبناء إلا أن يُؤثروا موتهم الشخصي لكي تستمرّ الحياة فيها أيّاً كان مكان استشهادهم. لذلك، يشغل موضوع الاستشهاد باعتباره الموت الأسمى حيّزاً كبيراً في قصائد محمود درويش، بموازاة مع صعود حركة المقاومة الفلسطينية، ومع اقتراف آلة الكيان الصهيوني لأبشع الجرائم في حقّ الشعب الفلسطيني.
كان يرى الموت يحصد الفلسطينيّين في كل مكان، وهو ما أشعره باليأس والمرارة في سياقاتٍ من المرحلة التاريخية التي يمرّ بها هذا الشعب وكفاحه العادل، لكن غير المتكافئ. ولم يكن ذلك يعكس اغتراباً يستوطن ذات الشاعر، أو شعوراً حادّاً باليأس، بل كانت القصيدة، بشكل مقلوب، تطفح بقدْرٍ هائلٍ، ضمنيٍّ، بالأمل، لمّا كانت تختبر قدرة الموت العنيف وحدوده في إمكان إنتاج حياةٍ جديدةٍ أعنف، وذلك ضمن مسارٍ إيديولوجيٌّ يجتهد في تحويل سقوط أجساد الشهداء إلى ملحمةٍ ضاجّةٍ بالأبعاد الخصبة لذلك الموت الذي يُعدّ أساساً لتصحيح أخطاء السياسة، وترميماً لخريطة الوطن التي ظلمها التاريخ.( ص. 28).

ب.

من مديح الموت الجماعي الذي كرّسته الأعمال الشعرية السالفة، بما هو 'موت أسمى'، يتوجّه الناقد إلى بحث المفهوم الثاني للموت واختباره نصّياً وتخييليّاً من خلال ' الجدارية'، داخل ما أسماه ' الموت من المنظور الذاتي'، مُلْمحاً إلى أنّ ذلك ترافق مع الارتداد من الجماعي إلى الذاتي في ما بعد، أو على الأقلّ تقليص هامش الأول لصالح الثاني، داخل توجُّهٍ شعريٍّ كان يخضع، باستمرار، لأسبابٍ فنيّة وجماليّة. فمن هذه الأسباب ما كانت له صلة بتغيّر مفهوم الشعر لديه ووظيفته تبعاً لتغيّر إيقاع العصر، أو بالتطورات الحاصلة في المسألة الفلسطينية بعد دخول الطرفين المتحاربين في مفاوضات أوسلو وما أعقبها من اتفاقيات كانت سبباً في استقالة محمود درويش من العمل السياسي، أو تبعاً لأسباب فيزيولوجية تتعلق بصحّة الشاعر بعد أزمات قلبية عدة ألمّت به، وأخضعته لعمليات جراحية دقيقة، وجد نفسه خلالها وجهاً لوجه أمام الموت، ليكشف من خلالها قطيعةً ليس مع مفهوم الموت فحسب، بل مع مفاهيم نوعيّة تخصّ مسألة الكتابة برُمّتها.
أتت ' جدارية محمود درويش' في قلب التحوّلات وزمنها، إذن. يقول الشاعر: ' في هذه القصيدة كنت أكثر انتباهاً، أوّلاً للمسألة الوجودية وليس للمسألة الشعرية. كنت أعتقد أنني أكتب وصيّتي، وأن هذا آخر عمل شعري أكتبه. في القصيدة مناطق ميتافيزيقية، وقد حاولت أن أضع فيها كل معرفتي وأدواتي الشعرية معاً، باعتبارها معلَّـقتي'!
فعلاوةً على أنّ ' الجدارية' إمكان شعريٌّ ـ تخييليٌّ للذهاب في سؤال الموت منذ أقدم النصوص التي تحدثت عن الموت، هي أيضاً ' مواجهةٌ له بسلاح الذاكرة الحيّة التي تختزن قدراً وفيراً من الأحداث والرموز الثقافية'، وهو ما جعل الشاعر ' يفضح عُري الموت وجُبنه بالإشارة إلى كونه لا يستطيع أن ينال من ضحيّته سوى الأعضاء الهشّة، لكنّه في المقابل لا يقوى على ابتزاز حمولته الرمزية تلك التي ستمكّنه من المكوث خالداً في ملكوت الأفكار والتوهُّج الرمزي والجمالي'( ص.49) . هنا، ينتصر محمود درويش على الموت عبر رثائه والسخرية منه : 'أيها الموت كأنك المنفي بين الكائنات، ووحدك المنفي، لاتحْيَا حياتك، مَا حَيَاتُك غَيْرَ موتي'.
إن الخلفية الثقافية التي يصدر عنها الشاعر، وهو يرفع جداريّته في وجه الموت، تنسجم تماماً مع مقصديّته في الإفصاح عن تشقُّقات كينونته وأناه الغنائيّة، بعد العلم الّذي انتهى إليه في طوافّه الطويل، وفي مغامرة روحه من رحلة البحث، ناشِداً ومُنشداً. وهكذا يأتي الحديث عن الموت مشتبكاً برموز الحياة التي تُنعش ذاكرة الكائن، وتفتح فضاءها على آفاق متباينة من المعرفة كسلاح مواجهة، إلى حدٍّ أمكننا معه فهم التجلّيات الواخزة من أشكال الموت ومعانيه التي اصطرعت في وعي الذّات ومجهولها، بما في ذلك المعنى الأنطولوجي له: ' يا موت! يا ظلّي الذي، سيقودني يا ثالث الاثنين، يا لون التردد في الزمرد والزبرجد / يا دم الطاووس، يا قنّاص قلب / الذئب، يا مرض الخيال، اجلس/ على الكرسي! ضعْ أدوات صيدك / تحت نافذتي. وعلّق فوق باب/ البيت/ سلسلة المفاتيح الثقيلة! لا تحدّقْ/ يا قويُّ إلى شراييني لترصد نقطة/ الضعف الأخيرة'.

من التناصّ إلى الإيقاع:

إلى ذلك، يضعنا الناقد، في تأويله لجماليّات الموت، داخل استراتيجيّة نقديّة تستقصي أجروميات الشكل الشعري عبر عناوين فرعية، بدءاً من معجم الموت إفراداً وتركيباً، ثم التناصّ من حيث كونه دليلاً على غنى النصّ الدرويشي المتحدّر من مرجعية ثقافية وخلفية معرفية تراثية وكونية [ التناصّ الأسطوري، الديني، التاريخي، الصوفي، الأدبي والفلسفي]، فالصّورة الشعرية التي يهيمن عليها النمط الحسّي الذي يجد مبرِّره في هذا الموت اليومي الذي يُعانيه الشعب الفلسطيني في سياق ملحمته المعاصرة، وهو ما سمح بـشَخْصَنة الموت عبر تصويره داخل أوضاع مبتذلة وعادية، في محاولةٍ من الشاعر لدرء الشعور بالعبثية، ولإشباع حاجة نفسية لديه في الانتقام من موت أعمى غير مُعقْلن لا يضبط مواعيده جيّداً.
في خضمّ ذلك، تتحرّك اللُّغة الشعرية داخل مرجعيات متنوعة تعكس ركام الثقافات التي يمتحها الشاعر من أساطير وأديان وآداب، لكي يرتفع بخطاب 'الجداريّة' إلى مستوىً أنطولوجيٍّ عالٍ من مواجهة المعرفة والفنّ لتهديدات الموت، وهي' تخلق الفوضى في مفرداتها، وتعيد ترصيفها في بنياتٍ تركيبيّةٍ تجتهد في التنكيل بالموت عن طريق بناء صور متعدّدة له'[ص.115]، ممّا يحوّل مفهوم الموت من مجهوليّته الميتافزيقية إلى معلوميّة واقعية.
كما لم يغفل الناقد عن تحليل رمزية الألوان، ودلالات الزمان، ودلالات المكان في تحديد صور الموت، وفي تشكيل شعريّة 'الجدارية' تشكيلاً يُكافيء رهبة شعور الذّات أمام الموت، وفوق ذلك لذّتَها في مواجهته والتسلّي معه/به؛ لكنّه أغفل، حقّاً وبشكلٍ غير مفهوم، عن تحليل دالّ أساسي هو دالّ الإيقاع ، وإن كان يفترض سلفاً بأهمّيته إذ 'لا وجود لإيقاعٍ بلا معنى'. لقد تمظهر الإيقاع بمستوياتٍ بالغة النوعيّة، ونزعم أنّ له الأسبقيّة في فهم قطاعٍ حيويٍّ فالِتٍ من أصداء تلك ' الجداريّة' ونتوءاتها الحادّة. ذلك ما يحتاج إلى مكانٍ آخر.

***

لقد مات الشاعر عشرات المرّات، وحمل الموت في قلبه وغنائيته، حتّى تحوّل إلى طرف في معادلته الشعرية والحياتية، وجعل منه واقعاً خاصاً قلّما نجد مثيله في شعر الإنسانيّة.
ونحن نستعيدُ، بتأثُّرٍ بالغٍ، ذكرى رحيله الثانية، وبعد جوْلاتٍ من تلك المواجهة الشاقّة والشائقة التي خاضها مع الموت، يبقى من نافلة القول إنّ الشاعر محمود درويش إذا كان الأخير قد سلبه جسده الهشّ وأغمض ' عينيه عن شعلة هذا الكون'، فإنه لن يقوى، بأيّ حالٍ، أن يسلبه روحه ويطوي أجنحته العظيمة في أيّ زمان ومكانٍ، حيث سيكون الدهر، كشأن صنيعه مع عظام الأرض، من رواة قصائده العابرة للذّوات والأزمنة.

شاعر وناقد من المغرب

8/10/2010

 

***

محمود درويش والقصيدة التي لا تنتهي

د. سعيد الفـراع

الذكرة الثانية لرحيل الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش، وهي مناسبة لاستعادة دور الشعر والشاعر في سياقنا العربي، فدرويش شكل نموذجا شعريا وإنسانيا نادرا، بقدر ما كان يحرص على بناء كون شعري متفرد بلُغته وطاقاته التخييلية والفنية، كان يحرص أيضا على تأكيد أن الشعر ليس نصوصا ودواوين، بقدر ما هو رؤية وأسلوب حياة، فالشاعر الحقيقي روح ثائرة ومتوثبة نحو الحرية، ترفض الاستكانة والرضوخ لكل أشكال الاستلاب والقيود، فمهمة الشعر أن يواجه عبث الواقع'وزيفه، وتعرية جبروت السلطة وكشف فخاخها ومفارقاتها، والحفر على ضمير الإنسانية وتصوير كل أشكال التخاذل في الانتصار للمغلوبين والضعفاء والمضطهدين. فهشاشة الوجود الفلسطيني جعلت الشاعر يعيش حالة سباق دائم مع الزمن، لإثبات زيف القيم التي تحكم عالمنا المعاصر.

فقيمة العدالة والمساواة ومحاربة التمييز وغيرها من القيم، التي شكلت شعارات المنتظم الدولي لم تعرف طريقها إلى فلسطين، ولذلك كان درويش يكتب تاريخا شعريا لواقعنا المعاصر، تاريخا حقيقيا بإمكانه البقاء بعيدا عن كل أشكال التزوير والمسخ التي طالت العديد من الوقائع والأحداث. إنه تاريخ الحقيقة الذي يجد في اللغة والمتخيل والرمز والجمال، مادته لصياغة تراجيديا إنسانية على إيقاع ملحمي ينزف ألما وتمزقا.
إن إصرار محمود درويش على مقاومة المشروع الصهيوني في اغتصاب الأرض الفلسطينية، قاده إلى التنويع في أسلوب المقاومة الشعرية، فالشعر في اشتباكه مع أسئلة الوجود، يمتلك طاقات لا حدود لها تسمح بالكشف عن مآزق الإنسان في مواجهته لغربته وانشطاراته بين ثنائيات نمطية ماكرة، تسعى إلى سجن الفلسطيني في قفص البكاء على أمه الرمزية والدوران حول أسئلة الواقع اليومي الضيقة. فكانت المقاومة الشعرية سلاحا لا تقهره أفتك الأسلحة الحديدية والكيماوية، والرهان على الدور الفكري والثقافي في بناء مشاريع شعرية، تُضْمِرُ رؤى قادرة على اختراق الحواجز الذاتية والأدبية التي رسَّخها المُحتل رمزيا ولا شعوريا، مما يمنحُ فعلَ المقاومة الشعرية قدرة على التجدد وعدم الاستسلام للآني والعابر، فشعر المواجهة الذي انخرط فيه محمود درويش سيبقى مشروعا مفتوحا ولا مكتملا.

لهذا سنجد وربما من باب المصادفة المقصودة أن تكون آخر قصيدة (1) قبل رحيله الأبدي المفاجئ، موسومة بعنوان ' لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي' الزاخرة بالدلالات التي تلتقي عند الإصرار على المواجهة المفتوحة، فالشاعر كان يعرف جيدا أن الغياب الجسدي أمر حتمي لا مفر منه، فمند قصيدته ' جدارية' (2) بدأ في مواجهة سؤال الموت شعريا، بعد عمليتين جراحيتين على القلب، لهذا شكلت قصيدة ' لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي' وصية شعرية أخيرة، وصية تحمل ملامح القصيدة الحلم، التي ستظل أفقا مفتوحا إلى الأبد، تقاوم بإصرار لحظة اكتمالها.

لقد كانت مهمة درويش مهمة مزدوجة، فبقدر ما عمل على تأسيس وجوده كفلسطيني ينزع نحو تأكيد حريته وحقه في امتلاك هوية وطنية مكتملة، عمل أيضا على تشكيل ملامح القصيدة الجديدة، وهما المهمتان اللتان جعلتا قصيدته الأخيرة قصيدة حوارية بامتياز، تحاور الوجود وترتاد فضاءاته الكونية السحيقة، وتسائل الزمن كفخ يطارد قصيدة مستكينة لمنجزها، ويعبث بمواضعات الذائقة الشعرية لقرائها المتعاقبين عبر الزمن، لهذا ردد درويش في قصيدته ' إن الزمان هو الفخ... لأن الزمان يشيخ الصدى' (3).

وتكشف قصيدة ' لا أريد لهذي القصيدة أن تنهي' عن هذا المسعى، الذي يرتفد بصيغ وأشكال رمزية متعددة، تجعل من جدلية المكان والزمان عملية استبدالية، خاضعة للترهين النصي والرؤيا الشعرية للذات الشاعرة، إذ تتميز القصيدة بكثافة خيالية تجعل منها عالما خاصا يقوم على الإمكان التخييلي، ما دامت المعطيات المرجعية المباشرة التي تنهض عليها، لا تشكل سوى مادة خام يعاد تشكيلها وفق متطلبات الإجراء التخييلي، المتحكم في البنى التركيبية والأسلوبية والدلالية، مما يجعل الفضاء النصي خاضعا لمنطقه الخاص، ومولدا لدلالات تنسف المعنى المتداول وتعالقاته النسقية المختلفة.

لهذا تحيلنا القصيدة منذ افتتاحها على كثافة تخييلية، شكلت على امتداد النص أداة لحم لمختلف الأجزاء والمقاطع الممتدة عبر جسد القصيدة، والتي تتحكم فيها علاقة الصراع بين حركتين: حركة المكان بكل ما تشف عنه من نزوعات نحو الفضاءات الحميمة، التي تجعل من الموت أقل قسوة بل جسرا نحو الألفة المفتقدة في الواقع المعاش، وبحثا عن سر التناهي الذي يهدد المسار المجهول للذات. وحركة الزمان بما تحيل عليه من وقوف على تخوم النهايات، التي تجعل حركة الزمن لا ترتد في اتجاه الماضي أو المستقبل، بقدر ما تتركز حول الحاضر، الذي شكل بالنسبة للذات الشاعرة بؤرة لتفجير إمكانيات حميمية لا حدود لها. إن العالم المتخيَّل الذي تحيل عليه قصيدة ' لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي'، هو عالم الأبدية في لا نهائيته المفتوحة، فدرويش يبعث رسالة من الأبدية في اتجاه الحياة المعاصرة، وكأنه يستبق مجازيا عالمه لما بعد الموت، فيتأمل الوجود الإنساني الهش من زاوية العالم الآخر:

قلبي الجريح هو الكون
والكون قلبي الفسيح. تعالي معي
لنزور الحياة، ونذهب حيث أقمنا
خياما من السرو والخيزران على
ساحل الأبدية. إن الحياة هي اسم
كبير لنصر صغير على موتنا (4).

ومن هنا اتخذت ثنائية الزمان والمكان حيزا هاما في هذه القصيدة، فبقدر ما يبدو المكان أليفا ومفتوحا على العالم، يتخذ الزمن صورة الفخ الذي يتربص بالإنسان، بحكم قَدَرية الموت وجبروته، لهذا نجد الشاعر يعقد مصالحة مع المكان:

ليس المكان هو الفخ
ما دمت تبتسمين ولا تأبهين
بطول الطريق...
لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي أبدا
لا أريد لها أن تكون خريطة منفى
ولا بلدا (5)

فالأمكنة تبدو من خلال القصيدة فضاءات مفتوحة، لا توجد حدود دقيقة بين الحياة والموت، بين الهنا والهناك، فالشاعر يستطيع أن يشيد أمكنة متخيلة مليئة بأشيائه الحميمة:

ليس المكان هو الفخ
في وسعنا أن نقول:
لنا شارع ههنا
وبريد وبائع خبز ومغسلةٌ للثياب
وحانوت تبغ وخمر
وركن صغير
ورائحة تتذكر(6).

وبالمقابل يتخذ الزمن صورة الجبار الذي يترصد الكينونة ويجعلها مهددة بالمحو، فلا تجد الذات الشاعرة سوى الاحتماء بمسكن الشعر والذاكرة:

قال: إذن، حدثيني عن الزمن
الذهبي القديم
فهل كنت طفلا كما تدعي أمهاتي
الكثيرات ؟ هل كان وجهي دليل
الملائكة الطيبين إلى الله،
لا أتذكر... لا أتذكر أني فرحت
بغير النجاة من الموت! (7).

إنه استدعاء للحظات الطفولة التي تشكل ملاذ ذاكرة كل إنسان حين يقسو الزمن الحاضر، وتصبح الحياة صعبة خالية من الألفة، غير أن الشاعر على خلاف الآخرين لا يبدو سعيدا بطفولته الخالية من الفرح والحميمية، لهذا سنجده يتساءل:

من قال: حيث تكون الطفولةُ
تغتسل الأبدية في النهر... زرقاء ؟
فلتأخذيني إلى النهر (8).

وأمام الإحساس بهذا العجز في مواجهة الزمن وسطوته، يسعى الشاعر إلى قلب استراتيجية المواجهة عن طريق استثمار اللحظة الحاضرة، وجعلها البؤرة التي يتداخل فيها الأمس والغد:

ماذا أريد من الأمس؟ ماذا أريد من
الغد؟ ما دام لي حاضر يافع أستطيع
زيارة نفسي، ذهابا إيابا، كأني
كأني. وما دام لي حاضر أستطيع
صناعة أمسي كما أشتهي، لا كما
كان. إني كأني. وما دام لي
حاضر أستطيع اشتقاق غدي من
سماء تحن إلى الأرض ما بين
حرب وحرب (9).

إنه تفجير للآني على نحو يجعل الزمن الحاضر ملتحما بالمكان، فاللحظة الزمنية التي تنفتح عليها القصيدة في بدايتها تحيل على الشمس برمزيتها في الثبات أمام الزمن، والغوص في اتجاه الأعماق التي تمكن الذات من آليات قلب وارتداد المكان إلى حميميته، لهذا كشفت ملامح الفضاء المتخيل في القصيدة عن نزوع نحو تخوم النهايات والأبدية البيضاء، التي تحد من قسوة الألم، فالذات الشاعرة تُصر على السير في اتجاه المجهول، الذي يحيل القصيدة إلى بحث عن سر التناهي، من خلال تفجير الأسئلة وجعل الموت ممرا رمزيا من الزمني إلى اللازمني، من التناهي إلى نقيضه الأبدي. وبذلك شكلت قصيدة ' لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي' عودا أبديا وتمردا على مواضعات الزمن وإكراهاته، وجعلت من محمود درويش شاعر النهايات التي لا تنتهي.

الهوامش والإحالات:

  1. وهي عنوان الديوان الصادر في آذار ( مارس) 2009، عن دار رياض الريس للكتب والنشر، بيروت. والمنشورة في مجلة ' الكرمل' العدد 90/ ربيع 2009، من ص 9 إلى ص 22.
  2. جدارية محمود درويش، رياض الريس للكتب والنشر، الطبعة الأولى حزيران ( يونيو) 2000.
  3. قصيدة ' لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي'، مجلة ' الكرمل' العدد 90، ص 18.
  4. قصيدة ' لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي'، ص 21.
  5. نفسه ص 16.
  6. نفسه ص 13
  7. نفسه ص 10.
  8. نفسه ص 11.
  9. نفسه ص 14 ص 15.

8/10/2010

***

حاضر في القراءة

مازن معروف

سار محمود درويش في البداية بين خطين سياسيين رسما إيديولوجيا قصيدته بوضوح: المسألة الفلسطينية، وكانت وقودا خاصا لقطاره الشعري، والفكر اليساري، وكان ظاهريا كجسم غلّف قلب ذلك القطار بعناد. كان ذلك في الستينات. لكن درويش سرعان ما أدرك ضرورة إطلاق اللغة الشعرية من نافذة مختلفة، أكثر اتساعا من أي مؤقت إيديولوجي. وأتت محاولته للانزياح عن 'نظام' قصيدة التفعيلة الخطابية سياسيا آنذاك عبر ديوانه 'أحبك أو لا أحبك' (1972) من خلال القصيدة التجريبية 'سرحان يشرب القهوة في الكافتيريا'. درويش أفلح آنذاك في قراءة الشعر خارج المعطى السياسي الجاهز. لم يرد للقصيدة أن تنصاع لإغراء الفكر النضالي والانفعال والصراع، برغم كثافتها في تلك المرحلة (بين حربي 1967 و1973)، وكان هذا الأمر أولى قفزاته للعدول عن نظام قصيدته الغنائي النوستالجي الذي ظهر به مع ديواني 'أوراق الزيتون' و'عاشق من فلسطين'. استتبع محمود درويش اشتغاله على اللغة، ووضع انعطافات في منهج القصيدة مع 'مديح الظل العالي' (1982)، و'أحد عشر كوكبا' (1989) الذي كان أول المداخل للغة المختلفة التي ظهر بها منذ 'لماذا تركت الحصان وحيدا' (1995). فتح الباب على المساءلات النقدية السياسية والانسانية التي أُريد لها أن تصب داخل كادر القضية الفلسطينية، وتقاطعت لاءاته لإغراءات المنصب السياسي في منظمة التحرير الفلسطينية مع لاءاته الأخرى للنأي بفلسطين خارج التاريخ والحكاية والاسطورة. قدمية الصراع وإشكاليته ومستجداته واتسامه بالأسطورة والحضارات القديمة، لم تحل دون ابتكار الشاعر لمجازيات شعرية 'يومية' ومعاصرة، سلكت بمحاذاة ما استحضره من رموز 'كلاسيكية' في المقابل. لكن تطوير الشكل الشعري، وثراه بالرموز والتشكيلات اللغوية والمجازية، من جهة، وانبثاق القصيدة من شرارة الحالة الفلسطينية (بدل القضية الفلسطينية) من جهة أخرى، لم تشكل الكماشة التي وجب على الشعراء الشباب قراءة الأسنان الكثيفة لفكيها. بل على العكس. فصورة درويش لا تخرج أحيانا عن إطارها الشعبي كـ'شاعر القضية الفلسطينية'، وإن بمعنى تقني، أي لاستخدامه الأدوات الشعرية المحشوة في وسادة المسألة السياسية. وبالتالي، فإن أية قراءة لشعر درويش لا تنفصل عن السياسي، لتتألف بذلك الخلفية التي ينظر بها إلى هذا الشعر من شقين في الوقت نفسه: السياسي المفضي إلى الشعري، والشعري المفضي إلى السياسي. إذ يُخضع أسلوب درويش لمحاكمة أوتوماتيكية مسبقة قبل قراءته من قبل الشعراء الشباب وحتى البعض من غير الشباب. ولهذا، فإن هذا الاعتبار المحض لباب دوّار يفتح بالاتجاهين، يضيِّع فرصة تفحص شعر درويش وربطه بمحفز الكتابة من منظور الشاعر الشخصي وليس قراءته فقط كمادة مكتوبة أنجزها آخر الشعراء نجومية. درويش تجاوز صوته الاول بلا شك، إلا أنه لم يفرض على قارئه عينا جديدة، بقدر ما فرض لغة خاصة، كي لا نقول جديدة وحداثوية ومختلفة.. إلخ. كثافة اصداراته، واتجاهه اللغوي وقالب قصيدته الحكائي احيانا والذي لم يتخل فيه عن التفعيلة والإيقاع الصوتي المباشر والقافية، برغم تخفيفه للغة من الابهامات وانضوائها في الواقع وإن شكليا، ساعدت جميعها في عدم قراءته من زاوية المؤثر إيجابا، بل بقي الانفعال المتضمَّن في القصيدة، فخا لم يستطع الكثيرون من الشباب إلا الامتثال لمحاكاة مناخه في كتابتهم للشعر وكأنه قانون وليس محفزا لوعي آخر. لا قراءة إلا وتحمل معها إضافة ما وتأثيرا سواء بالمعنى المباشر أو غير المباشر، إنما هناك أحيانا قراءة شعرية فارغة، وهي القراءة المصحوبة ببوصلة توجه قارئها إلى اعتبار واحد يتيم. ليس مطلوبا من درويش أن تؤثر أدواته الشعرية لتشكيل قصيدة جديدة في جيل آخر، إلا أنه وبعد رحيله، لا نزال نقرأ تركته الشعرية بحساسية محمود درويش نفسه، ونختزنه في وعينا كتلة واحدة وفق الحساسية الخاصة تلك. هذا إما لقوة شعره الشديدة وإما لضعفنا. في الحالتين، فإننا كشعراء شباب، لم نقدم الفرصة بعد لشعر محمود درويش بأن يُقرأ بصورة تقنية، من مسافة أخرى، أبعد من هوية الشاعر التي يستبق حضورها المباشر، حضور القصيدة نفسها.

***

ذاكرة لم تحدث

فاتنة الغرة

كيف يمكن أن اكتب عنك وانت الذي كتبتنا جميعا وصرت 'لعنتنا' التي ترفرف حاضرة، هل يجب أن أكتب عن الشاعر الذي يعرفه الجميع ويتغنى بأشعاره الصغير والكبير، والذي أصاب المشهد العربي بـ'لعنة' الدرويشية وقلة من نفدوا بجلدهم منها؟ أم أكتب عما قدمت للمكتبة العربية من أعمال ستبقى تؤثر في أجيال قادمة وأعدد الدراسات التي كتبت عنك وعن شعرك وعن ذكائك الفطري في التعامل مع اللغة؟ لا.. سأكتب ذكرياتي معك.
كم كان جميلا حينما تمشينا سوية في شوارع القاهرة وحينما شربنا قهوة في مقهى صغير في شارع ابو نواس في العراق، وكم كنت طفلا وانت تتحدث عن هواجسك وهلوساتك وعن الشعر الذي يسكنك ولم تتخلص منه ولم يتخلص منك بالتالي.
كانت القهوة التي تشربها لها طقس بدائي لا بد لك من تكملته قبل تذوقها، كنت تحدثني عن ذاكرتك مع القهوة وكيف لخصتها في ذاكرة للنسيان، كيف كنت تراقب مضيفيك في بيوتهم وتترقب رائحة القهوة لتستطيع تمييز من أعدها وكيف كنت تتندر مع أصدقائك حول شخصية معدِّها وتضحك ويضحك جسدك كله حينما تثبت لهم للمرة الألف أنك كنت على حق.
قلت لك وقتها ان مديح ظلك العالي هو أول مفتتح أدخلني عالمك وقلت لي مع أنه ليس أول أعمالي ودائما ما يبتدئ الناس محادثتي عن سجل أنا عربي وأصدقك القول أني كرهتها من ورائهم، ضحكت وقلت لك بأن مديحك كان ملحمة أخذتني في عوالمها لأستكشف ذلك الطفل الذي ما زال يحن لرحيق شجر البرتقال حينما يسقط عليه ندى الصباح، هل ما زلت تحن اليه يا درويش؟ في مقهى الفيشاوي في حسين القاهرة ألححت عليّ أن اتذوق الشيشة بطعم التفاح وقلت لي أن هناك جنة مخبأة وراء أنفاسه وظللت تحدثني طوال الليل عن قصص أصدقائك الذين يؤنسون لياليك في غفلة عن البشر، عن رامبو وبودلير وعن المتنبي وامرئ القيس وعن طاغور وريلكه وايميل سيوران وعن المعري وابي نواس وعروة بن الورد، ما ان انفتحت في الحديث عنهم حتى صرت وكأنك كائن من ضوء أمامي، وكأنك تراهم وتحدثهم، تبتسم لهم وتسمعهم بعض أبياتهم، وهمست لي بأنك حاقد عليهم جميعا ثم ضحكت كما تضحك فرس على ضفة نهر، ثم بدأت تحدثني عن ديريك والكوت وكيف تلفته بنهم كطفل صغير، كمن ينفتح على الدهشة لأول مرة وحينها لم ينته الحديث حتى أعلنت أنت الضجر.
كنت تضجر من الحب كما كنت تضجر من الوقت وكما كنت تختنق ممن حولك وتتمنى لو أنك تستطيع السير في شارع عربي بلا وجوه تتلقفك بابتسامة أو بعناق أو برجاء أن تغني لهم سجل أن عربي كنت تكرهها وكانوا يحبونك من أجلها.
هل كان مقدرا لك ها الغياب ولنا هذا الحنين؟ وهل اخترت وقتك جيدا بحيث لم تترهل بيننا؟ لم يزل هناك نص لم أقرأه لك كنت على ثقة من أنه سيعجبك لكنك اخترت الرحيل وأظنك مللت منا، كنت نزقا حتى في غيابك كما كنت في حضورك، نزق يليق بالشاعر فقط وقلت لك مرة أني كرهتك عليه، لكني الآن أفهمه جيدا.
جميل أن ترحل بهذا الوداع اللبق، لم تكن من محبي الوداع وكنت تتحاشاه على الدوام وأنا هنا أكتب ذاكرة افتراضية لكنني وأنا أكتبها استنشقتها وكأنها حدثت بالفعل، أنت حيّ إذن أيها اللعين الجميل.

***

قبل دقيقتين مات محمود درويش

اسماء عزايزة

هل قلتم الذكرى الثانية لرحيله؟ الذكرى - التذكّر، تذكّر ماض! إذن، لِمَ يمشي هذا الشاعر في حاضرنا؟ رحيله - غيابه، فقده! إذن، لم يصدح صوته في آذاننا وتقتحمنا قصائده إلى الآن؟
أمامكم نص سجين، لم أشأ/أستطع أن أكتب عن 'رحيله' خلال هذين العامين، كان مشهد نواح وبكاء المثقفين مرتفع النبرة كافيًا لردعي عن ذلك. نص حبيس، وُلد لحظتئذٍ ولكنه يُكتب الآن، وكأن درويش مات قبل دقيقتين، أو أقل:

آب (أغسطس) شهر جلجامش، آ..............................

سطور قليلة كتبتها في مذكراتي بعد مرور ساعات على غيابه، هناك في الجنوب الألماني، في مدينة ريتشارد فاغنر، 'بايرويت'، الصغيرة الصامتة؛ حيث لا جنازة، لا تشييع، لا أفواه مفتوحة، لا أحداق مشرّعة على الملح والماء، لا هواتف سريعة من الأصدقاء، لا شاشات بأخبار عاجلة، ولا حتى انترنت لتتبع الأخبار والصور وفيديوهات الرثاء الحمقاء التي انهدلت على صفحات الشبكة.
وحدي، أعيد قراءة ملحمة جلجامش، في غرفة أرضية داكنة ملمومة تُفضي إلى ميدان مرصوف وبعض شجرات الظل العجوزة منحنية الظهور. بعد أن غادر الأصدقاء إلى نزهتهم، رُميت في هذه الغرفة الصامتة وبايرويت الصامتة والخبر الصامت وموته الصامت.
اشتد المساء واشتد معه هذا الصمت المدوي والممتد بلا نهاية أو حافة، حافة أصطدم بها لأدرك أن ذاك كان مجرد شائعة، أو أنني على سريري في حيفا أحلم بأن درويش مات في بايرويت ودُفن إلى جانب فاغنر في حديقته الواسعة والأنيقة. الصمت يزحف من شقوق النافذة، وطُرق جلجامش البحرية تتلوّى في رأسي، بينما يعرج إليها صوت درويش، المسرحي تارةً؛ وهو ينشد أمامي قصيدته الأخيرة في قصر رام الله، والشخصي تارةً، ذاك الخفيض المطوي بعناية وذوق شاعر، وهو يتحدث عن لقاء مرتقب مع حيفا في مكتبه في 'السكاكيني'، أو عن عاطفة قرّائه في شرفة تطل على البحر بعد أمسيته الشعرية في تموز/يوليو 2007. لحظات عُجِنت فيها يقظة 'جاهلة' لا تعرف من أين نتأ هذا 'الخبر' إليّ، وأنا لم يصلني في هذه المدينة النائية أيّ شيء يمهّد لهذا الرحيل، بنعاس يسحبني إلى أسفل، يحاول بنشاط إقناعي بالنوم وبأن نور اليوم التالي هو الذي سيصدِّق الخبر أو يكذِّبه! هي ذاتها اللحظات التي عُجن فيها جسد جلجامش الفضوليّ اللاهث وراء الخلود، بصوت درويش الذاهب نحوه، أيضًا.
أنسحب من هذه العجينة إلى الخارج، إلى الميدان المرصوف.. بايرويت مرةً أخرى، حيث لا جنازة، لا قبر، لا أخبار عاجلة، لا 'بكّائين' ولا 'نوّاحين' على تابوته. لا شيء من هذا النَدب العلني سوى بكاء بايرويت الصامت على قبر فاغنر وعلى حفرة فارغة، إلى جانبه.
جلجامش، في طريق العودة، شاهد السور العظيم الذي بناه حول 'أورك'، وأدرك أن هذا الذي سيخلّد اسمه. ودرويش، خرج من بايرويت، إلى فلسطين، هناك، وفي كل الجهات والطرق المؤدية إليها، أيضًا، سور شاهق شيّدته القصيدة.

القدس العربي
9 اغسطس 2010

***

محمود درويش يربي الأمل في البحرين

(يوم ان قلت له : لا تعتذر عما فعلت)

سيد محمود
(مصر/البحرين)

محمود درويشأنا واحد من المحظوظين أقولها هكذا بكل بساطة ، لا لشيء سوى انني التقيته مرات عديدة ، وفي أماكن مختلفة ، وفي مناسبات كثيرة واقتربت منه خلافا لغيري من أبناء جيلي من الصحفيين المصريين ، ومن بين تلك اللقاءات لا اذكر المرة الاولى التي تعرفت فيه الى شعره ، فقط اذكر اللون الوردي لغلاف الطبعة الاولى من أعماله الكاملة '' طبعة دار العودة '' التي طافت بيوتنا جميعا ، ودخلتها دونما استئذان ، ودون أن نعرف بالضبط من هو صاحبها الأصلي ولا كيف وصلت إلينا ، كانت مثل أشعاره تمضي بيننا كنسمة وتصاحبنا كأغنية طويلة ، اقرب لأغنياتنا الريفية ، التي من فرط انتماءها إلينا نجهل ملحنها ، لكننا ننام بين مفرادتها مطمئنين بألفة الأهل . لكن المؤكد أنني اذكر الآن فتنتنا بقصيدته '' سرحان لا يشرب القهوة في الكافتيريا '' كنا نقرأها بما يليق بفتية يظنون انهم قادرون على تغيير العالم بقصيدة ، وكنا كلما اقترب أكثر من ظلمة أيامنا نستأنس بمديح الظل العالي او ''هي أغنية '' وملهاة النرجس '' ،ونزحف الى القاعات التي يلقى فيها شعره قبل عاما من الآن كان درويش قليل الحضور الى القاهرة ، التي تحاول ان تستيقظ من غيبوبتها العربية ، كان مثل كثيرين من المبدعين العرب الذين شعروا ان مدينة باتساعها ضيق من تحمل أحلامهم بعروبة جديدة ، وخلال هذه الغفوة لم تكن ثمة طريقة للتواصل معه الا عبر وسطاء ، اعتبرناهم ممثلين شخصيين لجلالته ، وهنا كانت تجربة '' التعاطي مع مجلة الكرمل '' التي كانت خطوتنا الثانية لاختبار حماسنا له ، كنا نمني أنفسنا بكتابة من نوع آخر ، ولا نريد تلك الشعارات التي اطمئن اليها من ماتوا في أحضانها باليقين ، فوجدنا ''الكرمل ''معنا ، كانت كما كنا نريدها تماما ، ساطعة كشمس ، تهرب بنصوصها من ضجيج الشعار ولكنها مسكونة بألم القضية ، ودونما مزايدات تنمي وعينا بالطريق الذي مضينا اليه ، وكنا ونحن نقلب صفحاتها أشبه بأولئك الصاعدين الى جبل الدهشة ، لا نكف عن التساؤل كيف استطاع محمود درويش ان ينمي فينا هذا الخيار المنحاز تماما لصفاء الفن دون أن يعكر وعينا بالقضية وكيف يجرؤ على الهرب من '' رشوة الجمهور '' الذي يريده كما عرفه '' عاشق من فلسطين '' ؟ كبرنا وكبرت الأسئلة معنا حتى رأيته للمرة الاولى في حياتي في مسرح الجمهورية بالقاهرة والى جواره '' ياسر عرفات '' في أسبوع فلسطين ووجدت مئات الناس من حوله فخفت من هذه '' الهالة '' التي تضع صاحبها في مصاف النجوم والزعماء وظل هذا الإحساس يطاردني الى ان رتبت لي الظروف في القاهرة موعدا لمحاورته لصالح جريدة ''الحياة '' التي اعمل معها وبواسطة من زميلي نبيل درويش كبير مراسلي إذاعة مونت كارلو في الشرق الأوسط الذي وثق بي واهداني موعد مع صديقه لنشرب القهوة في الكافيتيريا ومن جديد عادت لي ذكريات '' مع سرحان '' لكن صاحب القصيدة بدا لي ،'' أبسط مما أظن '' وأظن يومها انه ارتاح لي حتى انه طلب مني مرافقته الى مبنى قناة النيل الثقافية بحي المقطم لأحضر تصوير لقاء تلفزيوني معه وفي طريق العودة حدثني عن غرامه '' برياض السنباطي ومحبته لام كلثوم التي يراها '' متنبي الغناء العربي '' يومها سجلت الكثير مما قاله لا لكي انشره وإنما لاستأنس به ، وبعد اقل من عام كنت معه في الإسكندرية ولم اصدق انني أسير الى جواره ومعنا صديقه الرائع ومعلمي الكبير صبحي حديدي نستمع اليه وهو يتحدث ببساطة لافتة عن غرامه بالمدينة وبشاعرها قنسطنطين كفافيس الذي زرنا بيته في الحي الفقير فأمطرنا صاحب '' الجدارية '' بوابل من الحكايات المدهشة التي تعكس ثقافة فريدة يندر ان تجدها في شاعر محاط بهذا الزحام ، ويوم ان التقينا للمرة الأخيرة في الشام لنؤبن صديقنا المشترك ممدوح عدوان اكتشفت فيه أمور لم أتبينها الا ونحن في حضره شاعر كبير مثل محمد الماغوط الذي بدا لنا يائسا وعبثيا للدرجة لا تحتمل لكن الى جوار سريره تستيقظ رغبة واضحة في الاحتفاء بدرويش والإعلان عن محبته ، أما درويش فقد كان خجولا كزهرة ،متواضع مثل الطبيعة ، وكلما جمعتنا جلسة لا يكف عن الاحتفاء بشاعر آخر هو احمد عبد المعطي حجازي ويدعونا للاحتفاء به كأستاذ ، وأنا أقول لنفسي هو درس آخر في التواضع .
وفي ردهة الفندق نتناول القهوة وأحدثه عن غرامي بمقاله الشهير '' القهوة مفتاح النهار '' الموجود في كتابه '' ذاكرة للنسيان وفتنتنتي بما كتب عن '' كرة القادم وعن نجمها ماردونا '' واحكي له عن جمال آخر في كتاب اداوارد جاليلنو '' كرة القدم في الشمس والظل '' فيطلب مني الكتاب ويقترح ان نخرج معا لشرائه من مكتبة قريبة ، وفي الشارع يمسك بيدي ويحكي عن حاجته للمشي في الشارع حرا '' فأكتشف انه لا يستطيع ، لأن الكثير من محبيه يتربصون به قال لي '' ها قد رأيت فقلت له '' لا تعتذر عما فعلت ''.

***

الهدهد

خيري شلبي
(مصر)

خيري شلبيطائر الهدهد الجميل يصافح الأفنان، يصبّحها بالخير، يعافيها بالعافية.. الهدهد الأشقر الشعر لا يكف عن عيادة الأغصان في شتى بقاع الأرض، يبث الأشجار شوقه العارم للحرية، ويستقي منها حميمية المواطنة.
المجد للشجر، أعظم مواطن على سطح الأرض.. والمجد للهدهد، حامل رسالة سليمان النبي.. شين.. عين.. راء.. تتكسر الشين فوق رأسه، تتفتح فى قلبه..
جدائل شقراء ناعمة، تميل فوق الجبين، تلتحم به في قبلة سرمدية خصل من القصائد الأراجيز، تعبر الجبين إلى العينين..
الجبين وردي ناعم، يشبه الصابونة اللوكس.. جبين فواح بالشذى.. يغري بالتقبيل، يوقظ - حتى في الرجال عاطفة الأمومة الفياضة..
فى عينيه أمواج البحر المتوسط.. والخليج العربي.. وبحيرة ناصر.. وبردي.. والليطاني.. ناهيك عن دجلة والفرات..
عينان من فرط ثرائهما بدتا على درجة كبيرة من التواضع.. في أعماقه البعيدة ينابيع دمع مدخر، هو دمع ليس يصلح للبكاء.. إنما يصلح لسقيا الأرض، للإرواء.. لبعث الحياة في شجيرات البرتقال، وفى السنابل، وأحمد الزعتر.
أنف هذا؟ أم هو منقار الهدهد؟ أم هو شطفة من قبة الصخرة؟ لعله جسر للعبور إلى رام الله..
أنف بارز شامخ ممتد كعنق الفرس، كمعلقة امرئ القيس، يبدو تحت المنظار الطبي العريض العدستين كممر من الحصباء يفصل بين نافذتين مفتوحتين على ستائر من المخمل..
الخد أسيل.. يعلوه سالف جميل.. الحنك عصفور يرقد فوق ذقن شامي.. في سحنه الوجه عذرية مريم.. وسماحة المسيح.. ومدائن مزهرة عامرة.. وحضارات غامرة.. وعصور قهر قاهرة... وسفائن حائرة.. وأضواء باهرة.. وقواميس ماكرة..
وجه ما أبهاه.. ما أحلاه.. ما أغناه، لكأنه الحسين بن على رضي الله عنهما، لكأنه خالد بن الوليد، هشام بن عبد الملك، يوسف الصديق، سليمان الحلبي، المهلهل سيد ربيعة، فلتتعدد الأسماء والشخصيات لكنها تجمعت في شخص واحد والاسم محمود - والأصل درويش.
هو فعلاً درويش من دراويش الشعر، من مجاذيبه، على صغر سنه بات قطباً من الأقطاب.. له مريدون وأتباع ومجاذيب يتعاهدون عهده يسيرون على دربه يتفيأون ظله الممدود.
في صوفية الشعر هناك طريقة معروفة اسمها المحمودية الدرويشية، أين منها طرائق الصوفية الدينية؟..
في حركة الشعر العربي الحديث كان محمود درويش مذاقاً جديداً تماماً، فمن بواكير الصبا كانت بداياته تنبئ عن شاعر كبير شديد الفحولة أكبر من أن يكون مجرد شاعر بين الشعراء.
لا أزال أذكر بداياته الأولى، تلك التي طالعتها في أوائل عقد الستينيات من خلال ذلك الأديب الفلسطيني الفذ، الشهيد، غسان كنفاني، أحد أهم روافد الحداثة في أدبنا العربي المعاصر، صاحب الأعمال القصصية والروائية التي ارتفعت بالقضية الفلسطينية إلى أرفع مستويات الإبداع العالمي.. كان كتابه '' أدب المقاومة في فلسطين المحتلة '' نافذة لنا علي جيل جديد هو نفس جيلنا في طبعته الفلسطينية في جحيم الاحتلال الإسرائيلي، محمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زياد وغيرهم.
كانت أشعارهم طازجة بمعنى الكلمة، فرغم أن المفردات التي نستخدمها جميعاً في مصر وسوريا واليمن والعراق والسودان ولبنان والمغرب العربي، فإنها مع ذلك تكاد تكون جديدة علينا كأننا نتعرف عليها لأول مرة، ولم يكن السر في ذلك غامضاً، فتفسيره في المثل الشعبي الدارج: من كانت يده في الماء ليس كمن يده في النار، وصحيح أننا كنا جميعاً نكتوي بنار المحنة، لكنهم كانوا يحملونها في قلوبهم.
أذكر أنني فرحت فرحاً عظيماً كأن فلسطين قد عادت إلينا، لا أنكر أنهم جميعاً قد سكنوا في وجداني رغم أن ما قرأته لهم لم يكن يتجاوز مقاطع قصيرة من قصائد مبتورة، ولكن محمود درويش كان نسيجاً وحده.
كان فيه الكثير الكثير من خصائص السنبلة.. تأكدت هذه الخصائص في القصائد التي أصبحت ترد إلينا عبر منافذ متعددة، فنتناسخها ونتناقلها فيما بيننا، ونقرأها في السر وفى العلن، بالعين تارة وبالصوت تارات.
من خصائص السنبلة في محمود درويش أن القصيدة عنده مضفورة كضفيرة السنبلة بالضبط، الحب فيها منضود في تناسق إلهي مذهل، كأنها منبر الخطابة في مسجد إسلامي مشغول بالأصداف والأرابيسك وفنون الرقش الإسلامي المبهر.
القصيدة السنبلة عند محمود درويش مبنية هكذا، الكلمة فيها تطرح آلاف الكلمات. غير المرئي فيها أضعاف المرئي، كما أن المرئي فيها ليس هو الأساس، إنما هو مجرد مفاتيح لمدائن سحرية لا حدود لاتساعها وثرائها وعمائرها وقبابها ودروبها وميادينها، حبة واحدة من السنبلة تملأ الوجدان شعراً، والكلمة عند محمود درويش ليست مما يخط على الورق، بل هي حفر بالأزميل على جدران القلوب، وضعت لتبقى راسخة كالطود، إذا أمسكنا بعتلة ومطرقة، وجعلنا ندق فوق الكلمة بكل ما فينا من قوة فلن نتمكن من تعتعتها من مكانها. فإن ثابرنا على الدق فوقها وأزحناها قليلاً فسنجد تحتها كلمة أخرى كانت تحتويها الكلمة السابقة.
هي كلمات كجلد البشر لا يتقشر إلا إذا تكونت تحت القشرة طبقة جديدة بديلة طازجة.
محمود درويش - كفؤاد حداد - كبابلو نيرودا، كلوركا، كأراجون- لا يكتب الشعر بل يتنفسه. عنده لا انفصال بين الشعر والشاعر - هو الشعر، والشعر هو يوضع في صف واحد مع أعظم شعراء المقاومة في جميع أنحاء العالم.
المقاومة هنا ليست ذلك المعنى الضيق، المحصور في مقاومة المحتل الأجنبي وأذنابه. إنما نقصد المقاومة بمعناها الواسع الغني.. إنه شعر يحقن القارئ بمصل المقاومة بإكسير القوة. مقاومة ضد عوامل الضعف والخور والهزيمة واليأس والتراخي مقاومة لا تقبل أنصاف الحلول، تعف عن المكسب الرخيص السهل، ولا ترضى بمكسب مشروط.
وأنت بعد قراءتك لمحمود درويش لابد أن تختلف عنك قبل قراءته اختلافاً كبيراً. بعد قراءته ستشعر بالعزة والسموق، ستشعر بمعنى الكرامة، بروح الإباء بالسؤدد بالارتفاع فوق صغائر الأمور ستشعر بأنك تستطيل وأن قامتك تتصاعد مع الشعر إلى ما يشبه الإسراء والمعراج، حيث سترى ما لم تكن تحلم بالسفر إليه وتشعر بما لم تكن تظن أنك قادر على الشعور به، في شعر محمود درويش تنفك عنك كل القيود إذ هو لا يحمل البعيد إليك بل يحملك إلى البعيد البعيد. ثم إنه لن يعيدك إلى سابق حالتك، لأنه يترك فيك لقاح روحه ليشحنك بطاقة تؤهلك للانطلاق إلى أفاق مترامية، حيث تشعر ربما لأول مرة في حياتك بمعنى الوطن.
الشعر هو وطن محمود درويش الحقيقي، ذلك أن الوطن قد بات شعره منذ نعومة أظافره كما يقول التعبير العربي القديم. بشعر محمود درويش ترتفع قيمة الوطن، الدليل على ذلك هو شعر محمود درويش فيه يبقى الوطن حياً إلى ما لا نهاية.
تلده القصائد كل يوم، قديماً جديداً معاً، تلده كاملاً غير منقوص تلده كبيراً متطوراً مطهراً.
وشعر محمود درويش هو التطور الأمثل للشعر العربي القديم تجد فيه الملك الضليل والنابغة، وجرير، والفرزدق وابن أبي ربيعة، وبشار ابن برد وأبا نواس، والمتنبي، والمعري، والبحتري، وابن الملوح، وابن الرومي، والحمداني، وابن زيدون، وشوقي، والرصافي، والجواهري، وعلى محمود طه، ومحمود حسن إسماعيل، تجد كل هؤلاء وغيرهم، ولكن في صورة جديدة متطورة مزودة بالثقافة الحديثة منصهرين جميعاً في بوتقة تغلي بنار المحنة اسمها محمود درويش.
هو شاعر واضح الأصول والأنساب، في شعره هويته العربية الأصيلة تتعرف فيه على آبائه وأجداده وأعمامه وأخواله.
ربما كان على رأس هذه القلة القليلة من فرسان الشعر العربي الحديث الذين نجوا من الرطانات الأجنبية فرغم استفادته من الشعر العالمي والفرنسي خاصة يظل شعره نفساً عربياً خالصاً. إن عروبية شعره لا تقبل جسماً غريباً.
شعره ملكه وحده، نابع من ضميره هو من عالمه الخاص بل الشديد الخصوصية.. حتى المفردات العربية التي يستخدمها غيره من الشعراء العرب تبدو لفرط امتلائها بشحنات جديدة وألوان طازجة كأنها من اختراعه فكأنه جمع هذه المفردات وهي بعد مجرد بيض، ثم حضنها وبعث فيها حرارته حتى فقست مفردات ككائنات حية تسعى في فناء داره كالكتاكيت، ثم راح يطعمها ويسقيها حتى نمت أفراخاً تملأ الدار لوحات تشكيلية مرئية تمتع البصر والفؤاد وتضج بالموسيقى.
يقول في بعض حواراته : ''الشعر ليس فقط وسيلة الشعر واللغة قبل ذلك لأن علاقة الشاعر باللغة ليست من أجل إيصال شحنة أو فكرة أو غموض أو وضوح على شذوذ اللغة أن توصل وأن توضح ما هو غامض في وجودنا الداخلي ولكن أيضاً على اللغة أن تكون غرضاً في حد ذاتها في العملية الشعرية، الكلمات ليست فقط أدوات اتصال، وليست أرقاماً وإلا كنا نستغني عن الشعر بالتعبير المباشر عما نريد من مطالبنا أو من شهواتنا أو من رسالتنا، ولكن في العملية الشعرية، اللغة الشعرية هي أيضاً مادة عمل وأيضاً غرض العمل''.
ولكن كيف نبعت قصيدة محمود درويش من المحنة الفلسطينية لتتجاوز المحنة وتصبح خطاباً إنسانياً عاماً يخاطب الإنسانية في كل مكان وكل زمان، وتصبح القضية الفلسطينية هماً إنسانياً معاصراً بقدر ما هي زاد جمالي تستضيء بنوره الإنسانية.
يجيب هو قائلاً إنني نتاج تلك الأرض عناصرها وطبيعتها نتاج حركة التاريخ فيها ونتاج لقاء الحضارات والثقافات فيها فأنا استوعب كل تلك الثقافات على أساس أنها عنصر مكون لثقافتي، هذا النتاج كله ملكي فأنا تعبير عن كل هذا الاختلاف ومن كل هذا الاختلاف ومن كل هذه الأبعاد في الزمن وفى التاريخ ولكن هذا لا يكفي لكي يكون النص الشعري ملكية جمالية إنسانية فلو كان تعبيري محصوراً في وصف أطراف الصراع، والصراع وحده، لسقط النص أتوماتيكياً بعد سقوط الصراع، أنا لست أحادياً ولست مراسلاً حربياً للقضية الفلسطينية، وأنا أتكلم عن إنسانية هذه الأرض وإنسانها وعن نزوعه الإنساني نحو تحقيق قيم من حقه أن يتمتع بها وهي الحرية والاستقلال، وإبداع حياته ومصيره كما يشاء، أي الجانب الإنساني في القضية الفلسطينية وهو جانب عملي الشعري وليس الجانب الوصفي لوثائق تطورات هذه القضية ولجانبها العسكري أيضاً فمجال عمل هذا النص هو القدرة على كشف جماليات الحياة في تلك الأرض بحيث تتحول هذه الجماليات إلى ملكية إنسانية عامة ولا نستطيع حينذاك أن نقول إن هذا الشاعر فلسطيني، وهذا الشاعر سوري وهذا الشاعر تونسي، يصبح النص الجمالي يخاطب ما فينا من هشاشة الإنسانية وقوتها أيضاً ونزوع الحرية والإبداع.
ترى هل يذهب محمود درويش إلى القصيدة أم أن القصيدة تجيء إليه على طريقة الوارد الصوفي كما عبر صلاح عبد الصبور عن نفسه في مذكراته عن تجربته الشعرية.
هذا السؤال وجهته إليه بشكل مختلف قليلاً إحدى الصحفيات التونسيات، وقد أجابها بقوله : ''القصيدة وسواس وهاجس ملح ونمط حياة وطريقة تفكير في الوجود كل هذه العدة السابقة لتكون القصيدة في النص لا تحقق إلا إذا توافرت هذه الشروط وكل شاعر يراقب هذا التحقيق بطريقة مختلفة وليس هناك نظام واحد لكيفية تحول الحلم والهاجس الغامض والفكري إلى نص شعري ولكل شاعر طريقته للوصول إلى المنطقة التي يلتقي فيها الواقعي بالأسطوري، التاريخي باللاتاريخي المطلق بالنسبي كما ليس هناك نظام ما ولكن هنا وحي، ليس بالمعنى الديني للكلمة، بل نقطة يختل فيها الخيال بنقطة استقبال الواقعي فينا.
أكون محملاً بهاجس كبير أو بفكرة كبيرة أو باختناق كبير أو بغضب كبير وعلى هذا الاحتقان النفساني أن يرسو على مناطق معرفية مرجعية من أجل أن يكون للنص بعد صالح لأن يكتب كنص إبداعي ثقافي فإذا كانت قصيدتي تاريخية أكون مدججاً بقراءات معرفية، وتحضيرات مرجعية من أجل أن أعيش اللحظة أو المكان الذي سأكتب عنه هذا في القصائد التاريخية الكبيرة أما في القصائد الأخرى فيجب أن يتحول هذا الهاجس إلى صور ليعبر عن نفسه ويحول الكائنات إلى صور لكن لا يمكن أن تتحول الصور إلى قصيدة إلا إذا وجدت إيقاعها عندما أسمع إيقاع الصورة الحاملة للوجود عندئذ أشعر أن في وسعي أن أحاول الكتابة وعلى أن أهيئ نفسي نفسياً، وأن أجري قطيعة نسبية ما عن الخارج في لكي التقط الإيقاع.. وعندما أمسك بالإيقاع أشعر أنني دخلت مجرى الحفر في بناء شكل القصيدة وتحولها إلى النص.
هذه هي الكتابة الأولى لكن بعد ذلك أكتب الكتابة الثانية من منظور الناقد الموجود في داخلي وأترك القصيدة لعدة شهور ثم أقرؤها من جديد فإن وجدت أنها تشبعني كثيراً أشعر أنني لم أضف شيئاً ولم أكتب القصيدة، أشعر أنها تكرار لتجارب سابقة لي ولا تنسج ذاتها من ذاتها ومن مخزونها الخاص ولكن عندما أقرأ القصيدة وأشعر أن شاعراً آخر كتبها، أشعر باحتفال كبير، وأشعر أنني نجحت في الكتابة.
فترة الحمل والمخاض فترة طويلة ولكن في الشعر ليس هناك عملية قيصرية، العملية القيصرية تقتل الوليد الشعري وصحيح أن النص الشعري يقوم على ثنائية ألم وفرح، ولكن كل عمل إبداعي هو تعامل قاس مع الألم، والفرح ليس مصدراً للشعر الفرح ليس ملهماً للشعر لأننا لا نحتاج إلى تكوين واقع آخر ما دام الواقع متحققاً، الألم هو دافع أكثر للكتابة الشعرية، أغلب النصوص المهمة في تاريخ الإنسان الأدبي هي نصوص مأساوية ولكن الفرح هو فرح الإبداع الجمالي لتحقيق جمالية النص الشعري وإنجاز الشعر فيه، في شكلها الذي هو القصيدة والفرح الوحيد هو الفرح الإنساني بالقدرة على الخلق والإبداع فهذه الثنائية متعايشة ومتفارقة في نفس اللحظة، الباعث مؤلم والإنجاز هو الذي يسبب الفرح الإنساني، أي قدرتنا أن ننجز من هذا الألم ومن هذه التراجيديا الإنسانية نصوصاً جميلة، الجمال هو الفرح والجمال لا يتحقق إلا بعد أن يكون الألم قد دخل في مناطق النص الشعري وأنجز قصيدة جميلة أو لوحة جميلة أو قطعة موسيقية جميلة''.
تلك إضاءة خاطفة لقصر متعدد الغرف والأبهاء والطوابق اسمه محمود درويش.

****

كلما أحبتتك أكثر ابتعدت عنك

موسى حوامدة
(الأردن)

موسى حوامدةتعرفت على شعر درويش والقاسم وتوفيق زياد ومعين بسيسو بينما كنت في المدرسة الثانوية في الخليل، كنت مشاركاً فعالاً في المظاهرات ضد الاحتلال، وذات مرة قدم لي أستاذ اللغة العربية في المدرسة الإبراهيمية بعض الدواوين لشعراء فلسطينيين، وقد أحببتهم، والتصقت بهم وحفظت الكثير من قصائدهم، لأني كنت أحس أنهم يرفعون يدي عالياً وهي تحمل راية فلسطين، ويشدون من قبضتي على الحجر. أضف إلى ذلك أننا كفلسطينيين ليس لدينا تاريخ طويل من الشعراء والأدباء وكلهم جاؤوا أو ولدوا خلال الانتداب وبعده، فكنا حريصين على التقاط أي اسم فلسطيني يأخذنا إلى الأدب والشعر، ويشكل هوية ثقافية للشعب الفلسطيني.
كنت أحب تلك القصائد التي تفوح منها رائحة فلسطين، وبينما كنت أتعرض لضرب الجنود الإسرائيليين واستنشق غازهم وضرب هراواتهم، كانت تلك القصائد الوطنية ومنها قصائد إبراهيم طوقان وعبدالرحيم محمود تشكل لي حرزاً داخلياً كبيراً وواقياً من الخوف ودافعاً لمواجهة كل هذه الآلة العسكرية الجبارة ببيت شعر أو لحن مقاوم.
وكنا نردد: سجل أنا عربي ورقم بطاقتي خمسون ألف لمحمود، أو منتصب القامة أمشي لسميح، أو أناديكم، أشد على أياديكم، وأبوس الأرض تحت نعالكم وأقول أفديكم لزيّاد وحتى الثلاثية الحمراء لطوقان وغيرها الكثير.
من هنا تعرفت على درويش، أما كيف أقرؤه الآن، فلم أكن أحب الاقتراب كثيراً من شعره، حتى مرحلة الجدارية، كما كتبت له مرة في قصيدة (كلما أحببتك أكثر ابتعدت عنك، لم تترك الحصان ربما آثر الهروب .....الخ)، لأنني كنت حريصاً ألا أقع تحت تأثيره أو أن يتسرب لما اكتب دون معرفة، وبذلك حميت نفسي منه لأني أحبه ولا أحب أن يتملكني لا هو ولا غيره. كان ذلك حتى عام ألفين تقريباً، بعدها لم أعد أخشى من قراءته حيث بدأت أشعر أنني صرت قادراً على عدم الوقوع في أسره.
والحق يقال، إن أهمية درويش وفرادته، تأتي من كونه يمتلك قدرة على الابتعاد عن نفسه وشعره دائماً، ولا يتشبث بمكان إقامة محدد، وأعترف أنني في كل مرة كنت أتخلص فيها من بعض القناعات وأطلع إلى شرفة جديدة، كنت أجده قد ابتعد عن موقفه السابق ونمطيته واتخذ مجلساً متقدماً هناك، والغريب أنه يرافقنا دائماً إلى التطور والنضج، وهذه ميزة تحسب له كما قال مرة إنه سعيد لأن قارئه يتطور مثله، وإن كان بالنسبة لي العكس فأنا أرى أنه يحل باستمرار في تلك الشرفة التي أصل إليها في الابتعاد عما رسخ وقال في الحياة وفي الشعر، هو وغيره، وعدم البقاء في المربع الأول والنفور من التقليد والتكرار، واجتراح المستقبل والغد.
هذه ميزة تحسب له، وقد ارتقى بشعره تماماً كما يقول ويرى، ولذا وجدت سلاسة في مجموعاته الأخيرة، منذ (سرير الغريبة، ولماذا تركت الحصان وحيداً، والجدارية ولا تعتذر عما فعلت وعمله الأخير كزهر اللوز أو أبعد) وابتعاداً عما كنت لا أحب في مجاميعه السابقة، والتي صارت تقليدية بالنسبة له أيضاً، هكذا أنا منحاز لجديده دائماً، وتجربته تتعمق كلما كبر، وهو يطبق بذلك نظريته: إن الشعراء نوعان الأول يولد مرة واحدة ويموت بسرعة والثاني يولد على مهل ويكبر على مهل، ولعله من النوع الثاني إن شاء الله.
لا يفاجئني محمود في الكثير من آرائه في الحياة وفي الشعر، وأكاد أعرف ما سيقول، وذلك يعجبني أكثر لكي أصقل ذاتي مجدداً، وأجد هناك تطابقاً حتى في النظرة للعدو، والحياة ولكنْ هناك اختلاف كبير أيضاً، فليس كل ما يقوله إنجيل مقدس، ومما آخذه عليه، أنه يتجاوز في تصريحاته وكلامه، بقية الشعراء الفلسطينيين وحتى العرب، ومن بينهم تجارب رائعة وكبيرة، ويعتبر نفسه ممثل الشعر الفلسطيني، والعربي، ولا يكاد يعترف بأحد سواه، هذه نرجسية تقترب من الديكتاتورية السياسية وليس من فضاء الشاعر الذي يهمه أن تتنوع المعرفة والحياة وتتجد كريات الدم في جسد القصيدة، وإن قال إنه يريد التخلص من القصيدة الوطنية وكتابة قصيدة حب، لكن ذلك لا يتجسد في قناعاته تماماً، فهو في العمق يحرص على بقائه نجم الشعر الفلسطيني وممثل فلسطين الشعري الأوحد، ويجد في الساحة العربية من يعمل لهذا الإقصاء للآخرين، ليس حباً بدرويش فقط ولكن اختصاراً للمشهد الشعري الفلسطيني، وربما العربي، وحين يتحدث درويش عن تطور الشعر الفلسطيني يريد لهذا الشعر ان يُشذب حسب رغبته هو لا حسب نضوج القصيدة الفلسطينية والظرف الفلسطيني نفسه، لهذا أجده أنضج أفكاره ورؤيته قبل أن يتبلور شكل ما لحرية الفلسطيني، وهو لم يحسم أمره تماماً من أنه ليس شاعراً إقليمياً
أو قطرياً، فبينما يلتفت ليرضي مداره الشعري ومسار الكون نفسه، والكثير من المنابر العالمية، مازال يخشى خسران شعبيته التي نالها وما زال من الباب الوطني، إنه يمسك العصا من المنتصف لا يريد أن يخسر تمثيله لفلسطين كقضية وشعب ولا يريد أن يخسر وهج الشعر وتطور قصيدته وإنضاجها، لكنه قطع مسافة في إقناع الطرفين، ولا أعرف إن كان للنجومية التي يتمتع بها دور في هذا الإقناع، ولا أدري إن كان في هذه النجومية الأقرب للفنية منها للثقافية خطر على شعره مستقبلاً وشعر غيره حاضراً، وإن كانت تدفعه دائماً لاستلاب الآخرين حقهم ووهجهم.
وهذا مما يؤخذ عليه، كما أنه يمتدح قصيدة النثر كثيراً ويقترب منها لكنه ما زال تقليدياً في التفعيلة، ولم يكرس آراءه عمليا، فيبدو توفيقياً في مغازلة شعراء النثر وكتابة شعراً مفعلاً، لم تشفع تلك الاقتباسة من أبي حيان التوحيدي، في مجموعته الأخيرة، وإن كان النثر يتدفق على شفتيه بشكل أجمل من الشعر أحياناً، لكنه لم ولا يريد أن يحسم رأيه في هذه المسألة، كما لم يحسمها في القول بوجود ميليشيات لقصيدة النثر يتفاداهم، أو مثل تلك التصريحات التي أدلى بها في تونس حول الشعر العربي، لكنه عموماً يتكلم في الحياة والسياسة والصراع العربي الإسرائيلي أجمل مما يتحدث في التنظير لشعره وللشعر عموماً.
وعلى كل يظل محمود شاعراً كبيراً نحبه ونختلف معه ونحترم تجربته لكن دون تقديس أو تأليه ودون تكريس للوحدانية، فهناك شعراء كبار لم تتح لهم فرص مثالية كما أتيحت لمحمود، الذي ما زال أمامه الوقت لتصحيح الماضي والعودة إلى الشعر الذي لايبرزه نجماً جماهيرياً، بل شاعراً قريباً من العشب النديّ أكثر.

***

محمود درويش.. أوائل الدهشة والمواجع

أسامة الرحيمي
(مصر)

حاصر حصارك لا مفر
اضرب عدوك لا مفر
سقطت ذراعك فالتقطها
وسقطتُ قربك فالتقطني
واضرب عدوك بي
فأنت الآن حر وحر
حين سمعنا هذا الكلام أول مرة بصوت ''محمود درويش'' أوائل الثمانينات ألهب مخيلاتنا.
كنا صغاراً، نتعثر على سكك ريف دلتا مصر. نتلمس خطانا الأولى على دروب المعرفة. والهم العام، نتعاطى أدبيات اليسار على استحياء وفرح وتوجس من نظرات المحيطين الذين بدأت تتكاثر على وجوهم اللحى.
ولم نكن ندري أننا لحقنا بآخر فلول اليسار الفارّة أمام جحافل التيارات الدينية، ودمدمة الهيمنة الأمريكية التي لا تعرف الرحمة، وفساد متفاقم لأنظمة لا تجيد إلا التبرم بمطالب الحرية.
في قرانا البعيدة لم نكن نقدر على رؤية المشهد كاملاً. لكننا أدركنا لاحقاً أنه كان مفزعاً.
أفزعتنا ''أحزان بيروت'' مبكراً، وبددّت سذاجتنا، وطرائقنا الطفولية في التعاطي مع القضايا، إلى أن قبضت فجيعة ''صبرا وشاتيلا'' قلوبنا الغضّة بيد جلفة، ونفضت عنها البراءة، فأدركنا بلا شرح أن هذه أول خسارات التنازلات التي قدّمها السادات بإفراط.. وبلا مبرر مفهوم إلى الآن!!
كان صوت درويش في تلك اللحظة الحالكة قادراً على إشعال الدهشة في صدرونا. استطاع ببراعة أن يبلور أحزاننا، ويسكب آلام بيروت سائلة في قلوبنا، فرددنا معه:
سقط القناع عن القناع عن القناع
قد أخسر الدنيا نعم لكني
أقول الآن لا
هي آخر الطلقات لا
هي ما تبقى من هواء الأرض لا
بيروت لا.
كان العتم يظلم الأفق تدريجياً، منذ كامب ديفيد، والاجتياح وإحباط الخروج يخيم على الأرواح:
قتلاك أو جرحاك فيك ذخيرة
فاضرب عدوك لا مفر
حاصر حصارك بالجنون
وبالجنون وبالجنون
ذهب الذين تحبهم
فإما أن تكون أو لا تكون
وصلنا صوت ''درويش'' في رائعته ''مديح الظل العالي'' كأنه نواح، لكنه أمدّنا بقوة مباغتة، مفعم بأمل جواني عميق، مسّ أرواحنا فتشبثنا به، وتداولنا الشريط، واستنسخناه على المسجلات ونحن نراوح بين الفرح والأسى، فإلقاؤه المفجوع راح يهدهد قلوبنا الطرية، وكأنه عزاؤنا الأخير!
وساعدنا بقوة على قطع خطوات إضافية في الالتصاق أكثر بقضايانا المهمة، وازداد التماهي بين العام والخاص، واتسعت دائرة الوعي نسبياً، وانفتح الأفق على اللانهائي. وجرّنا ''درويش'' إلى عالمه الغني فتعرفنا على أشعاره الأخرى، وتطاولت قامته في أنظارنا، حتى بات في مكانة تليق بموهبته الفذّة. نجماً ساطعاً في سماء العرب.
الآلام أقدر على توسيع المدارك!
أثناء الاجتياح، وحصار بيروت لم يكن أمامنا غير ''مونت كارلو'' الإذاعة جهيرة الشهرة-وقتها- وكنا نتابع عبرها تداعيات الكارثة لحظة بلحظة، وندرك تفاصيل الحصار. وسمعنا صوت ''أبوعمار'' الذي لا يزال متوهجاً في الذاكرة، وكان قادراً على رفع شعارات ملائمة للمرحلة، ولا أنساه أبداً وهو يقول للمذيعة اللامعة: ''يا أخت وداد.. هبتّ روائح الجنة'' و''يا جبل ما يهزّك ريح''.. كانت كلماته تضرب أجسادنا برعدات التأثر والانفعال، والتوحد مع القوات المحاصرة هناك. كم كانت حسرة قلوبنا الخضراء في لحظات الخروج!!
أشعار درويش ببساطة أعادتنا إلى تلك الدائرة، وأعادتها إلينا، ووجدنا أنفسنا نقف أمام مبدع بحجم القضية، ومساوٍ للوجع، ولا يقدر أحد على تعزيتنا سواه. وينفخ في روحنا أملاً يعفينا من الانهيار.
ووسط فرحنا بتبادل دواوينه، وترديد قصائده، واستقطاع مقولات من أشعاره وكأنها ''حِكمُ''. تماماً كما حدث لأشعار المتنبي، فاجأنا ''مارسيل خليفة''. مبدع موهوب آخر يليق بالمصاب، يغني أشعار درويش، ويقربها إلى عامة الناس، وأصابونا الاثنين معاً بالدهشة للمرة الثانية، ليمنحونا أملاً آخر، وقدرة متجددة على مقاومة الإحباط بالإبداع. والفن:
أحن إلى خبر أمي
وقهوة أمي
ولمسة أمي
وتكبر فيّ الطفولة يوماً
على صدر يوم
وأعشق عمري لأني
إذا متُّ
أخجل من دمع أمي
كان صوت ''مارسيل'' ينطلق من نوافذ دورنا إلى دروب القرية، وتحلق معه أفئدتنا التي أرهقها الوعي وهزائم اليسار، وهجوم النقاب واللحى، وانطلق وحش الفساد يحطم كل منظومات القيم، ودعمت أمريكا بقوة أنظمة الاستبداد التي توسعت بدورها في قمع كل شيء. وأخذتنا الحياة إلى حاضرة مصر، القاهرة، والقلوب مترعة بالمواجع، لكن الشعر والغناء يكمنان بثقة في جانب منه:
خذيني إذا عدت يوماً
وشاحاً لهدبك
وغطّى عظامي بعشب
تعمّد من طهر كعبك
وشدّي وثاقي..
بخصلة شعر
بخيط يلوح في ذيل ثوبك
وانبرت القرائح تُفسّر، فمنهم من قال ''درويش'' يقصد فلسطين، وما أجمل الرمز والدلالة، وآخرون قالوا بل إنها أُمُّهُ الحقيقة وحنينه للمعيشة الطبيعية التي يفتقدها، وفريق ثالث - أنا معهم - يقول: الاثنان واحد، فمن من الفلسطينيين لا يحن إلى أمه داخل فلسطين، أو لذكرياته في الأراضي المحتلة. إن الشاعر إذا كانت موهبته مثل درويش ينوب عن الناس وقضاياهم بلا عمد، ويعبّر عن أحلامهم واحباطاتهم، ومشاعرهم الإنسانية الحميمة دون قصد ولا تخطيط، وللنقاد والمفسرين أن يتناولوا إبداعه كل من زاويته؛ ويليق بالإبداع أن تتعدد في تفسيره الرؤى. ولن يجدوا أحلى من أشعار ''درويش'' يتبارون حولها!
الآن. اكتملت الأحزان، وتمت الهيمنة، وتفاقمت الانهيارات، ولم يعد في القلب متسع لجرح آخر!
لكن صوت درويش لا زال يتردد في الآفاق، وتتنقل أشعاره بين اللغات، ويعتلي المنصّات في بلدان متفرقة ليؤكد أن الشعر هو الثورة الفلسطينية. كما قال يوماً ''أبو عمار''.
مياه كثيرة جرت في الأنهار، منذ بدايات الدهشة، والانبهار بأشعار درويش، ومنذ الفواجع الأولى التي انتهت إلى فواجع أفدح. لكن أشعاره أصبحت أيضاً أكثر إنسانية ونضجاً وشفافية، يمكن لأي إنسان في العالم أن يجد نفسه في شيء منها، لأنه -حسب ظني- من فرط نضجه أصبح يخصّ كل البشر كما يخصّ قضيته التي تداخلت في نسيجه الأصلي:
صاح بي صوت عميق
ليس هذا القبر قبرك، فاعتذرت
قرأت آيات الذكر الحكيم، وقلت
للمجهول في البئر:
السلام عليك يوم
قتلت في أرض السلام
ويوم تصعد من ظلام البئر حياً
أنا الأم التي ولدته
لكن الرياح هي التي ربته
قلت لآخري:
لا تعتذر إلا لأمك
في القدس
أعني داخل السور القديم
كنت أحتسي فوق منحدر وأهجس:
كيف يختلف الرواة على كلام الضوء في حجر
أمن حجر شحيح الضوء تندلع الحروب؟ لا تعتذر عما فعلت

****

هرب إلى الشعر بينما هرب الآخرون إليه

صالح دياب
(سوريا/ باريس)

عندما تعرفت على شعر محمود درويش كنت في الثالثة عشرة من عمري ، عام ، سنة تركي القرية لاستئجار غرفة في مدينة حلب لمتابعة الدراسة ..حينها كنت أرتاد المكتبة الوطنية في حلب، لقراءة كتب الشعر المهجري خصوصا جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة ، بتأثير من معلم كان يعشق الأدب المهجري ويحدثنا من مرة إلى أخرى عن الشعراء المقاومين الثلاثة ، درويش ، القاسم ، زياد. لم أقرأ ديوانا كاملا لمحمود درويش حينها ، بل كان مرجعي الدائم كتاب '' ديوان الوطن المحتل'' للشاعر الفلسطيني الكبير يوسف الخطيب.هذا الكتاب الضخم الذي يعود إلى فترة الستينات ، وجمع فيه الخطيب مختارات من أشعار عدد كبير من الشعراء الفلسطينيين في الداخل، بمحبة وحيادية ورصانة و للأسف لم يطبع سوى مرة واحدة .تضمن هذا الكتاب قصائد تعود إلى بدايات الشاعر ضمنها درويش في مجموعته الشعرية الأولى لاحقا.رويدا رويدا أولعت بشدة بجبران الثائر الرومنسي ، الغريب ، اللغز الذي لا يكف يسعى إلى البحث عما لا يمسك ، وإضاءة المعتم فينا ، والذي يظل سؤالا أبديا يؤرق الكائن ، عبر لغة ، تتوسل ملامسة الأكثر عمقا وسرية فينا، لغة آسرة ، تمزج ما هو نبوي بما هو مارق. وتوصف الشاعر / الإنسان في النتيجة غريبا أبديا لا حل له سوى أخذ الحياة بشراهة.
أيضا أولعت بالشعراء المقاومين ، بما فيهم محمود درويش من خلال ديوان الوطن المحتل.كان جبران يزرع في الشك الدائم في كل شيء بما في ذلك النص الأدبي وعدم اليقين المطلق .جبران أوصلني إلى اورخان ميسر وعلي الناصر و الشعر المترجم، وشعراء مجلة شعر ، بعد ذلك شعراء السبعينات في سوريا منذر المصري وعادل محمود وعبد الحميد، ولبنان سعادة وبيضون وشاوول، فضلا عن الشاعر الأردني أمجد ناصر، والعراقيين بولص وفائق. أيضا الوقوع في محبة مجموعات شعرية لبعض الشعراء، وليس كامل تجربتهم الشعرية.على ما بين هذه التجارب من افتراقات وتقاطعات، إلا أن كلها تولي طبيعة الخطاب الشعري أهمية كبرى.عودة إلى الفترة الأولى: بعد قراءة ديوان الوطن المحتل ،بدأت أشتري الأعمال الكاملة لجبران تبعتها أعمال الشعراء المقاومين.كان محمود درويش مفترقا عنهم ، في جماليات نصوصه ومتقدما. مازلت أذكر تدقيقي المتكرر بين قصائد محمود درويش المنشورة في ديوان الوطن المحتل وقصائده نفسها في مجموعته الشعرية الأولى،أو بتلك المنشورة في مجلة شعر على ما أذكر.لقد غير محمود درويش وحذف سطورا من قصائده.رغم تعلق القراء بها .والمدائح التي كانت تنهال من كل جانب على الشعر المقاوم.كنت أتساءل ما هو الداعي إلى هذا الحذف .لم يكن الحذف بدافع غير أدبي .في النتيجة اقتنعت باكرا أن الشاعر يهتم بالقصيدة ، ويريد أن تخرج سالمة إلى الضوء عبر الصفحات .هذه القناعة نسفها الشاعر في مجموعات شعرية أخرى .لكنه سرعان ما عاد إليها.كان شعره يقودني في تلك الفترة إلى شعراء المقاومة الآخرين نيرودا ،حكمت ، لوركا رغم ما في هذه التجارب الثلاثة من افتراقات .منذ نهاية السبعينات حتى الآن كان الشعراء العرب الشباب في كل البلدان العربية يتقدمون عبر قصيدتهم النثرية ويحققون حضورهم في ظل مناخات صعبة ناحية انغلاق وسائل الإعلام ،أمامهم رغم دعوات الانفتاح الاستعراضية من قبل المسؤولين والشعراء المسؤولين الستينيين والسبعينيين .، بما فيها مجلة ''الكرمل'' ذات الوجه الثابت و التي لم تسمح حتى للشعراء الفلسطينيون الشباب بأن يطلوا عبرها ، الأمر الذي لم يفعله أدونيس في مجلة ''مواقف'' المتحركة المفتوحة.حضور الشعراء الشباب تم بالترافق مع انطفاء الشعراء الستينييين واحدا بعد الأخر وانسحابهم إلى الظل، متبوعين بالشعراء السبعينيين كاتبي قصيدة التفعيلة.فيما كان البعض ، ينعطف مولّيا النثر والتفاصيل اليومية ، قدرا ، هما في قصيدته في عملية التفاف ، مبررة للتخلص من الإرث البلاغي والتصويري ، والحماسة والانسحاب من الأفكار الكبرى ،إضافة إلى المناخات المتوسلة.عملية الانعطاف هذه برأيي ليست على هذه الدرجة من السهولة المتوقعة ، إنه انعطاف مرتبط بمنظومة فكرية وثقافية وسياسية كاملة ، تربى وكبر عليها جيل كامل، وتجد صدى لها في النص الأدبي، الصعوبة تكمن أيضا في أفضل الأحوال في بداية القطع معها . سكت أغلب الشعراء التفعيليون . يشكل محمود درويش آخر هؤلاء الشعراء الكبار،الذين يصرون على ارتباط قصيدتهم باللاهوت العروضي . لم يبقى سوى شعراء قصيدة النثر. وبعض شعراء التفعيلة الجريئين اقتنعوا بالهوية المتحركة للنص الشعري وضرورة تغيير لا الجلد الشعري فحسب بل كامل الجهاز التصويري والبلاغي للقصيدة .محمود درويش كان سباقا ، بين مجايليه، في الذهاب عميقا في ذلك، ولم يتوقف عند حدود العمليات التتجميلية الشعرية، لكنه في الآن نفسه لم يعمل قطيعة تامة برأيي مع جيل الرواد فيما أرسوه من جماليات أسلوبية وتعبيرية .لا بل أحيانا كان الشاعر يضمن مجموعاته وأقصد تلك التي كتبها بعد الخروج من بيروت مباشرة قصائد عمودية تستوفي شروطها البيانية والإيقاعية كلها.الآن، فجأة لم نعد نسمع كافة الشعراء الحماسيين .ما الذي حصل؟أين اختفوا؟ولماذا سكتوا؟.لم يعد هناك من جيل السبعينات في الشعر الفلسطيني سوى غسان زقطان ومريد البرغوثي . فيما غاب التفعيليون في البلدان العربية الأخرى ، حبوا باتجاه النثر خوفا من النسيان . لم يعد سوى من لم يعطوا البلاغة والحماسة إقامة في قصيدتهم.كلهم ذابوا في تجربة محمود درويش .كان الشاعر يتزحزح ، ويوسع تجربته الشعرية بالركون إلى التفصيلات اليومية ، مع المحافظة على الصوت الغنائي الأسيان ، تجلى ذلك بعد خروج المقاومة الفلسطينية من لبنان. كتاب'' مديح الظل العالي'' كان آخر ما ينتمي إلى تلك المرحلة وأحد أكثر تجلياتها الشعرية لدى الشاعر.منذ ''حصار لمدائح البحر'' وتحديدا بعض القصائد القصيرة المنشورة في نهاية هذه المجموعة والتي اقتطعها الشاعر من هذه المجموعة وأضافها إلى '' وردا أقل ''. وهي إحدى أجمل مجموعات الشاعر، بدا أن درويش بدأ ينعطف انعطافا كبيرا ناحية علاقته بالمواد التي اعتاد نسج قماشة قصيدته منها .بعد هذه المجموعة كانت للشاعر قصائده الغنائية الطويلة والتي عبر شبكيتها وخيوطها المتشابكة وأصواتها المتعددة أحالت على عدم قطيعة وانفصال الشاعر مع ماضيه الشعري، تماما، بل توسيع التجربة إلى أقصى حد ممكن. ثمة خطابية خفيفة في أغلب قصائده تلينها الغنائية الأسيانة.كان الشاعر جريئا في إلقاء الأسئلة على تجربته الشعرية وعدم الركون إلى ما هو ثابت. كان ينفصل عنها وفي الوقت نفسه تظل قصيدته تسهر على ماضيها. ومن وقت إلى آخر يكتب قصائد تعود إلى هذا الماضي.لقد تحول الشاعر إلى رمز .رمز لفلسطين.والصوت الروحي للشعب الفلسطيني. اسمه يسبق شعره.أحد الشعراء المغاربة وهو عبد الإله الصالحي وصفه مع أدونيس بالصنم ، هذا صحيح فيما يخص درويش ،أما أدونيس فهناك من يتجرأ وينتقد قصيدته أحيانا . أما درويش فلا ، إذ لا نجد مسؤولا واحدا عن صفحة ثقافية يسمح بقراءة مجموعة شعرية لمحمود درويش بالصراحة التي يتم فيها تناول الشعراء الشباب، والتنظير عليهم. . أجد انزياحا يذهب إلى حد الانقلاب التام في الذائقة لدى القراء العرب غير المسيسين بما فيهم محبي الشعر.لا أذكر أن أحدا من جيلي أقصد الأصدقاء والشعراء الذين ينتمون إلى جيل الثمانينات ، كان متحمسا ،إلى مجموعة شعرية كاملة للشاعر .كانت بعض قصائد الشاعر تقرأ بحب خصوصا تلك التي انخفض فيها الصوت العالي ، تلك التي تذهب إلى استكشاف الخارج عبر الذاتي . القصائد التي ينصت فيها الشاعر إلى داخله مضيئا الأعماق الداخلية للذات ،حيث الصوت الأسيان الحزين والشفيف متجليا عبر اللغة النضرة والشفافة . الحماس يوجه إلى أسماء أخرى، عبر كامل مجموعاتهم الشعرية، أسماء أصبحت تشكل مرجعيات شعرية للجيل الجديد ، درويش خارجها : بيضون ، ناصر، خازندار، سعادة، حجار، والشعر المترجم ، فيما ظل الماغوط شاعرا تسعينيا دائما.أما بالنسبة لدرويش كان الرضا يعني قصائد لا كتابا للشاعر، ولم يكن أبدا مرجعية شعرية للشعراء الشباب . أنحاز إلى قصائد درويش الجديدة ، وإلى رقتها الجارحة .مع ذلك هذه القصائد ،أجد صدى شعريتها في نصوص قديمة للشاعر، وتتعبني قراءة قصائده الطويلة.أعماله الشعرية الجديدة شهادة على أن شعر التفعيلة يمكن أن يتأقلم مع المستجدات الشعرية في العالم العربي .إذا استطاع التفعيليون أن يهضموا الإمكانات الكبيرة التي يمنحها النثر للشعر.ليس في قصائد الشاعر من شعار ، بل غنائية ملحوظة وأحيانا عالية ،تحاول أن تدفن في تقدمها وجيشانها الخطابية والحماسة اللتين تفوحان بنسب متفاوتة في بعض القصائد، هذه الحماسة المعكوسة إن صح التعبير حماسة الانهيار والتشظي والتفتت، ممزوجة بالمعاناة الشخصية، حيث الذات الفردية /الجماعية ملتمة على نفسها ومتحدة . أحب أن أقرأ شعر الشاعر ، بمعزل عن آرائه، التي يعلنها من مرة إلى أخرى، حول الشعر الجديد وتتناقلها الصحف كالأخبار السياسية الكبرى .ثم يعاد تصحيحها أو وتكذيبها كما لو كانت تصريحات سياسية لناطقين باسم دول كبرى .أحب درويش كشاعر فحسب.أما آراؤه في الحياة فهذا ما أقرأه في شعره، وحواراته مع الصحف الأجنبية وأنحاز إليها بقوة بالطبع.

****

محمود درويش، ريشة في مهب أرواحنا

قاسم حداد
(البحرين)

ربما نكون قد اكتشفنا فلسطين (مثل منجم أحلام لتأثيث مشروعنا الإنساني) من خلال شعره، أكثر مما عرفناها من خلال أدبيات السياسة والعمل النضالي. هذه هي اللحظة الحاسمة التي وضعت محمود درويش في مهب أرواحنا. نحن الجيل الذي ولد مع ولادة فلسطين لكي تشكل مكوناً أساسياً من جغرافية الروح العربية. هذا الجيل الذي (في معظمه) لم يكن قادراً على معرفة التخوم الواضحة بين تجربته السياسية وعمله الإبداعي. وفيما كنت في الاحتدام نفسه الذي تفرضه علينا طبيعة التجربة ذاتها التي يصدر منه محمود درويش (بالمعنى الانهماك في العمل السياسي المباشر)، علمتنا التجربة أن ثمة دوراً يتوجب على الشاعر ألا يتنازل عنه، وهو دور السؤال الإبداعي. وكنت أرقب محمود درويش عن كثب لكي أرى إلى أي حد يستطيع أن يساعدني (من حيث لا يقصد على مجابهة شهوة النضال في امتلاك الشاعر ومصادرته أحيانا). أظن أن واحدة من أهم إسهامات شعر محمود درويش تتمثل في اقتحامه المشهد الأدبي بالنص الشعري المتصل بفلسطين بوصفها الحلم العربي بامتياز. وكان هذا يتقاطع (عمقياً) مع مجمل التجارب الفردية للعديد من الشعراء العرب من جيله. وظل محمود درويش، عبر مراحل حياته، يجسد الصراع غير المعلن بين السياسي والثقافي الذي لم يكن وقتها مقبولا الكلام عن مجرد التمييز بينهما. وحين كان درويش المرشح العلني لأن يكون ضحية السياسة إنسانياً، ويوشك دائماً أن يكون ضحيتها شعرياً، سوف يقدر، بموهبة الميزان، أن ينقذ النص أولاً من براثن السياسي، كذريعة (لا رادّ لها) ليلحق به الشخص مستغرقاً بحريات الشاعر التي لا تضاهى. كنتُ سميتُ محمود درويش ذات مناسبة (ميزان الذهب)، عندما شعرت به يتقدم برشاقة (غزالة المقاومة) -وهذا التعبير لمحمود- مجتازاً الأشراك المنصوبة لخطواته. ودائما كان درويش يخرج من الامتحان منتصراً (كشاعر) على السياسي. في سياق التجارب الشعرية العربية المعاصرة، تقدم تجربة درويش نموذجاً صادقاً لإخلاص الشاعر وقدرته على الانتصار دائماً على ملابسات الواقع السياسي الذي يتورط فيه معرضاً لضغوطات مركبة ليست على صعيد علاقته الموضوعية بالمؤسسة الفلسطينية الرسمية فحسب، ولكن خصوصاً (وهو الأخطر) على صعيد القراء (وفي حالة درويش يمكن وصفهم بالجماهير) الذين أدمنوا على تعاطي محمود درويش بوصفه الصوت (السياسي) للثورة الفلسطينية وليس باعتباره الجوهر (الشعري) للحلم الإنساني. حتى لكأن ثمة نوعا من التماهي السلبي أحياناً يبالغ في تغييب حرية المخيلة عند الشاعر في سبيل خضوعه للشرط السياسي اليومي والطارئ. وعندما كان درويش يبدو متقمصاً هذا الدور، فإنه كان صادقاً في تلك اللحظة، غير أن يقظته المتحفزة سرعان ما تستعيده لكي يخرج من وطأة تلك الضغوطات ويخرج عليها، حتى وإن تطلب ذلك شيئاً من الاحتدام الحميم مع جمهور القاعة (كما حدث غير مرة) مرسلاً إشارة واضحة بأن ثمة حرية الشاعر التي يتوجب على القارئ أن يعبأ بها ويكترث، لئلا نقول بأن على القارئ أن يدرك حقاً بأن الشاعر ليس موظفاً في مؤسسة القارئ. من هذه الشرفة، ستبدو تجربة درويش منسجمة مع ذاتها، وتتأكد قدرته على اجتياز المراحل متشبثاً بذاته الإنسانية وشخصيته التي تميزه عن شخصية المؤسسة السياسية الرسمية. والذين يتابعون التحولات الجمالية التي تحدث في قصيدة درويش في السنوات الأخيرة، سيدركون أن هذا الشاعر يتقن تصعيد حالته الإنسانية بصورة تتيح له حقاً وضع تجربته الذاتية في سياق أكثر رحابة من حدود الخطاب الصارخ، صادراً من جذوته الأولى المتصلة بالحب. الحب الذي ظل متوارياً يتفلت في نصوص متفرقة في مجمل أعماله السابقة. فمحمود (لمن يتذكره جيداً) بدأ في نصوصه المبكرة يعبر عن درجة صريحة من شفافية العاشق، (حتى أنه قدم نفسه لنا مبكراً بوصفه (عاشقا من فلسطين)، سرعان ما غيب انهماكه المباشر في المسؤولية السياسية ذلك الشغف والنزق العاطفيين الذين يمكن أن يدفعاه للتصريح بحب فتاة في معسكر العدو في صيغة متماهية من هجاء السلاح، وهذه إشارة مبكرة للنزوع الفطري عند الشاعر، إشارة لم يتوقف عندها أحد كما أعتقد. حيث الشاعر أساساً هو رسالة حب عميقة إلى العالم، وليس آلة قتل كما يحاول الكثيرون أن يختصروا الشاعر في حدود الدور الذي يمكن أن يقوم به الآلاف من المقاتلين في ميدانهم. وإذا كنا قد أدركنا ذلك متأخرين فإننا غير نادمين على شيء قدر حسرتنا على فشلنا في إقناع القارئ بالنص وليس رشوة القارئ به، ولعل التجربة الشعرية الكثيفة التي اختبرها محمود درويش منحته كل هذا الغنى والتنوع الذي جعله قادراً على تكوين لغته الخاصة المتميزة في الكتابة العربية (شعراً ونثرا)، وسلحته أيضاً بشجاعة القادر على مقاومة سلطة القارئ، والتصرف بحرية عندما يتعلق الأمر بالشعر. فبعد (لماذا تركت الحصان وحيداً) صار على القارئ أن يتهيأ لمحمود درويش الآخر، المكبوت والأكثر جمالاً، محمود شاعر الحب المؤجل طوال الوقت. وإذا كان الشاعر العربي عموماً قد ظل يعاني الحرمان من البوح بالمشاعر الإنسانية الحرة كالحب والعشق (بسبب الأوهام الأيديولوجية)، فإن الأمر في حالة درويش يتفاقم للدرجة التي تجعل تحوله إلى تجربة (سرير الغريبة) تعبيراً مهماً عن الإخلاص الطبيعي لجذوة الشعر في الشخص الإنساني. وإذا كان البعض لا يزالون يتشبثون بشاعر القضية (كخطاب سياسي)، فأنهم يحرمون أنفسهم (بدورهم) من اكتشاف الجمالات اللامتناهية التي يصعد إليها الشاعر دون أن يتخلى عن حلمه الإنساني، ودون أن يفرط (هذه المرة) في ذاته بوصفها جوهرة المراصد التي ترى إلى الأفق الرحب ولا تقف في حدود الأفق الحديدي الذي تقترحه المشاريع السياسية. في (سرير الغريبة) يعلن درويش ثورته الجميلة هذه المرة. ويتوج تجربته الشعرية التي تأسست بما لا يقاس من المعاناة (على كل صعيد) بالكتابة التي تمنح الإنسان حريته الأجمل. وعطفاً على ما أشرت إليه في البداية، فإن علاقتي بتجربة محمود درويش، بوصفه ريشة في مهب أرواحنا، تدفعني إلى الشعور بأنه الآن يجعل هذه الريشة أكثر زهواً ورأفة بحبنا العميق له، كشخص (شهقنا له بالقلب عندما تعرض لمحنة المرض)، وكشاعر اقترحَ على القصيدة العربية نكهته الخاصة الزاخرة بالمكتشفات. لقد تحققت تجربة درويش في المشهد الشعري بصورة لا تتعرض للالتباس. لأنها واحدة من التجارب الشعرية العربية التي لا يستطيع أحد تقليدها دون فضيحة.

****

العاشق الذي علّمنا كيفيّة العشق

علي الشرقاوي
(البحرين)

لا أعرف من أين أبدأ الحديث عن الشاعر الجميل محمود درويش
هل أتحدّث عن تجربته الشعرية المتأججة باللغة المغايرة ؟
أو أتحدّث عن تجربته الحياتية أو عن علاقتي الشعرية بالتجربتين معا ؟
ولأنني لست بالناقد المتخصّص المهتم بأحدث المدارس النقدية الجديدة في الشعر، ولا أملك إمكانيات المؤرخ المهتم بحياة الشعراء وتأثيرها على تجاربهم الشعرية وعلى تجارب الشعراء الآخرين أجدني أقرب إلى نفسي بالحديث مباشرة عن علاقة تجربتي الشعرية الخاصة بتجربة درويش.
في عام 1966 وأنا أتصفّح إحدى المجلات التي لم أعد أتذكر اسمها الآن
وجدت في أحد أعمدتها قصيدة ( عاشق من فلسطين) للشاعر
محمود درويش قمت بقراءتها عدة مرات بنهم الذي اكتشف شعرا
جديدا مغايرا لما هو مطروح في الساحة الشعرية من قصائد
فلسطينية العينين و الوشم
فلسطينية الاسم
فلسطينية الأحلام والهم
فلسطينية المنديل و القدمين و الجسم
فلسطينية الكلمات و الصمت
فلسطينية الصوت
فلسطينية الميلاد و الموت
حملتك في دفاتري القديمة
نار أشعاري
حلمتك زاد أسفاري
و باسمك صحت في الوديان:
خيول الروم .... أعرفها
و أن يتبدّل الميدان
هذه هي المرة الأولى التي أشعر فيها بتلك العلاقة الرائعة بين الأرض والمرأة و المرة الأولى التي أرى فيها جمال التكرار في كلمة فلسطين التي تؤكد على
الانتماء للتربة و الإنسان العربي فيها، ولأن اسم محمود درويش قريب جدا من الأسماء البحرينية المألوفة عندنا أو من الأسماء التي نقشت في ذاكرتنا الطفلة، ولأنّه غير بحريني فقد تصوّرت في البداية أنه ربما يكون أخا أحد المدرّسين الفلسطينيين الذين قاموا بتدريسي في الصف الثاني إعدادي، وهو الأستاذ عبد العزيز درويش مدرّس اللغة الإنجليزية الذي كنا نكنّ له احتراما كبيرا، و ذلك لطبيعة العلاقة الحميمية التي كانت تربطنا به و التي تجعلنا نزوره في سكن المدرّسين للتحاور معه في الكثير من الهموم المشتركة بيننا.
و بعد أن تعبت من سؤال بعض الأصدقاء المتابعين للشعر عن هذا الشاعر المختلف الذين قالوا إنهم لم يسمعوا به عدت إلى الأصدقاء للانشغال مرة أخرى بتجارب الشعراء الأكثر قربا إلى أفكارنا أحلامنا و طموحاتنا السياسية غير المحدودة بالزمان و المكان من خلال بدر شاكر الثياب و عبد الوهاب البياتي و صلاح عبد الصبور وخليل حاوي إضافة إلى نزار قباني.
ونحن في الصف الأخير من المدرسة الثانوية نواصل طرح الأسئلة التي تحرج المدرسين الذين لا يملكون الإجابة الشافية مثل ما هو مفهوم الديمقراطية و ما معنى الاشتراكية و الرأسمالية والبورجوازية وغيرها من الأسئلة التي كانت تقلقنا كمراهقين نحمل شيئا من بذور التمرّد على كل ما حولنا من قيم و عادات و تقاليد وأنظمة جامدة لا ترغب بالتغيير.
في هذا الجو المكتظ الحالم بالأجمل و الأفضل داهمتنا النكسة فخرجنا
في مظاهرات صاخبة مطالبين فيها بالتطوع للذهاب إلى فلسطين لمحاربة العدو الإسرائيلي ، النكسة التي دمّرت الكثير من المثقفين الحالمين المثاليين كانت بالنسبة للمولودين في عام النكبة بداية للبحث عن طريق آخر وفكر آخر أكثر إضاءة يستطيع أن يقرأ الواقع في هذه الفترة بالذات بدأت بيروت بإيصال شعر المقاومة الفلسطينية إلى القارئ العربي المتعطّش للتعرف على تجارب الشعراء داخل الأرض المسلوبة منا
و إذا لم تخن الذاكرة فإن كتاب ( شعراء الأرض المحتلة ) للشاعر يوسف
الخطيب كان المعجم الجميل الذي من خلاله تعرفنا على محمود درويش
و سميح القاسم و توفيق زياد و راشد حسين، و بدأنا نقرأ أشعارهم ونتابع نضالهم اليومي و نتداول تحركهم في جلسات كنا نعقدها لذلك، وكنا نحسد صديقا لنا استطاع أن يكبّر صورة لمحمود درويش و أخرى لسميح القاسم، و يضعهما إلى جانب صورة جيفارا الذي كان رمزا
للمثقف الثوري في العالم الثالث، ولكن للحقيقة والتاريخ أصبنا بخيبة بعد أن عرفنا أن يوسف الخطيب قد أزاح بعض الكلمات من بعض القصائد مثل أنا من قرية عزلاء منسيّه
و كل رجالها في الحقل و المحجر
يحبّون (..... )
و لكن رغم ذلك يبقى أهم ما أنجزه يوسف الخطيب في تصوّري هو إلقاء الضوء الأول على التجارب الشعرية التي ظلّت طويلا بعيدة عن القارئ العربي . في أواخر عام 1968 ذهبت للدراسة في بغداد، وهناك واصلت متابعة شعر المقاومة الفلسطينية، وبالأخص شعر محمود
درويش، و هناك أيضا بدأت في كتابة أول قصائدي التي تحمل شيئا من النضج الفني و أرسلتها إلى البحرين، ونشرت في صفحتين متقابلتين و كان عنوانها(عاشق الفجر)
و لا أنكر الآن بعد مضي ما يقارب ثلاثة عقود على كتابتها ونشرها أنها كانت متأثرة بقصيدة عاشق من فلسطين سواء من حيث العنوان أوالتفعيلة، وأذكر أنني وقفت ضد بعض الأصوات التي وجهت اللوم لسميح القاسم و محمود درويش لذهابهما إلى أحد المؤتمرات الشعرية بجوازات سفر إسرائيلية، وقد قلت لحظتها:'' إن من يريد إيصال قضيته إلى العالم من الممكن أن يستفيد من كل السبل المتاحة''.
وبعد خروج درويش من الأرض المحتلة إلى مصر، وقفت نفس الأصوات مطالبة ببقائه للنضال من الداخل، وإلا سوف يفقد قدرته على قول الشعر المقاوم، وقلت حينها لبعض تلك الأصوات المتوفرة لدينا بكثرة'': إن الشاعر الحقيقي لا يفقد صوته في أعتى الظروف''، وكان درويش عند وعده لنا كشعراء حيث أتحف القارئ العربي بواحدة من أجمل قصائد تلك المرحلة، وأعني بها قصيدة ( سرحان يشرب القهوة في الكافتيريا) هذه القصيدة في تصوّري لم تدفع شعرية درويش خطوات للأمام فقط، إنّما أيضا دفعت الشعر العربي بصورة عامة إلى البحث عن مناطق غير مطروقة من قبل و البحث عن لغة جديدة طرية طازجة . وأقول:'' إن درويش علّمني بصورة غير مباشرة كيفية عشق الأرض/ المرأة الأرض /آلام الأرض/ الرغبة بالتغيير، وقد دفعني عبر تجربته الشعرية للتوغل عميقا في النثر الصوفي، بحثا عن المزيد من الالتصاق بالأرض والحلول فيها، والفناء بها من أجل رفعها إلى أعلى منطقة
في هذا الكون. و درويش أضاء أمامي الطريق إلى عشق العالم الحالم بالخبز والحرية و السلام العالمي حيث لا يستغل الإنسان إنسانا آخر، و درويش أعطاني القوة عبر تجاربه الشعرية في مواصلة الكتابة الجادة القادرة على إزالة القبح و زراعة الجمال، لذلك تبقى تجربة درويش أحد الروافد الهامة التي ساهمت مساهمة كبيرة في إثراء وإغناء تجربتي الحياتية و الشعرية، و لا أخجل إن قلت:'' إنّه أحد المعلمين الذين علّموني كيفيّة التعبير عن عشق الأرض و الإنسان''.

****

نصوصه ساعدتني .. على تكوين مذاق خاص لألحاني

خالد الشيخ
(البحرين)

بدأت تجربتي مع نصوص محمود درويش منذ الثمانينات، فكانت نصوصه تمثل لي إغواء للدخول في عالم غريب تتدفق من خلاله الألحان وتتكسر بعض النغمات أمام صلابة تحتويها نصوص محمود درويش.
كنت أقتني دواوينه وأبدأ في التمرين/ الإحماء في محاولات تستهدف موسقة هذه النصوص. وقد ساعدتني تلك النصوص على تكوين مذاق خاص لألحاني التي أقدمها بحيث كسرت عندي النمطية والترتيب فكنت أحاول من خلالها الخروج إلى تخريب النظام السمعي الذي يقود نغماتي، كما أتاحت لي نصوص درويش فتح مسارات جديدة وكثيرة في التعامل مع النصوص. ولدي الكثير من الألحان لقصائد محمود درويش التي أنجزتها في الثمانينات والتي لم تخرج بعد للنور، والتي أرى بأنها لا تصلح لأن تقدم الآن بالشكل الذي لحنت به في تلك الفترة لأنها بحاجة لمراجعة عمقية.
نصوص محمود درويش عصية على الزمن لا تتغير، قوتها فيها، ولكني أنا الذي قد تغير، فعندما ارجع الآن للأعمال التي حاولت أن أقرأ من خلالها نصوص درويش بعودي في الثمانينات أجد بأنها لم تتغير ولكني أصبحت بقراءة الحاضر أكثر قدرة على أن أكتشف في النصوص أمورا لم اكتشفها من قبل. فتعاملي مع النصوص الآن مغايرا لتعاملي معها في الثمانينات، وذلك بسب التطور الذي حدث لي في الخبرة وفي العمر، فأصبحت أركز في تلحين النصوص على التعبير عن ما تتضمنه من مشاهد ودراما، كما أصبح تعاملي معها أكثر حرية من قبل من حيث تفكيك النص بالموسيقى لدرجة أن ألجأ إلى أية جملة في النص لتكون هي بداية عملي في القصيدة.
تناولي اللحني لنصوص محمود درويش في الثمانينات كما في تجربة قصيدة أبيات غزل عام 1984 كانت ترتكز على دوري كملحن للنص، بحيث اعتبرت أن كل مقطع في القصيدة بحاجة إلى لحن، وكنت أسعى إلى تقديم ألحان كثيرة للنص الواحد، بخلاف ما أقوم به الآن من حيث التركيز على اختصار الألحان. فالفارق بين أسلوبي في تناول نص قصيدة أبيات غزل عام 1984 أو قصيدة عندما كنت صغيرا عام 1985 وبين قصيدة لحن غجري التي قدمتها في ألبوم رحلة الغجر عام2002 هو فرق في اختزال النص داخل فكرة أو فكرتين لحنيتين، فاستطعت الآن أن أجعل الموسيقى في لحن رحلة الغجر تضع القصيدة أمام احتمالات لحنية ضيقة، بدلا من ترك النص مفتوحا لمقترحات لحنية واسعة.
وهذه هي الموضة السائدة موسيقيا في عالم صناعة الأغنية اليوم، بخلاف الوضع في التناول اللحني لقصيدة أبيات غزل حيث تمددت القصيدة على مجموعة ألحان، وتحولت إلى عدة أغانٍ في أغنية واحدة، يمكن الفصل بينها لتكوين ثلاث أو أربع أغاني، فاستمرارية النص وهو مكتوب تختلف عنه وهو مغني، ويبدو ذلك جليا عند الحديث عن الخطأ الذي وقعت فيه عند تلحين إحدى فقرات نص قصيدة أبيات غزل بشكل مغاير عما كتبه الشاعر وذلك في المقطع الذي يذكر فيه :
أتفاحتي يا أحبّ حرام يباح
إذا فهمت مقلتاك شرودي وصمتي أنا
عجبا كيف تشكو الرياح بقائي لديك
فعند الرجوع إلى لحن الأغنية كما قدمته تجدني قد أنهيت جملة اللحن عند كلمة صمتي وفصلتها عن كلمة أنا، حيث التحقت '' أنا '' بكلمة '' عجبا '' مما سبب إرباكا في صياغة الجملة، فأصبحت كما يلي :
أتفاحتي يا أحبّ حرام يباح
إذا فهمت مقلتاك شرودي وصمتي
أنا عجبا كيف تشكو الرياح
بقائي لديك
ولم تكن مسألة الاتصال بدرويش للتفاوض حول هذه الأمور وغيرها بالأمر السهل لذلك وطوال تلك الفترة السابقة وحتى الآن لم تكن لي صلة شخصية معه سوى اتصالات هاتفية للحصول منه على موافقته لغناء أعماله، وقد بعثت له بمجموعة من الأعمال إلى رام الله قبل اجتياحها ولكنها للأسف لم تصل له بسبب سيطرة إسرائيل على جميع المراسلات.
واستضافة البحرين لمحمود درويش ضمن مهرجان ربيع الثقافة في البحرين سوف تنيرها، فوجوده ينير أي منطقة يتواجد فيها، وأتمنى من البحرين أن تستفيد من نوره ونور ضيوف المهرجان القادمين، بحيث تدرس تجاربهم للوصول إلى الكيفية التي تحولت هذه الأسماء إلى أنوار وأسماء أخاذة ومهمة تحرص المهرجانات الثقافية العربية والعالمية على دعوتهم للمشاركة فيها، ثم تعمل على إيصال المبدع البحريني إلى هذه المكانة.

خالد الشيخ
البحرين
مارس 2006م

***

أعمال الفنان خالد الشيخ لقصائد محمود درويش

1- عام 1984م قصيدة أبيات غزل ضمن أعمال ألبوم ( ألا يا مدير الراح ).
2- عام 1985م قصيدة غريب في مدينة بعيدة -عندما كنت صغيرا - ضمن أعمال ألبوم (يا عبيد).
3- عام 1987م قصيدة حب على الصليب (قصيدة حب ) ضمن أعمال ألبوم (ديسكو).
4- عام 2002م قصيدة لحن غجري ضمن أعمال ألبوم ( رحلة الغجر).
5- عام 2004م قصيدة موال ضمن أعمال ألبوم (صباح الليل).

****

قصائد ضد كل الطامعين فيه

حسين بن حمزة
(سوريا/لبنان)

معظم قراء محمود درويش اليوم يميلون، برغبة صريحة أو على مضض، إلى قراءة شعره بالطريقة أو بالوجهة التي يحب هو أن يقرأ بها هذا الشعر. و الأرجح أن هؤلاء يتصرفون هكذا تبعاً للتعليمات و الإشارات و الإرشادات، المباشرة والمواربة، التي راح درويش نفسه يرسلها، في حواراته ومقالاته وأمسياته الشعرية، إلى قرائه بضرورة وأهمية أن يساندوه ويقفوا في صفه ويحموا ظهر قصيدته وهو يتخفف من غنائيتها العالية ودراميتها المتوترة ولصوقها بفعل وثقافة النضال والمقاومة والتاريخ الفلسطيني.
بعض القراء لا يزالون يطمعون، بين حين وآخر، أن يسمعوا من درويش في أمسياته شيئاً يرضي حنينهم إلى سابق عهد ذائقتهم بشعره. وبعضهم ، وهم النسبة الأعلى، تكيفوا، راغبين، مع قصائده الجديدة التي راحت منذ مجموعته ''ورد أقل'' تتخفف من حمولات موضوعاتية ورمزية و تاريخية ونضالية مباشرة، بل وراحت هذه القصائد تميل، أكثر فأكثر، إلى القصر والكثافة والنثرية، بحيث يمكن القول: إن درويش، في مجموعاته الأخيرة، كان ينجز قصيدته بمنطق الضربة الأسلوبية الواحدة. وهو في هذا الصنيع، ولا أعرف ما إذا كان درويش يعي ذلك تماماً، كان يقرّب شعره الجديد، وخصوصاً قصائده القصيرة، من أجواء و مناخات ومواد وخلائط الشعر الذي كتبه شعراء من أجيال مختلفة في السبعينات والثمانينات وما تلاهما. إنه، في هذا المعنى، يبدو كمن يجدد شبابه الشعري بالتحاقه بما هو دارج أكثر ومتوفر بكثرة. بل إن محمود باتت تجذبه و تستدرجه يوميات وركاكات وتفصيلات ما سمي بالشفوي والقصيدة اليومية، وهو مهّد لذلك باستثماراته الموفقة والهائلة لعلاقات النثر وجفاف ما هو نثري و الدقة المطلوبة فيه مقابل الحضور الغنائي والدرامي والإيقاعي الشديد السيادة في شعره.
لقد نجح محمود درويش في إقناع شرائح واسعة من قرائه القدامى على مواكبة جديده. ويمكن القول أن ذلك حدث على دفعات محسوبة، من الشاعر نفسه أولاً، ووفق تربية مبتكرة لهؤلاء وإعادة تأهيل لذائقاتهم.
أحسب أن درويش أراد من جهة ودفع دفعاً من جهة ثانية لكي يصل إلى ما ينجزه ويكتبه اليوم. والأرجح أن ما ساهم في ذلك هو أن ارتباط درويش بقضية فلسطين قاد النقد العربي الكسول والغبي إلى ربط شعره بالمقاومة، بحيث باتت تجربته لا تذكر إلا تحت عنوان: المقاومة وسقف القضية. والأرجح أن درويش شعر في فترات عديدة أن المعاملة النقدية الخاصة التي يلقاها شعره قد أضرّت بتجربته وضيّق عليها الخناق، بحيث باتت ملحقة بموضوع المقاومة التي لا يحضر شعره إلا بمناسبة الحديث عنها وبالعكس. وكأن هذا الشعر لا ينال حضوره الطبيعي داخل الشعر العربي الحديث إلا عبر مروره بنفق المقاومة وكونه مثالاً رمزياً لقضية .
تبقى إشارة أخيرة ومهمة وهي أن تجاور جديد محمود درويش، وخاصة قصائده القصيرة، مع الشعر الذي تعاقبت أجيال وتجارب كثيرة على كتابته تعطي لهذا الشعر نوعاً من الشرعية. إنه يملك هذه الشرعية بالطبع ولكنه، بما كتبه ويكتبه محمود درويش الآن، يتلقى جرعة إضافية وقوية.

***

قهوة محمود درويش

أشرف أبو اليزيد
(مصر/الكويت)

لا يمثل محمود درويش مفردة صمَّاء في نسيج حركة الشعر المعاصرة، بل تتحدُ خيوطُ وشاحه مع أنسجة الحداثة الشعرية، والتراث الفلسطيني، والثورة العربية، واللايقين الذي يطبع ذاكرة الإنسان المعاصر وحاضره، والموت الذي يقف عند تقاطعات حياة العربي في كل مدينة على وجه الأرض.
قد يقرأ النقاد والمعجبون قصائد درويش، لكنهم يغفلون نثره، الذي لا يقل شاعرية أو ألماً. هو المتحدث الرسمي مع كثيرين باسم الشتات الفلسطيني، كما رسمته ريشة حنظلة وروايات كنفاني وتمردات معين بسيسو، وتأملات إدوار سعيد، ودموع فدوى طوقان.
في سيرة مبكرة اختار لها ''ذاكرة للنسيان'' عنوانا، يقول عن أبناء جلدته الذين شدُّوا أجسادهم قوسًا يتوتّر، حتى اتخذ الموت فيهم هذه الصيغة الاحتفالية، ما بين الخروج من مدن وقرى فلسطين، والحلول في معسكرات ومخيمات بيروت: ''لقد أُخرِج آباؤهم من هناك ليحلوا ضيوفًا علي هنا، ضيوفا مؤقتين، من أجل إخلاء ساحات الوطن من المدنيين، ليتسنى للجيوش النظامية تطهير أرض العرب وشرفهم من العار الدنس ... يولدون بلا مهد، وكيفما اتفق، على حصير أو في سلة من قصب، أو على أوراق الموز، يولدون كيفما اتفق بلا شهادة ميلاد وبلا سجل أسماء، بلا فرح وبلا ميلاد، كانوا أعباء على أهلهم وعلى جيران الخيمة، وباختصار: كانوا ولادة زائدة، كانوا بلا هوية''. وفي بيته الجديد، أو منفاه المتجدد، وهو الذي حل بأكثر من منفى وبلد، تطرده مدينة لتتلقفه بالأحضان أخرى، حتى يتبدل الوعد، لا يبقى لديه سوى القهوة وطناً، نعم ، القهوة التي توحِّدُ لديه كل الأماكن، وتختزل عنده كل العصور، يتساءل: ''كيف تكتب يدٌ لا تبدع القهوة؟ كم قال لي أطباء القلب، وهم يدخنون: لا تدخن ولا تشرب القهوة. وكم مازحتهم: الحمار لا يدخن، ولا يشرب القهوة، ولا يكتب. أعرف قهوتي، وقهوة أمي، وقهوة أصدقائي. أعرفها من بعيد وأعرف الفوارق بينها. لا قهوة تشبه قهوة أخرى. ودفاعي عن القهوة هو دفاع عن خصوصية الفارق. ليس هنالك مذاق اسمه مذاق القهوة، فالقهوة ليست مفهومًا وليست مادة واحدة، وليست مطلقًا. لكل شخص قهوته الخاصة، الخاصة إلى حدّ أقيس معه درجة ذوق الشخص وأناقته النفسية بمذاق قهوته... ثمة قهوة لها مذاق الكزبرة. وذلك يعني أن مطبخ السيدة ليس مرتبا. وثمة قهوة لها مذاق عصير الخروب. ذلك يعني أن صاحب البيت بخيل. وثمة قهوة لها رائحة العطر. ذلك يعني أن السيدة شديدة الاهتمام بمظاهر الأشياء. وثمة قهوة لها ملمس الطحلب في الفم - ذلك يعني أن صاحبها يساريّ طفولي.
يسهب محمود درويش في الحديث عن القهوة حتى لتظنه مروجا للبن، فعنده ثمة قهوة لها مذاق القِدم من فرط ما تألب البن في الماء الساخن، وهو يفسر بأن صاحبها يميني متطرف. وثمة قهوة لها مذاق الهال الطاغي وذلك يعني لديه أن السيدة محدثة النعمة.
يقول درويش: ''لا قهوة تشبه قهوة أخرى. لكل بيت قهوته، ولكلّ يد قهوتها، لأنه لا نفس تشبه نفسًا أخرى. وأنا أعرف القهوة من بعيد: تسير في خط مستقيم، في البداية، ثم تتعرج وتتلوى وتتأود، وتتأوّه وتلتفّ على سفوح ومنحدرات.. حتى وهو يتذكر قصة حب ذوت مثل دخان فنجان قهوة ذاب في سماء الغرفة: لم نلتق غير مرتين. في المرة الأولى حفظت اسمها. وفي المرة الثالثة لم نلتق. فلماذا تناديني الآن من حلم كنت أنام فيه على ركبتها. لم أقل لها في المرة الأولى: أحبك. ولم تقل لي في المرة الثانية: أحبك. ولم نشرب القهوة معًا''. حين نقرأ فنجان درويش الشعري، سنجد جنوحه للقهوة، التي تشكل صباحه، وتشكل صورة أحبائه، وهو يربط دائما ما بين أمه والقهوة، وحين يتجه درويش ليرتشف قهوته، ستبدو على وجه الفنجان صور المدن والمتاريس، وتبدو على الجدران خيالات الذين ودعهم وودعوه، ويبقى في القاع ذاكرة متلحفة بالسواد، إنه الحداد على الأيام التي لم يشرب فيها القهوة ''أيام السجن''، والظلام الذي لم يجد فيه النار ليعد بها فنجانه.

***

الرحلة مع يوليسيز

علي سفر
(سوريا)

تبدأ الصحبة مع شعر محمود درويش من نقطة أبعد من كونه شاعر الأرض المحتلة كما أسماه الكتاب الذي قرأته عنه في أول رحلات القراءة، وأقرب إليه من تصور أنه يوليسيز المترحل في أمداء البحر بعيداً عن أثينا ..
فهو يشبه في تصورات معرفته - كمدخل لقراءة سيرة مقترفي الشعر العرب - الملك الضليل الذي يبكي مع صاحبه و لا يتركه يبكي وحده و في نفس الوقت لا يلحق مع صاحبه بقيصرا ...!!
هذه الحالة التي يقترب منها قارئ شعر محمود درويش تجعل منه ومن القارئ ذاته أشبه بمن يلعب مع صاحبه لعبة الأستغماية .. ولعل نتيجة اللعبة تذهب دائماً الى صورة الشاعر المختفي وراء صور الشخوص في قصائده .. وهنا أجد أنني لا أعرف درويش إلا من خلال القصائد ... فنحن وكما جرت عادة القراءات النضالية نبحث في أكمات الكلمات عن الحقائق التي لا يجيب عليها صاحبها ..
عرفت درويش عبر هذه البؤرة النضالية واغتربت عنه حين شاء أن يتغرب عن هذه الصورة ولا سيما بعيد حصار بيروت وما تبع هذه المرحلة من قصائد ودواوين تبدو أشد ألفة وحباً وتغرباً في محيطات الضياع .. وبدوري سأصبح مؤتلفاً معه بعد الاغتراب، إذ أرى نفسي فيما هو مبثوث في قصائد ''ورد أقل'' .. الكتاب الأشد اقتراباً مني والذي أنحاز إليه إذا شاءت العبارة أن تؤلف أو تقول ..
ففي ورد محمود درويش الأقل .. أرى دمشق وأرى الشام وأرى الياسمين وأرى الأرض التي تضيق بنا معاً بعيداً عن ارتسامنا في اللوحة كفلسطينيين أو سوريين أو عرب ...!
الشاعر في هذه القصائد يبتعد كثيراً في التراجيديا ويغلب على مأساته أنها هي بنت حياته وبنت حيوات الآخرين وليست المأساة المنتشلة من الأسطورة، بل هي أسطورة ذاتها المتجلية في التفاصيل الحديثة للألم
''إلى أين نذهب بعد الحدود الأخيرة ؟
أين تطير العصافير بعد السماء الأخيرة؟
أين تنام النباتات بعد الهواء الأخير ؟''
وفي الضفة الأخرى من هذا النهر المتدفق بالألم يصبح الحب في قصائد درويش رفيقاً لألم جيل بأكمله ..
جيل لا يرى في القيمة النضالية سوى رافعة لاعتلاء حقيقة أنه جيل مهزوم بلا معارك وبلا حروب سوى حروب الذات مع الآخر .. فمن ريتا في الدواوين الأولى إلى قصيدته البهية '' شتاء ريتا الطويل '' ثمة دورة ألم متكاملة وهناك عاطفة نازفة بتلقائية عجيبة تجعل من القارئ مشاركاً في الشجن بلا اقتراف ..
محمود درويش الذي يكتب في منبره الكرملي رأياً سياسياً وفكرياً يحترم الأخر يصبح آخراً مهملاً وغير مرغوب به كواحد من أبناء المرحلة الأولى للثورة مثله مثل ياسر عرفات الذي سمي بالاسم ذاته في فيلم يحمل عنوان هو ذات العبارة السابقة '' غير مرغوب به '' لأوليفر ستون ..
وربما يحتاج درويش الى من يدفع عنه صورة الراغب بالتأبد في المنفى رغم عودته الى رام الله والى جزءٍ غير قليل من فلسطين .. كي يوصله الى فلسطين التي تبقى '' أم البدايات و أم النهايات '' ..
كما هي الشام، وكما هي الروح التي تتجول بين قصائده ..
أهي روح يوليسيز حقاً ..؟
أم هي صورة داشرة من مجمل فيض صوره الشعرية .. ربما تكون هي المنادى في كلمات قصيدته (طوق الحمامة الدمشقي) :
'' أمر باسمك إذ أخلو إلى نفسي
كما يمر دمشقي بأندلس
هنا أضاء لك الليمون ملح دمي
وها هنا ريح وقعت عن الفرس .. ''
هي رحلة تستحق أن تختبر الى أقصى إمكانيات التلقي ..
فما ينتظر البطل في هذه الأسطورة الصغيرة أشد تأثيراً من ملاحم العاربة والمستعربة .. وأكثر حضوراً من كل من كل حكايا التاريخ ..
إنها أسطورة تفصل حياتنا على أمداء بلاغتها وطغيان بهاء صورها ..
هذه هي الرحلة مع محمود درويش ..يقترفها القارئ الذي أكونه ويوزعها على تفاصيله بعناية تشبه عمل شاعرها فيها ..

****

يتحدثان عن تجربة (أجراس) مع عاشق فلسطين

خليفة زيمان: تعلمنا منه المقاومة
هدى عبدالله: نصوصه ملاذي وملجئي

كتب - سمير إبراهيم
للفنان البحريني خليفة زيمان تجربة خاصة مع الشاعر محمود درويش يرويها '' للوطن '' في السطور التالية :
في عام 1979 عندما كان عمري 15 عاماً بدأ تعلقي بنصوص محمود درويش من خلال ما سمعته من تجاربه مع الفنان مارسيل في أغاني مثل ريتا والبندقية ، وأحن إلى خبز أمي. وبعد انتقالي للقاهرة عام 1980 لدراسة الموسيقى بدأت أتعلق على الفن المختلف أو الجاد وبدأت استمع وأقرأ لشعراء المقاومة الفلسطينية وكان من ضمنهم الشاعر محمود درويش. وبسب غلبة الجو الوطني على الحياة الطلابية في القاهرة فقد شكلنا من ضمن الاتحاد الوطني لطلبة البحرين مجموعة من المثقفين الوطنيين الشباب ، وفي عام 1980 م الجامعة الأمريكية في القاهرة طلبت مني أن أشارك ضمن مهرجان عن القضية الفلسطينية وكانت معظم القصائد المختارة من نصوص محمود درويش وطلب مني أن أقوم بتلحين قصيدة اعتذار التي غنتها طالبة مصرية في وقتها ثم أعادت سلوى زيمان غناءها لا حقاً.
ومع تأسيس فرقة أجراس مع أخي سلمان زيمان عام 1981م حيث كان للقضية الفلسطينية ونصوص شعراء المقاومة الفلسطينية الهيمنة على معظم أعمال الفرقة، وكان نصيبي هو نصيب الأسد من نصوص محمود درويش.فقدمت مقاطع من قصيدة غريبان وغنتها هدى عبد الله عام ,1983 ثم قدمت قصيدة البلد البعيد عام 1984م.
وقد كان لحضوري أمسية شعرية للشاعر محمود درويش عام 1982 في مقر حزب التجمع الوطني أو الوحدوي في القاهرة، أثر كبير في نفسي حيث أنني أخيراً سأستمع للقصائد التي اقرأها لدرويش، وقد كنت اسمع ألحان القصائد في داخلي حيث تتجاوب مع الصور التي يلقيها درويش. وقد كان لصوته وخامة أدائه وطريقة وقفاته أثناء القراءة موسيقى تحفزني للعمل. فعند تعبيره بصور شعرية من خلال مد الكلمة فان لذلك ارتباط بالمدة الموسيقية ، كما أن لإدغام الحروف وطريقة نطقه للمفردات ووقفاته هي كلها صيغ ملحنة تسهل على المؤلف الموسيقى أو الملحن لتلحينها.
وقد كان لمعظم القصائد التي لحنها لحمود درويش بعداً إنسانياً تحمل في مضامينها القضية الفلسطينية ولكنه بعيداً عن الثورية و الحماسة والصورة المباشرة.وقد سنحت لي الفرصة في القاهرة لشراء أشرطة أمسياته الشعرية من خلال معرض القاهرة للكتاب الدولي . ولكن من المفارقة الغريبة أن معظم ما لحنته لدرويش لم استمع لقراءته لها.
لكن مرسيل خليفة استطاع أن يقتنص ويختار قصائد مهمة من شعره بشكل ذكي يعتمد على خبرة ، وتجد أن أعمالهما معا خالدة ناجحة ومنتشرة و مستمرة في وجدان الناس إلى يومنا الحالي. وكذلك لخالد الشيخ أعمال مهمة مع نصوص محمود درويش، ولقد كان لتعاملي مع نصوص درويش من خلال التركيز على البعد العربي والابتعاد عن الصيغ المعروفة في دول الخليج العربي، وقد أتضح ذلك من أثناء مشاركتي في قرطاج حيث لم يخطر في بال أحد من الحضور بأن ملحن هذه الأعمال هو بحريني من خلال التركيز على الموسيقى والغناء لأن الصور الموسيقية المتضمنة في نصوص درويش تمنح المؤلف الموسيقي فرصة كبيرة للتأليف والكتابة الموسيقية. وللأسف لم تسنح لي فرصة لكي أوصل ما لحنته من نصوص وسوف انتهز فرصة مشاركته الأخيرة في مهرجان ربيع الثقافة لكي التقي به وأقدم له ما أنجزته من أعمال. وأتمنى أن التقي معه عبر تجربة مشتركة أقدمها رسالة بحرينية فلسطينية تعطي محمل وطابع وطني صادق ورسالة مهمة توضح بأن في البحرين فنانين يؤمنون بشعر المقاومة الفلسطينية ويسعون لتقديم فن مخالف لما يقدم عبر الفضائيات وفي السوق.

والفنانة هدى عبد الله صاحبة صوت من أجمل الأصوات البحرينية، وقد قدمت أعمالاً لمحمود درويش ،وعن تجربته في تقديم هذه الأعمال ، قدمت هذه الشهادة للوطن '' فقالت : ''
كانت بداية تعرفي تجربة الشاعر محمود درويش أثناء السنة الأولى لدراستي الجامعية في القاهرة عام 1980 م،حيث بدأت في هذه الفترة الارتباط بالثقافة والشعر، فقد كنت قبلها على صلة فقط بنصوص وأشعار التجربة الرحبانية، وكان أول تعرف لي من خلال قصيدة حب على الصليب و مدينة كل الجروح الصغيرة، حيث قمت بتلحين هذه القصيدة كأول تجربة تلحين بعد تخصصي في دراسة آله العود.وفي اختياري لهذه القصيدة دلالة على أنني كنت أعي أن قصائد درويش هي انفتاح على الكلمة ببعدها الإنساني ، كما أنني كنت قد سمعت نصوص درويش من خلال أغاني مارسيل خليفة. و كان اهتمام فرقة أجراس بنصوص درويش فيما تقدمه من أعمال سبباً آخر لتعلقي بنصوصه.
وتضيف هدى ''لقد كانت قصيدة الأرض أول أغنية قدمتها من خلال فرقة أجراس من شعر محمود درويش للملحن عبد الوهاب تقي بمشاركة فريق أجراس عام 1981م ضمن ألبوم فرقة أجراس الأول.ثم عمقت استماعي لتجربة مرسيل خليفة ونصوص درويش.
و تواصل القول : ''قد سنحت لي فرصة حضور أمسية شعرية لمحمود درويش في القاهرة في عام 1982م ، فقد كانت فرحتي لا توصف بهذه الأمسية حيث كانت فرصة فاقت درجة استيعابي في تلك الفترة ،فكنت منبهرة بأدائه الذي أشعرني بمدى تميزه من خلال عباراته وكلماته وقوة حكمته في توصيل مفاهيمه وأفكاره، وقد كنت أتمنى لو كنت أمتلك الشجاعة للتعرف عليه شخصياً لأخبره بأنني قد لحنت وغنيت من نصوصه، ولكن لم يتم ذلك بسبب خجلي الزائد ''.
وبعد غنائي لعدد من القصائد لنصوصه ،مثل'' غريبان'' أستطيع أن أقول: إن'' التعاون مع نصوص درويش يفرض على الملحن أن يضع في نفسه اعتبارات كثيرة لكيفية صياغة لحنه وأبعاده ، كما يجب على من يتصدى لغناء هذه النصوص، التفكير في مدى قدرته على إيصال التعبير الذي يتناسب مع ما قدمه درويش من خلال مفرداته ، لأنها معبرة وقوية بحد ذاتها ، وإن غناءها يحتاج لنوع من التحدي والجرأة والوعي لدى كل من يتصدى لها.
وبعد غناء نصوص درويش وجدت صعوبة اختيار ما أغنيه، حيث أطالب حالياً من قبل المنتجين بأن أغني النصوص الدارجة التي تختلف فنياً وفكرياً مع ما غنيته عبر نصوص محمود درويش ، فنصوص محمود درويش كانت وما زالت ملاذي عندما تشتد بي مشاعر الإحباط الناتجة عن صعوبة إنتاج أعمال فنية راقية في الفترة الحالية ، حيث الجأ لقراءتها، لتعزيز روحانياتي وللبحث عن قصيدة اقترح أن تلحن وذلك كشكل من أشكال التعبير عن وجودي ، وللتأكيد على أن ترددي في غناء أي عمل، ناتج عن حرصي الشديد على المحافظة على المستوى الفني الذي عرفت به ليس بخاطئ دائماً .
وتجربتي في غناء نصوص درويش مرت بعدة أسماء لحنية ،فقد غنيت من ألحان خليفة زيمان قصيدة ''غريبان'' ، ولعبد الوهاب تقي قصيدة'' الأرض'' و لجابر علي قصيدة''عندما يسقط القمر''، من خلال أعمال فرقة أجراس، كما شاركت مؤخراً الفنان الأستاذ خالد الشيخ في غناء قصيدتي'' رحلة الغجر'' و''موال''.
ويسرني بمناسبة مشاركة الأستاذ محمود درويش ضمن فعاليات مهرجان ربيع الثقافة في البحرين، أن أوجه له الكلمة التالية: إن وجودك إثراء للثقافة وتأكيد بأن الدنيا مازالت بخير، وأن كل إنسان بحاجة إليك. وإنني سعيدة بوجود شاعر دائم التألق والعطاء مثل شخصك ويشرفني أن أكون ضمن جمهورك، وأتمنى أن تسنح لي الفرصة للالتقاء بك لتقديم الأعمال التي غني من نصوصك، وأتمنى أن يكون لي زاوية في ذاكرتك في يوم من الأيام للتواصل دائماً مع كلمتك المعبرة والله يكثر من أمثالك ''. .

***

جنة ليست للنسيان

فريد رمضان
(البحرين)

-1-

انتظرناك طويلا أيها الشاعر المعمم بالحكمة، وبورد الطريق. حفظنا علاقتنا العاطفية ونحن نردد قصائدك فيأخذها البحر نحو موج لا يشبه الموج. اسمينا أطفالنا باسمك، علنا نبصر فلسطين وهي تنبض مثل قلب جنين يكتب أبجديته على ثمار القصيدة.

-2-

لماذا تأخرت علينا؟
لماذا خاصمت قلوبنا؟
لماذا تمنعت عن حبنا، ونحن الذين أغوتنا قصيدتك واخترقت بنا هذا الربع الخالي الذي يمتد من البحر إلى البحر؟
لم تعلمنا حب فلسطين، فقد سبقك في ذلك آباؤنا وأمهاتنا وهن يهتفن في شوارع البحرين كلما وقع شهيد على ضريح الشهيد؟
لم تعلمنا حب فلسطين، ولكن علمتنا فلسطين القصيدة.

-3-

هل نعتب عليك كل هذا الغياب؟
هل نلومك ونبوح لك جهرا بهذا الحب كي تدرك أن العربي يجدل شعر النجوم كلما تطاول قصائدك.
ما الذي فعلناه لكي تحرمنا هذا اللقاء المؤجل؟
عليك أن تعتب على الحكومات العربية التي أغلقت في وجه الفلسطيني كل باب وكل مطار؟
عليك ان تعتب عليهم أنهم وضعونا في صناديق صغيرة مسورة بغبار النسيان، ولكننا لم ننس ولن ننسى.

-4-

الوطن على فرن العذاب وأنت مدفأة الكتابة في شهوة الحلم الذي طال انتظاره. أين سأحفظ أفراحي الصغيرة الساكنة رمش الحجر. وكيف أحرر هذه الغيوم التي تبني مساكنها دون مطر، دون رعد. وهل سيكبر على جبين أطفالي الذين أناديهم باسمك، قبل أن تقف حبيبتي وتتلو عليّ (أحمد الزعتر) وأنا اختبر طريق الحب، فأضيع في درب الريح.
الوطن على فرن العذاب، وأنت تراهن أسفارك في شعر لا يعرفك مثلما نعرفك نحن. تراهن على مطر وثلج في جيب قميصك لا يعرف أسمك مثلما نعرف عطرك الذي وضعته في ذلك المساء الذي لم تأت فيه عشيقتك، فتركتك تعيد بعثرة المكان وتشرب النبيذ وحيدا.

-5-

كيف نترجم قصائدك
ونحن الذين التصقنا بها، فكانت لا تخرج إلا محملة بميراث من التحول، نبوءة الفجيعة، وذاكرة المسدس الذي وضعته قرب مخدتك في حصار بيروت، حين همست لنفسك فسمعناك في الوطن العربي كله: رصاصة لعدوي وأخرى لي. لم تتعلم حمل البندقية، لكن قصائدك كانت تترجم غضب الكنيست الإسرائيلي.
هل ترى كم كنا نتابع روحك وظلك وقصائدك وجنونك؟
هل تسألنا بعد كل هذا لماذا نحبك؟ لا بل عليك أن تعتذر لأرواحنا لأنك تأخرت كثيرا؟
كثيرا يا محمود درويش.

**********

ابق لتدهشنا أيها المتعدد

شعراء ونقاد البحرين: محمود درويش في صلب أرواحنا

أعد الشهادات
إبراهيم أحمد وحسين التتان:

محمود دويشقد نختلف ونتقاطع مع بعض الشعراء من حيث المبدأ أو التفاصيل، ولكن من الصعب أن يحدث هذا مع الشاعر الكبير محمود درويش، الذي يأتي للبحرين.
هنا تحقيق يسعى للاقتراب من صورة الشاعر كما يرسمها بعض شعراء ونقاد البحرين، واللافت أن ثمة إجماعاً في تلك الشهادات على أن درويش ظاهرة إنسانية لن تتكرر أو أنه النجم الذي خطف الأضواء من معاصريه، وعندما تحدثنا مع بعضهم عن درويش وجدناهم يحبونه، كما كان يحبون فلسطين ويعشقونه، كما كان درويش يعشق القمح والسّفح عند بوابة القدس الشرقية.

إبراهيم بوهندي: ظاهرة نادرة في شعرنا العربي

يؤكد رئيس أسرة الأدباء والكتاب الشاعر إبراهيم بوهندي بخصوص شاعرنا الكبير درويش وتجربته الشعرية قائلا: ''محمود درويش شاعر عظيم له حضوره العالمي، ونحن سعداء ككتاب وشعراء بأن يشاركنا فعاليات ربيع الثقافة التي تدشن للمرة الأولى في البحرين، فهي فرصه جميله لنا أن نلتقي به، بعد أن كانت لحظات اللقاء معه تقتصر على دواووينه الشعرية وأمسياته الشعر عبر الفضائيات، وأرى بذلك أنه شاعر محترف ومتمكن باستخدام الأدوات الفنية الشعرية إلى حد بعيد، إضافةً إلى كونه صادق بتجربته فهو من القلائل الذين انفتح عالم الشعر لهم من أوسع أبوابه، فكان وعبر أجيال متعاقبه سفيرا للقضية الفلسطينية والانسانيه، فتجربته النضالية من ملاحق ومطارد ومسجون من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي هي خير دليل بقدرته على تأكيد أن الكلمة أقوى فعلا من الرسالة، فعجزت الأيدي الآثمة من أن تكمم كلماته عبر سنوات طويلة من الصبر والكفاح''.
ويضيف بو هندي ''وفيما يتعلق بشعر النثر... فلا أستطيع القول: إن كل ما يكتب نثرا يقرأ ويمكن تصنيفه شعرا، فالشعر له خصائصه وأدواته، فإذا استطاع الشاعر المحافظة على القواعد السليمة، وإن يوظف أدواته التوظيف السليم - وأنا أرى شعراء النثر بذلك قلة، فقضية الشعر النثري أن الباب أصبح مفتوحا على مصراعيه للجميع بلا استثناء، فأصبح الجميع يكتب ويعبر ...والأمر هنا يمتد من مجرد كتابة خواطر أو أحاسيس داخلية، وبذلك فأنا متحفظ على القصيدة النثرية ، وأرى انه في حالات نادرة استطاع البعض من الشعراء الوصول إلى الصورة الجميلة لشعر النثر ولكنهم قله جدا، ابتدأوا من الشعر العمودي مرورا بالتفعيلي وحتى النثر، وفي حالة محمود درويش أراها طفرة نادرة في فضاء الشعر، فاستطاع أن يؤثر على القارىء في كل مراحله، فالتجربة تنمو وتتطور تدريجيا، وفي حالة شعر درويش أرى نضوجا كبيرا''.

كريم رضي: أحبه بعد أن غادر الضجيج

يؤكد الشاعر الشاب كريم رضي على أهمية هذا الشاعر الكبير في إثرائه للساحة الأدبية ودوره الريادي في حقل الشعر الحديث قائلا: ''في رأيي يمثل محمود درويش علامة مهمة في الشعر العربي المعاصر. وهو من الشعراء القلائل الذين حافظوا على الغنائية والدرامية معا في القصيدة. لقد كانت مغادرة التجربة الشعرية العربية لمرحلة الرومانسية وغنائية الذات مقترنة بنمو الدرامية وتعدد الأصوات وموت البطل. لكن مع محمود درويش اختلف الأمر. لقد غادر درويش مرحلة الضجيج الوطني والثورة السياسية من دون أن يفرط في الغنائية والثورة الروحية. ويعلمنا درويش أمرا مهما وهو أنه من العبث البحث عن شعر جيد دون وجود ثقافة جيدة لدى الشاعر. فمحمود درويش مثقف كبير وقارئ جيد وثقافته ترفد شعره، وفي كل قصيدة لمحمود درويش يأخذك إلى أقصى نقطة من محيط ثقافته الواسعة. لم تعد الموهبة والأذن الموسيقية والقدرة اللغوية وما يسمى بالقريحة وحدها تصنع شعرا، ثم إن الأهم أن درويش يصدر عن روح إنسانية حتى في حديثه عن أعدائه، فليس لدى درويش أحقاد في الشعر، إنه يحب الإنسان كإنسان حتى لو كان عدوا. إن هذه الطاقة الكبيرة من التسامح تخلق شعرا عظيما، فالحقد يدمر الشاعر ذاته قبل أن يدمر غيره.
ويضيف ''الحقيقة وبرغم أني أستمتع الآن بشعر درويش المتأخر أكثر من شعره المتقدم، إلا أني لا أتنكر لافتتاني به في ماضيه أيضا، فمن الجدير بالتوضيح أن شعر درويش السابق كان مهما أيضا في مرحلته وكنا نحن نحبه أيضا، ليس محمود درويش هو الذي كبر فقط، نحن كبرنا أيضا واستبدلنا أحلام الانتصار بانتصار الأحلام، ما يجعلنا الآن نقارن بين شعر محمود درويش الحالي وشعره الماضي ونقول إنه الآن أقل ضجيجا وأكثر شعرية ليس فقط تطور محمود درويش، ولكن تطورنا نحن أيضا بسبب محمود درويش وغيره من الشعراء، فمن الظلم وعدم الإنصاف بالقول: إننا كنا متطورين في ذائقتنا الشعرية وكان درويش سطحيا في شعره في الماضي. إن محمود درويش هو الذي أخذ بيدنا لنقرأه اليوم فنراه أجمل مما كان، لذلك من الصعب أن أميز بين مراحل شعر محمود درويش، فأتبرأ من ماضي إعجابي بشعره وأقول انه اليوم أفضل من الأمس، لقد كان جميلا دائما في ثورته وفي غضبه وفي هدوئه وفي تسامحه، فكان كلما انتقل لمرحلة بعد أخرى أخذ قرّاءه معه أيضا في قاربه. وحتى يوم كان صوت درويش صاخبا لم يكن شعره أيضا حتى بمعايير تلك المرحلة مجرد عبارات سياسية، لقد كان دائما للفلسفة وحكمة الحياة تأثر مهم في شعر محمود درويش. أنوه هنا إلى أن محمود درويش في حفل التوقيع على ديوانه الجديد ''كزهر اللوز أو أبعد'' في رام الله أشبه ببيان إبداعي مهم يتطرق لإشكالية علاقة القارىء بشعر درويش وضغوطات الماضي على الكثيرين من قراء شعره اليوم.
ولهذا عندما نتحدث عنه كشاعر نتحدث عنه كنجم ايضا، فهو برز واشتهر بالصورة المشرفة عالميا وعربيا وهو كذلك، فأنا أعتقد أن محمود درويش بمكانته في الثقافة العربية والعالمية اليوم يشفي غليل الكثير من عشاق الثقافة الذين يرون التهام نجوم الفن والكرة والجنس لواجهات ''الملتيميديا'' في كل مكان.
ويختم رضي حديثه نافيا مايقال عن هجوم درويش على قصيدة النثر قائلا: ''ليس صحيحا أبدا ما يشاع عن تحفظ درويش على قصيدة النثر، وإن كان هو أهم شاعر تفعيلي في الوقت الحاضر، وهو ما أكده درويش دائما أنه مع الشعر بما هو شعر، وأنه يقدّر التجربة الشعرية بمقدار ما فيها من الشعر لا بمقدار ما فيها من تفاعيل. هذا ما قرأته من آراء لدرويش ولم أقرأ له يوما تحفظا صريحا على قصيدة النثر ومدى شعريتها بسبب نثريتها.

جعفر حسن: شاعر النهضة والصراع

الناقد البحريني جعفر حسن يتحدث عن تجربة درويش قائلا: '' يشكل محمود درويش قامة شعرية كبيرة، لم يترجل هذا الفارس عن حصان الشعر بعد، له اجتراحات مهمة في هذا السياق، ولعلنا لاننظر إلى محمود درويش خارج تجربة الشعر العربي، ذلك أن الشعر العربي ارتبط ارتباطاً وثيقاً منذ النهضة العربية في بدايات القرن الفائت بالقضايا التي تطرح بحدة على المجتمع العربي وثقافته أينما كان.
ولعل الجميع يعرف خصوصية الوضع الفلسطيني، لذلك كان دوريش يربط التجربة النضالية بما يفيض عنها في الشعرية عنده، لكننا يمكن أن نميز بين ثلاث تيارات متمايزة في هذه التجربة التي لا يمكن أن نمسك بها في عجالة مثل هذه، حيث نتبين ما يمكن أن نطلق عليه فنية الشعرية التي تتألق فيها الصورة مما يجعل التجربة تميل نحو التعقد والابتعاد عن المباشرة إلى حد ما، كما في ديوانه''المحاولة رقم سبعة''، والتيار الثاني في تجربة محمود درويش تتمثل في الحميمة اليومية للأشياء، كما تبدو بدهشتها الصارخة، وهي منداحة في تجربته، ولعل التيار الثالث يتمثل فيما يمكن أن نلمسه من ذهابه إلى الارتكاز على الرموزات الخاصة في الثقافة العربية ''اثنا عشر كوكباً، لماذا تركت الحصان وحيداً''.
ويضيف'' لعلنا هنا نتمسك بما سماه أدونيس بسياسة الشعر، فمحمود درويش ليس شاعراً عادياً أنه إزدواج الفارس مع الشاعر العربي، كما يتحقق في المتخيل الذي تبثه الثقافة العربية، لذا يمكن أن نلحظ توهجات في شاعريته كما يمكن أن نذكر في هذا المجال ديوانه القصيدة ''أحمد الزعتر'' تلك القصية التي جاءت المدونات خالية من الصفحات التي كتبت عليها لتمزيق الرقابة العربية لكل الصفحات التي حاولت نشرها في ذلك الوقت، وقد كنا نتداولها في الخفاء، وكأن الحرب لم تكن في بيروت، كأن الحصار لم يكن في بيروت، وإنما كان الكل يعد الرماح من الخليج إلى المحيط كما أشار في قصيدته ذاتها.
لا يمكن بأي حال من الأحوال فصل تجربة محمود درويش عن تجارب مجالية في الشعرية العربية، ''سميح القاسم، إبراهيم طوقان، فدوى طوقان، عزالدين المناصرة، نازك الملائكة، أحمد دحبور، البياتي، أدونيس، محمد بنيس، قاسم حداد، علوي الهاشمي..إلخ، أنه جزء من تيار الوعي العربي للهوية المتشكلة في أفق الثقافة والحياة اليومية، عبر النضال من أجل البقاء في صراع لا هوادة فيه، أنه صراع الوجود بيننا وبين الكيان الصهيوني، بين قوى التحرر العربية وبين هيمنة استعمارية كونية، أنه رمز من رموز المقاومة، شهد التحولات كما شهدها أي مناضل في عالمنا العربي، فمحمود درويش ليس هو ذاته منذ ''الصاعقة'' حتى أوسلو، أنه المستقبل من أعلى هرم في السلطة ليعاود النهوض كالعنقاء، لذا كان صوته الشعري مشغول بالخطابية في أحايين كثيرة، فنراه يعطف على الموضوعات الضاغطة في الساحة السياسية، كما حدث قبل سنتين كما أذكر في عمان حين ألقى قصيدة عن العراق''.
ويؤكد حسن قائلا: ''نحن كنا وما زلنا نحلق حول قمم الشاعر وليس سفحه، هناك قصائد تشكل قمما في تجربة محمود درويش تلك القصائد هي التي انحاز إليها، أتعشقها أرددها كل حين، لعل محمود درويش حمل الشهرة من خلال موقعه السياسي لكن اعتقد أن انتشاره قد سببته تلك الغنائية الفادحة، التي جعلت أصوات في الفن العربي تصدح بشعره، كما فعل مارسيل خليفة، وغيره من الفنانين المنحازين إلى الإبداع، رغم صعوبة تلك القصائد في التلحين والأداء، كما أشار لي أحد الأصدقاء منذ زمن. ولعل تأثير محمود درويش ورفاقه في الثقافة العربية يساوي من حيث الفاعلية ما قام به جون بول سارتر وغيره من العقول المبدعة للفرنسيين. وأما عندما نتحدث عن نجومية درويش في عيوننا فقد بتنا نتخطى أي مفهوم جاد للفن يجعل المبدع نجماً، بل لعل قيمنا التي اخترقت من الداخل بمفاهيم لا علاقة لها بالفن تشيد من الشخص المتهالك في الفن مبدعاً، بل توظف له من يعلمه، ويوقفه على قمة الأعلام حضوراً، بكل ما أوتيت آلتنا الجبارة بفضائياتها وأرضياتها المتنوعة من قدرة على التملق والتزلف والمصادرة، والتي وصلت إلى حدود لا يمكن أن توصف''.
ويشير الناقد جعفر حسن إلى مسائل مهمة في تجربة درويش قائلا: ''إن الذي يقدم المبدع هو نصه، إبداعه، كما يتجلى في العمل المتحقق، محمود درويش هو ''العصافير والأجنحة، أوراق الزيتون، عاشق من فلسطين، آخر الليل، العصافير تموت في الجليل، حبيبتي تنهض من نومها، أحبك أولاً، أعراس، أحبك ولا أحبك، تلك صورتها وهذا إنتحار العاشق، مديح الظل العالي.. إلخ''، ما زال يمطر الساحة العربية بما يكتب. وإن كان هناك خلاف حول تجربته فهو لا يعدوا صراع التيارات في الشعرية العربية وهي ظاهرة صحية في ضني.كما يمكننا العثور على كم غير قليل من الكتابات النقدية التي لامست تجربته الطويلة في الكتابة.وهو الذي عاصر حصار بيروت، لعل كل القوى التقدمية في الوطن العربي كانت ترى إلى حركة التحرر الوطني الفلسطيني، بشتى أطيافها، على أنهار رأس الحربة التي كانت تدور حولها كل الحركات الأخرى، بعدت يساراً أو اقتربت يميناً وكان تأثيرها على تلك القوى واضحاً لا يمكن نكرانه، والتلاحم كان لا ينفك، لذلك كان الأمل لقوى الظلام أن تكسر تلك الحركة، وقد ساهمت بقدر غير قليل في جرجرتها من حصار بيروت إلى أوسلو وغيرها، ليحصد الفلسطينيون شوكاً وموتاً على شاكلة الجوع مقابل النفط، أو الموت مقابل لا شيء كما يحدث الآن. ومن رحم تلك الحركة النضالية تعالت الأصوات، هل محمود درويش يساوي كل الساحة الفلسطينية؟ لا أعتقد ربما تظل هناك أصوات تحفر طرقها إلينا ''المتوكل طه، محمد حلمي الريشة'' وأصوات تكاد لا تصلنا لظروف الحصار القهري من الحدود العربية ''سامر خير، بشير شلش، صالح حبيب، أيمن كامل إخبارية، نهاية عرموش، رانية رشيد، ليليان بشارة، عبدالمحسن نعامنة'' في الداخل الفلسطيني، وكثير غيرهم في المخيمات وعلى امتداد الحلم الفلسطيني في الشتات بكل اللغات المتاحة المرصودة والمفقودة على خارطة النسيان''.
ويختم جعفر حديثه قائلا '' كل شاعر يكتشف اللغة بطريقته الخاصة، لا يوجد قانون مطلق للكتابة الشعرية، الشعر هو تخلق فضاء الحرية، هذا الفضاء لا يحد، أي حدود مصطنعة بالضرورة، تظل التجارب الإبداعية متساوقة لا يلغي بعضها، أنها أشبه بحديقة جميلة منسقة، سيظل العمود ونظل نستمع بما يكتب وما يكتب فيه، وتظل قصيدة التفعيلة كمكمن في الفن الشعري، كتب وسيكتب فيها، كما ستظل قصيدة النثر مجالاً خصباً للكتابة أيضاً، لا يلغي أي منها صاحبة، إن الإلغاء ليس من الحرية، كل جديد يتضمن القديم في داخله، يتصل الشاعر بالتاريخ، والحياة المتحركة في صيرورتها تحمل الماضي في الحاضر، لكن عيون الإبداع ترصد ما لا يرى ترصد الآتي وهو يتشكل في رحم الغيب.لقد كتب كثير مما ليس شعراً في العمود، وكذلك كتب الكثير مما لا ينتمي للشعرية العربية في التفعيلة، وكذلك هو الحال بالنسبة لقصيدة النثر، التركيز ليس على الرديء بل على القمم الإبداعية في الفن، حتى محمود درويش على قامته لم يكن شعره كله بذات الجودة، ألا نرى إلى تجربته في ''الجدارية'' وقد تناوب عليها التعب في الداء الفني؟؟ حتى الشاعر يمكن أن يكتب قصيدة تكون قمة وتجد طريقها إلى الخلود في التراث دون قصائد أخرى، نشير هنا إلى ظاهرة ما سمي بشاعر القصيدة، هل من المعقول أن يكون للشاعر قصيدة واحدة فقط؟؟ مسألة بحاجة إلى تمحيص، لكن القصيدة لا تخرج هكذا، أتذكر أحد الأصدقاء من الشعراء ''يوسف حسن'' قال ذات تجل: ''أفتح علي أقول شعراً''، هكذا ليس كل ما يكتب قصيدة، إن شئتم اسألوا المحو والكتابة عن الشطب وإعادة الشطب، واسألوا لماذا يقوم شخص بقامة أدونيس بالقول: ''صياغة أخيرة''؟ ونتساءل كم صياغة أخيرة تحتمل القصيدة؟ فمع محمود درويش مبدعاً، مع قصيدة التفعيلة إبداعاً، مع العمود إبداعاً حداثياً إن أمكنه، مع قصيدة النثر إبداعاً وتجل فائق لليومي العادي في ابتعاده عن الفروسية الخطابية، مع الأشكال الجديدة التي يطرقها المبدع ''أشير إلى تحولات أمين صالح في موت طفيف'' نحو الشعرية، مع كل اجتراح يحاول التجدد، ضد الجمود، ضد العفن الطافح على أدمغة البشر، ضد الركون إلى السائد واليومي والكرور، مع الأفق المفتوح للتكون للتخلق، للهجس بما يمكن أن يأتي من خلال العمل الدؤوب والوعي المستنير، لجعل الحياة أكثر إنسانية مما هي عليه الآن''.

عبد الحميد القائد: رذاذ حالم في الفضاء الإنساني

الشاعر عبدالحميد القائد يبرز عمق أحاسيسه بشعر محمود درويش، فيقول:
عرفناه بندقية تقاوم الغزاة بالكلمات
عرفناه مقاومة لا تستلم
كلماته كالبَرَدْ ...
فراشات تقتحم الأسوار المغلقة
لتزرع السنابل في الروح
وتشعل الأمل
ويوضح القائد أن درويش كان يكتب وكأنه يرقص .. كأنه يغني، فتدوي كلماته كمدفع تارةً وكرذاذ مطر حالم يتساقط على جباهنا اليابسة تارة أخرى لتذوب في أرواحنا وتلهمنا محبة الحياة وتشعرنا باللهيب المستعر وليالي الموت والسجون في قرية البروة (التي ولد فيها) ويافا وحيفا والناصرة والجليل.. علمنا فلسطين، رسم في داخلنا خارطة فلسطين. مع محمود درويش تعلمنا الحروف الأولى للنضال الحقيقي، للشعر الحقيقي الذي يقاوم السجون والزنازن والنفي والشتات. ذلك الشعر الخطابي لكن الجميل والضروري للمقاومة (على الأقل في ذلك الوقت) كان يملأ الشوارع العربية في زمان كنا فيه أفضل حالاً، وكان الزمان أكثر نقاوة.. كانت أشعاره تتردد في جميع القلوب عبر الوطن العربي الكبير ويتغني بها أطفال الزيتون وساكنو المخيمات المنتشرة حول الأرض المحتلة وفي الأقبية والزنازن، فيدخل فينا وفيهم الأمل للنضال في سبيل يوم آتٍ. كان شاعر المقاومة الفلسطينية بدون منازع .. فاسم محمود درويش ارتبط دائماً بفلسطين ...والنضال في فلسطين، ربما أكثر من صديق عمره الشاعر سميح القاسم وبالنسبة لي.
واسترسالا بمشاعر فياضه لا تذوي يحدثنا القائد بقوله: ''قبل أن يصلني شعر محمود كنت وربما معظم رفاق جيلي منغمسين في قراء الشعر المخملي الرومانسي لنزار قباني الذي تأثرنا به كثيراً... وحينما بدأ شعر محمود ينتشر أحسسنا أنه فجّر قنبلة فينا لنفيق من أحلامنا ونرى ما حولنا من مذابح. فقرأناه وأحببناه وحفظنا أشعاره وربما قلدناه في مراحلنا الأولى في نهاية الستينيات وبداية السبعينيات. كانت قصيدة ''ريتا'' قريبة جداً إلى قلبي وكنت أحفظها وأدندن بها، وعندما غناها مارسيل خليفة جعل منها تحفة فنية تحلق بي دائماً إلى مراحل الصبا لتذكرني بالأيام الخوالي وربما تستدر الدمعة، لكن تجري الرياح أحياناً بما لا تشتهي السفن.. لأنه فجأة خسر الكثير من شعبيته الواسعة عندما حمل علم إسرائيل في إحدى زياراته إلى موسكو ممثلاً للحزب الشيوعي الإسرائيلي. كان لقيامه بحمل علم إسرائيل يعني اعترافاً بإسرائيل في ذلك الزمن (زمن اللاءات الثلاث)، كان بإمكانه - في اعتقادي - أن يشارك بدون أن يحمل ذلك العلم الذي يمثل الموت!''.
ويضيف القائد ''محمود درويش عاني الكثير من عسف الاحتلال وظلم الاحتلال وعاش حياة صعبة ودخل السجن عدة مرات وكان شمعة مضيئة دائماً.. كان شعره يعني فلسطين... ومحمود درويش كان كل فلسطين.. وعندما خرج من فلسطين في عام 1972 بمحض إرادته (وأنا لا ألومه على ذلك الآن، فلكل منا ظروفه الخاصة)، كسر فينا في ذلك الوقت شيئاً ثميناً، ولكأن المقاومة فقدت ذلك الألق البهي الذي كان يسبغه عليها ذلك الشعر المقاوم''.

الدكتورة نهى بيومي: أيها المتعدد ابقَ لتدهشنا

أما الناقدة الدكتورة نهى بيومي فتستدرك الحديث بقولها: ''يدهشنا كلما كتب شعرا، تدهشنا ولاداته المتتابعة، يدهشنا أنه يعرفنا أكثر مما نعرف أنفسنا، ألم يقل ''أنا المتعدد. في داخلي خارجي المتجدد''؟! ففي كل مجموعة شعرية جديدة نجد من، من حياتنا وتنويعات فصولها. كلما تنوعت تجاربه كلما جسد تنوع حياتنا أكثر منا. كم نميل نحن البلداء إلى جعل حياتنا في خط واحد وطريق واحد وهدف واحد؟ مع أن الرحيل والأسفار يهدان حصون الهوية وقلاع الأفكار. ها هو شعره يدلنا أن الطرق واسعة وأماكن الحب صغيرة ''كمقهى صغير هو الحب''. لكن ''لا حب يشبه حبا...ولا ليل يشبه ليلا''.
ينوع تجاربه فيكتشف فينا/فيه الزوايا الخبيئة من الحنين والألم، البهجة والأنين، تكاثر مشاعرنا واختلاطها بين الألق والنحيب، عبث الحياة في أوطانها ومنافيها، عبث الجسد الذي يخونه الزمان والأمان، مع أن القمر ''لم يزل صالحا لقصيدة حب''. يدهشنا حبه للحياة، وانتصاره لها. محمود درويش يشف ويشف ويشف كلما تقدم في الشعر وإنسانيته تتلألأ تتلألأ تتلألأ... وتغمرنا قصائده بحب الحاضر: الآن نحن هنا، ''واصرخ لتسمع نفسك، واصرخ لتعلم أنك ما زلت حياً وحياً، وألا حياة على هذه الأرض ممكنة''.
محمود درويش إلى أين تأخذنا؟
''هل المستحيل بعيد''؟
هل ''في وسعنا أن نغير الهاوية''؟!

*************************

عن الأمسية:
كتب - أسامة الرحيمي:

وسط عاصفة تصفيق حامية، ووقوف الجمهور كاملاً، صعد إلى المسرح بوقاره المعهود وأمام المنصة مال إلى الأمام مبتسماً ليرد التحية الطيبة.
وقطع الصمت بصوته العميق: ''لا أستطيع أن أخفي ما أشعر به من رهبة لأني مدعو للسباحة في ماء شعركم''.
كانت لفتة كريمة من الشاعر الكبير ''محمود درويش'' أن يعبر بهذه الكلمات عن تقديره لمبدعي البحرين. وكان أكثر لياقة في جملته التالية: ''أنا مدين لأهل البحرين الكرام بالاعتذار لأني تأخرت في هذه الزيارة''.
وكأنه أراد أن يطيّب خاطر كل من لديه عتب عليه.
وآثر ألا يبدأ دون أن يلفت إلى التزامن بين الأمسية ''ويوم المرأة العالمي'' واستحسانه للمصادفة، فحصد صيحات إعجابهن، فبادرهنّ:
الجميلات
هن الجميلات
نقش الكمنجات في الخاصرة
هن الضعيفات
عرش طفيف بلا ذاكرة
وطوّف درويش بالحضور بين قصائده، لكن حالة الاستغراق واللهفة، والإعجاب التي بدت على الجميع جعلتني أتأمل الأمر وأفتش عن إجابة لسؤال محير: ما الذي منح ''درويش'' هذه المكانة الرفيعة في نفوس العرب؟ وضمن له هذه النجومية الحقيقية وسط ذلك الزحام والضجيج من ''النجوميات'' الزائفة في كافة المجالات بما فيها الثقافة والإبداع.
ما الذي يجعله هكذا.. واثقاً.. وسط جمهوره العارف المحب؟!
ما الذي رفع كل هؤلاء الناس - دون اتفاق - على المجيء من دول الجوار، وأنحاء البحرين، ومن مختلف الطبقات والأوساط، لحضور هذه الأمسية، والاستماع إلى هذا الشاعر؟
لا أملك الإجابة حقيقة لكنها تتشكل من أسألة أخرى، ولا أظن أحدا يمتلك إجابة قاطعة عليها:
فهل حاز ''درويش'' هذه المكانة لأنه موهوب فذّ منحه الله مخيلة إبداعية هائلة، وذكاء فطرياً وحساسية واعية بمحيطه؟!
أم لأنه منذ البدايات كان ملتزما بقضية وطنه وشعبه، والتصق إبداعه بتداعياتها، حتى في أكثر لحظاته ابتعاداً عن المباشرة، وتجنب المبدع للسياسي؟ وبالضرورة فإن قضيته هي قضية العرب المركزية اختلطت فيها أحلامهم واحباطاتهم، وحياتهم اليومية والعقائد؟!
أم لأنه أمسك بزمام اللغة وطوّعها، فدانت له، وتمكن منها كما تمكن المتنبي؟
وكل هذا مجتمعاً مع حضوره الشخصي المؤثر، وقدراته الرائعة على الإلقاء، والوصول على القلوب؟!
هل تتشكل الإجابات من الأسئلة. أم أنها تؤدي لمزيد من الحيرة والدهشة؟
أظنها كل هذه الأسباب مجتمعة وغيرها، توفرت له في وقت واحد فشكلت منه هذا المبدع ظاهرة، ولا أميل لحسم الإجابات أو الأخذ بقول فصل في هذا الأمر، فمثل هذه الحالات الاستثنائية تظل أفضل إذا ظلت علامات الاستفهام المحيطة بها معلقة فوق الرؤوس، لأنها حالة تعليق بإبداع استثنائي.
قد يفسر هذا الحضور الحاشد لجمهور ''درويش'' في كل البلاد التي يذهب إليها، فالكل يدرك حجم موهبته، وملامح مشروعه الإبداعي الواضحة، وانتماءاته التي يشاركونه فيها. ورغم تعلق الناس بقصائد ودواوين معينة له، إلا أنه يصر بدأب على تجديد نفسه وأدواته كشاعر، فحين استشعر أن قصيدة النثر قد رسخت وجودها كان من أوائل مبدعيها. كانت الأمسية أول أمس أكثر من مبهجة، ففي ظل الدمار اليومي في العراق، وبوم الطائفية ينعق في خرائبها، وفشل الحوار اللبناني، وأخبار انفلونزا الطيور، وإحباط البورصات، نجد شيئاً جميلا نتخفف به قليلاً: قال درويش:
هنا، عند منحدرات التلال، أمام الغروب وفوهة الوقت
قرب بساتين مقطوعة الظل
نفعل ما يفعل السجناء
وما يفعل العاطلون عن العمل
نربّي الأمل
بلاد على أهبة الفجر صرنا أقل ذكاء
لأنا نحلق في ساعة النصر
لا ليل في ليلنا المتلألئ بالمدفعية
أعداؤنا يسهرون وأعداؤنا يشعلون لنا النور
في حلكة الأقبية

*****

درويش وتجاوز حصار السياسة للشعر

كتب: حبيب حيدر

الحصار ليس غريبا أن تحاصرك الكتابة فتتوقف مع ديوان حالة حصار لمحمود درويش لتقرأه على الملأ من المتلقين فتنطلق الكلمات محاولة فك الحصار حصار الشاعر حصار الوطن حصار القارئ.
حالة حصار
أريد أن أبدأ متسائلا فأنطلق مع العنوان ولكنه هذه المرة يجيب على كل الأسئلة قبل أن أبدأها فهو واضح هو رصد للحالة التي يعيشها الشاعر وتعيشها أمته وأرضه حين رصد حصاره في ( رام الله) والذي قال عنه في حينها: "في مقابلة صحفية إنه كتب هذا الديوان في أقل من شهر عندما كان محاصرا في رام الله. وأضاف ''كنت أرى من بيتي الدبابات والجنود، لم تكن لدي طريقة مقاومة إلا أن أكتب، وكلما كتبت أكثر كنت أشعر أن الحصار يبتعد، وكانت اللغة وكأنها تبعد الجنود لأن قوتي الوحيدة هي قوة لغوية" ولذلك فإن لي أن أدخل لهذا العمل من مدخل لغوي استفهامي.
فما معنى الحصار؟ وما أبعاد ذلك الحصار وماذا يعني في السياسة وماذا يعني في الشعر وكيف تقتحم المصطلحات السياسية على الشاعر خلوته من غير إذن وتفرض أحرفها منذ العنوان وقبل كل شيء.
الحصار في مفهومه عبر السياق السياسي هو جزء من أدوات الحرب وتقنية ذات أهداف تكتيكية أو مرامٍ جزئية ترمي إلى وضع المحاصر في حالة جديدة تجعله ذا مطالب مختلفة، وتحاول عزل المحاصر فتعيد بناء سقف مطالبه فلا يتعدى ذلك السقف المرسوم له وبذلك يعمل الحصار على تقويم المسار غير المسموح به للمحاصر في التعامل وإعادته للمسار المطلوب إذن الهدف ترويض المحاصر وتطويعه عبر الحصار، وهناك الحصار الشامل ذو الغرض التفكيكي الذي يحاول عزل المحاصر عزلا تاما للحد من قدرته على التطور وإضعاف روحه المعنوية والهدف منه إعادة صياغته وإنتاجه إنتاجا بعيدا عن أهدافه وفصله عن مكوناته الشخصية ووضعه في مواجهة معها ومنعه من التفاعل مع واقعه. فماذا ينضاف لنا بعد هذه الإضاءة.
بعد هذه الإضاءة تستحوذ عليّ رغبة في متابعة لفظة الحصار في الديوان لأعيد قراءتها بشيء من التأمل وشيء من التفكيك.
وفعلا انطلقت في قراءة العمل ووجدت أن مادة ''ح ص ر'' بصيغة فعال ''حصار'' قد تكررت في ثمانية عشر موضعا من ضمنها العنوان فما سر هذا التكرار وما سر خلو العمل من أي عنوان آخر سوى عنوان الحصار.
العنوان( حالة حصار )
''ما معنى أن يبدأ الشاعر نصه فلا ينتهي منه إلا في آخر صفحة''؟
من خلال التلقي الأول للنص وهو التلقي البصري نرى أن الشاعر يبدأ نصه المتواصل الذي لا يحمل في داخله عناوين فرعية؛ ليمتد عنوان الحصار في كل مقطع وكل دفقة في النص.
ونتساءل ونحن في التلقي البصري وعلى مستوى الشكل المرئي ما معنى أن يبدأ الشاعر نصه فلا ينتهي منه إلا في آخر صفحة من الديوان؟ وكأن الشاعر ملاحق لا وقت عنده للعناوين الجانبية لا وقفات لديه لا عناوين أخرى لا عناوين غير عنوان الحصار الذي يعنون كل شيء وكل حركة أو سكون.
إن عنوان الحصار أصبح يسيّج كل شيء كل مكان وكل زمان كل لحظة وكل بقعة وكل حرف لذلك نرى أن النص قد جاء بشكل متواصل ولم يكن في ثناياه أي عنوان آخر وذلك أن عنوان الحصار قد ملأ على الشاعر كل ما حوله وعنون كل شيء.
ولكن هل سيستجيب الشاعر لعمليتي التطويق والتأطير اللتين يفرضهما الحصار؟ هل سيترك نفسه يأسرها الحصار وهل يستطيع حصارٌ ما أن يأسر الشاعر؟.
إن الحصار يأتي ليؤطر ويطوق ويمتد في كل شيء ولكنه في الوقت الذي يمتد في عمل الشاعر بأكمله فإن الشاعر يحاول أن يعامله بالمثل ويحاربه بنفس تقنياته فيضع قبل كلمة الحصار كلمة (حالة) وذلك لكي يقلل من أثر هذا الحصار ويجعله تحت المجهر ويحدّه بإطار معين فما هو إلا حالة واحدة (حالة حصار) وذلك عبر تقنية الإضافة التي تفرض وظيفة التخصيص بين المضاف والمضاف إليه ليجعل من الحصار محدودا في حالة يمكن حصرها كما هي الأمور العلمية وبالخصوص المرضية التي إذا تطلّب دراستها فإنها تدرس بمنهج ''دراسة الحالة'' من أجل حصرها وتأطيرها وإبعادها عن العوامل الأخرى المؤثرة فيها، وإن الشاعر يفعل هنا نفس الفعل محاولة منه لتأطير هذه الظاهرة ومحاصرتها، هكذا نرى أن الشاعر قد قلب السحر على الساحر منذ العنوان فهو هنا وبهذا الفهم عبر وظيفة الإضافة قد حاصر الحصار وحاربه بنفس التقنية صانعا من التقنية الدلالية مضادا حيويا عبر المستوى اللغوي فالحصار على سعته وامتداده مجرد حالة يمكن رصدها وتأطيرها ومحاصرتها بمفهوم الحالة المحدود والمؤطر لغيره.
''سياقات الحصار''
تظهر لفظة الحصار أول ما تظهر في جملة ذات سياق محدد تتكرر أكثر من مرة وبنفس التركيب.
( سيمتد هذا الحصار إلى أن نعلم أعداءنا نماذج من شعرنا الجاهلي ( ص 11)
وهنا يأخذ الحصار بعدا نقديا إذ يوظفه الشاعر في نقد واقع تخلت فيه الأمة عن تبني ثقافتها الفاعلة الأصيلة وكأن الشاعر هاهنا يريدها أن تفجّر هذه الثقافة في وجه المعتدي وتتحداه حتى ينتهي هذا الحصار إذ يلوح بعدم انتهاء هذا الحصار ما لم تأخذ الأمة بثقافتها وتتبناها التبني التفجيري لا التبني البغبغائي فتقوم بتقديم نماذج حية من الشعر الجاهلي الذي يزخر بالقيم وبالحروب فينطلق الشاعر بعيدًا عن الأيدلوجيا (كما هو الشعار المزعوم عند العدو في هذه الحرب) قريبا من النموذج الإنساني البسيط في نماذج الشعر الجاهلي ذات القيم البسيطة والحروب الطاحنة في أجمل بطولاتها وانتصاراتها من أجل الإنسان وحده.
إن الشاعر هاهنا يوقت لمدى الحرب فيتنبأ بامتداداتها إلى أن نتبنى عمق ثقافتنا فنعلم الأعداء نماذج حقيقية واقعية لا تاريخانية ترديدية سلبية من مآثر شعرنا الجاهلي. وبنفس تركيب هذه الجملة التوقيتية نلاحظ أن الشاعر يكرر الحصار '' 6 مرات'' ليعطي الحصار أبعادًا أخرى غير البعد الوقتي المباشر بل ليوظفه في المعركة مبشرا المحاصر بانتهاء هذا الحصار بطريقة جد بشرية وهي تسلل الضجر للسجان من طول الحصار فمن الناحية البشرية والإنسانية لابد أن يكون للحصار أثر على المحاصر ولو من خلال عنصر الضجر.
سيمتد هذا الحصار إلى أن يحس المحاصِرُ مثل المحاصَرِ أن الضجر صفة من صفات البشر (ص 47)
سيمتد هذا الحصار إلى أن نقلم أشجارنا بأيدي الأطباء والكهنة ( ص 54)
سيمتد هذا الحصار، حصاري المجازيُ ، حتى أعلم نفسي زهد التأمل : ( ص54)
سيمتد هذا الحصار إلى أن ينقح سادة ،،أولمب،، إلياذة الخالدة ( ص 66)
سيمتد هذا الحصار ليقنعنا باختيار عبودية لا تضر ولكن بحرية كاملة
إن إصرار الشاعر على استخدام لفظة الحصار بنفس النسق ونفس السياق يجعلنا نتتبعه محاولين الكشف عن مكامن هذا الإصرار الذي سيكون أبعد من الغرض التوكيدي الذي تعودنا على ترديده كلما تكرر أمامنا شيء ما فماذا يحمل هذا التكرار غير التوكيد واستدرار المعنى.
بعد تتبع هذه الجملة التوقيتية التي تحسب امتدادات هذا الحصار "الامتدادات البشرية" نرى الشاعر قد عبأ هذه الجملة بمجالين، مجال نقدي لواقع معاش، ومجال توجيهي للتخلص من هذا الحصار ومحاولة تبديده وكأنه يقف هاهنا موقفا تعليميا فما لم يتم الأخذ بما ساقه الشاعر في هذه الجملة التعليمية فإن الحصار سيمتد، فما لم نقلم أشجارنا بأيدي الأطباء والكهنة ونمشي نحو صناعة المدينة الماثلة وما لم نتعلم زهد التأمل وما لم نقتنع بضرورة الحصول على الحرية الكاملة فإن هذا الحصار سيمتد ولن نتخلص من امتدادات هذا الحصار ما لم نأخذ بالشروط التي تنبأ بها الشاعر ولذلك ليس غريبا أن يتغير مفهوم المكان والزمان في حالة الحصار فيثبت ويتجمد الزمان ويتخلف المكان زمنيا عن زمنه "في الحصار يصير الزمان مكانا تحجر في أبده في الحصار يصير المكان زمانا تخلف عن موعده ص 74".
إلى الشعر: حاصر حصارك ( ص 56)
وهاهو الشاعر يستدر معانيه من ظل الحصار ليخرج منه ترسانة دفاعية تتعبأ بأدوات المقاومة ويقف قائدا للمعركة فيلجأ إلى أسلوب الأمر ويخاطب الشعر موجها له الأمر بمحاصرة الحصار الشعر "إلى الشعر: حاصر حصارك ص 56" وهكذا يكون الشاعر كلما كتب قصيدة ابتعد الحصار وتبدد (( كتبت عن الحب عشرين سطرا فخيل لي أن هذا الحصار تراجع عشرين مترا .. ( ص 58 ) ولذلك يظل الشاعر يعزف على الإيقاع الشعري إلى أن ينتهي الحصار "الحصار يحولني من مغنٍ إلى .. وتر سادس في الكمان" . ثم يلجأ إلى حيلة نفسية في المقاومة وذلك بنسيان الحصار إذ يظل المحاصَر دائما يرقب منتظرا لحظة انتهاء الحصار إلا أن درويش يصنع الحياة لمتلقيه من خلال دعوته إلى تناسي حالة الحصار وعيش الحياة بتناسي لحظة انتهاء الحصار "في الحصار تكون الحياة هي الوقت بين تذكر أولها ونسيان آخرها ص 12" في محاولة لتبديد الحصار ونسيان اللحظة المرتقبة التي يرصدها الخائف وللنسيان أثر كبير في محق حالة الخوف والترقب ومحق الأثر السلبي للحصار وبالنسيان الوقتي للحصار يريد درويش من متلقيه أن يعيش حياته بالشكل الطبيعي من غير خوف من تلك اللحظة القادمة. ولا يقف الشاعر عند أبعاد الحدود السابقة في الحصار فينشغل بهمه الداخلي وحصاره الخاص بل يسوق مقولة على لسان مواطن في القطر العربي في صيغة التمني الممتدة بامتدادات آمال الإنسان العربي في الخلاص "ليت هذا الحصار هنا علني ص 33" هذا الإنسان العربي الذي يتمنى أن يكون حصاره داخل قطره العربي حصارا علنيا حتى لا يضطر إلى محاربة الوهم وهو في طريقه للنهضة.

عن جريدة (الوطن) البحرين
مارس 2006

* * *

البحث عن محمود درويش

غسان زقطان

?مثل زلزال عميق ومتتابع يتواصل غياب محمود درويش، ومن هنا على بعد عامين من رحيله تبدو الخسارة أكثر قسوة، خسارة تواصل بناء قسوتها وتتراكم في الزوايا والظلال، بينما تتقدم تلك الرطانة والتفاصح ضمن حمولات كثيرة نحو المركز.
لا شيء يحدث على الربوة المشرفة على رام الله، الاكاليل التي تحمل أسماء مؤسسات وأحزاب ومناصب تبدو مثل واجب وظيفي او اعلانات صغيرة لأنشطة ومهمات ما زالت تصل وكأنها قادمة من التقويم السنوي ليومي الولادة والموت.
جيد أنهم لم ينظموا "حفلاً فنياً" هذا العام، والأفضل أن ليس ثمة خطابات وأحزان وتفجع، فقط تلك الاكاليل وزيارات عفوية لأصدقاء ومحبين وأشخاص أحبوا الشاعر وزرعوه في أحلامهم، وحافلتان وصلتا صباحاً من قرى الجليل.
الخسارة تبدو الآن عبر سلسلة الأخطاء التي واكبت رغبة إحياء تراث الشاعر سواء من خلال الجدل المؤلم حول "الأخطاء" في كتابه الأخير أو الأعمال البصرية المرتجلة والساذجة، أو القفز على الشاهدة لترويج أعمال فنية تجارية أو الجائزة التي تعالت على أفكار وقيم الشاعر نفسه.. وصولاً الى الاحتفالات البائسة المنتشرة دون رقابة أو إدارة أو تبصر..
الخسارة التي تتضح في تآكل الثقة التي كان يمنحها وجود محمود درويش، الثقة في أنه عاد إلى رام الله وأنه يهاتف أصدقاءه القليلين قبل أن يواصل تجوله البسيط بين شقته الصغيرة في الطيرة ومائدته في مقهى "فاتشي"، فكرة أنه هنا وأن مصادفة ما قد تسمح برؤيته في مطعم أو وهو يصعد بتمهل درجات مركز السكاكيني نحو مكتبه، أو وهو في طريقه عائداً إلى البيت من أجل قيلولة سريعة.
تذكر أنه هنا يتابع الكتابات الجديدة ويسأل عن الكاتب وعمره وأين يعيش وماذا يفعل في حياته، وجوده هنا الذي كان يشبه نوبة حراسة طويلة للغة والفكرة والصورة، ... القوة التي كان مروره يبعثها في النسيج، كل هذا يتحول إلى خسارة تتقدم ولا يمكن وقفها أو منعها من التدفق.
كان يمكن أن نفعل شيئاً، أن نحرر الشاعر من المجاز، أن نحول كل هذا إلى بحث ومكان وبرامج ومشاريع.
ليس من الممكن تعويض مثل هذا الغياب عبر احتفالات مرتجلة أو تقمص بائس أو مشادات مثيرة للشفقة.
ببساطة لسنا بحاجة إلى حراس لمحمود درويش ولا ورثة ولا متحدثين باسمه ولا ناقلين لمعرفته ولا دعاة له ولا مفسرين.
بعد عامين من جلستنا الأخيرة يشبه الأمر أنني ما زلت أبحث عنه.?

August 9, 2010

ملف محمود درويش